Taberî — Câmiü'l-Beyân
[آل عمران: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه باتباع محمد وتصديقه ، والإقرار به، وما جاء به من عند الله وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرم الله عليهم من أموال الناس التي اؤتمنوا عليها ثمنا، يعني عوضا وبدلا خسيسا من عرض الدنيا وحطامها {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} [آل عمران: 77] يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة، وما أعد الله لأهلها فيها دون غيرهم. وقد بينا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في معنى الخلاق، ودللنا على أولى أقوالهم في ذلك بالصواب بما فيه الكفاية. وأما قوله: {ولا يكلمهم الله} [البقرة: 174] فإنه يعني: ولا يكلمهم الله بما يسرهم ولا ينظر إليهم، يقول: ولا يعطف عليهم بخير مقتا من الله لهم كقول القائل لآخر: انظر إلي نظر الله إليك، بمعنى: تعطف علي تعطف الله عليك بخير ورحمة، وكما يقال للرجل: لا سمع الله لك دعاءك، يراد: لا استجاب الله لك، والله لا يخفى عليه خافية، وكما قال الشاعر: [+البحر الوافر] دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول وقوله {ولا يزكيهم} [البقرة: 174] يعني: ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] يعني: ولهم عذاب موجع. واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، ومن عني بها، فقال بعضهم: نزلت في أحبار من أحبار اليهود ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: " نزلت هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي 05P517 بن أخطب " وقال آخرون: بل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» فقال الأشعث بن قيس: في والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألك بينة» ؟ قلت: لا، فقال لليهودي: «احلف» قلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي، فأنزل الله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية. " حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جرير بن حازم، عن عدي بن عدي، عن رجاء بن حيوة، والعرس، أنهما حدثاه عن أبيه عدي بن عميرة، قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للحضرمي: «بينتك وإلا فيمينه» قال: 05P518 يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله وهو عليه غضبان» ، فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟
قال: «الجنة» ، قال: فإني أشهدك أني قد تركتها، قال جرير: فكنت مع أيوب السختياني حين سمعنا هذا الحديث من عدي، فقال أيوب: إن عديا قال في حديث العرس بن عميرة: فنزلت هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] إلى آخر الآية، قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عدي " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها لتعززه في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقم بينتك» قال الرجل: ليس يشهد لي أحد على الأشعث، قال: «فلك يمينه» . فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فنكل الأشعث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، فرد إليه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة، مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله، قال: «من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنزل الله تصديق ذلك» : {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية، ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا، فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بما قال، فقال: صدق لفي أنزلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شاهداك أو يمينه» فقلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» ، ثم أنزل الله عز وجل تصديق ذلك: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية " وقال آخرون بما: حدثنا به محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أخبرني داود بن أبي هند، عن عامر «أن رجلا، أقام سلعته أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به» فأنزل الله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن رجل، عن 05P520 مجاهد، نحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية، إلى: {ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77] «أنزلهم الله بمنزلة السحرة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عمران بن حصين، كان يقول: «من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه فليتبوأ مقعده من النار» ، فقال له قائل: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: «إنكم لتجدون ذلك» ، ثم قرأ هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، قال: قال محمد، عن عمران بن حصين: «من حلف على يمين مصبورة فليتبوأ بوجهه مقعده من النار» ، ثم قرأ هذه الآية كلها: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: «إن اليمين الفاجرة من الكبائر» ، ثم تلا: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود، كان يقول: «كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الذنب الذي لا يغفر يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها» 05P521
[آل عمران: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 78] يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من أهل الكتاب، وهم اليهود الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عهده من بني إسرائيل، والهاء والميم في قوله: {منهم} [البقرة: 75] عائدة على أهل الكتاب الذين ذكرهم في قوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] وقوله: {لفريقا} [آل عمران: 78] يعني جماعة {يلوون} [آل عمران: 78] يعني: يحرفون {ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب} [آل عمران: 78] يعني: لتظنوا أن الذي يحرفونه بكلامهم من كتاب الله وتنزيله، يقول الله عز وجل: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فحرفوه وأحدثوه من كتاب الله، ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله من عند الله، يقول: مما أنزله الله على أنبيائه، وما هو من عند الله، يقول: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فأحدثوه مما أنزله الله إلى أحد من أنبيائه ولكنه مما أحدثوه من قبل أنفسهم، افتراء على الله، يقول عز وجل: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] يعني بذلك: أنهم يتعمدون قيل الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه طلبا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا. وبنحو ما قلنا في معنى: {يلوون ألسنتهم بالكتاب} [آل عمران: 78] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} [آل عمران: 78] قال: «يحرفونه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} [آل عمران: 78] حتى بلغ: {وهم يعلمون} [آل عمران: 78] «هم أعداء الله اليهود حرفوا كتاب الله وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب} [آل عمران: 78] «وهم اليهود كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} [آل عمران: 78] قال: «فريق من أهل الكتاب يلوون ألسنتهم، وذلك تحريفهم إياه عن موضعه» وأصل اللي: الفتل والقلب، من قول القائل: لوى فلان يد فلان: إذا فتلها وقلبها ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] لوى يده الله الذي هو غالبه يقال منه: لوى يده ولسانه يلوي ليا، وما لوى ظهر فلان أحد: إذا لم يصرعه أحد، ولم يفتل ظهره إنسان، وإنه لألوى بعيد المستمر: إذا كان شديد الخصومة صابرا عليها لا يغلب فيها، قال الشاعر: [+البحر الطويل] فلو كان في ليلى شدا من خصومة للويت أعناق الخصوم الملاويا 05P523
[آل عمران: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] يعني بذلك جل ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر، والبشر: جمع بني آدم، لا واحد له من لفظه مثل القوم والخلق، وقد يكون اسما لواحد {أن يؤتيه الله الكتاب} [آل عمران: 79] يقول: أن ينزل الله عليه كتابه، {والحكم} [آل عمران: 79] يعني: ويعلمه فصل الحكمة، {والنبوة} [آل عمران: 79] يقول: ويعطيه النبوة، {ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} [آل عمران: 79] يعني: ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والحكم والنبوة، ولكن إذا آتاه الله ذلك فإنما يدعوهم إلى العلم بالله، ويحدوهم على معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء في المعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمة في طاعته وعبادته بكونهم معلمي الناس الكتاب وبكونهم دارسيه وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلى عبادتك؟ كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس أوذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» ، أو كما قال، 05P525 فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} [آل عمران: 79] الآية، إلى قوله بعد: {إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 80] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} [آل عمران: 79] يقول: «ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يأمر عباده أن يتخذوه ربا من دون الله» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتاب الله عن موضعه» فقال الله عز وجل: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} [آل عمران: 79] «ثم يأمر الناس بغير ما 05P526 أنزل الله في كتابه» 05P525
[آل عمران: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] يعني جل ثناؤه بذلك: ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين، فترك القول استغناء بدلالة الكلام عليه. وأما قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علماء ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «حكماء علماء» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «حكماء علماء» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] «حكماء علماء» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن ، في قوله 05P527 : {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «كونوا فقهاء علماء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «فقهاء» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم، عن مجاهد، قوله: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «فقهاء» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «كونوا فقهاء علماء» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن منصور بن المعتمر، عن أبي رزين في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «علماء حكماء» قال معمر: قال قتادة حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، 05P528 عن السدي، في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] أما الربانيون: «فالحكماء الفقهاء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " الربانيون: الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] يقول: «كونوا حكماء فقهاء» حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي حمزة الثمالي، عن يحيى بن عقيل، في قوله: " الربانيون والأحبار، قال: الفقهاء العلماء " حدثت عن المنجاب قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، مثله حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «كونوا حكماء فقهاء» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] يقول : «كونوا فقهاء علماء» وقال آخرون: بل هم الحكماء الأتقياء ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: «حكماء أتقياء» وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد، يقول في قوله: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] قال: " الربانيون: الذين يربون الناس، ولاة هذا الأمر، يربونهم: يلونهم " وقرأ: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} [المائدة: 63] قال: " الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني، وأن الرباني المنسوب إلى الربان: الذي يرب الناس، وهو الذي يصلح أمورهم ويربها، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة: [+البحر الطويل] وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب يعني بقوله: «ربتني» : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعت، يقال منه: رب أمري فلان فهو يربه ربا وهو رابه، فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربان، كما يقال: هو نعسان، من قولهم: نعس ينعس، وأكثر ما يجيء من الأسماء على فعلان ما كان من الأفعال ماضيه على «فعل» مثل قولهم: هو سكران وعطشان وريان، من سكر يسكر، وعطش يعطش، وروي يروى، وقد يجيء مما كان ماضيه على «فعل، يفعل» نحو ما قلنا من نعس ينعس، ورب يرب.
فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وكان الربان ما ذكرنا، والرباني: هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يرب أمور الناس بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله، والولي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم، بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم؛ كانوا جميعا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله عز وجل {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] فالربانيون إذا، هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: «وهم فوق الأحبار» ، لأن الأحبار هم العلماء. والرباني: الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم 05P531
[آل عمران: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الحجاز وبعض البصريين: (بما كنتم تعلمون) بفتح التاء وتخفيف اللام، يعني: بعلمكم الكتاب، ودراستكم إياه وقراءتكم، واعتلوا لاختيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب لو كان التشديد في اللام وضم التاء، لكان الصواب في {تدرسون} [آل عمران: 79] بضم التاء وتشديد الراء، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {بما كنتم تعلمون الكتاب} [آل عمران: 79] بضم التاء من «تعلمون» وتشديد اللام، بمعنى: بتعليمكم الناس الكتاب، ودراستكم إياه، واعتلوا لاختيارهم ذلك بأن من وصفهم بالتعليم فقد وصفهم بالعلم، إذ لا يعلمون إلا بعد علمهم بما يعلمون. قالوا: ولا موصوف بأنه يعلم، إلا وهو موصوف بأنه عالم، قالوا: فأما الموصوف بأنه عالم فغير موصوف بأنه معلم غيره، قالوا: فأولى القراءتين بالصواب، أبلغهما في مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناس الكتاب كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أنه قرأ: (بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) مخففة بنصب التاء، وقال ابن عيينة: ما علموه حتى علموه " وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بضم التاء وتشديد اللام؛ لأن الله عز وجل وصف القوم بأنهم أهل عماد للناس في دينهم ودنياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية، يقول جل ثناؤه: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79] على ما بينا قبل من معنى الرباني، ثم أخبر تعالى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس، وتربية لهم بتعليمهم إياهم كتاب ربهم، ودراستهم إياه: تلاوته، وقد قيل: دراستهم الفقه. وأشبه التأويلين بالدراسة ما قلنا من تلاوة الكتاب؛ لأنه عطف على قوله: {تعلمون الكتاب} [آل عمران: 79] ، والكتاب: هو القرآن، فلأن تكون الدراسة معنيا بها دراسة القرآن أولى من أن تكون معنيا بها دراسة الفقه الذي لم يجر له ذكر ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال يحيى بن آدم: قال أبو زكريا: كان عاصم يقرؤها: {بما كنتم تعلمون الكتاب} [آل عمران: 79] قال: القرآن، {وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] قال: «الفقه» فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله، وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه 05P533
[آل عمران: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 80] اختلفت القراء في قراءة قوله: {ولا يأمركم} [آل عمران: 80] ، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة: (ولا يأمركم) على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمركم أيها الناس أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها وهي: «ولن يأمركم» فاستدلوا بدخول لن على انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف، قالوا: فلما صير مكان «لن» في قراءتنا «لا» وجبت قراءته بالرفع، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: {ولا يأمركم} [آل عمران: 80] بنصب الراء عطفا على قوله: {ثم يقول للناس} [آل عمران: 79] وكان تأويله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب، ثم يقول للناس ولا أن يأمركم، بمعنى: ولا كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك: {ولا يأمركم} [آل عمران: 80] بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأول: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} [آل عمران: 79] ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا؛ لأن الآية نزلت في سبب القوم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك؟ فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه ليس لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، ولكن الذي له أن يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين. فأما الذي ادعى من قرأ ذلك رفعا أنه في قراءة عبد الله: «ولن يأمركم» استشهادا لصحة قراءته بالرفع، فذلك خبر غير صحيح سنده، وإنما هو خبر رواه حجاج، عن هارون لا يجوز أن ذلك في قراءة عبد الله كذلك، ولو كان ذلك خبرا صحيحا سنده، لم يكن فيه لمحتج حجة؛ لأن ما كان على صحته من القراءة من الكتاب الذي جاء به المسلمون وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم لا يجوز تركه لتأويل على قراءة أضيفت إلى بعض الصحابة بنقل من يجوز في نقله الخطأ والسهو. فتأويل الآية إذا: وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، يعني بذلك آلهة يعبدون من دون الله، كما ليس له أن يقول لهم كونوا عبادا لي من دون الله، ثم قال جل ثناؤه نافيا عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بذلك: أيأمركم بالكفر أيها الناس نبيكم بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم مسلمون، يعني بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة متذللون له بالعبودية، أي أن ذلك غير كائن منه أبدا وقد: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «ولا يأمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا» 05P535
[آل عمران: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين، يعني حين أخذ الله ميثاق النبيين، وميثاقهم: ما وثقوا به على أنفسهم طاعة الله فيما أمرهم ونهاهم، وقد بينا أصل الميثاق باختلاف أهل التأويل فيه بما فيه الكفاية {لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق؛ {لما آتيتكم} [آل عمران: 81] بفتح اللام من «لما» ، إلا أنهم اختلفوا في قراءة «آتيتكم» فقرأه بعضهم {آتيتكم} [آل عمران: 81] على التوحيد، وقرأه آخرون: (آتيناكم) على الجمع. ثم اختلف أهل العربية إذا قرئ ذلك كذلك، فقال بعض نحويي البصرة: اللام التي مع «ما» في أول الكلام لام الابتداء، نحو قول القائل: لزيد أفضل منك، لأن «ما» اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التي في: {لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمنن به يؤكد في أول الكلام وفي آخره، كما يقال: أما والله أن لو جئتني لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فيؤكد في لتؤمنن به باللام في آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتيتكم من كتاب وحكمة» ، «لتؤمنن به» ، مثل: " لعبد الله والله لا آتينه، قال: وإن شئت جعلت خبر «ما» من كتاب " يريد: لما آتيتكم كتابا وحكمة، وتكون «من» زائدة، وخطأ بعض نحويي الكوفيين ذلك كله، وقال: اللام التي تدخل في أوائل الجزاء لا تجاب بما ولا «لا» فلا يقال لمن قام: لا تتبعه، ولا لمن قام: ما أحسن، فإذا وقع في جوابها «ما» و «لا» علم أن اللام ليست بتوكيد للأولى؛ لأنه يوضع موضعها «ما» و «لا» ، فتكون كالأولى، وهي جواب للأولى، قال: وأما قوله : {لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] بمعنى إسقاط «من» غلط؛ لأن «من» التي تدخل وتخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع في الخبر أيضا، إنما تقع في الجحد والاستفهام والجزاء. وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية على قراءة من قرأ ذلك بفتح اللام بالصواب أن يكون قوله: {لما} [البقرة: 41] بمعنى: لمهما، وأن تكون «ما» حرف جزاء أدخلت عليها اللام، وصير الفعل معها على «فعل» ثم أجيبت بما تجاب به الأيمان، فصارت اللام الأولى يمينا إذ تلقيت بجواب اليمين. وقرأ ذلك آخرون: (لما آتيتكم) بكسر اللام من «لما» ، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة ثم اختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه إذا قرئ كذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم، فما على هذه القراءة بمعنى: الذي عندهم. وكان تأويل الكلام: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول: يعني: ثم إن جاءكم رسول، يعني ذكر محمد في التوراة، لتؤمنن به، أي ليكونن إيمانكم به للذي عندكم في التوراة من ذكره. وقال آخرون منهم: تأويل ذلك إذا قرئ بكسر اللام من «لما» ، وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتاهم من الحكمة، ثم جعل قوله: لتؤمنن به من الأخذ، أخذ الميثاق، كما يقال في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف، فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول: وإذا استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم} [آل عمران: 81] بفتح اللام، لأن الله عز وجل أخذ ميثاق جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم، كان ممن آتاه كتابا، أو من لم يؤته كتابا، وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عز وجل ورسله، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله، فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن منهم من أنزل عليه الكتاب، وأن منهم من لم ينزل عليه الكتاب، كان بينا أن قراءة من قرأ ذلك: (لما آتيتكم) بكسر اللام، بمعنى: من أجل الذي آتيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا على تأويل بعيد، وانتزاع عميق. ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رسل الله مصدقا لما معه، فقال بعضهم: إنما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب، دون أنبيائهم، واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله: {لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] قالوا: فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرسل من الأمم بالإيمان برسل الله، ونصرتها على من خالفها، وأما الرسل فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد؛ لأنها المحتاجة إلى المعونة على من خالفها من كفرة بني آدم، فأما هي فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها، قالوا: وإذا لم يكن غيرها وغير الأمم الكافرة، فمن الذي ينصر النبي، فيؤخذ ميثاقه بنصرته؟ ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] قال: " هي خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود: «وإذ أخذ 05P539 الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] يقول: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وكذلك كان يقرؤها الربيع: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» ، إنما هي أهل الكتاب، قال: وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب، قال الربيع: ألا ترى أنه يقول: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] يقول.
: " لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولتنصرنه، قال: هم أهل الكتاب " وقال آخرون: بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك الأنبياء دون أممها ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وأحمد بن حازم، قالا: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] «أن يصدق بعضهم بعضا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} [آل عمران: 81] الآية، قال: «أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب، قال: " لم يبعث الله عز وجل نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه، فقال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] " الآية حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب} [آل عمران: 81] الآية، «هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، 05P541 ويصدقوه وينصروه» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] الآية قال: " لم يبعث الله عز وجل نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه: ليؤمنن بمحمد، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به، ولينصرنه إن خرج وهم أحياء " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا عبد الكبير بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، قال: سألت الحسن، عن قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] الآية كلها، قال: " أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلغن آخركم أولكم ولا تختلفوا " وقال آخرون: معنى ذلك أنه ميثاق النبيين وأممهم، فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر أممها؛ لأن في ذكر أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التباع؛ لأن الأمم هم تباع الأنبياء ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال : ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " ثم ذكر ما أخذ 05P542 عليهم، يعني على أهل الكتاب، وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه، يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] " إلى آخر الآية حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: الخبر عن أخذ الله الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضا، وأخذ الأنبياء على أممها، وتباعها الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به؛ لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها، ولم يدع أحد ممن صدق المرسلين أن نبيا أرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل، وحججه في عباده، بل كلها وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله بجحودها نبوته مقر بأن من ثبتت صحة نبوته، فعليها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقر به جميعهم، ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء، لأن الله عز وجل، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواء قال قائل: لم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال: لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نص الله عز وجل أنه أمرها بتبليغه؛ لأنهما جميعا خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشك في أحدهما جاز في الآخر. وأما ما استشهد به الربيع بن أنس على أن المعني بذلك أهل 05P543 الكتاب من قوله: {لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] فإن ذلك غير شاهد على صحة ما قال؛ لأن الأنبياء قد أمر بعضها بتصديق بعض، وتصديق بعضها بعضا، نصرة من بعضها بعضا. تم اختلفوا في الذين عنوا بقوله: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] فقال بعضهم: الذين عنوا بذلك هم الأنبياء، أخذت مواثيقهم أن يصدق بعضهم بعضا، وأن ينصروه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله. وقال آخرون: هم أهل الكتاب أمروا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله وبنصرته، وأخذ ميثاقهم في كتبهم بذلك، وقد ذكرنا الرواية بذلك أيضا عمن قاله. وقال آخرون ممن قال الذين عنوا بأخذ الله ميثاقهم منهم في هذه الآية هم الأنبياء، قوله: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} [آل عمران: 81] معني به أهل الكتاب ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] قال: " أخذ الله ميثاق النبيين: أن يصدق بعضهم بعضا "، ثم قال: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] قال: «فهذه الآية لأهل الكتاب أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدقوه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: قال قتادة: «أخذ الله على النبيين ميثاقهم أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالته إلى عباده، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذوا مواثيق أهل الكتاب في كتابهم، فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوه وينصروه» وأولى الأقوال بالصواب عندنا في تأويل هذه الآية: أن جميع ذلك خبر من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أممهم إليه والإقرار به؛ لأن ابتداء الآية خبر من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم، فقال: هو كذا وهو كذا.
وإنما قلنا إن ما أخبر الله أنه أخذ به مواثيق أنبيائه من ذلك، قد أخذت الأنبياء مواثيق أممها به؛ لأنها أرسلت لتدعو عباد الله إلى الدينونة، بما أمرت بالدينونة به في أنفسها من تصديق رسل الله على ما قدمنا البيان قبل، فتأويل الآية: واذكروا يا معشر أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين لمهما آتيتكم أيها النبيون من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدق لما معكم لتؤمنن به، يقول: لتصدقنه ولتنصرنه، وقد قال السدي في ذلك بما: حدثنا به محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {لما آتيتكم} [آل عمران: 81] يقول " لليهود: أخذت ميثاق النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم " 05P545 فتأويل ذلك على قول السدي الذي ذكرناه: واذكروا يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم أيها اليهود من كتاب وحكمة، وهذا الذي قاله السدي كان تأويلا لا وجه غيره لو كان التنزيل «بما آتيتكم» ، ولكن التنزيل باللام لما آتيتكم وغير جائز في لغة أحد من العرب أن يقال: أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم، بمعنى: بما آتيتكم 05P544
[آل عمران: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا} [آل عمران: 81] يعني بذلك جل ثناؤه: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: أأقررتم بالميثاق الذي واثقتموني عليه من أنكم مهما أتاكم رسول من عندي، مصدق لما معكم، لتؤمنن به ولتنصرنه {وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] يقول: وأخذتم على ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي، والقيام بنصرتهم إصري، يعني عهدي ووصيتي، وقبلتم في ذلك مني ورضيتموه، والأخذ: هو القبول في هذا الموضع، والرضا من قولهم: أخذ الوالي عليه البيعة، بمعنى: بايعه، وقبل ولايته، ورضي بها. وقد بينا معنى الإصر باختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وحذفت الفاء من قوله: {قال أأقررتم} [آل عمران: 81] لأنه ابتداء كلام على نحو ما قد بينا في نظائره فيما مضى، وأما قوله: {قالوا أقررنا} [آل عمران : 81] فإنه يعني به: قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتبك وبنصرتهم 05P546 [آل عمران: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] يعني بذلك جل ثناؤه، قال الله: فاشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونصرتهم على أنفسكم، وعلى أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب، في قوله: {قال فاشهدوا} [آل عمران: 81] يقول: «فاشهدوا على أممكم بذلك» {وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] «عليكم وعليهم» 05P546 [آل عمران: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 82] يعني بذلك جل ثناؤه: فمن أعرض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك ولم ينصر، ونكث عهده وميثاقه بعد ذلك، يعني بعد العهد والميثاق الذي أخذه الله عليه، فأولئك هم الفاسقون: يعني بذلك أن 05P547 المتولين عن الإيمان بالرسل الذين وصف أمرهم ونصرتهم بعد العهد والميثاق اللذين أخذا عليهم بذلك، هم الفاسقون، يعني بذلك الخارجين من دين الله، وطاعة ربهم كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب: «فمن تولى عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم، فأولئك هم الفاسقون، هم العاصون في الكفر» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال أبو جعفر يعني الرازي: {فمن تولى بعد ذلك} [آل عمران: 82] يقول: «بعد العهد والميثاق الذي أخذ عليهم، فأولئك هم الفاسقون» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. وهاتان الآيتان وإن كان مخرج الخبر فيهما من الله عز وجل بما أخبر أنه شهد، وأخذ به ميثاق من أخذ ميثاقه به عن أنبيائه ورسله، فإنه مقصود به إخبار من كان حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم، عما لله عليهم من العهد في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى تذكيرهم ما كان الله آخذا على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود، وما كانت أنبياء الله عرفتهم وتقدمت إليهم في تصديقه واتباعه ونصرته على من خالفه وكذبه، وتعريفهم ما في كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه التي ابتعثهم إليهم من صفته وعلامته 05P547
[آل عمران: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} [آل عمران: 83] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز من مكة والمدينة وقراء الكوفة: (أفغير دين الله تبغون)، (وإليه ترجعون) ، على وجه الخطاب. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز: {أفغير دين الله يبغون} [آل عمران: 83]، {وإليه يرجعون} [آل عمران: 83] بالياء كلتيهما على وجه الخبر عن الغائب، وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: {أفغير دين الله يبغون} [آل عمران: 83] على وجه الخبر عن الغائب، «وإليه ترجعون» بالتاء، على وجه المخاطبة. وأولى ذلك بالصواب قراءة من قرأ: (أفغير دين الله تبغون) على وجه الخطاب (وإليه ترجعون) بالتاء، لأن الآية التي قبلها خطاب لهم، فإتباع الخطاب نظيره أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره، وإن كان الوجه الآخر جائزا لما قد ذكرنا فيما مضى قبل من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانا على الخطاب كله، وأحيانا على وجه الخبر عن الغائب، وأحيانا بعضه على الخطاب، وبعضه على الغيبة، فقوله: (تبغون) ، (وإليه ترجعون) في هذه الآية من ذلك. وتأويل الكلام: يا معشر أهل الكتاب: (أفغير دين الله تبغون) يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون {وله أسلم من في السموات والأرض} يقول: وله خشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودية وأقر له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية {طوعا وكرها} [آل عمران: 83] يقول: أسلم لله طائعا من كان إسلامه منهم له طائعا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين، فإنهم أسلموا لله طائعين، وكرها من كان منهم كارها. واختلف أهل التأويل في معنى إسلام الكاره الإسلام. وصفته، فقال بعضهم: إسلامه: إقراره بأن الله خالقه وربه، وإن أشرك معه في العبادة غيره ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {وله أسلم من في السموات والأرض} قال: هو كقوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} قال: «كل آدمي قد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومن أخلص له العبودية فهو الذي أسلم 05P550 طوعا» وقال آخرون: بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ منه الميثاق، فأقر به ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال: «حين أخذ الميثاق» وقال آخرون: عنى بإسلام الكاره منهم سجود ظله ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال: " الطائع: المؤمن، وكرها: ظل الكافر " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {طوعا وكرها} [آل عمران: 83] قال: «سجود المؤمن طائعا، وسجود الكافر وهو كاره» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كرها} [النساء: 19] قال: «سجود المؤمن طائعا، وسجود ظل الكافر وهو كاره» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: «سجود وجهه وظله طائعا» وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه في مشيئة الله واستقادته لأمره، وإن أنكر ألوهته بلسانه ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر: {وله أسلم من في السموات والأرض} قال: «استقاد كلهم له» وقال آخرون: عنى بذلك إسلام من أسلم من الناس كرها حذر السيف على نفسه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} الآية كلها، فقال: «أكره أقوام على الإسلام، وجاء أقوام 05P552 طائعين» حدثني الحسن بن قزعة الباهلي، قال: ثنا روح بن عطاء، عن مطر الوراق، في قول الله عز وجل: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} قال: «الملائكة طوعا، والأنصار طوعا، وبنو سليم وعبد القيس طوعا، والناس كلهم كرها» وقال آخرون: معنى ذلك أن أهل الإيمان أسلموا طوعا، وأن الكافر أسلم في حال المعاينة حين لا ينفعه إسلام كرها ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أفغير دين الله تبغون) الآية، «فأما المؤمن فأسلم طائعا، فنفعه ذلك، وقبل منه؛ وأما الكافر فأسلم كارها، حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال: «أما المؤمن فأسلم طائعا، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله» {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85] 05P553 وقال آخرون: معنى ذلك: في عبادة الخلق لله عز وجل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قال: «عبادتهم لي أجمعين طوعا وكرها» ، وهو قوله: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها} " وأما قوله: {وإليه يرجعون} [آل عمران: 83] " فإنه يعني: وإليه يا معشر من يبتغي غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى، وسائر الناس (ترجعون) يقول: إليه تصيرون بعد مماتكم، فمجازيكم بأعمالكم، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهذا من الله عز وجل تحذير خلقه أن يرجع إليه أحد منهم، فيصير إليه بعد وفاته على غير ملة الإسلام 05P553
[آل عمران: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [آل عمران: 83] 05P553 يعني بذلك جل ثناؤه: أفغير دين الله تبغون يا معشر اليهود، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وإليه ترجعون، فإن ابتغوا غير دين الله يا محمد، فقل لهم: آمنا بالله، فترك ذكر قوله: " فإن قالوا: نعم "، وذكر قوله: «فإن ابتغوا غير دين الله» لدلالة ما ظهر من الكلام عليه. وقوله: {قل آمنا بالله} [آل عمران: 84] يعني به: قل لهم يا محمد: صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحدا سواه؛ {وما أنزل علينا} [آل عمران: 84] يقول: وقل: وصدقنا أيضا بما أنزل علينا من وحيه وتنزيله، فأقررنا به {وما أنزل على إبراهيم} [آل عمران: 84] يقول: وصدقنا أيضا بما أنزل على إبراهيم خليل الله وعلى ابنيه {إسماعيل وإسحاق} وابن ابنه {ويعقوب} [البقرة: 132] وبما أنزل على الأسباط، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماءهم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع {وما أوتي موسى وعيسى} [البقرة: 136] يقول: وصدقنا أيضا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوحي، وبما أنزل على النبيين من عنده، والذي آتى الله موسى وعيسى، مما أمر الله عز وجل محمدا بتصديقهما فيه والإيمان به التوراة التي آتاها موسى، والإنجيل الذي أتاه عيسى. {لا نفرق بين أحد منهم} [البقرة: 136] يقول: لا نصدق بعضهم ونكذب بعضهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله، وصدقت بعضا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدقهم. {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] يعني: ونحن ندين لله بالإسلام، لا ندين غيره، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره، ويعني بقوله: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودية، مقرون له بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره، وقد ذكرنا الرواية بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضى وكرهنا إعادته 05P555 [آل عمران: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينا غير دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه {وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] ، يقول: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل، وذكر أن أهل كل ملة ادعوا أنهم هم المسلمون لما نزلت هذه الآية، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين؛ لأن من سنة الإسلام الحج، فامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم ذكر الخبر بذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: زعم عكرمة: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} [آل عمران: 85] " فقالت الملل: نحن المسلمون، 05P556 فأنزل الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] «فحج المسلمون، وقعد الكفار» حدثنا المثنى، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] " قالت اليهود: فنحن المسلمون، فأنزل الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحجهم أن " {لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: «لما نزلت» : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} [آل عمران: 85] " إلى آخر الآية قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم ": إن {لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر} [آل عمران: 97] «من أهل الملل» {فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] وقال آخرون في هذه الآية بما: حدثنا به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا 05P557 والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] «فأنزل الله عز وجل بعد هذا» {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] 05P556
[آل عمران: 86_89] القول في تأويل قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 86_89] اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلما، فارتد بعد إسلامه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] إلى قوله: {وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 87] فأرسل إليه قومه، فأسلم " 05P558 حدثني ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، بنحوه، ولم يرفعه إلى ابن عباس، إلا أنه قال: فكتب إليه قومه، فقال: ما كذبني قومي، فرجع. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حكيم بن جميع، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: " ارتد رجل من الأنصار، فذكر نحوه حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: " جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله عز وجل فيه القرآن: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] إلى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 89] قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم، فحسن إسلامه " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق} [آل عمران: 86] قال: " 05P559 أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري كفر بعد إيمانه، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآيات، إلى: أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ثم تاب وأسلم، فنسخها الله عنه، قال: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 89] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} [آل عمران: 86] «قال رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه» قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: " لحق بأرض الروم فتنصر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا هل لي من توبة؟ قال: فحسبت أنه آمن ثم رجع " 05P560 قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟
فنزلت: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} [آل عمران: 89] الآيات. وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] «فهم أهل الكتاب عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا به» حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] «الآية كلها، قال اليهود والنصارى» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] «الآية، هم أهل 05P561 الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وأقروا به، وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] قال: «هم أهل الكتاب؛ كانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم» قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معني بها أهل الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن، وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات، ثم عرف عباده سنته فيهم، فيكون داخلا في ذلك كل من كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم ثم ارتد وهو حي عن إسلامه، فيكون معنيا بالآية جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله. فتأويل الآية إذا: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: 86] يعني: كيف يرشد الله للصواب، ويوفق للإيمان قوما جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد 05P562 إيمانهم: أي بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربه {وشهدوا أن الرسول حق} [آل عمران: 86] يقول: وبعد أن أقروا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقا {وجاءهم البينات} [آل عمران: 86] يعني: وجاءهم الحجج من عند الله، والدلائل بصحة ذلك. {والله لا يهدي القوم الظالمين} [آل عمران: 86] يقول: والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين بدلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الظلم، وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته. {أولئك جزاؤهم} [آل عمران: 87] يعني: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حق {جزاؤهم} [آل عمران: 87] ثوابهم من عملهم الذي عملوه {أن عليهم لعنة الله} [آل عمران: 87] يعني أن حل بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم من العقاب {أجمعين} [آل عمران: 87] يعني من جميعهم: لا بعض من سماه جل ثناؤه من الملائكة والناس، ولكن من جميعهم ، وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم؛ لأن عملهم كان بالله كفرا، وقد بينا صفة لعنة الناس الكافر في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته 05P563 {خالدين فيها} [آل عمران: 88] يعني: ماكثين فيها، يعني: في عقوبة الله {لا يخفف عنهم العذاب} [البقرة: 162] لا ينقصون من العذاب شيئا في حال من الأحوال ولا ينفسون فيه.
{ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] يعني: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون، وذلك كله: أعني الخلود في العقوبة في الآخرة. {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} [آل عمران: 89] ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، فقال تعالى ذكره: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} [آل عمران: 89] يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم {وأصلحوا} [آل عمران: 89] يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال {فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 192] يعني فإن الله لمن فعل ذلك بعد كفره {غفور} [آل عمران: 89] يعني: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردة، فتارك عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه، {رحيم} [آل عمران: 89] متعطف عليه بالرحمة 05P561
[آل عمران: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى الله عز وجل بقوله: {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] أي ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] بكفرهم بمحمد {لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] عند حضور الموت وحشرجته بنفسه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] قال: «اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت» حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] «أولئك أعداء الله اليهود، كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: «ازدادوا كفرا حتى حضرهم الموت، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم الموت» قال معمر: وقال مثل ذلك عطاء الخراساني حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] وقال: «هم اليهود كفروا بالإنجيل، ثم ازدادوا كفرا حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنكروه، وكذبوا به» 05P565 وقال آخرون: معنى ذلك أن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد بعد إيمانهم بأنبيائهم، {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] يعني ذنوبا {لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] «ازدادوا ذنوبا وهم كفار» ف {لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] «من تلك الذنوب ما كانوا على كفرهم وضلالتهم» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، قال: سألت أبا العالية، قال: قلت: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] قال: «إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم» حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود، قال: سألت أبا العالية عن الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوا منه حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] قال: " هم اليهود والنصارى والمجوس، أصابوا ذنوبا في 05P566 كفرهم فأرادوا أن يتوبوا منها، ولن يتوبوا من الكفر، ألا ترى أنه يقول: {وأولئك هم الضالون} [آل عمران: 90] " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن داود، عن أبي العالية، في قوله: {لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] قال: «تابوا من بعض، ولم يتوبوا من الأصل» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: " هم اليهود والنصارى يصيبون الذنوب فيقولون نتوب وهم مشركون، قال الله عز وجل: لن تقبل التوبة في الضلالة " وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم، {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] ، يعني بزيادتهم الكفر تمامهم عليه حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، لن تقبل توبتهم: لن تنفعهم توبتهم الأولى، وإيمانهم لكفرهم الآخر وموتهم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: «تموا على كفرهم» قال ابن 05P567 جريج: {لن تقبل توبتهم} [آل عمران: 90] يقول: «إيمانهم أول مرة لن ينفعهم» .
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?