Taberî — Câmiü'l-Beyân
[آل عمران: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غني عنه، وعن حجه وعمله، وعن سائر خلقه من الجن والإنس كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطأة، عن محمد بن أبي المجالد، قال: سمعت 05P619 مقسما، عن ابن عباس، في قوله: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال: «من زعم أنه ليس بفرض عليه» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن عطاء، وجويبر، عن الضحاك، في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قالا: «من جحد الحج وكفر به» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، قال: «من جحد به» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمران القطان، يقول: «من زعم أن الحج ليس عليه» حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قال: «من أنكره، ولا يرى أن ذلك عليه حقا، فذلك كفر» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال: «من كفر بالحج» حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قال: «من كفر بالحج كفر بالله» حدثني المثنى، قال: ثنا يعلى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن هشام بن حسان، عن الحسن في قول الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر} [آل عمران: 97] قال: «من لم يره عليه واجبا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال «بالحج» وقال آخرون: معنى ذلك: أن لا يكون معتقدا في حجه أن له الأجر عليه، ولا أن عليه بتركه إثما ولا عقوبة ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: ثني عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قال: «هو ما إن حج لم يره برا، وإن قعد لم يره مأثما» حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «هو ما إن حج لم يره برا، وإن قعد لم يره مأثما» حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مطر، عن أبي داود نفيع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه 05P621 سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] فقام رجل من هذيل، فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ قال: «من تركه ولا يخاف عقوبته، ومن حج ولا يرجو ثوابه، فهو ذاك» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] يقول: «من كفر بالحج، فلم ير حجه برا، ولا تركه مأثما» وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بالله واليوم الآخر ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: سألته عن قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] " ما هذا الكفر؟
قال: من كفر بالله واليوم الآخر " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال «من كفر بالله واليوم الآخر» حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن 05P622 الضحاك، في قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم، فقال: «يا أيها الناس إن الله عز وجل كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة، وهي من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، وكفرت به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله، فأنزل الله عز وجل: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] حدثني أحمد بن حازم، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سئل عامر، عن قوله: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال: «من كفر من الخلق، فإن الله غني عنه» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم، عن محمد بن عباد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قول الله: {ومن كفر} [البقرة: 126] قال: «من كفر بالله واليوم الآخر» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، مولى ابن عباس في قول الله عز وجل: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} [آل عمران: 85] " فقالت الملل: نحن مسلمون، فأنزل الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن 05P623 العالمين} [آل عمران: 97] «فحج المؤمنون، وقعد الكفار» وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] فقرأ {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] فقرأ حتى بلغ: {من استطاع إليه سبيلا ومن كفر} [آل عمران: 97] قال: «من كفر بهذه الآيات» {فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] " ليس كما يقولون: إذا لم يحج وكان غنيا وكانت له قوة فقد كفر بها. وقال قوم من المشركين: فإنا نكفر بها ولا نفعل، فقال الله عز وجل: {فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] وقال آخرون بما: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم، قال: أخبرنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد، عن حبيب بن أبي بقية، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] قال: «من كفر بالبيت» وقال آخرون: كفره به: تركه إياه حتى يموت ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي «أما من كفر فمن وجد ما يحج به ثم لا يحج، فهو كافر» وأولى التأويلات بالصواب في ذلك قول من قال: معنى {ومن كفر} [البقرة: 126] ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه، فإن الله غني عنه وعن حجه وعن العالمين جميعا. وإنما قلنا ذلك أولى به؛ لأن قوله: {ومن كفر} [البقرة: 126] يعقب قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] بأن يكون خبرا عن الكافر بالحج أحق منه بأن يكون خبرا عن غيره، مع أن الكافر بفرض الحج على من فرضه الله عليه بالله كافر، وإن الكفر أصله الجحود، ومن كان له جاحدا ولفرضه منكرا، فلا شك إن حج لم يرج بحجه برا، وإن تركه فلم يحج لم يره مأثما، فهذه التأويلات وإن اختلفت العبارات بها فمتقاربات المعاني 05P624
[آل عمران: 98] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} [آل عمران: 98] يعني بذلك: يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر من ينتحل الديانة بما أنزل الله عز وجل من كتبه، ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحد نبوته؛ لم تجحدون بآيات الله؟ يقول: لم تجحدون حجج الله التي آتاها محمدا في كتبكم وغيرها التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوته وحجته، «وأنتم تعلمون» يقول: لم تجحدون ذلك من أمره، وأنتم تعلمون صدقه، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم 05P625 معتمدون الكفر بالله وبرسوله، على علم منهم ومعرفة من كفرهم وقد: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} [آل عمران: 70] " أما آيات الله: فمحمد صلى الله عليه وسلم " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عباد، عن الحسن، في قوله: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} [آل عمران: 98] قال: «هم اليهود والنصارى» 05P625
[آل عمران: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون} [آل عمران: 99] يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم ممن ينتحل التصديق بكتب الله، {لم تصدون عن سبيل الله} [آل عمران: 99] يقول: لم تضلون عن طريق الله ومحجته التي شرعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان {من آمن} [البقرة: 62] يقول: من صدق بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله {تبغونها عوجا} [آل عمران: 99] يعني تبغون لها عوجا، والهاء والألف اللتان في قوله: {تبغونها} [آل عمران: 99] عائدتان على السبيل، وأنثها لتأنيث السبيل. ومعنى قوله: تبغون لها عوجا، من قول الشاعر وهو سحيم عبد بني الحسحاس: [+البحر الطويل] بغاك وما تبغيه حتى وجدته كأنك قد واعدته أمس موعدا يعني طلبك وما تطلبه، يقال: أبغني كذا؛ يراد: ابتغه لي، فإذا أرادوا: أعني على طلبه، وابتغه معي قالوا: أبغني بفتح الألف، وكذلك يقال: أحلبني، بمعنى: اكفني الحلب وأحلبني: أعني عليه، وكذلك جميع ما ورد من هذا النوع فعلى هذا. وأما العوج: فهو الأود والميل، وإنما يعني بذلك الضلال عن الهدى يقول جل ثناؤه: {لم تصدون} [آل عمران: 99] عن دين الله من صدق الله ورسوله، تبغون دين الله اعوجاجا عن سننه واستقامته وخرج الكلام على السبيل، والمعنى لأهله، كأن المعنى: تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحق عوجا، يقول: ضلالا عن الحق وزيغا عن الاستقامة على الهدى والمحجة، والعوج بكسر أوله: الأود في الدين والكلام، والعوج بفتح أوله: الميل في الحائط والقناة وكل شيء منتصب قائم. وأما قوله: {وأنتم شهداء} [آل عمران: 99] فإنه يعني شهداء على أن الذي تصدون عنه من السبيل حق تعلمونه وتجدونه في كتبكم {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] يقول: ليس الله بغافل عن أعمالكم التي تعملونها مما لا يرضاه لعباده، وغير ذلك من أعمالكم حتى يعاجلكم بالعقوبة عليها معجلة، أو يؤخر ذلك لكم، حتى تلقوه، فيجازيكم عليها. وقد ذكر أن هاتين الآيتين من قوله: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} [آل عمران: 70] والآيات بعدهما إلى قوله: {وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء بين الحيين من الأوس والخزرج بعد الإسلام، ليراجعوا ما كانوا عليه في جاهليتهم من العداوة والبغضاء، فعنفه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخه عليه، ووعظ أيضا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بالاجتماع والائتلاف ذكر الرواية بذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني الثقة، عن زيد بن أسلم، قال: مر شاس بن قيس، وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من جماعتهم وألقتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شابا من اليهود وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
وكان يوم بعاث يوما اقتتلت 05P628 فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: «يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا» فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا} الآية وأنزل الله عز وجل في أوس بن قيظي وجبار بن 05P629 صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن 63 قيس من أمر الجاهلية {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] إلى قوله: {أولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] وقيل: إنه عنى بقوله: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} [آل عمران: 99] جماعة يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين أظهر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام نزلت هذه الآيات والنصارى، وأن صدهم عن سبيل الله كان بإخبارهم من سألهم عن أمر نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، هل يجدون ذكره في كتبهم أنهم لا يجدون نعته في كتبهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا} [آل عمران: 99] " كانوا إذا سألهم أحد: هل تجدون محمدا؟ قالوا: لا، فصدوا عنه الناس، وبغوا محمدا عوجا: هلاكا " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أهل 05P630 الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} [آل عمران: 99] يقول: «لم تصدون عن الإسلام، وعن نبي الله ومن آمن بالله؟ وأنتم شهداء فيما تقرءون من كتاب الله أن محمدا رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عباد، عن الحسن، في قوله: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} [آل عمران: 99] قال: «هم اليهود والنصارى، نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة» فتأويل الآية ما قاله السدي: يا معشر اليهود لم تصدون عن محمد، وتمنعون من اتباعه المؤمنين بكتمانكم صفته التي تجدونها في كتبكم، ومحمد على هذا القول: هو السبيل {تبغونها عوجا} [آل عمران: 99] تبغون محمدا هلاكا، وأما سائر الروايات غيره والأقوال في ذلك فإنه نحو التأويل الذي بيناه 05P631 قبل، من أن معنى السبيل التي ذكرها في هذا الموضع الإسلام وما جاء به محمد من الحق من عند الله 05P630
[آل عمران: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] اختلف أهل التأويل فيمن عنى بذلك، فقال بعضهم: عنى بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} [آل عمران: 100] الأوس والخزرج، وبالذين أوتوا الكتاب: شاس بن قيس اليهودي، على ما قد ذكرنا قبل من خبره عن زيد بن أسلم. وقال آخرون: فيمن عنى بالذين آمنوا، مثل قول زيد بن أسلم، غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بينه وبين غيره من الأنصار حتى هموا بالقتال ووجد اليهودي به مغمزا فيهم ثعلبة بن عنمة الأنصاري ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] قال: «نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري، كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهودي من قينقاع، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا» ، فأنزل الله عز وجل: {إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم 05P632 كافرين} [آل عمران: 100] يقول: «إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 100] قال: " كان جماع قبائل الأنصار بطنين الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن، حتى من الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألف بينهم بالإسلام قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان، ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما أيامهما والعداوة التي كانت بينهم، حتى استبا، ثم اقتتلا، قال: فنادى هذا قومه، وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح، وصف بعضهم لبعض، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم، حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل الله عز وجل القرآن في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 100] إلى قوله: {عذاب عظيم} [آل عمران: 105] " فتأويل الآية: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتاب من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا 05P633 منهم ما يأمرونكم به، يضلوكم فيردوكم بعد تصديقكم رسول ربكم وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم كافرين؛ يقول: جاحدين لما قد آمنتم به وصدقتموه من الحق الذي جاءكم من عند ربكم، فنهاهم جل ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيا أو مشورة، ويعلمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوون على غل وغش وحسد وبغض كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] : «قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذركم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأمنوهم على دينكم ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال، كيف تأتمنون قوما كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك والله هم أهل التهمة والعداوة» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 05P633
[آل عمران: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} [آل عمران: 101] يعني بذلك جل ثناؤه: وكيف تكفرون أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدوا على أعقابكم {وأنتم تتلى عليكم آيات الله} [آل عمران: 101] يعني حجج الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وفيكم رسوله} [آل عمران: 101] حجة أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحق، ويبصركم الهدى والرشاد، وينهاكم عن الغي والضلال، يقول لهم تعالى ذكره: فما وجه عذركم عند ربكم في جحودكم نبوة نبيكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إن أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة، والآيات البينة، على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله} [آل عمران: 101] الآية، " علمان بينان: وجدان نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله؛ فأما نبي الله فمضى صلى الله عليه وسلم؛ وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته " وأما قوله: {من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} [آل عمران: 101] فإنه يعني: ومن يتعلق بأسباب الله، ويتمسك بدينه وطاعته، {فقد هدي} [آل عمران: 101] يقول: فقد وفق لطريق واضح ومحجة مستقيمة غير معوجة، فيستقيم به إلى رضا الله وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ومن يعتصم بالله فقد هدي} [آل عمران: 101] قال: «يؤمن بالله» 05P635 وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به ومنه قول الفرزدق: [+البحر الوافر] أنا ابن العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحدثان نابا ولذلك قيل للحبل: عصام، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عصام، ومنه قول الأعشى: [+البحر المتقارب] إلى المرء قيس أطيل السرى وآخذ من كل حي عصم يعني بالعصم الأسباب، أسباب الذمة والأمان، يقال منه: اعتصمت بحبل من فلان، واعتصمت حبلا منه، واعتصمت به واعتصمه، وأفصح اللغتين إدخال الباء، كما قال عز وجل: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] ، وقد جاء «اعتصمته» ، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] إذا أنت جازيت الإخاء بمثله وآسيتني ثم اعتصمت حباليا فقال: «اعتصمت حباليا» ، ولم يدخل الباء، وذلك نظير قولهم: تناولت الخطام وتناولت بالخطام، وتعلقت به وتعلقته، كما قال الشاعر: تعلقت هندا ناشئا ذات مئزر وأنت وقد فارقت لم تدر ما الحلم 05P636 وقد بينت معنى الهدى والصراط وأنه معني به الإسلام فيما مضى قبل بشواهده، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. وقد ذكر أن الذي نزل في سبب تحاوز القبيلتين الأوس والخزرج، كان منه قوله: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله} [آل عمران: 101] ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس، قال: «كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح» فنزلت هذه الآية: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} [آل عمران: 101] إلى آخر الآيتين {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء} [آل عمران: 103] إلى آخر الآية " 05P636
[آل عمران: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] 05P637 يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدق الله ورسوله {اتقوا الله} [البقرة: 278] خافوا الله وراقبوه بطاعته، واجتناب معاصيه {حق تقاته} [آل عمران: 102] حق خوفه، وهو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. {ولا تموتن} [آل عمران: 102] أيها المؤمنون بالله ورسوله، {إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] لربكم مذعنون له بالطاعة، مخلصون له الألوهية والعبادة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] قال: «أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله. 05P638 حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا جرير، عن زبيد، عن عبد الله، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن المسعودي، عن زبيد الأيامي، عن مرة، عن عبد الله، مثله. حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] قال: «أن يطاع فلا يعصى، ويشكر 05P639 فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، نحوه حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة، عن الربيع بن خثيم، قال: «أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت مرة الهمداني يحدث عن الربيع بن خثيم في قول الله عز وجل: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] فذكر نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] «أن يطاع فلا يعصى» حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] قال: «حق تقاته أن يطاع 05P640 فلا يعصى» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " ثم تقدم إليهم، يعني إلى المؤمنين من الأنصار، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] " أما حق تقاته: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر " حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] «أن يطاع فلا يعصى» قال: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] وقال آخرون: بل تأويل ذلك كما: حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] قال: «حق تقاته أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» 05P641 ثم اختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟
فقال بعضهم: هي محكمة غير منسوخة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] «إنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن تجاهد في الله حق جهاده» ثم ذكر تأويله الذي ذكرناه عنه آنفا حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن طاوس: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران : 102] فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا {" فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال طاوس، قوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] يقول: «إن لم تتقوه فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون» وقال آخرون: هي منسوخة، نسخها قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] «ثم أنزل التخفيف واليسر، وعاد بعائدته ورحمته على ما يعلم من ضعف خلقه» فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] «فجاءت هذه الآية فيها تخفيف وعافية ويسر» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال: ثنا همام، عن قتادة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] قال: " نسختها هذه الآية التي في التغابن {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} [التغابن: 16] «وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: لما نزلت: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] ثم نزل بعدها: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] «فنسخت هذه الآية التي في آل عمران» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] «فلم يطق الناس هذا، 05P643 فنسخه الله عنهم» فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] قال: " جاء أمر شديد، قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه؟ فلما عرف أنه قد اشتد ذلك عليهم، نسخها عنهم، وجاء بهذه الأخرى " فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] «فنسخها» وأما قوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] فإن تأويله كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] قال: «على الإسلام وعلى حرمة الإسلام» 05P643
[آل عمران: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 103] يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الاعتصام وأما الحبل، فإنه السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف والنجاة من الجزع والذعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر الكامل] وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها ومنه قول الله عز وجل: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: «الجماعة» حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن العوام، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: " حبل الله: الجماعة " وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، والعهد الذي عهد فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] " حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به: هذا 05P645 القرآن " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: «بعهد الله وأمره» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله، قال: " إن الصراط محتضر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السدي: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] " أما حبل الله: فكتاب الله " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بحبل الله} [آل عمران: 103] «بعهد الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء: {بحبل الله} [آل عمران: 103] قال: «العهد» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: «حبل الله القرآن» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: «القرآن» حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] يقول: «اعتصموا بالإخلاص لله وحده» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل عمران: 103] قال: " الحبل: الإسلام "، وقرأ {ولا 05P647 تفرقوا} [آل عمران: 103] 05P646
[آل عمران: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى أمره كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] «أن الله عز وجل قد كره لكم الفرقة وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: {ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] " لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانا " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح أن الأوزاعي، حدثه أن يزيد الرقاشي حدثه أنه، سمع أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة» ، قال: فقيل: يا رسول الله، 05P648 وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده وقال: «الجماعة» {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي يحدث عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة المري، عن عبد الله، أنه قال: «يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة» حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب، وهو يقول: " يا أيها الناس، ثم ذكر نحوه 05P649 حدثنا إسماعيل بن حفص الآملي، قال: ثنا عبد الله بن نمير أبو هشام، قال: ثنا مجالد بن سعيد ، عن عامر، عن ثابت بن قطنة المري، قال: قال عبد الله: «عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به» ثم ذكر نحوه 05P648
[آل عمران: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] يعني بقوله جل ثناؤه: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام. واختلف أهل العربية في قوله: {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] ، ثم فسر بقوله: {فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول: أمسك الحائط أن يميل. وقال بعض نحويي الكوفة: قوله {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] تابع قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] غير منقطعة منها. والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] متصل بقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] غير منقطع عنه. وتأويل ذلك: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء: أي بشرككم، بقتل بعضكم بعضا، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] «كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء} [آل عمران: 103] «يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا» فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها، والعداوة التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل: {إذ كنتم أعداء} [آل عمران: 103] فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: «كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم» فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا، وكان سبب ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ، من قومه، قالوا: " قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه، قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما الذي معك؟
» قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرضها علي» فعرضها عليه، فقال: «إن هذا الكلام حسن، معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله علي هدى ونور» ، قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني الحسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل أن محمود بن أسد أحد بني عبد الأشهل، قال: لما قدم أبو الجيش أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم، فقال: «هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ » قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب» ، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله لهم خيرا، قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عمر بن قتادة عن أشياء من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «من أنتم؟ » قالوا: نفر من الخزرج، قال: وأمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟
» قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، ولا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، وسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا، وهم فيما ذكر لي ستة نفر، قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر من الأنصار، فآمنوا به وصدقوه، فأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بين قومنا حربا، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد، فوعدوه العام المقبل، وقالوا: يا رسول الله نذهب، فلعل الله أن يصلح تلك الحرب، قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله عز وجل تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح؛ وهو يوم بعاث فلقوه من العام المقبل سبعون رجلا قد آمنوا، فأخذ عليهم النقباء اثني عشر نقيبا، فذلك حين يقول: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما: {إذ كنتم أعداء} [آل عمران: 103] «ففي حرب» {فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] «بالإسلام» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، بنحوه، وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، فتثاور الحيان، 05P656 فقال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] الآية، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضا، وحتى إن لهم لخنينا، يعني البكاء وسمير الذي زعم السدي أن قوله {إذ كنتم أعداء} [آل عمران: 103] عنى به حربه، هو سمير بن زيد بن مالك أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله: [+البحر المنسرح] إن سميرا أرى عشيرته قد حدبوا دونه وقد أنفوا إن يكن الظن صادقي ببني الن جار لم يطعموا الذي علفوا وقد ذكر علماء الأنصار أن مبدأ العداوة التي هيجت الحروب التي كانت بين قبيلتيها الأوس والخزرج وأولها كان بسبب قتل مولى لمالك بن العجلان الخزرجي، يقال له: الحر بن سمير، من مزينة، وكان حليفا لمالك بن 05P657 العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك معنى قول السدي: حرب بن سمير وأما قوله: {فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا متصادقين لا ضغائن بينكم، ولا تحاسد كما: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] ، وذكر لنا أن رجلا، قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟
قال: «أصبحنا بنعمة الله إخوانا» 05P657
[آل عمران: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [آل عمران: 103] يعني بقوله جل ثناؤه {وكنتم على شفا حفرة من النار} [آل عمران: 103] وكنتم يا معشر المؤمنين من الأوس والخزرج على حرف حفرة من النار، وإنما ذلك مثل لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام، يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه، قبل أن ينعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له، وشفا الحفرة: طرفها وحرفها مثل شفا الركية والبئر، ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] نحن حفرنا للحجيج سجلة نابتة فوق شفاها بقلة يعني فوق حرفها، يقال: هذا شفا هذه الركية مقصور، وهما شفواها، وقال: {فأنقذكم منها} [آل عمران: 103] يعني فأنقذكم من الحفرة، فرد الخبر إلى الحفرة، وقد ابتدأ الخبر عن الشفا، لأن الشفا من الحفرة، فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن الشفا على السبيل التي ذكرها في هذه الآية خبرا عن الحفرة، كما قال جرير بن عطية: [+البحر الوافر] رأت مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال فذكر مر السنين، ثم رجع إلى الخبر عن السنين. وكما قال العجاج: [+البحر الرجز] طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي وقد بينت العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته} [آل عمران: 103] " كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: {وكنتم على شفا حفرة من النار} [آل عمران: 103] يقول: «كنتم على الكفر بالله» ، {فأنقذكم منها} [آل عمران: 103] من ذلك، «وهداكم إلى الإسلام» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [آل عمران: 103] " بمحمد صلى الله عليه وسلم يقول: 05P660 كنتم على طرف النار من مات منكم أوبق في النار، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فاستنقذكم به من تلك الحفرة " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا حسن بن حي: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [آل عمران: 103] قال: «عصبية» 05P660
[آل عمران: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 103] يعني جل ثناؤه بقوله: كذلك كما بين لكم ربكم في هذه الآيات أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غل اليهود، الذي يضمرونه لكم، وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم، يعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه قبلكم، وصنائعه لديكم، فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. {لعلكم تهتدون} [البقرة: 53] يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها 05P660 [آل عمران: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104] يعني بذلك جل ثناؤه: {ولتكن منكم} [آل عمران: 104] أيها المؤمنون، {أمة} [البقرة: 128] يقول: 05P660 جماعة {يدعون} [آل عمران: 104] الناس {إلى الخير} [آل عمران: 104] يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده، {ويأمرون بالمعروف} [آل عمران: 104] يقول: يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ودينه الذي جاء به من عند الله، {وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] يعني وينهون عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمد، وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة، وقوله: {وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104] يعني المنجحين عند الله، الباقين في جناته ونعيمه. وقد دللنا فيما مضى على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارئ، عن أبي عون الثقفي، أنه سمع صبيحا، قال: سمعت عثمان، يقرأ: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم» حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن الزبير، يقرأ، فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبل 05P662 سواء حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] قال: «هم خاصة أصحاب رسول الله، وهم خاصة الرواة» 05P662 [آل عمران: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جراءة على الله، وأولئك لهم: يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول جل ثناؤه: فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] قال: " هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب، قال الله عز وجل: {وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] «ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] قال «هم اليهود والنصارى» 05P663
[آل عمران: 106_107] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 106_107] يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأما قوله: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] فإن معناه: فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: {أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] ولا بد ل «أما» من جواب بالفاء، فلما أسقط الجواب سقطت الفاء معه، وإنما جاز ترك ذكره «فيقال» لدلالة ما ذكر من الكلام عليه. وأما معنى قوله جل ثناؤه: {أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عني به، فقال بعضهم: عني به أهل قبلتنا من المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] الآية، " لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " والذي نفس محمد بيده، ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: رب أصحابي أصحابي، فليقالن: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". وقوله: {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} [آل عمران: 107] هؤلاء أهل طاعة الله والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 107] حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد 05P665 إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] «فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن سلمة، والربيع بن صبيح، عن أبي مجالد، عن أبي أمامة: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] قال: «هم الخوارج» وقال آخرون: عنى بذلك كل من كفر بالله بعد الإيمان الذي آمن حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بين في كتابه ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا علي بن الهيثم، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] قال: «صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسود وجهه وغيرهم» {أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] قال: " هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقروا 05P666 كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين، يقول: أكفرتم بعد إيمانكم، يقول بعد ذلك الذي كان في زمان آدم، وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا له الدين والعمل، فبيض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته " وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله: {أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] المنافقون ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] الآية، قال: «هم المنافقون كانوا أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم» وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأن الإيمان الذي يوبخون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} [الأعراف: 172] وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذا لقول قائل عنى بقوله: {أكفرتم 05P667 بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] بعض الكفار دون بعض، وقد عم الله جل ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوما أنها المرادة بذلك.
فتأويل الآية إذا: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه قوم، وتسود وجوه آخرين؛ فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئا، وتخلصوا له العبادة بعد إيمانكم، يعني: بعد تصديقكم به {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] يقول: بما كنتم تجحدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق. وأما الذين ابيضت وجوههم ممن ثبت على عهد الله وميثاقه، فلم يبدل دينه، ولم ينقلب على عقبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره {ففي رحمة الله} [آل عمران: 107] يقول: فهم في رحمة الله، يعني في جنته ونعيمها، وما أعد الله لأهلها فيها، {هم فيها خالدون} [آل عمران: 107] أي باقون فيها أبدا بغير نهاية ولا غاية 05P666
[آل عمران: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين} [آل عمران: 108] يعني بقوله جل ثناؤه: {تلك آيات الله} [آل عمران: 108] هذه آيات الله وقد بينا كيف وضعت العرب «تلك» و «ذلك» مكان «هذا» و «هذه» في غير هذا الموضع فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته، وقوله: {آيات الله} [البقرة: 231] يعني مواعظ الله، وعبره وحججه. {نتلوها عليك} [البقرة: 252] نقرؤها عليك ونقصها {بالحق} [البقرة: 71] يعني: بالصدق واليقين وإنما يعني بقوله: {تلك آيات الله} [البقرة: 252] هذه الآيات التي ذكر فيها أمور المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده وبالمبدلين دينه والناقضين عهده بعد الإقرار به، ثم أخبر عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبه من خلقه بما أخبر أنه معاقبه من تسويد وجهه وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه ومن جازاه منهم بما جازاه من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه بتخليده في دائم نعيمه فبغير ظلم منه لفريق منهم بل لحق استوجبوه وأعمال لهم سلفت جازاهم عليها، فقال تعالى ذكره: {وما الله يريد ظلما للعالمين} [آل عمران: 108] يعني بذلك: وليس الله يا محمد بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيم؛ وتبييض وجوه هؤلاء، وتنعيمه إياهم في جنته، طالبا وضع شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه إعلاما بذلك عباده أنه لن يصلح في حكمته بخلقه غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به، وإنذارا منه هؤلاء وتبشيرا منه هؤلاء 05P668 [آل عمران: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور} [آل عمران: 109] يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم، وتسويد الوجوه، ويثيب أهل الإيمان به الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التي عاهدوا عليها، بما وصف أنه مثيبهم به من الخلود في جناته من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل؛ لأنه لا حاجة به إلى الظلم، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزته عزة بظلمه إياه، وإلى سلطانه سلطانا، وإلى ملكه ملكا؛ لنقصان في بعض أسبابه يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصا من أسبابه عن التمام، فأما من كان له جميع ما بين أقطار المشارق والمغارب، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدا فيجوز أن يظلم شيئا؛ لأنه ليس من أسبابه شيء ناقص يحتاج إلى تمام، فيتم ذلك بظلم غيره، تعالى الله علوا كبيرا؛ ولذلك قال جل ثناؤه عقيب قوله: {وما الله يريد ظلما للعالمين} [آل عمران: 108] : {ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور} واختلف أهل العربية في وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] ظاهرا وقد تقدم اسمه ظاهرا مع قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ذلك نظير قول العرب: أما زيد فذهب زيد، وكما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فأظهر في موضع الإضمار، وقال بعض نحويي الكوفة: ليس ذلك نظير هذا البيت؛ لأن موضع الموت الثاني في البيت موضع كناية؛ لأنه كلمة واحدة، وليس ذلك كذلك في الآية؛ لأن قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} خبر ليس من قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] في شيء، وذلك أن كل واحدة من القصتين مفارق معناها معنى الأخرى مكتفية كل واحدة منهما بنفسها غير محتاجة إلى الأخرى، وما قال الشاعر: «لا أرى» الموت محتاج إلى تمام الخبر عنه. وهذا القول الثاني عندنا أولى بالصواب؛ لأن كتاب الله عز وجل لا يؤخذ معانيه، وما فيه من البيان إلى الشواذ من الكلام والمعاني وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم وجه صحيح موجود. وأما قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] فإنه يعني تعالى ذكره: إلى الله مصير أمر جميع خلقه الصالح منهم، والطالح والمحسن والمسيء، فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه الجزاء بغير ظلم منه أحدا منهم 05P671
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?