Taberî — Câmiü'l-Beyân
[آل عمران: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران: 47] يعني بذلك جل ثناؤه: قالت مريم إذ قالت لها الملائكة: إن الله يبشرك بكلمة منه: رب أنى يكون لي ولد: من أي وجه يكون لي ولد؟ أمن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه؟ أو تبتدئ في خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسني بشر؟ فقال الله لها: {كذلك الله يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] يعني: هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر، فيجعله آية للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء، ويصنع ما يريد، فيعطي الولد من شاء من غير فحل ومن فحل، ويحرم ذلك من يشاء من النساء وإن كانت ذات بعل؛ لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئا ما أراد، فيقول له: «كن» فيكون ما شاء مما يشاء، وكيف شاء كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] " يصنع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر: أي إذا قضى أمرا فإنما يقول له: «كن» فيكون، مما يشاء، وكيف يشاء، فيكون ما أراد " 05P415 [آل عمران: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} [آل عمران: 48] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة وبعض قراء الكوفيين: {ويعلمه} [آل عمران: 48] بالياء ردا على قوله: {كذلك الله يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47]، {ويعلمه الكتاب} [آل عمران: 48] فألحقوا الخبر في قوله: {ويعلمه} [آل عمران: 48] بنظير الخبر في قوله: {يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] وقوله: {فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين وبعض البصريين: (ونعلمه) بالنون عطفا به على قوله: {نوحيه إليك} [آل عمران: 44] كأنه قال: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، ونعلمه الكتاب، وقالوا: ما بعد {نوحيه} [آل عمران: 44] في صلته، إلى قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] ، ثم عطف بقوله: (ونعلمه) عليه. والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مختلفتان غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب في ذلك لاتفاق معنى القراءتين في أنه خبر عن الله بأنه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه، وهذا ابتداء خبر من الله عز وجل لمريم ما هو فاعل بالولد الذي بشرها به من الكرامة، ورفعة المنزلة والفضيلة، فقال: كذلك الله يخلق منك ولدا، من غير فحل ولا بعل، فيعلمه الكتاب، وهو الخط الذي يخطه بيده، والحكمة: وهي السنة التي نوحيها إليه في غير كتاب، والتوراة: وهي التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى، والإنجيل: إنجيل عيسى، ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه موحيه إليه، وإنما أخبرها بذلك، فسماه لها؛ لأنها قد كانت علمت فيما نزل من الكتب أن الله باعث نبيا يوحي إليه كتابا اسمه الإنجيل، فأخبرها الله عز وجل أن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي سمعت بصفته الذي وعد أنبياءه من قبل أنه منزل عليه الكتاب الذي يسمى إنجيلا هو الولد الذي وهبه لها، وبشرها به. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: (ونعلمه الكتاب) قال: «بيده» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (ونعلمه الكتاب والحكمة) قال: " الحكمة: السنة " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: (ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) قال: " الحكمة: السنة "، {والتوراة والإنجيل} [آل عمران: 48] قال: «كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: (ونعلمه الكتاب والحكمة) قال: " الحكمة: السنة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: أخبرها يعني: أخبر الله مريم ما يريد به فقال: (ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة) التي كانت فيهم من عهد موسى {والإنجيل} [آل عمران: 3] كتابا آخر أحدثه إليه، لم يكن عندهم علمه إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء قبله " 05P417
[آل عمران: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 49] يعني بقوله جل ثناؤه: {ورسولا} [آل عمران: 49] ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، فترك ذكر «ونجعله» ، لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وقوله: {أني قد جئتكم بآية من ربكم} [آل عمران: 49] بمعنى: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل بأنه نبي وبشير ونذير؛ وحجتي عن صدقي على ذلك أني قد جئتكم بآية من ربكم، يعني بعلامة من ربكم تحقق قولي وتصدق خبري، أني رسول من ربكم إليكم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم} [آل عمران: 49] «أي تحقق بها نبوتي، وأني رسول منه إليكم» 05P418 [آل عمران: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله} [آل عمران: 49] يعني بذلك جل ثناؤه: ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، ثم بين عن الآية ما هي، فقال: {أني أخلق لكم} [آل عمران: 49] فتأويل الكلام: ورسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم بأن أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، والطير جمع طائر. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الحجاز: (كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائرا) ، على التوحيد، وقرأه آخرون: {كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا} [آل عمران: 49] على الجماع كليهما. وأعجب القراءات إلي في ذلك قراءة من قرأ: {كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا} [آل عمران: 49] على الجماع فيهما جميعا؛ لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخط المصحف، واتباع خط المصحف مع صحة المعنى واستفاضة القراءة به أعجب إلي من خلاف المصحف. وكان خلق عيسى: ما كان يخلق من الطير كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق " أن عيسى، صلوات الله عليه، جلس يوما مع غلمان من الكتاب، فأخذ طينا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرا؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربي، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: كن طائرا بإذن الله فخرج يطير بين كفيه، فخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم، فأفشوه في الناس ، وترعرع. فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حمير لها ثم خرجت به هاربة " 05P420 وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطير من الطين سألهم: أي الطير أشد خلقا؟ فقيل له الخفاش كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} [آل عمران: 49] قال: «أي الطير أشد خلقا» ؟ قالوا: الخفاش إنما هو لحم، قال ففعل " فإن قال قائل: وكيف قيل: {فأنفخ فيه} [آل عمران: 49] وقد قيل: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} [آل عمران: 49] ؟ قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير، ولو كان ذلك: فأنفخ فيها، كان صحيحا جائزا، كما قال في المائدة: {فأنفخ فيه} [آل عمران: 49] يريد: فأنفخ في الهيئة، وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين: «فأنفخها» بغير «في» ، وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: رب ليلة قد بتها وبت فيها، قال الشاعر: [+البحر البسيط] ما شق جيب ولا قامتك نائحة ولا بكتك جياد عند أسلاب . بمعنى: ولا قامت عليك، وكما قال الآخر: [+البحر البسيط] إحدى بني عيذ الله استمر بها حلو العصارة حتى ينفخ الصور 05P420
[آل عمران: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وأبرئ الأكمه والأبرص} [آل عمران: 49] يعني بقوله: {وأبرئ} [آل عمران: 49] وأشفي، يقال منه: أبرأ الله المريض: إذا شفاه منه، 05P421 فهو يبرئه إبراء، وبرأ المريض فهو يبرأ برءا، وقد يقال أيضا: برئ المريض فهو يبرأ، لغتان معروفتان. واختلف أهل التأويل في معنى الأكمه، فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وأبرئ الأكمه} [آل عمران: 49] قال: " الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، فهو يتكمه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كنا نحدث أن الأكمه، الذي ولد وهو أعمى مضموم العينين» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، 05P422 في قوله: {وأبرئ الأكمه والأبرص} [آل عمران: 49] قال: «كنا نحدث أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مضموم العينين» حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " الأكمه: الذي يولد وهو أعمى " وقال آخرون: بل هو الأعمى ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وأبرئ الأكمه} [آل عمران: 49] «هو الأعمى» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «الأعمى» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وأبرئ الأكمه} [آل عمران: 49] قال: " الأكمه: الأعمى " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {وأبرئ الأكمه} [آل عمران: 49] قال: «الأعمى» 05P423 وقال آخرون: هو الأعمش ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قوله: {وأبرئ الأكمه} [آل عمران: 49] قال: «الأعمش» والمعروف عند العرب من معنى الكمه: العمى، يقال منه: كمهت عينه، فهي تكمه كمها، وأكمهتها أنا: إذا أعميتها كما قال سويد بن أبي كاهل: [+البحر الرمل] كمهت عيناه حتى ابيضتا فهو يلحى نفسه لما نزع ومنه قول رؤبة: [+البحر الرجز] هرجت فارتد ارتداد الأكمه في غائلات الحائر المتهته وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه، أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجا منه بهذه العبر والآيات عليهم في نبوته، وذلك أن الكمه والبرص لا علاج لهما، فيقدر على إبرائه ذو طب بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله: إنه لله رسول؛ لأنه من المعجزات مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالة على نبوته ، فأما ما قال عكرمة، من أن الكمه العمش، وما قاله مجاهد: من أنه سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما؛ لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيل إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتج به عيسى على بني إسرائيل في نبوته أنه يبرئ الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لقدروا على معارضته بأن يقولوا: وما في هذا لك من الحجة، وفينا خلق مما يعالج ذلك وليسوا لله أنبياء ولا رسلا؟ ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا من أن الأكمه: هو الأعمى الذي لا يبصر شيئا لا ليلا ولا نهارا، وهو بما قال قتادة: من أنه المولود كذلك أشبه؛ لأن علاج مثل ذلك لا يدعيه أحد من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاج الأبرص 05P424
[آل عمران: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له كما: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، يقول: «لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر أن اطلعي به إلى الشام، ففعلت الذي أمرت به فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه» قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله. وأما قوله: {وأنبئكم بما تأكلون} [آل عمران: 49] فإنه يعني: وأخبركم بما تأكلونه مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه {وما تدخرون} [آل عمران: 49] يعني بذلك: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه، يعلمهم أن من حجته أيضا على نبوته مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوته وصدقه في خبره أن الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحد من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك، علما له على صدقه، وآية له على حقيقة قوله من أنبيائه ورسله، ومن أحب من خلقه إنباءه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلهم سبيله عليه. فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجمة والمتكهنة تخبر بذلك كثيرا فتصيب؟ قيل: إن المتنجم والمتكهن معلوم منهما عند من يخبره بذلك أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه، ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداء بإعلام الله إياه من غير أصل تقدم ذلك؛ احتذاه، أو بنى عليه أو فزع إليه، كما يفزع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيه، فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذبة على الله، أو المدعية علم ذلك كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب فيما يزعمون، فكان عند رجل من المكتبين يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يذهب يعلمه شيئا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرملة؟ ما أذهب أعلمه شيئا إلا وجدته أعلم به مني " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان غلمان القرية التي كان فيها، فيحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: «كان عيسى ابن مريم إذ كان في الكتاب يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: {وأنبئكم بما 05P427 تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: " إن عيسى ابن مريم كان يقول للغلام في الكتاب: يا فلان، إن أهلك قد خبئوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه؟
" فهكذا فعل الأنبياء وحججها إنما تأتي بما أتت به من الحجيج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل، على غير الوجه الذي يأتي به غيرها، بل من الوجه الذي يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قبل الله. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: «بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه؛ عيسى ابن مريم يقوله» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح يعني قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما 05P428 تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: «الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم غيبا علمه الله إياه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: " ما تأكلون: ما أكلتم البارحة من طعام، وما خبأتم منه " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان - يعني عيسى ابن مريم - يحدث الغلمان وهو معهم في الكتاب بما يصنع آباؤهم، وبما يرفعون لهم، وبما يأكلون ويقول للغلام: انطلق فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا، فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فذلك قول الله عز وجل: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليس هم هاهنا، فقال: ما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير "، فذلك قوله: {على لسان داود وعيسى ابن مريم} حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] قال: «ما تخبئون مخافة الذي يمسك أن لا يخلفه شيء» 05P429 وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] ما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] «فكان القوم لما سألوا المائدة، فكانت جرابا ينزل عليه أينما كانوا ثمرا من ثمار الجنة، فأمر القوم أن لا يخونوا فيه، ولا يخبئوا، ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئا أنبأهم به عيسى ابن مريم» ، فقال: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون} [آل عمران: 49] قال: " أنبئكم بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها، قال: فكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادخروا وخانوا "، فذلك قوله: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] قال ابن يحيى: قال عبد الرزاق: قال معمر، عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر ذلك.
وأصل يدخرون من الفعل يفتعلون، من قول القائل: ذخرت 05P430 الشيء بالذال، فأنا أذخره، ثم قيل: يدخر كما قيل: يدكر، من ذكرت الشيء، يراد به يذتخر، فلما اجتمعت الذال والتاء وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان، فأدغمت إحداهما في الأخرى وصيرتا دالا مشددة صيروها عدلا بين الذال والتاء، ومن العرب من يغلب الذال على التاء فيدغم التاء في الذال، فيقول: وما تدخرون وهو مدخر لك، وهو مذكر واللغة التي بها القراءة الأولى، وذلك إدغام الذال في التاء، وإبدالهما دالا مشددة لا يجوز القراءة بغيرها لتظاهر النقل من القراء بها، وهو اللغة الجودى، كما قال زهير: [+البحر البسيط] إن الكريم الذي يعطيك نائله عفوا ويظلم أحيانا فيظلم يروى بالظاء، يريد: فيفتعل من الظلم، ويروى بالطاء أيضا 05P429
[آل عمران: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 49] يعني بذلك جل ثناؤه: إن في خلقي من الطين الطير بإذن الله، وفي إبرائي الأكمه والأبرص، وإحيائي الموتى، وإنبائي إياكم بما تأكلون، وما تدخرون في بيوتكم، ابتداء من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة لعبرة لكم، ومتفكرا تتفكرون في ذلك، فتعتبرون به أني محق في قولي لكم: إني رسول من ربكم إليكم، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق، إن كنتم مؤمنين، يعني: إن كنتم مصدقين حجج الله وآياته، مقرين بتوحيده ونبيه موسى، والتوراة التي جاءكم بها 05P430 [آل عمران: 50_51] القول في تأويل قوله تعالى: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [آل عمران: 50_51] يعني بذلك جل ثناؤه: وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، ولذلك نصب «مصدقا» على الحال من جئتكم، والذي يدل على أنه نصب على قوله وجئتكم دون العطف على قوله: {وجيها} [آل عمران: 45] ، قوله: {لما بين يدي من التوراة} [آل عمران: 50] ولو كان عطفا على قوله: {وجيها} [آل عمران: 45] ، لكان الكلام: ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وإنما قيل: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} [آل عمران: 50] لأن عيسى صلوات الله عليه كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملا بالتوراة، لم يخالف شيئا من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، يقول: " إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار " حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ومصدقا لما بين 05P432 يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] «كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] قال: " كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، قال: وكان حرم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم الشحوم، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له، وفي أشياء حرمها عليهم، وشددها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، صلوات الله عليه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] قال: «لحوم الإبل والشحوم لما بعث عيسى أحلها لهم، وبعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرقوا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} [آل عمران: 50] أي «لما سبقني منها 05P433 » ، {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] «أي أخبركم أنه كان حراما عليكم، فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] قال: «كان حرم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحل لهم الذي حرم عليهم، يبتغي بذلك شكرهم» 05P433
[آل عمران: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {وجئتكم بآية من ربكم} [آل عمران: 50] يعني بذلك: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم تعلمون بها حقيقة ما أقول لكم كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وجئتكم بآية من ربكم} [آل عمران: 50] قال: «ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وجئتكم بآية من ربكم} [آل عمران: 50] «ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها» ويعني بقوله: {من ربكم} [البقرة: 49] من عند ربكم 05P433 [آل عمران: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم 05P434 فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [آل عمران: 51] يعني بذلك: وجئتكم بآية من ربكم، تعلمون بها يقينا صدقي فيما أقول، فاتقوا الله يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه، وأطيعون فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم، ربي وربكم فاعبدوه، فإنه بذلك أرسلني إليكم، وبإحلال بعض ما كان محرما عليكم في كتابكم، وذلك هو الطريق القويم، والهدى المتين الذي لا اعوجاج فيه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم} [آل عمران: 51] «تبريا من الذي يقولون فيه، يعني ما يقول فيه النصارى واحتجاجا لربه عليهم» ، فاعبدوه و {هذا صراط مستقيم} [آل عمران: 51] «أي الذي هذا قد حملتكم عليه وجئتكم به» واختلفت القراء في قراءة قوله: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} [آل عمران: 51] فقرأته عامة قراء الأمصار: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} [آل عمران: 51] بكسر ألف «إن» على ابتداء الخبر، وقرأه بعضهم: «أن الله ربي وربكم» بفتح ألف «أن» بتأويل: وجئتكم بآية من ربكم أن الله ربي وربكم، على رد أن على الآية، والإبدال منها. والصواب من القراءة عندنا ما عليه قراء الأمصار، وذلك كسر ألف «إن» على الابتداء، لإجماع الحجة من القراء على صحة ذلك، وما اجتمعت عليه فحجة، وما انفرد به المنفرد عنها فرأي، ولا يعترض بالرأي على الحجة، وهذه الآية، وإن كان ظاهرها خبرا، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجوه من أهل نجران بإخبار الله عز وجل عن أن عيسى كان بريئا مما نسبه إليه من نسبه، غير الذي وصف به نفسه، من أنه لله عبد كسائر عبيده من أهل الأرض إلا ما كان الله جل ثناؤه خصه به من النبوة والحجج التي آتاه دليلا على صدقه، كما آتى سائر المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم، والحجة على نبوتهم 05P435
[آل عمران: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} [آل عمران: 52] يعني بقوله جل ثناؤه: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} [آل عمران: 52] فلما وجد عيسى منهم الكفر، والإحساس: هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل: {هل تحس منهم من أحد} [مريم: 98] فأما الحس بغير ألف، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: {إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران: 152] والحس أيضا: العطف والرقة، ومنه قول الكميت: [+البحر البسيط] هل من بكى الدار راج أن تحس له أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل يعني بقوله: أن تحس له: أن ترق له. فتأويل الكلام: فلما وجد عيسى من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم جحودا لنبوته، وتكذيبا لقوله، وصدا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، والمولين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه إلى الله عز وجل، ويعني بقوله {إلى الله} [البقرة: 275] مع الله، وإنما حسن أن يقال إلى الله، بمعنى: مع الله؛ لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه جعلوا مكان مع إلى أحيانا، وأحيانا تخبر عنهما ب «مع» فتقول: الذود إلى الذود إبل، بمعنى: إذا ضممت الذود إلى الذود صارت إبلا، فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه ب «إلى» ولم يجعلوا مكان مع إلى غير جائز أن يقال: قدم فلان وإليه مال، بمعنى: ومعه مال. وبمثل ما قلنا في تأويل قوله: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] قال جماعة من أهل التأويل 05P437 ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] يقول: «مع الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] يقول: «مع الله» وأما سبب استنصار عيسى عليه السلام من استنصر من الحواريين فإن بين أهل العلم فيه اختلافا، فقال بعضهم كان سبب ذلك ما: حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي " لما بعث الله عيسى، فأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحون في الأرض، فنزل في قرية على رجل، فضافهم وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة ملك جبار معتد، فجاء ذلك الرجل يوما وقد وقع عليه هم وحزن، فدخل منزله ومريم عند امرأته، فقالت مريم لها: ما شأن زوجك أراه حزينا؟ قالت: لا تسألي، قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: فإن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يوما يطعمه هو وجنوده، ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبته اليوم الذي يريد أن نصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له: لا يهتم، فإني آمر ابني فيدعو له، فيكفي ذلك، قالت مريم لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، قال: فلما ملأهن أعلمه، فدعا الله، فتحول ما في القدور لحما ومرقا وخبزا، وما في الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط وإياه طعاما؛ فلما جاء الملك أكل، فلما شرب الخمر سأل من أين هذه الخمر؟
قال له: هي من أرض كذا وكذا، قال الملك: فإن خمري أوتي بها من تلك الأرض فليس هي مثل هذه، قال: هي من أرض أخرى؛ فلما خلط على الملك اشتد عليه، قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعل الماء خمرا، قال الملك، وكان له ابن يريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه، فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا، ليستجابن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه، فسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه، فقال عيسى: لا تفعل؛ فإنه إن عاش كان شرا، فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه؟ ، فلا أبالي ما كان فقال عيسى عليه السلام: فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب أينما شئنا؟ ، قال الملك: نعم، فدعا الله، فعاش الغلام؛ فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمه، وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: شاركني، فقال اليهودي: نعم، فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلا رغيف ندم؛ فلما ناما جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى: له ما تصنع؟ فيقول: لا شيء، فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله؛ فلما أصبحا قال له عيسى: هلم طعامك، فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد، فسكت عنه عيسى، فانطلقوا، فمروا براعي غنم، فنادى عيسى، يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها، فأرسل عيسى اليهودي، فجاء بالشاة، فذبحوها وشووها، ثم قال لليهودي: كل ولا تكسرن عظما فأكلا، فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله، فقامت الشاة تثغو، فقال: يا صاحب الغنم خذ شاتك، فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، قال: أنت الساحر، وفر منه، قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها كم كان معك رغيفا؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد، فمروا بصاحب بقر، فنادى عيسى، فقال: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلا قال: ابعث صاحبك يأخذه، قال: انطلق يا يهودي فجئ به، فانطلق فجاء به، فذبحه وشواه، وصاحب البقر ينظر، فقال له عيسى: كل ولا تكسرن عظما، فلما فرغوا قذف العظام في الجلد، ثم ضربه بعصاه، وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، قال: خذ عجلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: أنت السحار، ثم فر منه، قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه، قال عيسى: فبالذي أحيا الشاة بعد ما أكلناها، والعجل بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفا؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد؛ فانطلقا حتى نزلا قرية، فنزل اليهودي أعلاها، وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى، وقال: أنا الآن أحيي الموتى وكان ملك تلك المدينة مريضا شديد المرض، فانطلق اليهودي ينادي: من يبتغي طبيبا؟ حتى أتى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه، فقيل له: إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك، ليس من طبيب يداويه، ولا يفيء دواؤه شيئا إلا أمر به فصلب، قال: أدخلوني عليه فإني سأبرئه، فأدخل عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت، ويقول: قم بإذن الله، فأخذ ليصلب، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟
قالوا: نعم، فأحيا الله الملك لعيسى، فقام وأنزل اليهودي، فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبدا، قال عيسى " فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى، قال: ثنا أحمد بن المفضل قال أسباط، عن السدي " لليهودي: أنشدك بالذي أحيا الشاة والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد ما رفعت عليه لتصلب كم كان معك رغيفا؟ قال: فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس، فانطلقا حتى مرا على كنز قد حفرته السباع والدواب، فقال اليهودي: يا عيسى، لمن هذا المال، قال عيسى: دعه، فإن له أهلا يهلكون عليه، فجعلت نفس اليهودي تطلع إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى ومر بالمال أربعة نفر؛ فلما رأوه، اجتمعوا عليه، فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاما وشرابا ودواب نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا دواب وطعاما وشرابا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سما، فإذا أكلا ماتا فكان المال بيني وبينك؟ ، فقال الآخر نعم، ففعلا، وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعام والدواب بيني وبينك، فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام، فأكلا منه فماتا، وأعلم ذلك عيسى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقتسمه، فأخرجه فقسمه عيسى بين ثلاثة، فقال اليهودي: يا عيسى اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ قال له عيسى هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف، قال اليهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطني هذا المال؟ فقال عيسى: نعم، قال أنا هو، قال: عيسى: خذ حظي وحظك وحظ صاحب الرغيف فهو حظك من الدنيا والآخرة؛ فلما حمله مشى به شيئا، فخسف به، وانطلق عيسى ابن مريم، فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك، فقال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فآمنوا به، وانطلقوا معه " فذلك قول الله عز وجل: {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} [آل عمران: 52] حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] الآية، قال: «استنصر فنصره الحواريون وظهر عليهم» وقال آخرون: كان سبب استنصار عيسى من استنصر؛ لأن من استنصر من الحواريين عليه كانوا أرادوا قتله ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} [آل عمران: 52] قال: «كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه» قال: {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [آل عمران: 52] والأنصار: جمع نصير، كما الأشراف جمع شريف، والأشهاد جمع شهيد وأما الحواريون، فإن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي من أجله سموا حواريين، فقال بعضهم: سموا بذلك لبياض ثيابهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: مما روى أبي، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: «إنما سموا الحواريين ببياض ثيابهم» 05P443 وقال آخرون: سموا بذلك؛ لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأة، قال: " الحواريون: الغسالون، الذين يحورون الثياب يغسلونها " وقال آخرون: هم خاصة الأنبياء وصفوتهم ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، أن قتادة ذكر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «كان من الحواريين» ، فقيل له: من الحواريون؟
قال: «الذين تصلح لهم الخلافة» حدثت عن المنجاب، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: {إذ قال الحواريون} [المائدة: 112] قال: «أصفياء الأنبياء» وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى الحواريين قول من قال: سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسالين، وذلك أن الحور عند العرب: شدة البياض، ولذلك سمي الحواري من الطعام حواريا لشدة بياضه، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين أحور، وللمرأة حوراء، وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سموا بالذي ذكرنا من تبييضهم الثياب وأنهم كانوا قصارين، فعرفوا بصحبة عيسى واختياره إياهم لنفسه أصحابا وأنصارا، فجرى ذلك الاسم لهم واستعمل، حتى صار كل خاصة للرجل من أصحابه وأنصاره حواريه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير» يعني خاصته وقد تسمي العرب النساء اللواتي مساكنهن القرى والأمصار حواريات، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن، ومن ذلك قول أبي جلدة اليشكري: [+البحر الطويل] فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح ويعني بقوله: {قال الحواريون} [آل عمران: 52] قال: هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا من تبييضهم الثياب: آمنا بالله، صدقنا بالله، واشهد أنت يا عيسى بأننا مسلمون. وهذا خبر من الله عز وجل أن الإسلام دينه الذي ابتعث به عيسى والأنبياء قبله، لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئة من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، {فلما أحس عيسى منهم الكفر} [آل عمران: 52] والعدوان، {قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله} [آل عمران: 52] «وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم، واشهد بأنا مسلمون، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه، يعني وفد نصارى نجران» 05P445
[آل عمران: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] وهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين أنهم قالوا: {ربنا آمنا} [آل عمران: 53] أي صدقنا {بما أنزلت} [البقرة: 41] يعني: بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك {واتبعنا الرسول} [آل عمران: 53] يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك. وقوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحلنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصد عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك، يعرف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم، ليحتذوا طريقهم، ويتبعوا منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامته، ويكذب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة في دعواهم على أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها، ويحتج به على الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجران بأنه قيل من رضي الله عنه من أتباع عيسى كان خلاف قيلهم، ومنهاجهم غير منهاجهم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] «أي هكذا كان قولهم وإيمانهم» 05P446 [آل عمران: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أن عيسى أحس منهم الكفر، وكان مكرهم الذي وصفهم الله به مواطأة بعضهم بعضا على الفتك بعيسى وقتله، وذلك أن عيسى صلوات الله عليه بعد إخراج قومه إياه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم فيما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " ثم إن عيسى سار بهم: يعني بالحواريين الذين كانوا يصطادون السمك، فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم حتى أتى بني إسرائيل ليلا فصاح فيهم، فذلك قوله ": {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} [الصف: 14] الآية وأما مكر الله بهم فإنه فيما ذكر السدي: إلقاؤه شبه عيسى على بعض أتباعه، حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله عز وجل عيسى قبل ذلك كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " ثم إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم فشكوا فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى، وصلبوه، فذلك قول الله عز وجل {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] " وقد يحتمل أن يكون معنى مكر الله بهم استدراجه إياهم ليبلغ الكتاب أجله، كما قد بينا ذلك في قول الله: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] 05P447
[آل عمران: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} [آل عمران: 55] يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم، إذ قال الله جل ثناؤه: {إني متوفيك} [آل عمران: 55] ف «إذ» صلة من قوله: {ومكر الله} [آل عمران: 54] يعني: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] فتوفاه ورفعه إليه. ثم اختلف أهل التأويل في معنى الوفاة التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية، فقال بعضهم: هي وفاة نوم، وكان معنى الكلام على مذهبهم: إني منيمك، ورافعك في نومك 05P448 ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {إني متوفيك} [آل عمران: 55] قال: " يعني وفاة المنام: رفعه الله في منامه " قال الحسن: قال رسول الله لليهود: «إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» وقال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، فرافعك إلي، قالوا: ومعنى الوفاة: القبض، لما يقال: توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، قالوا: فمعنى قوله: {إني متوفيك ورافعك} [آل عمران: 55] أي قابضك من الأرض حيا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، في قول الله: {إني متوفيك} [آل عمران: 55] قال: «متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 05P449 الحسن، في قوله: {إني متوفيك} [آل عمران: 55] قال: «متوفيك من الأرض» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: 55] قال: «فرفعه الله إليه، توفيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح أن كعب الأحبار قال: «ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيا ومبشرا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذبه، شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه» : {إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55] «وليس من رفعته عندي ميتا، وإني سأبعثك على الأعور الدجال، فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحي» قال كعب الأحبار: وذلك يصدق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «كيف تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى في آخرها؟
» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {يا عيسى إني متوفيك} [آل عمران: 55] : «أي قابضك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إني 05P450 متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] قال: " متوفيك: قابضك، قال: ومتوفيك ورافعك واحد، قال: ولم يمت بعد حتى يقتل الدجال، وسيموت "، وقرأ قول الله عز وجل: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] قال: " رفعه الله إليه قبل أن يكون كهلا، قال: وينزل كهلا " حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قول الله عز وجل: {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] الآية كلها، قال: «رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء» وقال آخرون: معنى ذلك: إني متوفيك وفاة موت ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إني متوفيك} [آل عمران: 55] يقول: «إني مميتك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، أنه قال: «توفى الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «والنصارى يزعمون 05P451 أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه الله» وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى، إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا. وقال: هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال» ثم يمكث في الأرض مدة ذكرها اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليهبطن الله عيسى ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يجد من يأخذه، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا، أو يدين بهما جميعا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن 05P452 قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه خليفتي على أمتي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره يقطر، وإن لم يصبه بلل بين ممصرتين، يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيخ الضلالة الكذاب الدجال وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضا، فيثبت في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه» قال أبو جعفر: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين؛ لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم، ثم يحييهم، كما قال جل ثناؤه {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} [الروم: 40] فتأويل الآية إذا: قال الله لعيسى: يا عيسى إني قابضك من الأرض ورافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، فجحدوا نبوتك، وهذا الخبر وإن كان مخرجه مخرج خبر، فإن فيه من الله عز وجل احتجاجا على الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى من وفد نجران بأن عيسى لم يقتل ولم 05P453 يصلب كما زعموا، وأنهم واليهود الذين أقروا بذلك وادعوا على عيسى كذبة في دعواهم وزعمهم كما: حدثنا ابن حميد، قال ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أخبرهم يعني الوفد، من نجران " ورد عليهم فيما أخبروا هم واليهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم، فقال: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] " وأما مطهرك من الذين كفروا، فإنه يعني منظفك، فمخلصك ممن كفر بك وجحد ما جئتهم به من الحق من اليهود وسائر الملل غيرها كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: 55] قال: «إذ هموا منك بما هموا» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: 55] قال: «طهره من اليهود والنصارى والمجوس، ومن كفار قومه» 05P453
[آل عمران: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى 05P454 يوم القيامة} [آل عمران: 55] يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجك وملتك من الإسلام وفطرته فوق الذين جحدوا نبوتك، وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل، فكذبوا بما جئت به، وصدوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين عليهم كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] «هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] ثم ذكر نحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] ثم ذكر نحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] قال: «ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] " أما الذين اتبعوك، فيقال: هم المؤمنون وليس هم الروم " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] قال: " جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة " وقال آخرون: ومعنى ذلك: وجاعل الذين اتبعوك من النصارى فوق اليهود ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: 55] قال: «الذين كفروا من بني إسرائيل» {وجاعل الذين اتبعوك} [آل عمران: 55] قال: «الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم» ، {فوق الذين كفروا} [آل عمران: 55] " النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذلون " القول في تأويل قوله تعالى: {ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} [آل عمران: 55] يعني بذلك جل ثناؤه: {ثم إلي} [آل عمران: 55] ثم إلى الله أيها المختلفون في عيسى، {مرجعكم} [آل عمران: 55] يعني مصيركم يوم القيامة {فأحكم بينكم} [آل عمران: 55] يقول: فأقضي حينئذ بين جميعكم في أمر عيسى بالحق فيما كنتم فيه تختلفون من أمره. وهذا من الكلام الذي صرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أن قوله: {ثم إلي مرجعكم} [آل عمران: 55] إنما قصد به الخبر عن متبعي عيسى والكافرين به. وتأويل. الكلام: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إلي مرجع الفريقين: الذين اتبعوك، والذين كفروا بك، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ولكن رد الكلام إلى الخطاب لسبوق القول على سبيل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج على وجه الحكاية، كما قال: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22] 05P456
[آل عمران: 56_57] القول في تأويل قوله تعالى: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 56_57] يعني بقوله جل ثناؤه: {فأما الذين كفروا} [آل عمران: 56] فأما الذين جحدوا نبوتك يا عيسى، وخالفوا ملتك وكذبوا بما جئتهم به من الحق، وقالوا فيك الباطل وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنصارى، وسائر أصناف الأديان؛ فإني أعذبهم عذابا شديدا؛ أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة؛ وأما في الآخرة، فبنار جهنم خالدين فيها أبدا. {وما لهم من ناصرين} [آل عمران: 22] يقول: وما لهم من عذاب الله مانع، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة؛ لأنه العزيز ذو الانتقام. وأما قوله: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [آل عمران: 57] فإنه يعني تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى، يقول: صدقوك فأقروا بنبوتك، وبما جئتهم به من الحق من عندي، ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به، وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك، وشرعت من شرائعي، وسننت من سنني كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وعملوا الصالحات} [آل عمران: 57] يقول: أدوا فرائضي، {فيوفيهم أجورهم} [آل عمران: 57] ، يقول: «فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملا لا يبخسون منه شيئا ولا ينقصونه» وأما قوله: {والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 57] فإنه يعني: والله لا يحب من ظلم غيره حقا له، أو وضع شيئا في غير موضعه، فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عباده، فيجازي المسيء ممن كفر جزاء المحسنين ممن آمن به، أو يجازي المحسن ممن آمن به واتبع أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه جزاء المسيئين ممن كفر به وكذب رسله وخالف أمره ونهيه، فقال: إني لا أحب الظالمين، فكيف أظلم خلقي؟ . وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، كأنه وعيد منه للكافرين به وبرسله، ووعد منه للمؤمنين به وبرسله؛ لأنه أعلم الفريقين جميعا أنه لا يبخس هذا المؤمن حقه، ولا يظلم كرامته، فيضعها فيمن كفر به، وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالما 05P458 [آل عمران: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [آل عمران: 58] يعني بقوله جل ثناؤه: {ذلك} [آل عمران: 58] هذه الأنباء التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمه مريم، وأمها حنة، وزكريا وابنه يحيى، وما قص من أمر الحواريين، واليهود من بني إسرائيل؛ {نتلوها عليك} [آل عمران: 58] يا محمد، يقول: نقرؤها عليك يا محمد، على لسان جبريل صلى الله عليه وسلم، بوحيناها إليك {من الآيات} [آل عمران: 58] يقول: من العبر والحجج، على من حاجك من وفد نصارى نجران ويهود بني إسرائيل الذين كذبوك، وكذبوا ما جئتهم به من الحق من عندي {والذكر} [آل عمران: 58] يعني: والقرآن {الحكيم} [آل عمران: 58] يعني: ذي الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل، وبينك وبين ناسبي المسيح إلى غير نسبه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [آل عمران: 58] «القاطع الفاصل الحق الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [آل عمران: 58] قال: «القرآن» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والذكر} [آل عمران: 58] يقول: «القرآن الحكيم الذي قد كمل في حكمته» 05P459
[آل عمران: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] يعني جل ثناؤه: إن شبه عيسى في خلقي إياه من غير فحل فأخبر به يا محمد الوفد من نصارى نجران عندي كشبه آدم الذي خلقته من تراب، ثم قلت له كن فكان، من غير فحل، ولا ذكر، ولا أنثى يقول: فليس خلقي عيسى من أمه من غير فحل، بأعجب من خلقي آدم من غير ذكر ولا أنثى، فكان لحما، يقول: وأمري إذ أمرته أن يكون فكان، فكذلك خلقي عيسى أمرته أن يكون فكان. وذكر أهل التأويل أن الله عز وجل أنزل هذه الآية احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الوفد من نصارى نجران الذين حاجوه في عيسى ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر، قال: «كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى في عيسى قولا، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية في سورة آل عمران» : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] إلى قوله: {فنجعل لعنة الله على 05P460 الكاذبين} [آل عمران: 61] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] " وذلك أن رهطا من أهل نجران قدموا على محمد صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: «من هو؟ » قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله، فقال محمد: «أجل إنه عبد الله» قالوا له: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم بأمر ربنا السميع العليم، فقال : قل لهم إذا أتوك {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] إلى آخر الآية حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] " ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب، لقيا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فسألاه عن عيسى فقالا: كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية ": {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 05P461 السدي: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [آل عمران: 59] لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع به أهل نجران، أتاه منهم أربعة من خيارهم، منهم العاقب، والسيد، وماسرجس وماريحز، فسألوه ما يقول في عيسى، فقال: «هو عبد الله وروحه وكلمته» ، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله، نزل من ملكه فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟ فأنزل الله عز وجل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] قال: «نزلت في العاقب والسيد من أهل نجران، وهما نصرانيان» قال ابن جريج: بلغنا أن نصارى أهل نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم السيد والعاقب، وهما يومئذ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا؟ قال: «من صاحبكما؟
» قالا: عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» ، فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقا، فأرنا عبدا يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، الآية، لكنه الله فسكت حتى أتاه جبريل، فقال: يا محمد {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} [المائدة: 17] الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى» . قال جبريل: مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، فلما أصبحوا عادوا، فقرأ عليهم الآيات حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {إن مثل عيسى عند الله} [آل عمران: 59] فاسمع {كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] " فإن قالوا: خلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة، من غير أنثى ولا ذكر فكان كما كان عيسى لحما ودما وشعرا وبشرا، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [آل عمران: 59] قال: " أتى نجرانيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا له: هل علمت أن أحدا ولد من غير ذكر فيكون عيسى كذلك؟ قال: فأنزل الله عز وجل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] أكان لآدم أب أو أم، كما خلقت هذا في بطن هذه؟ " فإن قال قائل: فكيف قال: «كمثل آدم خلقه» ، وآدم معرفة، والمعارف لا توصل؟ قيل: إن قوله: {خلقه من تراب} [آل عمران: 59] غير صلة لآدم، وإنما هو بيان عن أمره على وجه التفسير عن المثل الذي ضربه وكيف كان؟ . وأما قوله: {ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] فإنما قال: «فيكون» ، وقد ابتدأ الخبر عن خلق آدم، وذلك خبر عن أمر قد تقضى، وقد أخرج الخبر عنه مخرج الخبر عما قد مضى، فقال جل ثناؤه: {خلقه من تراب ثم قال له كن} [آل عمران: 59] لأنه بمعنى الإعلام من الله نبيه أن تكوينه الأشياء بقوله: {كن} [آل عمران: 59] ثم قال: «فيكون» خبرا مبتدأ، وقد تناهى الخبر عن أمر آدم عند قوله: «كن» . فتأويل الكلام إذا: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له كن؛ واعلم يا محمد أن ما قال له ربك: كن، فهو كائن، فلما كان في قوله: {كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن} [آل عمران: 59] دلالة على أن الكلام يراد به إعلام نبي الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلقه أنه كائن ما كونه ابتداء من غير أصل ولا أول ولا عنصر استغنى بدلالة الكلام على المعنى، وقيل: فيكون، فعطف بالمستقبل على الماضي على ذلك المعنى، وقد قال بعض أهل العربية: فيكون رفع على الابتداء ومعناه: كن فكان، فكأنه قال: فإذا هو كائن 05P463
[آل عمران: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] 05P464 يعني بذلك جل ثناؤه: الذي أنبأتك به من خبر عيسى، وأن مثله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له ربه: كن، هو الحق من ربك، يقول: هو الخبر الذي هو من عند ربك؛ {فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] يعني: فلا تكن من الشاكين في أن ذلك كذلك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] «يعني فلا تكن في شك من عيسى أنه كمثل آدم عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] يقول: «فلا تكن في شك مما قصصنا عليك أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمة منه وروح، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {الحق من ربك} [البقرة: 147] «ما جاءك من الخبر عن عيسى» ، {فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] «أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمتر فيه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 60] قال: " والممترون: الشاكون " والمرية والشك والريب واحد سواء كهيئة ما تقول: أعطني وناولني 05P465 وهلم، فهذا مختلف في الكلام وهو واحد 05P464 [آل عمران: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] يعني بقوله جل ثناؤه: {فمن حاجك فيه} [آل عمران: 61] فمن جادلك يا محمد في المسيح عيسى ابن مريم، والهاء في قوله: {فيه} [البقرة: 2] عائدة على ذكر عيسى، وجائز أن تكون عائدة على الحق الذي قال تعالى ذكره: {الحق من ربك} [البقرة: 147] ويعني بقوله: {من بعد ما جاءك من العلم} [البقرة: 145] من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بينته لك في عيسى أنه عبد الله {فقل تعالوا} [آل عمران: 61] هلموا فلندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، {ثم نبتهل} [آل عمران: 61] يقول: ثم نلتعن، يقال في الكلام: ما له بهله الله، أي لعنه الله، وما له عليه بهلة الله، يريد اللعن، وقال لبيد، وذكر قوما هلكوا، فقال: [+البحر الرمل] نظر الدهر إليهم فابتهل يعني دعا عليهم بالهلاك {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] منا ومنكم في آية عيسى كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فمن 05P466 حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] «أي في عيسى أنه عبد الله ورسوله من كلمة الله وروحه» ، {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] إلى قوله: {على الكاذبين} [آل عمران: 61] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] «أي من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره» {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] الآية حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] يقول: «من حاجك في عيسى من بعد ما جاءك فيه من العلم» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] قال: «منا ومنكم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: وثني ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليت بيني وبين أهل نجران حجابا فلا أراهم ولا يروني» من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم " 05P466
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?