Taberî — Câmiü'l-Beyân
[النساء: 127] القول في تأويل قوله: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] يعني بذلك جل ثناؤه: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله من الصحابة والتابعين فيما مضى، والذي أفتاهم في أمر المستضعفين من الولدان أن يؤتوهم حقوقهم من الميراث لأنهم كانوا لا يورثون الصغار من أولاد الميت، وأمرهم أن يقسطوا فيهم فيعدلوا ويعطوهم فرائضهم على ما قسم الله لهم في كتابه. 07P545 كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {والمستضعفين من الولدان} [النساء: 127] كانوا لا يورثون جارية ولا غلاما صغيرا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. والقسط: أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الكبير " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} [النساء: 127] قال: " لا تورثونهن مالا {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] قال: «فدخل النساء والصغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأول» حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] أمروا لليتامى بالقسط: بالعدل " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي 07P546 مالك: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] قال: «كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والمستضعفين من الولدان} [النساء: 127] فكانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، فذلك قوله: {لا تؤتونهن ما كتب لهن} [النساء: 127] فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] صغيرا كان أو كبيرا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قال: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] وذلك أنهم كانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئا، فأمر الله أن يعطيه نصيبه من الميراث " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب، كان إذا جاءه ولي اليتيمة فإن كانت حسنة غنية قال له عمر: " زوجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك. وإذا كانت بها دمامة 07P547 ولا مال لها، قال: تزوجها فأنت أحق بها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أمري، وما أمر يتيمتي؟ قال: في أي بالكما؟ قال: ثم قال علي: أمتزوجها أنت غنية جميلة؟ قال: نعم والإله. قال: فتزوجها دميمة لا مال لها. ثم قال علي: «تزوجها إن كنت خيرا لها، فإن كان غيرك خيرا لها فألحقها بالخير» قال أبو جعفر: فقيامهم لليتامى بالقسط كان العدل فيما أمر الله فيهم 07P547 [النساء: 127] القول في تأويل قوله: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما} [النساء: 127] يعني بذلك جل ثناؤه: ومهما يكن منكم أيها المؤمنون من عدل في أموال 07P548 اليتامى التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك، وفي غيره، وإلى طاعته، فإن الله كان به عليما لم يزل عالما بما هو كائن منكم، وهو محص ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة 07P547
[النساء: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] يعني بذلك جل ثناؤه: {وإن امرأة خافت من بعلها} [النساء: 128] يقول: " علمت من زوجها {نشوزا} [النساء: 128] يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها، أثرة عليها ، وارتفاعا بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها. {أو إعراضا} [النساء: 128] يعني: انصرافا عنها بوجهه أو ببعض منافعه، التي كانت لها منه. {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] يقول فلا حرج عليهما ، يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحا، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك ، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح ، يقول: {والصلح خير} [النساء: 128] يعني: والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة، وتماسكا بعقد النكاح، خير من طلب الفرقة والطلاق. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة أن رجلا أتى عليا رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا، فقال: قد تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها شيئا فلا حرج " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: سئل علي رضي الله عنه: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} [النساء: 128] أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا قال: «المرأة الكبيرة أو الدميمة أو لا يحبها زوجها فيصطلحان» 07P550 حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص، كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي رضي الله عنه بنحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلا سأل عليا رضي الله عنه عن قوله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا "} [النساء: 128] قال: «تكون المرأة عند الرجل دميمة فتنبو عينه من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئا فليس عليه جناح» حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين ، قال: جاء رجل إلى عمر، فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] فقال: عن مثل هذا فسلوا.
ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها ، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو 07P551 إعراضا} [النساء: 128] قال: «هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحا بينهما صلحا، عن أن لها يوما ولهذه يومان أو ثلاثة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال: حتى تلد أو تكبر، وقال أيضا: فلا جناح عليهما أن يصالحا على ليلة، والأخرى ليلتين " حدثنا ابن وكيع ، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال: «هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت، فيريد أن يستبدل بها فتكره أن تفارقه، فيتزوج عليها، فيصالحا على أن يجعل لها أياما، وللأخرى الأيام والشهر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قال: " هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوج، فيقول: إني لا أستطيع أن أقسم لك بمثل ما أقسم لها، فتصالحه على أن يكون لها 07P552 في الأيام يوم، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [النساء: 128] قالت هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد ولها صحبة، فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني " حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت، أو هي دميمة لا يستكثر منها، فتقول، لا تطلقني وأنت في حل من شأني " حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحوه، غير أنه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] فتلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثير ما يحب، وله امرأة غيرها أحب إليه منها ، فيؤثرها عليها، فأمره الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه، وهو قوله: {والصلح خير} [النساء: 128] وهو التخيير " حدثنا الربيع بن سليمان، وبحر بن نصر، قالا: ثنا ابن وهب، قال: ثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أنزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السن، فتجعل يومها لامرأة أخرى، قالت: ففي ذلك أنزلت: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول الله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قال: " هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوج عليها فتصالحه من يومها على صلح.
قال: فهما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يقول ذلك. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن مجاهد، أنه كان يقول ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين ، عن عبيدة، في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] إلى آخر الآية، قال: يصالحها على ما رضيت دون حقها، فله ذلك ما رضيت ، فإذا أنكرت أو قالت: غرت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها أو يطلقها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد، قال: سألت عبيدة عن قول الله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] 07P555 قال: «هو الرجل تكون له امرأة قد خلا من سنها، فتصالحه عن حقها على شيء ، فهو له ما رضيت، فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها من حقها، أو يطلقها» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} [النساء: 128] فذكر نحو ذلك، إلا أنه قال: فإن سخطت فله أن يرضيها، أو يوفيها حقها كله، أو يطلقها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال إبراهيم: «إذا شاءت كانت على حقها، وإن شاءت أبت، فردت الصلح فذاك بيدها، فإن شاء طلقها ، وإن شاء أمسكها على حقها» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما} [النساء: 128] قال: " قال علي: تكون المرأة عند الرجل الزمان الكثير، فتخاف أن يطلقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت، يبيت عندها في كذا وكذا ليلة، وعند أخرى ما تراضيا عليه، وأن تكون نفقتها دون ما كانت؛ وما صالحته عليه من شيء فهو جائز " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قال: «هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد 07P556 أن يخلي سبيلها، فإذا خافت ذلك منه فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، تدع من أيامها إذا تزوج» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] إلى قوله: {والصلح خير} [النساء: 128] هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، فيكره أن يفارق أم ولده، فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] فقرأ حتى بلغ {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خلا من سنها وهان عليه بعض أمرها، فيقول: إن كنت راضية من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم، فإن اصطلحا من ذلك على أمر الله فقد أحل لهما ذلك، وإن أبت فإنه لا يصلح له أن يحبسها على الخسف " حدثت عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 07P557 الزهري، عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: أن رافع بن خديج، كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة. فراجعها، ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى، وآثر عليها الشابة.
قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] قال الحسن: قال عبد الرزاق: قال معمر: وأخبرني أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة بمثل حديث الزهري، وزاد فيه، فإن أضر بها الثالثة فإن عليه أن يوفيها حقها، أو يطلقها حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 07P558 نجيح، عن مجاهد: {من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قال: " قول الرجل لامرأته: أنت كبيرة، وأنا أريد أن أستبدل امرأة شابة وضيئة، فقري على ولدك، فلا أقسم لك من نفسي شيئا. فذلك الصلح بينهما، وهو أبو السنابل بن بعكك " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: {من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] ثم ذكر نحوه، قال شبل: فقلت له: فإن كانت لك امرأة فتقسم لها، ولم تقسم لهذه؟ قال: إذا صالحته على ذلك فليس عليه شيء " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جبار قال: سألت عامرا عن الرجل، تكون عنده المرأة يريد أن يطلقها فتقول: لا تطلقني، واقسم لي يوما، وللتي تزوج يومين. قال: لا بأس به هو صلح " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [النساء: 128] قال: " المرأة ترى من زوجها بعض الجفاء وتكون قد كبرت، أو لا تلد، فيريد زوجها أن ينكح غيرها فيأتيها ، فيقول: إني أريد أن أنكح امرأة شابة أنسب منك، لعلها أن تلد لي وأوثرها في الأيام والنفقة. فإن 07P559 رضيت بذلك وإلا طلقها، فيصطلحان على ما أحبا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قال: " نشوزا عنها ، غرض بها الرجل تكون له المرأتان، أو إعراضا بتركها {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] إما أن يرضيها فتحلله، وإما أن ترضيه فتعطفه على نفسها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] يعني: البغض " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فيتزوج عليها المرأة الشابة، فيميل إليها، وتكون أعجب إليه من الكبيرة، فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله، ويقسم لها من نفسه نصيبا معلوما " حدثنا عمرو بن علي، وزيد بن أخرم، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني على نسائك، ولا تقسم لي. ففعل، فنزلت: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] " واختلفت القراء في قراءة قوله: (أن يصالحا بينهما صلحا) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح الياء وتشديد الصاد، بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحا، ثم أدغمت التاء في الصاد فصيرتا صادا مشددة. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: {أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] بضم الياء وتخفيف الصاد، بمعنى: أصلح الزوج والمرأة بينها. وأعجب القراءتين في ذلك إلي قراءة من قرأ: (إلا أن يصالحا بينهما صلحا) بفتح الياء وتشديد الصاد، بمعنى: يتصالحا، لأن التصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح، والإصلاح في 07P561 خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التصالح.
فإن ظن ظان أن في قوله: {صلحا} [النساء: 128] دلالة على أن قراءة من قرأ ذلك: {يصلحا} [النساء: 128] بضم الياء أولى بالصواب، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الصلح اسم وليس بفعل فيستدل به على أولى القراءتين بالصواب في قوله: {يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] 07P560
[النساء: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهن ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «نصيبها منها» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، قالا جميعا: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «في الأيام» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، 07P562 عن عطاء: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «في الأيام والنفقة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي وابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج ، عن عطاء، قال: «في النفقة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «في النفقة» وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «في الأيام» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «نفس المرأة على نصيبها من زوجها من نفسه وماله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله. حدثني المثنى ، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير: «في النفقة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير 07P563 بن الأخنس، عن سعيد بن جبير، قال: «في الأيام والنفقة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: «في الأيام والنفقة» حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «المرأة تشح على مال زوجها ونفسه» حدثنا المثنى، قال: أخبرنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: جاءت المرأة حين نزلت هذه الآية: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] قالت: إني أريد أن تقسم لي من نفسك. وقد كانت رضيت أن يدعها فلا يطلقها ولا يأتيها؛ فأنزل الله: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: " تطلع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته. قال: وزعم أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سودة بنت زمعة كانت 07P564 قد كبرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحت بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد ، يقول في قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] قال: «لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من مالها، فتعطفه عليها» . قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشح: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن. وبنحو ما قلنا في معنى الشح، ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] والشح: هواه في الشيء يحرص عليه " 07P565 وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من قول من قال: عنى بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح، على ما قاله ابن زيد، لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جعلا على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة، وذلك أنه غير معتاض عوضا من جعله الذي بذله لها، والجعل لا يصح إلا على عوض: إما عين، وإما منفعة، والرجل متى جعل للمرأة جعلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينا ولا منفعة. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عنى بذلك: الرجل والمرأة. فإن ظن ظان أن ذلك إذ كان حقا للمرأة ، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رجل من شريك له فيها حق، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل، وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز، إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عينا ولا نفعا ، ما يدل على بطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها. وإذ فسد ذلك صح أن تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي رويناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أن قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو 07P566 إعراضا} [النساء: 128] الآية، نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقر على الأثرة ، فطلقها تطليقة وتركها، فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة، فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر فطلقها. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] إنما عنى به: وأحضرت أنفس النساء الشح بحقوقهن من أزواجهن على ما وصفنا. وأما قوله: {وإن تحسنوا وتتقوا} [النساء: 128] فإنه يعني: وإن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقا، أو بعض ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن، وعشرتهن بالمعروف {وتتقوا} [النساء: 128] يقول: " وتتقوا الله فيهن بترك الجور منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم من القسمة له والنفقة والعشرة بالمعروف {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] يقول: " فإن الله كان بما تعملون في أمور نسائكم أيها الرجال من الإحسان إليهن، والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهن ويجب {خبيرا} [النساء: 35] يعني عالما خابرا، لا يخفى عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محص عليكم، حتى يوفيكم جزاء ذلك المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته 07P564
[النساء: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} [النساء: 129] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا 07P567 بين النساء} [النساء: 129] لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، مما لا تملكونه، وليس إليكم {ولو حرصتم} [النساء: 129] يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال: «واجب أن لا تستطيعوا العدل بينهن» {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] يقول: " فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهن كل الميل، حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق في القسم لهن، والنفقة عليهن، والعشرة بالمعروف. {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] يقول: " فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها كالمعلقة، يعني: كالتي لا هي ذات زوج، ولا هي أيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل - ذكر من قال ما قلنا في قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا، بين 07P568 النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال: «بنفسه في الحب والجماع» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يونس ، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال بنفسه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] فقال: في الجماع " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة ، قال:: «في الحب والجماع» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل، عن عمرو، عن الحسن: «في الحب» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: «في الحب والجماع» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء : 129] قال: «في المودة، كأنه يعني الحب» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي ، عن ابن عباس: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا، بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] يقول: «لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وحدثنا ابن بشار ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب، كان يقول: «اللهم أما قلبي، فلا أملك، وأما سوى ذلك فأرجو أن أعدل» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] يعني: في الحب والجماع " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قالا جميعا: ثنا أيوب، عن أبي قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية في عائشة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} [النساء: 129] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «في الشهوة والجماع» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «في الجماع» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، قال: قال سفيان في قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال: «في الحب والجماع» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] قال: «ما يكون من بدنه وقلبه، فذلك شيء لا يستطيع يملكه» - ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال : ثنا ابن عون، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: «بنفسه» حدثنا سفيان، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال هشام: أظنه قال: في الحب والجماع " حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: {كل الميل} [النساء: 129] قال: «بنفسه» حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: أخبرنا الأوزاعي ، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قول الله: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: «بنفسه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: «في الغشيان والقسم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] لا تعمدوا الإساءة " 07P572 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: «يتعمد أن يسيء ويظلم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: «هذا في العمل في مبيته عندها، وفيما تصيب من خيره» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] يقول: «يميل عليها فلا ينفق عليها، ولا يقسم لها يوما» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] قال: " يتعمد الإساءة ، يقول: لا تميلوا كل الميل ، قال: بلغني أنه الجماع " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل ويقول: «اللهم هذه قسمتي فيما 07P573 أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه ساقط» - ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «تذروها لا هي أيم، ولا 07P574 ذات زوج» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «لا أيما ولا ذات بعل» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «لا مطلقة، ولا ذات بعل» حدثنا ابن وكيع ، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] أي كالمحبوسة أو كالمسجونة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «كالمسجونة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي جعفر، عن الربيع، في قوله: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] يقول: «لا مطلقة، ولا ذات بعل» حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا 07P575 أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] لا مطلقة، ولا ذات بعل " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «لا أيما، ولا ذات بعل» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] ليست بأيم، ولا ذات زوج " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، وأبو خالد وأبو معاوية، عن جويبر ، عن الضحاك، قال: «لا تدعها كأنها ليس لها زوج» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: «لا أيما، ولا ذات بعل» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] قال: " المعلقة: التي ليست بمخلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها ولا مفارقة فتبتغي لنفسها، فتلك المعلقة " 07P576 قال أبو جعفر: وإنما أمر الله جل ثناؤه بقوله: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهن من القسمة بينهن والنفقة، وترك الجور في ذلك بإيثار إحداهن على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه، إذ كان قد صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن، مما في القلوب من المحبة والهوى 07P575
[البقرة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} [النساء: 129] يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك. {وتتقوا} [البقرة: 224] يقول: " وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى، فتظلموها حقها مما أوجبها الله له عليكم {فإن الله كان غفورا} [النساء: 129] يقول: " فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك بتركه عقوبتكم عليه، ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل {رحيما} [النساء: 16] يقول: " وكان رحيما بكم إذا تاب عليكم، فقبل توبتكم الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القسم على أن يطلقن 07P577 [النساء: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} [النساء: 130] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها، أو أعرض عنها بالميل منه إلى ضرتها لجمالها أو شبابها، أو غير ذلك مما تميل النفوس به إليها الصلح، لصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، وطلبت حقها منه من القسم والنفقة وما أوجب الله لها عليه، وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله: {وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها مائل، فتفرقا بطلاق الزواج إياها {يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] يقول: " يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول ، أو برزق واسع وعصمة؛ وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة. {وكان الله واسعا} [النساء: 130] يعني: وكان الله واسعا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه. {حكيما} [النساء: 11] فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] قال: «الطلاق يغني الله كلا من سعته» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 07P578
[النساء: 131] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا} [النساء: 131] يعني بذلك جل ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جل ثناؤه بعقب ذلك قوله: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] تنبيها منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته، وتذكيرا منه له أنه الذي له الأشياء كلها وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه، وكل ذي فاقة وحاجة، ويؤنس كل ذي وحشة. ثم رجع جل ثناؤه إلى عذل من سعى في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ووعيد من فعل ما فعل المرتد منهم فقال: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم} [النساء: 131] يقول: ولقد أمرنا أهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: {اتقوا الله} [البقرة: 278] يقول: احذروا أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه، {وإن تكفروا} [النساء: 131] يقول: وإن تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون فتخالفوها {فإن لله ما في السموات وما في الأرض} يقول: فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم ، ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم وحلول غضبه عليكم كما حل بهم، إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه، فغير بهم ما كانوا فيه من خفض العيش وأمن السرب، وجعل منهم القردة والخنازير؛ وذلك أن له ملك جميع ما حوته السموات والأرض لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه من إعزاز من أراد إعزازه وإذلال من أراد إذلاله، وغير ذلك من الأمور كلها، لأن الخلق خلقه بهم إليه الفاقة والحاجة، وبه قوامهم وبقاؤهم وهلاكهم وفناؤهم، وهو الغني الذي لا حاجة تحل به إلى شيء ولا فاقة تنزل به تضطره إليكم أيها الناس ولا إلى غيركم، والحميد الذي استوجب عليكم أيها الخلق الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك أيها الناس باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن علي، رضي الله عنه: {وكان الله غنيا حميدا} [النساء: 131] قال: " غنيا عن خلقه 07P580 {حميدا} [النساء: 131] قال: «مستحمدا إليهم» 07P579 [النساء: 132] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} [النساء: 132] يعني بذلك جل ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، وهو القيم بجميعه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يئوده حفظه وتدبيره. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: {وكفى بالله وكيلا} [النساء: 132] قال: «حفيظا» فإن قال قائل: وما وجه تكرار قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} في آيتين إحداهما في إثر الأخرى؟ قيل: كرر ذلك لاختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض في الآيتين، وذلك أن الخبر عنه في إحدى الآيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه، وفي الأخرى حفظ بارئه إياه به وعلمه به وتدبيره. فإن قال: أفلا قيل: وكان الله غنيا حميدا وكفى بالله وكيلا؟ قيل: إن الذي في الآية التي قال فيها: {وكان الله غنيا حميدا} [النساء: 131] مما صلح أن يختم ما ختم به من وصف الله بالغنى وأنه محمود ولم يذكر فيها ما يصلح أن يختم بوصفه معه بالحفظ والتدبير، فلذلك كرر قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} 07P581
[النساء: 133] القول في تأويل قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} [النساء: 133] يعني بذلك جل ثناؤه: {إن يشأ} [النساء: 133] الله أيها الناس {يذهبكم} [النساء: 133] أي يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم {ويأت بآخرين} [النساء: 133] يقول: ويأت بناس آخرين غيركم، لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته. {وكان الله على ذلك قديرا} [النساء: 133] يقول: وكان الله على إهلاككم وإفنائكم، واستبدال آخرين غيركم بكم قديرا، يعني: ذا قدرة على ذلك. وإنما وبخ جل ثناؤه بهذه الآيات الخائنين الذين خانوا الدرع التي وصفنا شأنها ، الذين ذكرهم الله في قوله، {ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] وحذر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتد منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين، وعرفهم أن من فعل فعله منهم فلن يضر إلا نفسه ولن يوبق بردته غير نفسه، لأنه المحتاج مع جميع ما في السموات وما في الأرض إلى الله، والله الغني عنهم، ثم توعدهم في قوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} [النساء: 133] بالهلاك والاستئصال إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق طعمة المرتد، وباستبدال آخرين غيرهم بهم لنصرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ومؤازرته على دينه، كما قال في الآية الأخرى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سلمان، فقال: «هم قوم هذا» يعني عجم الفرس كذلك: حدثت عن عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم " وقال قتادة في ذلك بما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {إن يشأ يذهبكم} [النساء: 133] : أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا قادر والله ربنا على ذلك، أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم " 07P582 [النساء: 134] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: 134] يعني بذلك جل ثناؤه: {من كان يريد} [النساء: 134] ممن أظهر الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان {ثواب الدنيا} [آل عمران: 145] يعني: عرض الدنيا، بإظهار ما أظهر من الإيمان بلسانه {فعند الله ثواب الدنيا} [النساء: 134] يعني: جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها، هو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبي مشهدا، وأمنه على نفسه وذريته وماله، وما أشبه ذلك. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم . فمعنى الآية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله، فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك كله، وهو مالك جميعه، كما قال في الآية الأخرى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 16] . وإنما عنى بذلك جل ثناؤه الذين سعوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} [النساء: 107] ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم. وقوله: {وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: 134] يعني: وكان الله سميعا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم ، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين وقولهم لهم آمنا. {بصيرا} [النساء: 58] يعني: وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغل الذي في صدورهم. 07P584
[النساء: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 135] وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرق، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر؛ يقول الله لهم: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} [النساء: 135] يقوله: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني بالعدل. {شهداء لله} [النساء: 135] والشهداء: جمع شهيد، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله: {قوامين} [النساء: 135] ، من ذكر الذين آمنوا، ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم. {ولو على أنفسكم} [النساء: 135] يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل ، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غني فتجوروا، فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما. {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] يقول: " فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني على فقير أو لفقير على غني إلا أحد الفريقين فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله. فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط، وهل يشهد الشاهد على نفسه؟ قيل: نعم، وذلك أن يكون عليه حق لغيره، فيقر له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه. وهذه الآية عندي تأديب من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادتهم لهم عنده بالصلاح، فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، فلا يحملنكم غنى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمه منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها.
وقد قيل: إنها نزلت تأديبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] قال: " 07P586 نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان غني وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] الآية " وقال آخرون في ذلك نحو قولنا إنها نزلت في الشهادة أمرا من الله المؤمنين أن يسووا في قيامهم بشهاداتهم لمن قاموا بها بين الغني والفقير ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} [النساء: 135] قال: " أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيا لغناه، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته، وذلك قوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] فتذروا الحق فتجوروا " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله: {يا أيها الذين آمنوا 07P587 كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} [النساء: 135] الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من أقربائهم وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] إلى آخر الآية ، قال: " لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة، قال: يقول هذا للشاهد " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] الآية ، هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين ، أو على ذوي قرابتك، أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه؛ والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، من الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق ، وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس. يا ابن آدم إن يكن غنيا أو فقيرا، فالله أولى بهما، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم. قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال: يا رب 07P588 أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: «العدل أقل ما وضعت في الأرض، فلا يمنعك غنى غني ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق» . وقال جل ثناؤه: {فالله أولى بهما} [النساء: 135] وقد قيل: {إن يكن غنيا أو فقيرا} [النساء: 135] الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير ، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال {بهما} [النساء: 135]، ولم يقل: به وقال آخرون: إنما قيل {بهما} [النساء: 135] لأنه قال: {إن يكن غنيا أو فقيرا} [النساء: 135] فلم يقصد فقيرا بعينه ولا غنيا بعينه، وهو مجهول ، وإذا كان مجهولا جاز الرد عليه بالتوحيد والتثنية والجمع.
وذكر قائلو هذا القول أنه في قراءة أبي: «فالله أولى بهم» . وقال آخرون: أو بمعنى الواو في هذا الموضع وقال آخرون: جاز تثنية قوله {بهما} [النساء: 135]، لأنهما قد ذكرا كما قيل: {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما} [النساء: 12] وقيل: جاز لأنه أضمر فيه من كأنه قيل: إن يكن من خاصم غنيا أو فقيرا، بمعنى: غنيين أو فقيرين، فالله أولى بهما. وتأويل قوله {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] أي عن الحق، فتجوروا بترك إقامة الشهادة 07P589 بالحق. ولو وجه إلى أن معناه: فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هربا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط كان وجها. وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال: لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى: أنهاك عنه كما ترضي ربك بتركه 07P587
[النساء: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 135] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى: وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ووجهوا معنى الآية إلى أنها نزلت في الحكام على نحو القول الذي ذكرنا عن السدي من قوله: إن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرنا قبل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر» وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا أيها الشهداء في شهاداتكم فتحرفوها ولا تقيموها، أو تعرضوا عنها فتتركوها ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] يقول: «إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] إلى قوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] يقول: «تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإن تلووا} [النساء: 135] أي تبدلوا الشهادة {أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «تكتموها» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {وإن تلووا} [النساء: 135] قال: " بتبديل الشهادة، والإعراض: كتمانها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «إن تحرقوا، أو تتركوا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن تلووا أو 07P591 تعرضوا} [النساء: 135] قال: «تلجلجوا أو تكتموا؛ وهذا في الشهادة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] أما تلووا: فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها؛ وأما {تعرضوا} [النساء: 135] : فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وإن تلووا} [النساء: 135] فتكتموا الشهادة، تلوي: تنقص منها، أو تعرض عنها فتكتمها فتأبى أن تشهد عليه، تقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه فتقول: لا أقيم الشهادة عليه، وتقول: هذا غني أبقيه وأرجو ما قبله فلا أشهد عليه، فذلك قوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا} [النساء: 135] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإن تلووا} [النساء: 135] تحرفوا {أو تعرضوا} [النساء: 135] تتركوا " حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية، في قوله: {وإن تلووا} [النساء: 135] قال: " إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، {أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «فتتركوها» حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن 07P592 جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: " إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيموها على وجهها {أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «تكتموا الشهادة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة أنه كان يقول: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] يعني: تلجلجوا {أو تعرضوا} [النساء: 135] قال: «تدعها فلا تشهد» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135] أما تلووا: فهو أن يلوي الرجل لسانه بغير الحق، يعني في الشهادة " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوله: أنه لي الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه؛ وذلك تحريفه إياها لسانه وتركه إقامتها ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له وعمن شهد عليه.
وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها. وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه قال: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة. واختلفت القراء في قراءة قوله: {وإن تلووا} [النساء: 135] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى الكوفة {وإن تلووا} [النساء: 135] بواوين من: لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني ديني، وذلك إذا مطلوه، ليا. وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: وإن (تلوا) بواو واحدة؛ ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان: أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه، وبقيت واو واحدة، كأنه أراد: تلوؤا، ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ: {وإن تلووا} [النساء: 135] بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الواو الثانية من قوله: {تلووا} [النساء: 135] واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصح همزها ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة. والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: إن تلوا، من الولاية، فيكون معناه: وإن تلوا أمور الناس، أو تتركوا. وهذا معنى إذا وجه القارئ قراءته على ما وصفنا إليه، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية. فإذا كان فساد ذلك واضحا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء : 135] بمعنى اللي: الذي هو مطل، فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها. فتغيروها، وتبدلوا، أو تعرضوا عنها، فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دين الرجل، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له، كما قال الأعشى: [+البحر الكامل] يلوينني ديني النهار وأقتضي ديني إذا وقذ النعاس الرقدا وأما تأويل قوله: {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] فإنه أراد: فإن الله كان بما تعملون من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها وإعراضكم عنها بكتمانكموها، خبيرا، يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته ، يقول: فاتقوا ربكم في ذلك 07P594
[النساء: 136] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136] يعني بذلك جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا} [النساء: 136] بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله {آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] يقول: " صدقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم. {والكتاب الذي نزل على رسوله} [النساء: 136] يقول: وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن. {والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: 136] يقول: " وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل. فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق، وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما؛ وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان. فقال جل ثناؤه لهم: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل {آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] محمد صلى الله عليه وسلم، {والكتاب الذي نزل على رسوله} [النساء: 136] فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم {والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: 136] الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا ، وإلا فأنتم به كافرون. فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: {يا أيها الدين آمنوا} وأما قوله: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} [النساء: 136] فإن معناه: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوته، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لأن جحود الشيء من ذلك بمعنى جحوده جميعه؛ وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه ، فلذلك قال: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} [النساء: 136] بعقب خطابه أهل الكتاب، وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تهديدا منه لهم، وهم مقرون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان. وأما قوله: {فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 116] فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا، لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله: الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال 07P596
[النساء: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: إن الذين آمنوا بموسى {ثم كفروا} [النساء: 137] به {ثم آمنوا} [النساء: 137] : يعني النصارى بعيسى {ثم كفروا} [النساء : 137] به {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] بمحمد {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن 07P597 الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا} [النساء: 137] وهم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت؛ وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت؛ وكفرهم به: تركهم إياه، ثم ازدادوا كفرا بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] يقول: «لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا: الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} [النساء: 137] قال: " هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا. ثم ذكر النصارى، ثم قال: {ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا} [النساء: 137] يقول: «آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم» وقال آخرون: بل عنى بذلك: أهل النفاق أنهم آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا} [النساء: 137] قال: " كنا نحسبهم المنافقين، ويدخل في ذلك من كان مثلهم {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: «تموا على كفرهم حتى ماتوا» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: «ماتوا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله: {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] قال: «حتى ماتوا» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} [النساء : 137] الآية، قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ، وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك " وقال آخرون: بل هم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا} [النساء: 137] قال: «هم اليهود والنصارى أذنبوا في شركهم ، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم» قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك أهل 07P599 الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين ، أعني قوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] ولا دلالة تدل على أن قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} [النساء: 137] منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى حتى تأتي دلالة دالة على انقطاعه منه.
وأما قوله: {لم يكن الله ليغفر لهم} [النساء: 137] فإنه يعني: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رءوس الأشهاد. {ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] يقول: " ولم يكن ليسددهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها عقوبة لهم على عظيم جرمهم وجراءتهم على ربهم. وقد ذهب قوم إلى أن المرتد يستتاب ثلاثا انتزاعا منهم بهذه الآية، وخالفهم على ذلك آخرون ذكر من قال يستتاب ثلاثا: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي، عليه السلام، قال: إن كنت لمستتيب المرتد ثلاثا. ثم قرأ هذه الآية {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} [النساء: 137] حدثنا ابن وكيع، قال : ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن علي رضي الله عنه: يستتاب المرتد ثلاثا، ثم قرأ: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا} [النساء: 137] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن رجل، عن ابن عمر، قال: «يستتاب المرتد ثلاثا» وقال آخرون: يستتاب كلما ارتد ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عمن سمع إبراهيم، قال: «يستتاب المرتد كلما ارتد» قال أبو جعفر: وفي قيام الحجة بأن المرتد يستتاب المرة الأولى، الدليل الواضح على أن حكم كل مرة ارتد فيها عن الإسلام حكم المرة الأولى في أن توبته مقبولة، وأن إسلامه حقن له دمه؛ لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقونا في الحالة الأولى ثم يكون دمه مباحا مع وجودها، إلا أن يفرق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ما يجب التسليم له من أصل محكم، فيخرج حكم القياس حينئذ 07P600
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?