Taberî — Câmiü'l-Beyân
وقد حانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم» ، فصلوا إلى المشرق. قال: وكانت تسمية الأربعة عشر منهم الذين يؤول إليهم أمرهم: العاقب وهو عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد بن عمرو، وخالد ، وعبد الله، ويحنس، في ستين راكبا. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم السيد، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، وكذلك قول النصرانية. فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، وذلك كله بإذن الله، ليجعله آية للناس. ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله، أنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من ولد آدم من قبله. ويحتجون في قولهم: إنه ثالث ثلاثة، بقول الله عز وجل: «فعلنا» و «أمرنا» و «خلقنا» و «قضينا» فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا «فعلت» و «أمرت» و «قضيت» و «خلقت» ولكنه هو وعيسى ومريم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن، وذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه قولهم. فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلما» ، قالا: قد أسلمنا، قال: «إنكما لم تسلما، فأسلما» ، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله عز وجل ولدا، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير» ، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فلم يجبهما ، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله ، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، فافتتح السورة بتبرئة نفسه تبارك وتعالى مما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والأمر، لا شريك له فيه، وردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم، ليعرفهم بذلك ضلالتهم ، فقال: {الله لا إله إلا هو} [آل عمران: 2] أي ليس معه شريك في أمره " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {الم} [آل عمران: 1] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ » قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ » قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ » قال: بلى، قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ » قالوا: لا، قال: «أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ » قالوا: بلى، قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟ » قالوا: لا، قال: «فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟ » قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب 05P175 الشراب، ولا يحدث الحدث؟ » قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟ » قالوا: بلى، قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ » .
قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله عز وجل: {الم} [آل عمران: 1] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255]
[آل عمران: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {الحي القيوم} [آل عمران: 2] اختلفت القراء في ذلك، فقرأته قراء الأمصار: {الحي القيوم} [آل عمران: 2] . وقرأ ذلك عمر بن الخطاب وابن مسعود فيما ذكر عنهما: (الحي القيام) . وذكر عن علقمة بن قيس أنه كان يقرأ: «الحي القيم» حدثنا بذلك أبو كريب، قال: ثنا عثام بن علي، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: سمعت علقمة، يقرأ: «الحي القيم» ، قلت: أنت سمعته؟ قال: «لا أدري» حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن علقمة، مثله وقد روي عن علقمة، خلاف ذلك وهو ما: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا 05P176 عبد الله، قال: ثنا شيبان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن علقمة أنه قرأ: « (الحي القيام) » والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا في ذلك، ما جاءت به قراءة المسلمين نقلا مستفيضا عن غير تشاعر ولا تواطؤ وارثة، وما كان مثبتا في مصاحفهم، وذلك قراءة من قرأ {الحي القيوم} [آل عمران: 2] 05P175 [آل عمران: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {الحي} [آل عمران: 2] اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {الحي} [آل عمران: 2] ، فقال بعضهم: معنى ذلك من الله تعالى ذكره: أنه وصف نفسه بالبقاء، ونفى الموت الذي يجوز على من سواه من خلقه عنها ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {الحي} [آل عمران: 2] «الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصلب في قولهم، يعني في قول الأحبار الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى أهل نجران» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الحي} [آل عمران: 2] قال: يقول: «حي لا يموت» 05P177 وقال آخرون: معنى {الحي} [آل عمران: 2] الذي عناه الله عز وجل في هذه الآية ووصف به نفسه، أنه المتيسر له تدبير كل ما أراد وشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، وأنه ليس كمن لا تدبير له من الآلهة والأنداد وقال آخرون: معنى ذلك: أن له الحياة الدائمة التي لم تزل له صفة، ولا تزال كذلك. وقالوا: إنما وصف نفسه بالحياة، لأن له حياة كما وصفها بالعلم لأن لها علما، وبالقدرة لأن لها قدرة. ومعنى ذلك عندي: أنه وصف نفسه بالحياة الدائمة التي لا فناء لها ولا انقطاع، ونفى عنها ما هو حال بكل ذي حياة من خلقه، من الفناء وانقطاع الحياة عند مجيء أجله، فأخبر عباده أنه المستوجب على خلقه العبادة والألوهة، والحي الذي لا يموت، ولا يبيد كما يموت كل من اتخذ من دونه ربا، ويبيد كل من ادعى من دونه إلها، واحتج على خلقه بأن من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى، فلا يكون إلها يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت، وأن الإله هو الدائم الذي لا يموت، ولا يبيد، ولا يفنى ، وذلك الله الذي لا إله إلا هو 05P176
[آل عمران: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {القيوم} [آل عمران: 2] قد ذكرنا اختلاف القراءة في ذلك، والذي نختار منه، وما العلة التي من أجلها اخترنا ما اخترنا من ذلك. فأما تأويل جميع الوجوه التي ذكرنا أن القراء قرأت بها فمتقارب، ومعنى ذلك كله: القيم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى 05P178 بن ميمون، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله جل ثناؤه: {الحي القيوم} [آل عمران: 2] قال: «القائم على كل شيء» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {القيوم} [آل عمران: 2] : «قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه» وقال آخرون: معنى ذلك القيام على مكانه، ووجهوه إلى القيام الدائم الذي لا زوال معه ولا انتقال، وأن الله عز وجل إنما نفى عن نفسه بوصفها بذلك التغير والتنقل من مكان إلى مكان وحدوث التبدل الذي يحدث في الآدميين وسائر خلقه غيرهم ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عمر بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {القيوم} [آل عمران: 2] القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى في قولهم يعني في قول الأحبار الذين حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجران في عيسى عن مكانه الذي كان به، وذهب عنه إلى غيره " وأولى التأويلين بالصواب ما قاله مجاهد والربيع ، وأن ذلك وصف من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه، وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يعني بذلك: المتولي تدبير أمرها. فالقيوم إذ كان ذلك معناه «الفيعول» من قول القائل: الله يقوم بأمر خلقه، وأصله «القيووم» غير أن الواو الأولى من القيوم لما سبقتها ياء ساكنة وهي متحركة قلبت ياء، فجعلت هي والياء التي قبلها ياء مشددة، لأن العرب كذلك تفعل بالواو المتحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة. وأما القيام فإن أصله القيوام، وهو الفيعال، من قام يقوم، سبقت الواو المتحركة من قيوام ياء ساكنة، فجعلتا جميعا ياء مشددة. ولو أن القيوم فعول، كان القووم، ولكنه الفيعول، وكذلك القيام لو كان الفعال لكان القوام، كما قيل: الصوام والقوام، وكما قال جل ثناؤه: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} [المائدة: 8] ، ولكنه الفيعال، فقال: القيام. وأما القيم فهو الفيعل من قام يقوم، سبقت الواو المتحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة ، كما قيل: فلان سيد قومه، من ساد يسود، وهذا طعام جيد من جاد يجود، وما أشبه ذلك. وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظ لأنه قصد به قصد المبالغة في المدح ، فكان القيوم والقيام والقيم أبلغ في المدح من القائم. وإنما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته إن شاء الله «القيام» لأن ذلك الغالب على منطق أهل الحجاز في ذوات الثلاثة من الياء والواو، فيقولون للرجل الصواغ : الصياغ ، ويقولون للرجل الكثير الدوران: الديار. وقد قيل: إن قول الله جل ثناؤه: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] إنما هو «دوارا» فعالا " من دار يدور، ولكنها نزلت بلغة أهل الحجاز، وأقرت كذلك في المصحف 05P180
[آل عمران: 3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 3_4] يقول جل ثناؤه: يا محمد إن ربك ورب عيسى ورب كل شيء، هو الرب الذي أنزل عليك {الكتاب} [البقرة: 2] يعني بالكتاب القرآن {بالحق} [البقرة: 71] يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصارى أهل نجران، وسائر أهل الشرك غيرهم {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] يعني بذلك القرآن أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده؛ لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] قال: «لما قبله من كتاب أو رسول» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] «لما قبله من كتاب أو رسول» حدثني محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 3] «أي 05P181 بالصدق فيما اختلفوا فيه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} [آل عمران: 3] يقول: «القرآن مصدق لما بين يديه من الكتب التي قد خلت قبله» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} [آل عمران: 3] يقول: «مصدقا لما قبله من كتاب ورسول» 05P181 [آل عمران: 3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} [آل عمران: 3_4] يعني بذلك جل ثناؤه: وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى {من قبل} [آل عمران: 4] يقول: من قبل الكتاب الذي نزله عليك. ويعني بقوله: {هدى للناس} [آل عمران: 4] بيانا للناس من الله، فيما اختلفوا فيه من توحيد الله وتصديق رسله، ومفيدا يا محمد أنك نبيي ورسولي وفي غير ذلك من شرائع دين الله كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} [آل عمران: 4] «هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيان 05P182 من الله، وعصمة لمن أخذ به وصدق به وعمل بما فيه» كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وأنزل التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3] «التوراة على موسى والإنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبلهما» 05P182
[آل عمران: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] يعني جل ثناؤه بذلك: وأنزل الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلفت فيه الأحزاب وأهل الملل في أمر عيسى وغيره. وقد بينا فيما مضى أن الفرقان إنما هو الفعلان من قولهم: فرق الله بين الحق والباطل يفصل بينهما بنصره بالحق على الباطل، إما بالحجة البالغة، وإما بالقهر والغلبة بالأيدي والقوة. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل غير أن بعضهم وجه تأويله إلى أنه فصل بين الحق والباطل في أمر عيسى، وبعضهم إلى أنه فصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع ذكر من قال: معناه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى والأحزاب: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] «أي الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلف فيه 05P183 الأحزاب من أمر عيسى وغيره» ذكر من قال: معنى ذلك الفصل بين الحق والباطل في الأحكام وشرائع الإسلام: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] «هو القرآن أنزله على محمد وفرق به بين الحق والباطل، فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] قال: " الفرقان: القرآن فرق بين الحق والباطل " والتأويل الذي ذكرناه عن محمد بن جعفر بن الزبير في ذلك أولى بالصحة من التأويل الذي ذكرناه عن قتادة والربيع، وأن يكون معنى الفرقان في هذا الموضع: فصل الله بين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والذي حاجوه في أمر عيسى وفي غير ذلك من أموره بالحجة البالغة القاطعة عذرهم وعذر نظرائهم من أهل الكفر بالله. وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب، لأن إخبار الله عن تنزيله القرآن قبل إخباره عن تنزيله التوراة والإنجيل في هذه الآية قد مضى بقوله: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} [آل عمران: 3] ولا شك أن ذلك الكتاب هو القران لا غيره، فلا 05P184 وجه لتكريره مرة أخرى، إذ لا فائدة في تكريره، ليست في ذكره إياه وخبره عنه ابتداء 05P183 [آل عمران: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] يعني بذلك جل ثناؤه أن الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهته وأن عيسى عبد له واتخذوا المسيح إلها وربا، أو ادعوه لله ولدا، {لهم عذاب} [آل عمران: 4] من الله {شديد} [آل عمران: 4] يوم القيامة، والذين كفروا هم الذين جحدوا آيات الله، وآيات الله أعلام الله وأدلته وحججه. وهذا القول من الله عز وجل، ينبئ عن معنى قوله: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] أنه معني به الفصل الذي هو حجة لأهل الحق على أهل الباطل؛ لأنه عقب ذلك بقوله: {إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4] يعني أن الذين جحدوا ذلك الفصل والفرقان الذي أنزله فرقا بين المحق والمبطل، {لهم عذاب شديد} [آل عمران: 4] وعيد من الله لمن عاند الحق بعد وضوحه له، وخالف سبيل الهدى بعد قيام الحجة عليه، ثم أخبرهم أنه عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع ممن أراد عذابه منهم، ولا يحول بينه وبينه حائل، ولا يستطيع أن يعانده فيه أحد، وأنه ذو انتقام ممن جحد حججه وأدلته، بعد ثبوتها عليها، وبعد وضوحها له ومعرفته بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن 05P185 جعفر بن الزبير: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] «أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] " 05P185
[آل عمران: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5] يعني بذلك جل ثناؤه أن الله لا يخفى عليه شيء وهو في الأرض، ولا شيء وهو في السماء، يقول: فكيف يخفى علي يا محمد، وأنا علام جميع الأشياء، ما يضاهى به هؤلاء الذين يجادلونك في آيات الله من نصارى نجران في عيسى ابن مريم في مقالتهم التي يقولونها فيه؟ كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5] «أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه ربا وإلها، وعندهم من علمه غير ذلك غرة بالله وكفرا به» 05P185 [آل عمران: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] يعني بذلك جل ثناؤه: الله الذي يصوركم فيجعلكم صورا أشباحا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب، فيجعل هذا ذكرا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر، يعرف عباده بذلك أن جميع من اشتملت عليه أرحام النساء ممن صوره وخلقه كيف شاء وأن عيسى ابن مريم ممن صوره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحب، وأنه لو كان إلها لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه؛ لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحام عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين كما: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: 6] «قد كان عيسى ممن صور في الأرحام، لا يدفعون ذلك، ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: 6] «أي أنه صور عيسى في الرحم كيف شاء» وقال آخرون في ذلك، ما: حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [سورة: آل عمران، آية رقم: 6] قال: " إذا وقعت النطفة في 05P187 الأرحام، طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلطه في المضغة ثم يعجنه بها ثم يصورها كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} [آل عمران: 6] «قادر والله ربنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام» 05P187
[آل عمران: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادعى مع الله معبودا، أو أقر بربوبية غيره، ثم أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته وعيدا منه لمن عبد غيره أو أشرك في عبادته أحدا سواه، فقال: {هو العزيز} [آل عمران: 6] الذي لا ينصر من أراد الانتقام منه أحد، ولا ينجيه منه وأل ولا لجأ، وذلك لعزته التي يذل لها كل مخلوق، ويخضع لها كل موجود، ثم أعلمهم أنه الحكيم في تدبيره، وإعذاره إلى خلقه، ومتابعة حججه عليهم، ليهلك من هلك منهم عن بينة، ويحيا من حي عن بينة كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: ثم قال يعني الرب عز وجل إنزاها لنفسه، وتوحيدا لها مما جعلوا معه: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] قال: «العزيز في نصرته ممن كفر به إذا شاء، والحكيم في عذره وحجته إلى عباده» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] يقول: «عزيز في نقمته، حكيم في أمره» 05P188
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7] يعني بقوله جل ثناؤه: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] يعني بالكتاب القرآن. وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سمي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: {منه آيات محكمات} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن. وأما المحكمات: فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك، ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإنما سماهن أم الكتاب، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع معظم الشيء أما له، فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته، ووحد أم الكتاب، ولم يجمع فيقول: هن أمهات الكتاب، وقد قال هن؛ لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب، لا أن كل آية منهن أم الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب، لكان لا شك قد قيل: هن أمهات الكتاب، ونظير قول الله عز وجل: {هن أم الكتاب} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل «هن» قوله تعالى ذكره: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [سورة: المؤمنون، آية رقم: 50] ولم يقل آيتين؛ لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية، إذ كان المعنى واحدا فيما جعلا فيه للخلق عبرة، ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده، بأنه جعل للخلق عبرة، لقيل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين؛ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا، فكان في كل واحد منهما للناس آية. وقد قال بعض نحويي البصرة: إنما قيل: {هن أم الكتاب} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] ولم يقل: «هن أمهات الكتاب» على وجه الحكاية، كما يقول الرجل: ما لي أنصار، فتقول: أنا أنصارك، أو ما لي نظير، فتقول: نحن نظيرك. قال: وهو شبيه «دعني من تمرتان» ، وأنشد لرجل من فقعس: تعرضت لي بمكان حل تعرض المهرة في الطول تعرضا لم تأل عن قتلا لي حل أي يحل به، على الحكاية، لأنه كان منصوبا قبل ذلك، كما يقول: نودي: الصلاة الصلاة، يحكي قول القائل: الصلاة الصلاة، وقال: قال بعضهم: إنما هي أن قتلا لي ولكنه جعله «عن» لأن أن في لغته تجعل موضعها «عن» والنصب على الأمر، كأنك قلت: ضربا لزيد، وهذا قول لا معنى له؛ لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها، لا شك أنهن حكايات حالتهن بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن، وأن معلوما أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله: أم الكتاب، فيجوز أن يقال: أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك. وأما قوله {وأخر} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فإنها جمع أخرى.
ثم اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف «أخر» فقال بعضهم: لم يصرف «أخر» من أجل أنها نعت واحدتها أخرى، كما لم تصرف جمع وكتع؛ لأنهن نعوت. وقال آخرون: إنما لم تصرف الأخر لزيادة الياء التي في واحدتها، وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف، قالوا: وإنما ترك صرف أخرى، كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو، ثم افترق جمع حمراء وأخرى، فبني جمع أخرى على واحدته، فقيل: فعل أخر، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى، وبني جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته، فصرف، فقيل: حمر وبيض، فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف، ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتاهما فيها. وأما قوله: {متشابهات} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: {وأتوا به متشابها} [سورة: البقرة، آية رقم: 25] يعني في المنظر مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: {إن البقر تشابه علينا} [سورة: البقرة، آية رقم: 70] يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة وإن اختلفت أنواعه. فتأويل الكلام إذا أن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات بالبيان، هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] وما المحكم من آي الكتاب؟ وما المتشابه منه؟ فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن: المعمول بهن، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام؛ والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن، المنسوخات ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، عمن حدثه عن ابن عباس، في قوله: {منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] قال: «هي الثلاث الآيات التي هاهنا» : {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، والتي في بني إسرائيل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] إلى آخر الآيات " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] " المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به " قال: {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] " والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به، ولا يعمل به " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [آل عمران: 7] 05P194 إلى: {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] " فالمحكمات التي هي أم الكتاب: الناسخ الذي يدان به ويعمل به؛ والمتشابهات: هن المنسوخات التي لا يدان بهن " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] إلى قوله: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] " أما الآيات المحكمات: فهن الناسخات التي يعمل بهن؛ وأما المتشابهات: فهن المنسوخات " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] " والمحكمات: الناسخ الذي يعمل به ما أحل الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه؛ وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {آيات محكمات} [آل عمران: 7] قال: " المحكم: ما يعمل به " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] قال: " المحكمات: الناسخ الذي يعمل به، والمتشابهات: المنسوخ الذي لا يعمل به، ويؤمن به " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] قال: «الناسخات» {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] قال: «ما نسخ وترك يتلى» حدثني ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: " المحكم ما لم ينسخ، وما تشابه منه: ما نسخ " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] قال: «الناسخ» {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] قال: «المنسوخ» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] قال: " المحكمات: الذي يعمل به " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يحدث، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] « 05P196 يعني الناسخ الذي يعمل به» ، {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] «يعني المنسوخ، يؤمن به ولا يعمل به» حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، عن الضحاك: {منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] قال: «ما لم ينسخ» ، {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] قال: «ما قد نسخ» وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه؛ والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] «ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك، فهو متشابه يصدق بعضه بعضا» وهو مثل قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26] ومثل قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125] ومثل قوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 05P197 وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد؛ والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن جعفر بن الزبير: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] «فيهن حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، وأخر متشابهة في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق» وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد وقرأ: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] قال: «وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية منها، وحديث نوح في أربع وعشرين آية منها» .
ثم قال: {تلك من أنباء الغيب} [هود: 49] ثم ذكر: {وإلى عاد} [الأعراف: 65] فقرأ حتى بلغ: {واستغفروا ربكم} [هود: 90] " ثم مضى، ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا، وفرغ من ذلك، وهذا يقين، ذلك يقين أحكمت آياته ثم فصلت، قال: والمتشابه ذكر موسى في أمكنة كثيرة، وهو متشابه، وهو كله معنى واحد ومتشابه: {اسلك فيها} ، {احمل فيها} [هود: 40] ، {اسلك يدك} [القصص: 32] ، {أدخل يدك} [النمل: 12] ، {حية تسعى} [طه: 20] ، {ثعبان مبين} [الأعراف: 107] قال: ثم ذكر هودا في عشر آيات منها، وصالحا في ثماني آيات منها وإبراهيم في ثماني آيات أخرى، ولوطا في ثماني آيات منها، وشعيبا في ثلاث عشرة آية، وموسى في أربع آيات، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود، ثم قال: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} [هود: 100] وقال في المتشابه من القرآن: من يرد الله به البلاء والضلالة، يقول: ما شأن هذا لا يكون هكذا؟ وما شأن هذا لا يكون هكذا "؟ وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه وتفسيره؛ والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحد، وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القران من نحو «الم، والمص، والمر، والر» ، وما أشبه ذلك؛ لأنهن متشابهات في الألفاظ، وموافقات حروف حساب الجمل، وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلموا نهاية أكل محمد وأمته، فأكذب الله أحدوثتهم بذلك، وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قبل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها، وأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب أن هذه الآية نزلت فيه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته في تأويل ذلك في تفسير قوله: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 2] وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما أنزله عليه بيانا له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل، فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة، وذلك كقول الله عز وجل: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} [الأنعام: 158] فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك، هي طلوع الشمس من مغربها، فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسرا، والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية، فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا، وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله: «الم، والمص، والر، والمر» ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمحكم؛ لأنه لن يخلو من أن يكون محكما بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد، وقد استغنى بسماعه عن بيان يبينه، أو يكون محكما، وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة، فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينا 05P201
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] قد أتينا على البيان عن تأويل ذلك بالدلالة الشاهدة على صحة ما قلنا فيه، ونحن ذاكرو اختلاف أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى قوله: {هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] هن اللائي فيهن الفرائض والحدود والأحكام، نحو قيلنا الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، أنه قال في هذه الآية: " {محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] قال يحيى: " هن اللاتي فيهن الفرائض والحدود وعماد الدين، وضرب لذلك مثلا فقال: أم القرى مكة، وأم خراسان مرو، وأم المسافرين الذين يجعلون إليه أمرهم، ويعنى بهم في سفرهم، قال: فذاك أمهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {هن أم 05P202 الكتاب} [آل عمران: 7] قال: «هن جماع الكتاب» وقال آخرون: بل معني بذلك فواتح السور التي منها يستخرج القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن أبي فاختة، أنه قال في هذه الآية: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] قال: «أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن» {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 2] «منها استخرجت البقرة» ، و {الم الله لا إله إلا هو} [آل عمران: 1] «منها استخرجت آل عمران» 05P202 [آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] يعني بذلك جل ثناؤه: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق، وانحراف عنه، يقال منه: زاغ فلان عن الحق، فهو يزيغ عنه زيغا وزيغانا وزيوغة وزيوغا، وأزاغه الله: إذا أماله، فهو يزيغه، ومنه قوله جل ثناؤه: {ربنا لا تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8] لا تملها عن الحق {بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر 05P203 بن الزبير: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] «أي ميل عن الهدى» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] قال: «شك» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] قال: «من أهل الشك» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] " أما الزيغ: فالشك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 05P204 مجاهد، قال: {زيغ} [آل عمران: 7] «شك» ، قال ابن جريج {الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] «المنافقون» 05P203
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] يعني بقوله جل ثناؤه: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] ما تشابهت ألفاظه وتصرفت معانيه بوجوه التأويلات، ليحققوا بادعائهم الأباطيل من التأويلات في ذلك ما هم عليه من الضلالة والزيغ عن محجة الحق تلبيسا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] «فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم ويلبسون، فلبس الله عليهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] «أي ما تحرف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا ليكون لهم حجة على ما قالوا وشبهة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] قال: «الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله» وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] " يتبعون المنسوخ والناسخ، فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا، مجاز هذه الآية، فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى؟ هلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت، وما باله يعد العذاب من عمل عملا يعد به النار وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب النار؟ " واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني به الوفد من نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاجوه بما حاجوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، 05P206 قال: " عمدوا يعني الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى نجران فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ " قال: «بلى» ، قالوا: فحسبنا، فأنزل الله عز وجل: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] ثم إن الله جل ثناؤه أنزل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] الآية وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية في أبي ياسر بن أخطب، وأخيه حيي بن أخطب، والنفر الذين ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر مدة أكله وأكل أمته، وأرادوا علم ذلك من قبل قوله: «الم، والمص والمر، والر» فقال الله جل ثناؤه فيهم: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] يعني هؤلاء اليهود الذين قلوبهم مائلة عن الهدى والحق، {فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] يعني معاني هذه الحروف المقطعة المحتملة التصريف في الوجوه المختلفة التأويلات ابتغاء الفتنة. وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل في أول السورة التي تذكر فيها البقرة. وقال آخرون: بل عنى الله عز وجل بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفة لما ابتعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بتأويل يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات، وإن كان الله قد أحكم بيان ذلك، إما في كتابه وإما على لسان رسوله ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟
ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار خبر لمن استخبر، وعبرة لمن استعبر، لمن كان يعقل أو يبصر، إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق وأزواجه يومئذ أحياء، والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط، ولا رضوا الذي هم عليه ولا مالئوهم فيه، بل كانوا يحدثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ونعته الذي نعتهم به، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ويعادونهم بألسنتهم وتشتد والله عليهم أيديهم إذا لقوهم، ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع، ولكنه كان ضلالا فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافا كثيرا، فقد ألاصوا هذا الأمر منذ 05P208 زمان طويل، فهل أفلحوا فيه يوما أو أنجحوا؟ يا سبحان الله كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم؟ لو كانوا على هدى قد أظهره الله وأفلجه ونصره، ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه، فهم كما رأيتهم كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم، وأكذب أحدوثتهم، وأهرق دماءهم؛ وإن كتموا كان قرحا في قلوبهم وغما عليهم، وإن أظهروه أهراق الله دماءهم، ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه. والله إن اليهود لبدعة، وإن النصرانية لبدعة، وإن الحرورية لبدعة، وإن السبئية لبدعة، ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] " طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل، وأصابوا الفتنة ، فاتبعوا ما تشابه منه فهلكوا من ذلك، لعمري لقد كان في أصحاب بدر والحديبية الذين شهدوا بيعة الرضوان، وذكر نحو حديث عبد الرزاق، عن معمر، عنه حدثني محمد بن خالد بن خداش، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [آل عمران: 7] إلى قوله: {وما يذكر إلا أولو الألباب} فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله 05P209 فاحذروهم» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [آل عمران: 7] إلى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه» أو قال: «ويتجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» قال مطر: عن أيوب أنه قال: «فلا تجالسوهم؛ فهم الذين عنى الله فاحذروهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحو معناه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا الحارث، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] الآية كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله أولئك الذين قال الله، فلا 05P210 تجالسوهم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن أبي مليكة، قال: سمعت القاسم بن محمد، يحدث عن عائشة، قالت: تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] ثم قرأ إلى آخر الآيات، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يتبعون ما تشابه منه} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد حذركم الله، فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» حدثنا علي، قال: ثنا الوليد، عن نافع، عن عمر، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموهم فاحذروهم» ، ثم 05P211 نزع: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] «ولا يعلمون بمحكمه» حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرني شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة في هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} [آل عمران: 7] الآية، يتبعها: يتلوها، ثم يقول: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فاحذروهم فهم الذين عنى الله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7] إلى آخر الآية، قال: «هم الذين سماهم الله، فإذا رأيتموهم فاحذروهم» قال أبو جعفر: والذي يدل عليه ظاهر هذه الآية أنها نزلت في الذين 05P212 جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابه ما أنزل إليه من كتاب الله إما في أمر عيسى، وإما في مدة أكله وأكل أمته، وهو بأن تكون في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابهه في مدته ومده أمته أشبه؛ لأن قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] دال على أن ذلك إخبار عن المدة التي أرادوا علمها من قبل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فأما أمر عيسى وأسبابه، فقد أعلم الله ذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبينه لهم، فمعلوم أنه لم يعن إلا ما كان خفيا عن الآحاد 05P211
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك ابتغاء الشرك ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] قال: «إرادة الشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] «يعني الشرك» 05P213 وقال آخرون: معنى ذلك ابتغاء الشبهات ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] قال: «الشبهات بها أهلكوا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] " الشبهات، قال: هلكوا به " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] قال: " الشبهات، قال: والشبهات ما أهلكوا به " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] «أي اللبس» وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه إرادة الشبهات واللبس، فمعنى الكلام إذا: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه، فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه. وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاج به وجادل به أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة أيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان، وأي أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبئيا، أو حروريا، أو قدريا، أو جهميا، كالذي قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يجادلون به فهم الذين عنى الله فاحذروهم» وكما: حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند الفرار، فقال: " يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه وقرأ ابن عباس: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] " الآية وإنما قلنا: القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله: {ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين والاحتجاج به عليهم ليصدوهم عما هم عليه من الحق، فلا معنى لأن يقال: فعلوا ذلك إرادة الشرك، وهم قد 05P215 كانوا مشركين 05P214
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] اختلف أهل التأويل في معنى التأويل الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] فقال بعضهم معنى ذلك: الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مدة أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل «الم» ، و «المص» ، و «الر» ، و «المر» وما أشبه ذلك من الآجال ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: أما قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] «يعني تأويله يوم القيامة إلا الله» وقال آخرون: بل معنى ذلك عواقب القرآن، وقالوا: إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه، فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وابتغاء 05P216 تأويله} [آل عمران: 7] " أرادوا أن يعلموا تأويل القرآن، وهو عواقبه، قال الله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] ، وتأويله عواقبه، متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ " وقال آخرون: معنى ذلك: وابتغاء تأويل ما تشابه من آي القرآن يتأولونه إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من الزيغ، وما ركبوه من الضلالة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] " وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم: خلقنا وقضينا " والقول الذي قاله ابن عباس من أن ابتغاء التأويل الذي طلبه القوم من المتشابه هو معرفة انقضاء المدة، ووقت قيام الساعة، والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هو جاء قبل مجيئه أولى بالصواب، وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلى حصره على أن معناه أن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكم قبل ذلك. وإنما قلنا: إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم بمتشابه آي القرآن أولى بتأويل قوله: {وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] لما قد دللنا عليه قبل من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله، ولا شك أن معنى قوله: «قضينا وفعلنا» ، قد علم تأويله كثير من جهلة أهل الشرك، فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم 05P217
[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] يعني جل ثناؤه بذلك: وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مدة أكل محمد وأمته وما هو كائن إلا الله، دون من سواه من البشر الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة، وأما الراسخون في العلم، فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، لا يعلمون ذلك، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا بالمتشابه، وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟ فقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه، وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بالمتشابه والمحكم وأن جميع ذلك من عند الله ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قوله: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] قالت: «كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم يعلموا تأويله» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقول: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] " يقول الراسخون: آمنا به " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، قال: قال 05P219 هشام بن عروة: كان أبي يقول في هذه الآية {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] " أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] " حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي نهيك الأسدي، قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] فيقول: «إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة» {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] «فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا» حدثنا المثنى، قال: ثنا ابن دكين، قال: ثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يقول: {الراسخون في العلم} [آل عمران: 7] «انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا» : {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، عن مالك، في قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] قال: ثم ابتدأ فقال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] " وليس يعلمون تأويله، 05P220 وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم " {يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قال: «أنا ممن يعلم تأويله» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، والراسخون في العلم «يعلمون تأويله ويقولون آمنا به» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم «يعلمون تأويله ويقولون آمنا به» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] «يعلمون تأويله ويقولون آمنا به» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " {وما يعلم تأويله} [آل عمران: 7] الذي أراد ما أراد {إلا الله والراسخون} [آل عمران: 7] في العلم 05P221 يقولون آمنا به ، فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد؟
ثم ردوا تأويل المتشابهة على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا، فنفذت به الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودمغ به الكفر " فمن قال القول الأول في ذلك، وقال: إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك، وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله، فإنه يرفع الراسخين في العلم بالابتداء في قول البصريين، ويجعل خبره، يقولون آمنا به. وأما في قول بعض الكوفيين فبالعائد من ذكرهم في «يقولون» ، وفي قول بعضهم بجملة الخبر عنهم، وهي ويقولون، ومن قال القول الثاني، وزعم أن الراسخين يعلمون تأويله عطف بالراسخين على اسم الله فرفعهم بالعطف عليه. والصواب عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو {يقولون} [آل عمران: 7] ، لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، وهو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبي: ويقول الراسخون في العلم، كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرؤه؛ وفي قراءة عبد الله أن 05P222 تأويله إلا عند الله {والراسخون في العلم يقولون} [آل عمران: 7] وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير، وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى: [+البحر الطويل] على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا وأصله من آل الشيء إلى كذا، إذا صار إليه ورجع يؤول أولا وأولته أنا: صيرته إليه. وقد قيل: إن قوله: {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه، ويعني بقوله: وتأول حبها " تفسير حبها ومرجعه، وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه، فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديما كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرا مثل أمه، وقد ينشد هذا البيت: [+البحر . ] 05P223 على أنها كانت توابع حبها توالي ربعي السقاب فأصحبا 05P220
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?