Taberî — Câmiü'l-Beyân
قال: «هن ذوات الأزواج» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] قال: «ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين» . وقال علي: «ذوات الأزواج من المشركين» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم ، عن سعيد ، عن ابن عباس، في قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] قال: «كل ذات زوج عليكم حرام» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن عبد الكريم، عن مكحول، نحوه " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن الصلت بن بهرام، عن إبراهيم، نحوه " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] إلى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] يعني: " ذوات الأزواج من النساء لا يحل نكاحهن يقول: لا يخلب ولا يعد فتنشز على زوجها، وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم الله إلا ما ملكت أيمانكم ، يعني: التي أحل الله من النساء، وهو ما أحل من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع وقال آخرون: بل هن نساء أهل الكتاب ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، عن 06P573 أيوب بن أبي العوجاء، عن أبي مجلز، في قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] قال: «نساء أهل الكتاب» وقال آخرون: بل هن الحرائر ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثني حماد بن مسعدة قال: ثنا سليمان بن عرعرة في قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] قال: «الحرائر» وقال آخرون: المحصنات: هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كل من الصنفين إلا بنكاح أو ملك يمين ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، وسئل عن قول الله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] الآية، قال: " نرى أنه حرم في هذه الآية المحصنات من النساء ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن ، والمحصنات: العفائف، ولا يحللن إلا بنكاح، أو ملك يمين. والإحصان إحصانان: إحصان تزويج، وإحصان عفاف في الحرائر والمملوكات، كل ذلك حرم الله، إلا بنكاح أو ملك يمين " 06P574 وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين ، فنهي المسلمون عن نكاحهن ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: ثني حبيب بن أبي ثابت عن أبي سعيد الخدري، قال: " كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن؛ يعني قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسا عليهم تأويل ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] فلم يقل فيها شيئا؟
قال: فقال: «كان لا يعلمها» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن مجاهد، قال: " لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] إلى قوله: {فما 06P575 استمتعتم به منهن} [النساء: 24] إلى آخر الآية " قال أبو جعفر: فأما المحصنات فإنهن جمع محصنة، وهي التي قد منع فرجها بزوج، يقال منه: أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانا وحصنت هي فهي تحصن حصانة: إذا عفت، وهي حاصن من النساء: عفيفة، كما قال العجاج: [+البحر الرجز] وحاصن من حاصنات ملس عن الأذى وعن قراف الوقس ويقال أيضا إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور: قد أحصنت فرجها فهي محصنة ، كما قال جل ثناؤه: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} بمعنى: حفظته من الريبة ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع: درع حصينة. فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] والممنوعات من النساء حرام عليكم {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرية، كما قال جل ثناؤه: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ويكون 06P576 بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ويكون بالزوج؛ ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا، إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء ، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله. فالذي أباحه تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر، ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني، وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن. فأما السفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن، فلم يحله من حرة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة ". وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه، فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها، وبين فراقه. ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا. ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها 06P577 لها طلاقا لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى، ولوجب بالعتق الفراق، وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق؛ فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت، كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها، فكان نظيرا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع الذي هو زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالا ببيع والآخر بعتق في أن الفرقة لا يجب بها بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق وإن اختلفا في معان أخر، من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع.
فإن قال قائل: وكيف يكون معنيا بالاستثناء من قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح والمنكوحات به غير مملوكات؟ قيل له: إن الله تعالى لم يخص بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها، بل عم بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] كلا المعنيين، أعني ملك الرقبة وملك الاستمتاع بالنكاح، لأن جميع ذلك ملكته أيماننا، أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. 06P578 ومن ادعى أن الله تبارك وتعالى عنى بقوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] محصنة وغير محصنة، سوى من ذكرنا أولا بالاستثناء بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] بعض أملاك أيماننا دون بعض، غير الذي دللنا على أنه غير معني به، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير، فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. فإن اعتل معتل منكم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في سبايا أوطاس، قيل له: إن سبايا أوطاس لم يوطأن بالملك والسباء دون الإسلام، وذلك أنهن كن مشركات من عبدة الأوثان ، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام، وإنهن إذا أسلمن فرق الإسلام بينهن وبين الأزواج، سبايا كن أو مهاجرات، غير أنه إذا كن سبايا حللن إذا هن أسلمن بالاستبراء. فلا حجة لمحتج في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن بخبر أبي سعيد الخدري أن ذلك نزل في سبايا أوطاس، لأنه وإن كان فيهن نزل، فلم ينزل في إباحة وطئهن بالسباء خاصة دون غيره من المعاني التي ذكرنا، مع أن الآية تنزل في معنى فتعم ما نزلت به فيه وغيره ، فيلزم حكمها جميع ما عمته لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا: كتاب البيان عن أصول الأحكام 06P574
[النساء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] يعني تعالى ذكره: كتابا من الله عليكم. فأخرج الكتاب مصدرا من غير 06P579 لفظه، وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] إلى قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] بمعنى: كتب الله تحريم ما حرم من ذلك وتحليل ما حلل من ذلك عليكم كتابا، وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] قال: «ما حرم عليكم» حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها فقال: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] قال: «هو الذي كتب عليكم الأربع أن لا تزيدوا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قلت لعبيدة: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم} [النساء: 24] وأشار ابن عون بأصابعه الأربع " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، عن قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] قال: «أربع» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] الأربع " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] قال: " هذا أمر الله عليكم، قال: يريد ما حرم عليهم من هؤلاء وما أحل لهم. وقرأ: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] إلى آخر الآية. قال: كتاب الله عليكم الذي كتبه ، وأمره الذي أمركم به. {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] أمر الله " وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] منصوب على وجه الإغراء، بمعنى: عليكم كتاب الله، الزموا كتاب الله. والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب، وذلك أنه لا تكاد تنصب بالحرف الذي تغري به ، لا تكاد تقول: أخاك عليك وأباك دونك، وإن كان جائزا. والذي هو أولى بكتاب الله أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه هذا مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا، وخلاف ما وجهه إليه من زعم أنه نصب على وجه الإغراء 06P580
[النساء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحل لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ما دون الأربع أن تبتغوا بأموالكم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] يعني: ما دون الأربع " وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم من سمى لكم تحريمه من أقاربكم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها، فقال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] قال: " ما وراء ذات القرابة {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] الآية " وقال آخرون: بل معنى ذلك: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] عدد ما أحل لكم من 06P582 المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] قال: «ما ملكت أيمانكم» قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه؛ وهو أن الله جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين لا سفاحا. فإن قال قائل: عرفنا المحللات اللواتي هن وراء المحرمات بالأنساب والأصهار، فما المحللات من المحصنات والمحرمات منهن؟ قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي من الحرائر، فأما ما عدا ذوات الأزواج فغير عدد محصور بملك اليمين وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] عام في كل محلل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا، فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها، ولا حجة بأن ذلك كذلك واختلف القراء في قراءة قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] فقرأ ذلك بعضهم: (وأحل لكم)، بفتح الألف من أحل، بمعنى: كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم " وقرأه آخرون: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] اعتبارا بقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] . {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة الإسلام غير مختلفتي المعنى، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الحق وأما معنى قوله: {ما وراء ذلكم} [النساء: 24] فإنه يعني: ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم أن تبتغوا بأموالكم، يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، إما شراء بها وإما نكاحا بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه: {ويكفرون بما وراءه} [البقرة: 91] يعني: بما عداه وبما سواه. وأما موضع أن من قوله: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] فرفع ترجمة عن ما التي في قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] في قراءة من قرأ: وأحل بضم الألف. ونصب على ذلك في قراءة من قرأ ذلك: وأحل، بفتح الألف. وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين على معنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا ، فلما حذفت اللام الخافضة اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض بهذا المعنى إذ كانت اللام في هذا الموضع معلوما أن بالكلام إليها الحاجة " 06P584
[النساء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] يعني بقوله جل ثناؤه: {محصنين} [النساء: 24] : أعفاء بابتغائكم ما وراء ما حرم عليكم من النساء بأموالكم {غير مسافحين} [النساء: 24] يقول: " غير مزانين. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله {محصنين} [النساء: 24] قال: «متناكحين» . {غير مسافحين} [النساء: 24] قال: «زانين بكل زانية» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: {محصنين} [النساء: 24] متناكحين. {غير مسافحين} [النساء: 24] السفاح: الزنا " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] يقول: «محصنين غير زناة» 06P584
[النساء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] 06P585 اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن، يعني من النساء {فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] يعني: صدقاتهن فريضة معلومة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] يقول: " إذا تزوج الرجل منكم ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] قال : «هو النكاح» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] النكاح " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ، قوله: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] قال: «النكاح أراد» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فما 06P586 استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] الآية، قال: " هذا النكاح، وما في القرآن الإنكاح إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها الصداق، فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ فرض الله عليها العدة وفرض لها الميراث. قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا إذا دخل بها " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، فهذه المتعة؛ الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، وينكح بإذن وليها، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] قال: «يعني نكاح المتعة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث ، قال: ثني حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس 06P587 مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب: قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال : " أما تقرأ سورة النساء؟ قال: قلت: بلى. قال: فما تقرأ فيها: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» ؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك. قال: فإنها كذا " حدثنا ابن المثنى قال: ثني عبد الأعلى قال: ثني داود، عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فذكر نحوه " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي مسلمة ، عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] قال ابن عباس: «إلى أجل مسمى» . قال: قلت: ما أقرؤها كذلك.
قال: «والله لأنزلها الله كذلك»، ثلاث مرات حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق ، عن عمير: أن ابن عباس، قرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة وثنا خلاد بن 06P588 أسلم قال: أخبرنا النضر قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن عباس ، بنحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: في قراءة أبي بن كعب: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] إلى هذا الموضع: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارئ الأسدي ، عن عمرو بن مرة، أنه سمع سعيد بن جبير، يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن؛ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، قال: 06P589 ثني الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استمتعوا من هذه النساء» والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج " وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه 06P588
[النساء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما} [النساء: 24] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة فيما تراضيتم به، من حط وبراءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، 06P590 فقال الله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] " وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء واللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بينكم وبينهم في الفراق، أن يزدنكم في الأجل وتزيدوا من الأجر والفريضة قبل أن يستبرئن أرحامهن ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها، ثم تنقضي المدة، وهو قوله: {فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] " وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهم على استمتاعكم بهن من مقام وفراق " ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به 06P591 من بعد الفريضة} [النساء: 24] «والتراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] قال: «إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ» قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن من حط ما وجب لهن عليكم، أو إبراء أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] فأما الذي قاله السدي فقول لا معنى له لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين. وأما قوله: {إن الله كان عليما حكيما} [النساء: 11] فإنه يعني: إن الله كان ذا علم بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه بما يدبر لكم ولهم من التدبير ، وفيما يأمركم وينهاكم؛ لا يدخل حكمته خلل ولا زلل 06P591
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم} [النساء: 25] اختلف أهل التأويل في معنى الطول الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، فقال 06P592 بعضهم: هو الفضل والمال والسعة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] قال: «الغنى» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] يقول: «من لم يكن له سعة» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] يقول: «من لم يستطع منكم سعة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] قال: " الطول: الغنى " حدثني ابن المثنى قال: ثنا حبان بن موسى قال: أخبرنا ابن المبارك قال: 06P593 أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] قال: " الطول: السعة " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] أما قوله طولا: فسعة من المال " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] الآية، قال: طولا: لا يجد ما ينكح به حرة " وقال آخرون: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة، أنه قال في قول الله: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25] قال: " الطول: الهوى، قال: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان ربيعة يلين فيه بعض التليين، كان يقول: إذا خشي على نفسه إذا أحبها أي الأمة وإن كان يقدر على نكاح غيرها فإني أرى أن ينكحها " حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا 06P594 حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنه سئل عن الحر، يتزوج الأمة ، فقال: " إن كان ذا طول فلا. قيل: إن وقع حب الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العنت فليتزوجها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة، عن الشعبي ، قال: «لا يتزوج الحر الأمة إلا أن لا يجد» . وكان إبراهيم يقول: «لا بأس به» حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يقول: «لا نكره أن ينكح، ذو اليسار الأمة إذا خشي أن يسعى بها» قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرم شيئا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة، فأحل ما حرم من ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة.
فإن كان ذلك إجماعا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول ، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يحل له من أجل غلبة هوى سره فيها، لأن ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبد في حرام لقضاء لذة، وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبه هوى امرأة حرة أو امرأة أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضح فساد قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاح الإماء. فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومن لم يجد منكم سعة من مال لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم. وأصل الطول: الإفضال، يقال منه: طال عليه يطول طولا في الإفضال، وطال يطول طولا في الطول الذي هو خلاف القصر 06P595
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم أيها الناس طولا، يعني: من الأحرار أن ينكح المحصنات وهن الحرائر المؤمنات اللواتي قد صدقن بتوحيد الله وبما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق 06P596 وبنحو ما قلنا في المحصنات قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {أن ينكح المحصنات ،} [النساء: 25] يقول: «أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، قوله: {أن ينكح المحصنات} [النساء: 25]، المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم قال: «المحصنات الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «أما فتياتكم فإماؤكم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: {أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] قال: «أما من لم يجد ما ينكح به الحرة فيتزوج 06P597 الأمة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أن ينكح ، المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] قال: «من لم يجد ما ينكح به حرة فينكح هذه الأمة فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها، ولم يحل الله ذلك لأحد إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة وينفق عليها، ولم يحل له حتى يخشى العنت» حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولا لحرة فلا ينكح أمة» واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة من قراء الكوفيين والمكيين: (أن ينكح المحصنات) بكسر الصاد مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك سوى قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] فإنهم فتحوا الصاد منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم 06P598 أحصنوهن. وأما سائر ما في القرآن فإنهم تأولوا في كسرهم الصاد منه إلى أن النساء هن أحصن أنفسهن بالعفة. وقرأت عامة قراء المدينة والعراق ذلك كله بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجهن، وبعضهن أحصنهن حريتهن أو إسلامهن. وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصن أنفسهن. وذكرت هذه القراءة أعني بكسر الجميع عن علقمة على الاختلاف في الرواية عنه. قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، إلا في الحرف الأول من سورة النساء، وهو قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] فإني لا أستجيز الكسر في صاده لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابا القراءة بها كذلك لما ذكرنا من تصرف الإحصان في المعاني التي بيناها، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصن أنفسهن بالعفة. وأما الفتيات فإنهن جمع فتاة، وهن الشواب من النساء ، ثم يقال لكل مملوكة ذات سن أو شابة فتاة، والعبد فتى ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله 06P599 : {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟
فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] قال: «لا ينبغي أن يتزوج مملوكة نصرانية» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] قال: «لا ينبغي للحر المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمرو ، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، ومالك بن عبد الله بن أبي مريم ، يقولون: " لا يحل لحر مسلم ولا لعبد مسلم الأمة النصرانية، لأن الله يقول: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] يعني بالنكاح " 06P600 وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة ، قال: قال أبو ميسرة، أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر " ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. واعتلوا لقولهم بقول الله: {أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن} [المائدة: 5] قالوا: فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عاما، فليس لأحد أن يخص منهن أمة ولا حرة. قالوا: ومعنى قوله: {فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] غير المشركات من عبدة الأوثان قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أحل نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماها فيهن ، فغير جائز لمسلم نكاحهن. 06P601 فإن قال قائل: فإن الآية التي في المائدة تدل على إباحتهن بالنكاح؟ قيل: إن التي في المائدة قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم، وأنها معني بها حرائرهم دون إمائهم، قوله: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] وليست إحدى الآيتين دافعة حكمها حكم الأخرى، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى لو لم يكن جائزا اجتماع حكميهما على صحة ، فأما وهما جائز اجتماع حكمهما على الصحة، فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس، ولا خبر بذلك ولا قياس، والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم 06P600
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} [النساء: 25] وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم وتأويل ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فلينكح بعضكم من بعض، بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا. فالبعض مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه إذ كان قوله: {فمن ما ملكت أيمانكم} [النساء: 25] في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم رد بعضكم على ذلك المعنى فرفع. ثم قال جل ثناؤه: {والله أعلم بإيمانكم} [النساء: 25] أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله ، فصدق بذلك كله منكم يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات، لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة من هذا الموسر فتاته المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته وكلوا سرائرهن إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم ، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن 06P602 [النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف} [النساء: 25] يعني بقوله جل ثناؤه: {فانكحوهن} [النساء: 25] فتزوجوهن، وبقوله: {بإذن أهلهن} [النساء: 25] بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهن ورضاهم ويعني بقوله: {وآتوهن أجورهن} [النساء: 25] وأعطوهن مهورهن: كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وآتوهن أجورهن} [النساء: 25] قال: «الصداق» ويعني بقوله {بالمعروف} [النساء: 25] على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن 06P602 [النساء: 25] القول في تأويل قوله: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] يعني بقوله: {محصنات} [النساء: 25] عفيفات {غير مسافحات} [النساء: 25] غير مزانيات {ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] يقول: " ولا متخذات أصدقاء على السفاح. وقد ذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن الزواني كن في الجاهلية في العرب المعلنات بالزنا، والمتخذات الأخدان: اللواتي قد حبسن أنفسهن على الخليل والصديق 06P603 للفجور بها سرا دون الإعلان بذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] يعني: " تنكحوهن عفائف غير زواني في سر ولا علانية. {ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] يعني أخلاء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {غير مسافحات} [النساء: 25] المسافحات: المعالنات بالزنا. {ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] ذات الخليل الواحد. قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك. فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأنعام: 151] " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت داود، يحدث عن عامر، قال: " الزنا زنيان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة شؤما. 06P604 ثم قرأ: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما المحصنات: فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة ، والمحصنات: العفائف، غير مسافحة، والمسافحة: المعالنة بالزنا، ولا متخذة صديقا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] قال: «الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] المسافحة: البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها، وذات الخدن: ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعا " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] أما المحصنات، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما المسافحات: فهن المعلنات بغير مهر. وأما متخذات أخدان: فذات الخليل 06P605 الواحد المستسرة به. نهى الله عن ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، قال: " الزنا وجهان قبيحان، أحدهما أخبث من الآخر: فأما الذي هو أخبثهما فالمسافحة التي تفجر بمن أتاها، وأما الآخر فذات الخدن " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] قال: " المسافح: الذي يلقى المرأة فيفجر بها، ثم يذهب وتذهب. والمخادن: الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك الأخدان " 06P605
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا أحصن} [النساء: 25] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: (فإذا أحصن)، بفتح الألف، بمعنى: إذا أسلمن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام وقرأه آخرون: {فإذا أحصن} [النساء: 25] بمعنى: فإذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب. فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك غير جائز إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءة بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل؛ وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا فغير دافع أحدهما صاحبه، لأن الله قد أوجب على الأمة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحد، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها كتاب الله ولا يثرب عليها ، ثم إذا عادت فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها، ثم إن عادت فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الرابعة فليضربها كتاب الله وليبعها ولو بحبل من شعر» . وقال صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج، فالحدود واجبة على موالي الإماء إقامتها عليهن إذا فجرن بكتاب الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما: حدثكم به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني ولم تحصن قال: «اجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فقال في الثالثة أو الرابعة فبعها ولو بضفير» والضفير: الشعر " 06P607 حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ، فذكر نحوه فقد بين أن الحد الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء هو ما كان قبل إحصانهن؛ فأما ما وجب من ذلك عليهن بالكتاب ، فبعد إحصانهن؟ قيل له: قد بينا أن أحد معاني الإحصان: الإسلام، وأن الآخر منه التزويج وأن الإحصان كلمة تشتمل على معان شتى، وليس في رواية من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن بيان أن التي سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي التي تزني قبل التزويج ، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن الإحصان الذي سن صلى الله عليه وسلم حد الإماء في الزنا هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويج دون الإسلام. وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول، أن كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامة الحد عليها، متزوجة كانت أو غير متزوجة، لظاهر كتاب الله والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من أخرجه من وجوب الحد عليه منهن بما يجب التسليم له.
وإذ كان ذلك كذلك تبين به صحة ما اخترنا من القراءة في قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] فإن ظن ظان أن في قول الله تعالى ذكره: {ومن لم يستطع منكم طولا أن 06P608 ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] دلالة على أن قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] معناه: تزوجن ، إذ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] وحسب أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان، فقد ظن خطأ؛ وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فإذا هن آمن فإن أتين بفاحشة، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، فيكون الخبر بيانا عما يجب عليهن من الحد إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن ، وعمن يجوز نكاحه له منهن. فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام فغير جائز لأحد صرف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدم من وصف الله إياهن بالإيمان غير أن الذي نختار لمن قرأ: محصنات غير مسافحات، بفتح الصاد في هذا الموضع أن يقرأ {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة} [النساء: 25] بضم الألف، ولمن قرأ: محصنات، بكسر الصاد فيه، أن يقرأ: فإذا أحصن بفتح الألف، لتأتلف قراءة القارئ على معنى واحد وسياق واحد، لقرب قوله: {محصنات} [النساء: 25] من قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] ولو خالف من ذلك لم يكن لحنا، غير أن وجه القراءة ما وصفت وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته، فقال بعضهم: معنى قوله {فإذا أحصن} [النساء: 25] فإذا أسلمن " ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أن ابن مسعود، قال: «إسلامها إحصانها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، أن سليمان بن مهران، حدثه عن إبراهيم بن يزيد، عن همام بن الحارث: أن النعمان بن عبد الله بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود، فقال: أمتي زنت؟ فقال: اجلدها خمسين جلدة. قال: إنها لم تحصن. فقال ابن مسعود: «إحصانها إسلامها» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم: أن النعمان بن مقرن سأل ابن مسعود عن: أمة زنت وليس لها زوج ، فقال: «إسلامها إحصانها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة ، قال: كان عبد الله يقول: «إحصانها إسلامها» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، أنه تلا هذه الآية: {فإذا أحصن} [النساء: 25] قال: يقول: «إذا أسلمن» حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي، قال: قال عبد الله: " الأمة إحصانها: إسلامها " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال مغيرة: أخبرنا عن إبراهيم ، أنه كان يقول: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يقول: «إذا أسلمن» حدثنا أبو هشام قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن أشعث، عن الشعبي قال: " الإحصان: الإسلام " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن برد بن سنان، عن الزهري، قال: «جلد عمر رضي الله عنه ولائد أبكارا من ولائد الأمارة في الزنا» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا 06P611 أسباط، عن السدي: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يقول: «إذا أسلمن» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن سالم ، والقاسم، قالا: " إحصانها: إسلامها وعفافها، في قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] وقال آخرون: معنى قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] فإذا تزوجن ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يعني: «إذا تزوجن حرا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يقول: «إذا تزوجن» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة أن ابن عباس كان يقرأ: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يقول: «تزوجن» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت: ليثا، عن مجاهد ، قال: إحصان الأمة أن ينكحها، الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن 06P612 مرة، أنه سمع سعيد بن جبير، يقول: «لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، عن الحسن، في قوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] قال: «أحصنتهن البعولة» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإذا أحصن} [النساء: 25] قال: أحصنتهن البعولة " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزناد، أن الشعبي، أخبره، أن ابن عباس أخبره: أنه، أصاب جارية له قد كانت زنت، وقال: أحصنتها " قال أبو جعفر: وهذا التأويل على قراءة من قرأ: {فإذا أحصن} [النساء: 25] بضم الألف، وعلى تأويل من قرأ: فإذا أحصن ، بفتحها.
وقد بينا الصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا 06P612
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] يعني جل ثناؤه بقوله: {فإن أتين بفاحشة} [النساء: 25] فإن أتت فتياتكم، وهن إماؤكم، بعد ما أحصن بإسلام، أو أحصن بنكاح بفاحشة، وهي الزنا {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] يقول: " فعليهن نصف ما على الحرائر من الحد إذا هن زنين قبل الإحصان بالأزواج ، والعذاب الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع هو الحد . وذلك النصف الذي جعله الله عذابا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن خمسون جلدة ، ونفي ستة أشهر، وذلك نصف عام، لأن الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج: جلد مائة، ونفي حول، فالنصف من ذلك خمسون جلدة ، ونفي نصف سنة، وذلك الذي جعله الله عذابا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] خمسون جلدة ، ولا نفي ولا رجم " فإن قال قائل: وكيف {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] وهل يكون الجلد على أحد؟ قيل: إن معنى ذلك فلازم أبدانهن أن تجلد نصف ما يلزم أبدان المحصنات، كما يقال: علي صلاة يوم ، بمعنى: لازم علي أن أصلي صلاة يوم، وعلي الحج والصيام مثل ذلك، وكذلك عليه الحد بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحد ليقام عليه 06P613 [النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] يعني تعالى ذكره بقوله ذلك: هذا الذي أبحت أيها الناس من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طولا لنكاح المحصنات المؤمنات، أبحته لمن خشي العنت منكم دون غيره ممن لا يخشى العنت واختلف أهل التأويل في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الزنا ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا ، عن مجاهد، قوله: {لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] قال: «الزنا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه، عن ابن عباس، أنه قال: «ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: " العنت: الزنا " حدثني المثنى ، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبيد بن يحيى، قال: ثنا شريك ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " العنت: الزنا " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، 06P615 قال: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا، إلا قليلا، ذلك لمن خشي العنت منكم " حدثنا أبو سلمة قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] قال: «الزنا» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي حماد قال: ثنا فضيل، عن عطية العوفي، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] قال: «الزنا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة ، عن الشعبي، وجويبر، عن الضحاك، قالا: " العنت: الزنا " حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] قال: " العنت: الزنا " وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تعنته، وهي الحد والصواب من القول في قوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] ذلك لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه. وذلك أن العنت هو ما ضر الرجل، يقال منه: قد عنت فلان فهو يعنت عنتا: إذا أتى ما يضره في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى: {ودوا ما عنتم} [آل عمران: 118] ويقال: قد أعنتني فلان فهو يعنتني: إذا نالني بمضرة؛ وقد قيل: العنت: الهلاك. فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضرر في الدين، وهو من العنت. والذين وجهوه إلى الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين وهي من العنت. والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحد، فإنهم قالوا: الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه ، وهو من العنت. وقد عم الله بقوله: {لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] جميع معاني العنت، ويجمع جميع ذلك الزنا، لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا بما يعنت بدنه، ويكتسب به إثما ومضرة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهل التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذة وقضاء شهوة فإنه بأدائه إلى العنت منسوب إليه موصوف به إن كان للعنت سببا 06P616
[النساء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم} [النساء: 25] 06P617 يعني جل ثناؤه بذلك: وأن تصبروا أيها الناس عن نكاح الإماء خير لكم ، والله غفور لكم نكاح الإماء أن تنكحوهن على ما أحل لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك إن أصلحتم أمور أنفسكم فيما بينكم وبين الله، رحيم بكم ، إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطول للحرة وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] قال: «عن نكاح الأمة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] قال: «عن نكاح الإماء» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي ،: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] يقول: «وأن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين فهو خير لك» حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] يقول: «وأن تصبروا عن نكاح الإماء خير لكم، وهو حل» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] يقول: " وأن تصبروا عن نكاحهن، يعني: نكاح الإماء خير لكم " حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] قال: «أن تصبروا عن نكاح الإماء خير لكم» حدثني المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] قال: «أن تصبروا عن نكاح الأمة خير لكم» حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25] قال: «وأن تصبروا عن الأمة خير لكم» وأن في قوله: {وأن تصبروا} [النساء: 25] في موضع رفع بخير، بمعنى: والصبر عن نكاح الإماء خير لكم 06P618 [النساء: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} [النساء: 26] يعني جل ثناؤه بقوله: {يريد الله ليبين لكم} [النساء: 26] حلاله وحرامه {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} [النساء: 26] يقول: " وليسددكم سنن الذين من قبلكم، يعني: سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه ومناهجهم، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء {ويتوب عليكم} [النساء: 26] يقول: " يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم. {والله عليم} [البقرة: 95] يقول: " والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم ، وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون ما أحل أو حرم عليهم حافظ ذلك كله عليهم، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه، واختلف أهل العربية في معنى قوله: {يريد الله ليبين لكم} [النساء: 26] فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، وقال: ذلك كما قال: {وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى: 15] بكسر اللام، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أن يبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم؛ وقالوا: من شأن العرب التعقيب بين كي ولام كي وأن، ووضع كل واحدة منهن موضع كل واحدة من أختها مع أردت وأمرت، فيقولون: أمرتك أن تذهب ولتذهب ، وأردت أن تذهب ولتذهب، كما قال الله جل ثناؤه: {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71] وقال في موضع آخر: {أمرت أن أكون أول من أسلم} [الأنعام: 14] . وكما قال: {يريدون ليطفئوا نور الله} ثم قال في موضع آخر: {يريدون أن يطفئوا} واعتلوا في توجيههم أن مع أمرت وأردت إلى معنى كي وتوجيه كي مع ذلك إلى معنى أن لطلب أردت وأمرت الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، لا يقال: أمرتك أن قمت ولا أردت أن قمت. قالوا: فلما كانت أن قد تكون مع الماضي في غير أردت وأمرت ، ذكروا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، من كي واللام التي في معنى كي؛ قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع: [+البحر الطويل] أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع فجمع بينهن لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر: [+البحر الرجز] قد يكسب المال الهدان الجافي بغير لا عصف ولا اصطراف فجمع بين غير ولا، توكيدا للنفي؛ قالوا: وإنما يجوز أن يجعل أن مكان كي ، وكي مكان أن في الأماكن التي لا يصحب جالب ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل؛ فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال: طننت ليقوم، ولا أظن ليقوم، بمعنى: أظن أن يقوم ، لأن التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل، يقال: أظن أن قد قام زيد ومع المستقبل ومع الأسماء قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: إن اللام في قوله {يريد الله ليبين لكم} [النساء: 26] بمعنى: يريد الله أن يبين لكم؛ لما ذكرت من علة من قال: إن ذلك كذلك 06P621
[النساء: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] يعني بذلك تعالى ذكره: والله يريد أن يراجع بكم طاعته، والإنابة إليه، ليعفو لكم عما سلف من آثامكم، ويتجاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم من استحلالكم ما هو حرام عليكم من نكاح حلائل آبائكم وابنائكم، وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتأتونه، مما كان غير جائز لكم إتيانه من معاصي الله {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] يقول: " يريد الذين يطلبون لذات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها، أن تميلوا عن أمر الله تبارك وتعالى، فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرم عليكم وركوبكم معاصيه {ميلا عظيما} [النساء: 27] جورا وعدولا عنه شديدا واختلف أهل التأويل في الذين وصفهم الله بأنهم يتبعون الشهوات، فقال بعضهم: هم الزناة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] قال: " الزنا. {أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] قال: «يريدون أن تزنوا» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] «أن تكونوا مثلهم تزنون كما يزنون» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] قال: " الزنا. {أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] قال: " يزني أهل الإسلام كما يزنون. قال: هي كهيئة {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] " حدثنا أبو كريب قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] قال: " الزنا. {أن تميلوا} [النساء: 27] قال: " أن تزنوا وقال آخرون: بل هم اليهود والنصارى ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] قال: " هم اليهود والنصارى {أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] وقال آخرون: بل هم اليهود خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتباع شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب، وذلك أنهم يحلون نكاحهن، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: ويريد الذين يحللون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق، فتستحلوهن كما استحلوا وقال آخرون: معنى ذلك: كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أبيح له ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد، يقول في قوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] الآية، قال: يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم {أن تميلوا} [النساء: 27] في دينكم {ميلا عظيما} [النساء: 27] تتبعون أمر دينهم، وتتركون أمر الله وأمر دينكم " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل، وطلاب الزنا ، ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله أن تميلوا ميلا عظيما عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه ، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله وترك طاعته، ميلا عظيما، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الله عز وجل عم بقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27] فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك من غير وصفهم باتباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى المعاني بالآية ما دل عليه ظاهرها دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس. وإذ كان ذلك كذلك كان داخلا في الذين يتبعون الشهوات اليهود والنصارى والزناة وكل متبع باطلا، لأن كل متبع ما نهاه الله عنه فمتبع شهوة نفسه. فإذ كان ذلك بتأويل الآية أولى، وجبت صحة ما اخترنا من القول في تأويل ذلك 06P624
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?