Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا أحمد بن زنجويه، أخبرنا أبو شيخ الحراني، أخبرنا أبو موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة"، ثم تلا هذه الآية "وكان حقا علينا نصر المؤمنين" . {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} أي: ينشره، {فيبسطه في السماء كيف يشاء} مسيرة يوم أو يومين وأكثر على من يشاء، {ويجعله كسفا} قطعا متفرقة {فترى الودق} المطر، {يخرج من خلاله} وسطه، {فإذا أصاب به من يشاء} أي: بالودق، {من عباده إذا هم يستبشرون} يفرحون بالمطر. {وإن كانوا} وقد كانوا، {من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} أي آيسين، وقيل: "وإن كانوا"، أي: وما كانوا إلا مبلسين، وأعاد قوله: "من قبله" تأكيدا . وقيل: الأولى ترجع إلى إنزال المطر، والثانية إلى إنشاء السحاب . وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين، غير مكرر. {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } {فانظر إلى آثار رحمة الله} هكذا قرأ أهل الحجاز، والبصرة، وأبو بكر . وقرأ الآخرون: {إلى آثار رحمة الله} على الجمع، أراد برحمة الله: المطر، أي: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، وقال مقاتل: أثر رحمة الله أي: نعمته وهو النبت، {كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى} يعني: إن ذلك الذي يحي الأرض لمحيي الموتى، {وهو على كل شيء قدير} {ولئن أرسلنا ريحا} باردة مضرة فأفسدت الزرع، {فرأوه مصفرا} أي: رأوا النبت والزرع مصفرا بعد الخضرة، {لظلوا} لصاروا، {من بعده} أي: من بعد اصفرار الزرع، {يكفرون} يجحدون ما سلف من النعمة، يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذابا على زرعهم جحدوا سالف نعمتي. {فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} . {الله الذي خلقكم من ضعف} قرئ بضم الضاد وفتحها، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، ومعنى "من ضعف"، أي: من نطفة، يريد من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف كما قال تعالى: "ألم نخلقكم من ماء مهين" (المرسلات-20) ، {ثم جعل من بعد ضعف قوة} بعد ضعف الطفولية شبابا، وهو وقت القوة، {ثم جعل من بعد قوة ضعفا} هرما، {وشيبة يخلق ما يشاء} الضعف والقوة والشباب والشيبة، {وهو العليم} بتدبير خلقه، {القدير} على ما يشاء. {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون }
{ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} يحلف المشركون، {ما لبثوا} في الدنيا، {غير ساعة} إلا ساعة، استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" (الأحقاف-35) . {كذلك كانوا يؤفكون} يصرفون عن الحق في الدنيا، قال الكلبي ومقاتل: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث. والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه ، وكان ذلك بقضاء الله وبقدره بدليل قوله: "يؤفكون"، أي: يصرفون عن الحق. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله} أي: فيما كتب الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور . وقيل: "في كتاب الله" أي: في حكم الله ، وقال قتادة ومقاتل: فيه تقديم وتأخير معناه. وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان: لقد لبثتم إلى يوم البعث، يعني الذين يعلمون كتاب الله ، وقرأوا قوله تعالى: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" (المؤمنون-100) ، أي: قالوا للمنكرين: لقد لبثتم، {إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى: {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} يعني عذرهم، {ولا هم يستعتبون} لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة، قرأ أهل الكوفة: {لا ينفع} بالياء هاهنا وفي "حم" المؤمن [ووافق نافع في "حم" المؤمن] ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما. {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} ما أنتم إلا على باطل. {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} توحيد الله. {فاصبر إن وعد الله حق} في نصرتك وإظهارك على عدوك {ولا يستخفنك} لا يستجهلنك، معناه: لا يحملنك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي. وقيل: لا يستخفن رأيك وحلمك، {الذين لا يوقنون} بالبعث والحساب. سورة لقمان مكية بسم الله الرحمن الرحيم {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة} قرأ حمزة: "ورحمة" بالرفع على الابتداء، أي: هو هدى ورحمة، وقرأ الآخرون بالنصب على الحال {للمحسنين} {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون} {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} الآية. قال الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا، ويقول: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون
حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية . وقال مجاهد: يعني شراء القيان والمغنيين ، ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري [ذات لهو أو] ذا لهو الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد العزيز، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل تعليم المغنيات ولا يبعهن وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله"، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت . أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا محمد بن غالب بن تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة" . قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه، إن الله يقول: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" الآية . وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير قالوا: "لهو الحديث" هو الغناء، والآية نزلت فيه. ومعنى قوله: {يشتري لهو الحديث} أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات . وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب ، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف. وقيل: الغناء رقية الزنا . وقال ابن جريج: هو الطبل وعن الضحاك قال: هو الشرك . وقال قتادة: هو كل لهو ولعب . {ليضل عن سبيل الله بغير علم} أي: يفعله عن جهل. قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. قوله تعالى: {ويتخذها هزوا} أي: يتخذ آيات الله هزوا. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: {ويتخذها} بنصب الدال عطفا على قوله: "ليضل"، وقرأ الآخرون بالرفع نسقا على قوله: "يشتري". {أولئك لهم عذاب مهين} {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم} {خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} حسن. {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين } {هذا} يعني الذي ذكرت مما تعاينون، {خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} من آلهتكم التي تعبدونها، {بل الظالمون في ضلال مبين} قوله {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد }
تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. قال محمد بن إسحاق: وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر. وقال وهب: كان ابن أخت أيوب ، وقال [مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب ] . قال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل . واتفق العلماء على أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيا. وتفرد بهذا القول. وقال بعضهم: خير لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة . وروي أنه كان نائما نصف النهار فنودي: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاها الظلم من كل مكان أن يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن يخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته . وعن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا . وقال سعيد بن المسيب: كان خياطا . وقيل: كان راعي غنم. فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني . وقال مجاهد: كان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين . قوله عز وجل: {أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } {وإذ قال لقمان لابنه} واسمه أنعم، ويقال: مشكم، {وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} قرأ ابن كثير: "يا بني لا تشرك بالله" بإسكان الياء، وفتحها حفص، والباقون بالكسر، "يا بني إنها" بفتح الياء حفص، والباقون بالكسر، "يا بني أقم الصلاة"، بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص، وبإسكانها القواس، والباقون بكسرها. {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} قال ابن عباس: شدة بعد شدة. وقال الضحاك: ضعفا على ضعف. قال مجاهد: مشقة على مشقة. وقال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. {وفصاله} أي: فطامه، {في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين. {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير }
{وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} أي: بالمعروف، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة، {واتبع سبيل من أناب إلي} أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: قد صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم، هو صادق، فآمنوا به، ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام. أسلموا بإرشاد أبي بكر . قال الله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} يعني أبا بكر، {ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} وقيل: نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة وقيل: الآية عامة في حق كافة الناس. {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} الكناية في قوله: "إنها" راجعة إلى الخطيئة، وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة} قال قتادة: تكن في جبل. وقال ابن عباس: في صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار ، وخضرة السماء منها. قال السدي: خلق الله الأرض على حوت -وهو النون الذي ذكر الله عز وجل في القرآن "ن والقلم" -والحوت في الماء، والماء ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح {أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف} باستخراجها، {خبير} عالم بمكانها، قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء، صغيرها وكبيرها، وفي بعض الكتب إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات. {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} يعني من الأذى، {إن ذلك من عزم الأمور} يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. {ولا تصعر خدك للناس} قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: "ولا تصعر" بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الآخرون: "تصاعر" بالألف، يقال: صعر وجهه وصاعر: إذا مال وأعرض تكبرا، ورجل أصعر: أي: مائل العنق. قال ابن عباس: يقول: لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرا. وقال الربيع بن أنس وقتادة: ولا تحتقر الفقراء ليكن 73/أالفقر والغني عندك سواء، {ولا تمش في الأرض مرحا} خيلاء {إن الله لا يحب، كل مختال} في مشيه {فخور} على الناس. {واقصد في مشيك} أي: ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا إسراعا. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: "يمشون على الأرض هونا" (الفرقان-63) ، {واغضض من صوتك} انقص من صوتك، وقال مقاتل: اخفض صوتك {إن أنكر الأصوات} أقبح الأصوات، {لصوت الحمير} أوله زفير وآخره شهيق، وهما صوت أهل النار.
وقال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال: صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار . وقال جعفر الصادق في قوله: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال: هي العطسة القبيحة المنكرة. قال وهب: تكلم لقمان باثنى عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم وحكمه: قال خالد الربعي: كان لقمان عبدا حبشيا فدفع مولاه إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه باللسان والقلب، ثم دفع إليه شاة أخرى، وقال: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب، فسأله مولاه، فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا . {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } قوله تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم} أتم وأكمل، {نعمه} قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وحفص: "نعمه" بفتح العين وضم الهاء على الجمع، وقرأ الآخرون منونة على الواحد، ومعناها الجمع أيضا كقوله: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم-14) ، {ظاهرة وباطنة} قال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة وقال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق، والرزق، والإسلام. والباطنة: ما ستر من الذنوب . وقال الربيع: الظاهرة بالجوارح، والباطنة: بالقلب. وقيل: الظاهرة: الإقرار باللسان، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. وقيل: الظاهرة: تمام الرزق والباطنة: حسن الخلق. وقال عطاء: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة. وقال مجاهد: الظاهرة: ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة. وقيل: الظاهرة: الإمداد بالملائكة، والباطنة: إلقاء الرعب في قلوب الكفار. وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في النضر بن الحارث، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم ، {ولا هدى ولا كتاب منير} {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} قال الله عز وجل: {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} وجواب "لو" محذوف، ومجازه: يدعوهم فيتبعونه، يعني: يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. {ومن يسلم وجهه إلى الله} يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله، {وهو محسن} في عمله، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه، {وإلى الله عاقبة الأمور} {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور} {نمتعهم قليلا} أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلا إلى انقضاء آجالهم، {ثم نضطرهم} ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة، {إلى عذاب غليظ} عذاب النار. {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} {لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغني الحميد ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم }
{لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغني الحميد} قوله عز وجل: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. قال المفسرون: نزلت بمكة، قوله سبحانه وتعالى: "ويسئلونك عن الروح"، إلى قوله: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء-85) ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: "وما أوتيتم من العلم إلى قليلا" أفعنيتنا أم قومك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كلا قد عنيت، قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم"، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" (البقرة-269) ، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله هذه الآية . قال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع، فنزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} ، أي: بريت أقلاما، {والبحر يمده} قرأ أبو عمرو ويعقوب: "والبحر" بالنصب عطفا على "ما"، والباقون بالرفع على الاستئناف {يمده} أي: يزيده، وينصب فيه {من بعده} خلفه، {سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} وفي الآية اختصار تقديره: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله. {إن الله عزيز حكيم} وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية، وقالوا: إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة، والله أعلم. {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير } {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور } {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [يعني كخلق نفس واحدة] وبعثها لا يتعذر عليه شيء، {إن الله سميع بصير} {ذلك بأن الله هو الحق} أي: ذلك الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق، {وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله} يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم، {ليريكم من آياته} عجائبه، {إن في ذلك لآيات لكل صبار} على أمر الله 73/ب {شكور} لنعمه. {وإذا غشيهم موج كالظلل} قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب. والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج، وهو واحد، كالظلل وهي جمع، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء، {دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} أي: عدل موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه. نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن يدي في يده، فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه وقال مجاهد: فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر. وقال الكلبي: مقتصد في القول، أي: من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من بعض، {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} والختر أسوأ الغدر.
{يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي} لا يقضي ولا يغني، {والد عن ولده ولا مولود هو جاز} مغن {عن والده شيئا} قال ابن عباس: كل امرئ يهمه نفسه، {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير: هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. {إن الله عنده علم الساعة} الآية نزلت في الوارث بن عمرو، بن حارثة، بن محارب، ابن حفصة، من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت، امرأتي حبلى، فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} وقرأ أبي بن كعب: "بأية أرض"، والمشهور: "بأي أرض" لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء. وقيل: أراد بالأرض المكان: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتيح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت" . {إن الله عليم خبير} سورة السجدة مكية ، قال عطاء: إلا ثلاث آيات من قوله "أفمن كان مؤمنا" [إلى آخر ثلاث آيان] بسم الله الرحمن الرحيم {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين. {أم يقولون} بل يقولون {افتراه} وقيل الميم صلة، أي: أيقولون افتراه؟ استفهام توبيخ. وقيل: "أم" بمعنى الواو، أي: ويقولون افتراه. وقيل: فيه إضمار، مجازه فهل يؤمنون، أم يقولون افتراه، ثم قال: {بل هو} يعني القرآن، {الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم} أي: لم يأتهم، {من نذير من قبلك} قال قتادة: كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس، ومقاتل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما {لعلهم يهتدون} {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون }
{يدبر الأمر} أي: يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر، {من السماء إلى الأرض} وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض، {ثم يعرج} يصعد، {إليه} جبريل بالأمر، {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} أي: في يوم واحد من أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة، خمسمائة نزوله، وخسمائة صعوده، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، يقول: لو سار فيه أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة، والملائكة يقطعون في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء، وأما قوله: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" (المعارج-4) ، أراد مدة المسافة بين الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك وقوله: "إليه" أي: إلى الله. وقيل: على هذا التأويل، أي: إلى مكان الملك الذي أمره الله عز وجل أن يعرج إليه. وقال بعضهم: ألف سنة [وخمسون ألف] سنة كلها في القيامة، يكون على بعضهم أطول وعلى بعضهم أقصر، معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا، ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا، وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة، وأما قوله: "خمسين ألف سنة" فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث: "أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا" . وقال إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر . ويجوز أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته. وقال ابن أبي مليكة: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية وعن قوله خمسين ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: أيام سماها الله لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم . {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون } {ذلك عالم الغيب والشهادة} يعني: ذلك الذي صنع ما ذكره من خلق السموات والأرض 74/أعالم ما غاب عن الخلق وما حضر، {العزيز الرحيم} {الذي أحسن كل شيء خلقه} قرأ نافع وأهل الكوفة: " خلقه " بفتح اللام على الفعل وقرأ الآخرون بسكونها، أي: أحسن خلق كل شيء، قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه. قال قتادة: حسنه. وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء، من قولك: فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورته لم يخلق البعض على صورة البعض، فكل حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح به معاشه. {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم. {ثم جعل نسله} يعني ذريته، {من سلالة} نطفة، سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان {من ماء مهين} أي: ضعيف وهو نطفة الرجل. {ثم سواه} ثم سوى خلقه، {ونفخ فيه من روحه} ثم عاد إلى ذريته، فقال: {وجعل لكم} بعد أن كنتم نطفا، {السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} يعني: لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه. {وقالوا} يعني منكري البعث، {أئذا ضللنا} هلكنا، {في الأرض} وصرنا ترابا، وأصله من قولهم: ضل الماء في اللبن إذا ذهب، {أئنا لفي خلق جديد} استفهام إنكار. قال الله عز وجل: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي: بالبعث بعد الموت. {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون }
{قل يتوفاكم} يقبض أرواحكم، {ملك الموت الذي وكل بكم} أي: وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيل، والتوفي استيفاء العدد، معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت. وروي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . وقال ابن عباس: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب . وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل طست يتناول منها حيث يشاء . وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فينزع أعوانه روح الإنسان فإذا بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت. وروى خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. قوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم. {ولو ترى إذ المجرمون} المشركون، {ناكسو رءوسهم} مطأطؤ رءوسهم، {عند ربهم} حياء وندما، {ربنا} أي: يقولون ربنا، {أبصرنا} ما كنا به مكذبين، {وسمعنا} منك تصديق ما أتتنا به رسلك. وقيل: أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا، {فارجعنا} فأرددنا إلى الدنيا، {نعمل صالحا إنا موقنون} وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب. {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} رشدها وتوفيقها للإيمان، {ولكن حق} وجب، {القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهو قوله لإبليس: "لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين" (ص-85) . ثم يقال لأهل النار -وقال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة-: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: تركتم الإيمان به في الدنيا، {إنا نسيناكم} تركناكم، {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} من الكفر والتكذيب. قوله عز وجل: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها} وعظوا بها، {خروا سجدا} سقطوا على وجوههم ساجدين، {وسبحوا بحمد ربهم} قيل: صلوا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سبحان الله وبحمده، {وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له. {تتجافى} ترتفع وتنبو، {جنوبهم عن المضاجع} جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه، يعني الفرش، وهم المتهجدون بالليل، اللذين يقومون للصلاة. واختلفوا في المراد بهذه الآية؛ قال أنس: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم . وعن أنس أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وهو قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر، وقالا هي صلاة الأوابين . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوابين. وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. وعن أبي الدرداء، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم: هم الذين يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة. وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، [ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة] .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ابن صالح السمان، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" . وأشهر الأقاويل أن المراد منه: صلاة الليل، وهو قول الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي وجماعة. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرنا فأصبحت يوما قريبا منه وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: "قد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم قرأ: "تتجافى 74/ب جنوبهم عن المضاجع" حتى بلغ "جزاء بما كانوا يعلمون"، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، قال: فأخذ بلسانه فقال: اكفف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم" . حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد المخلدي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حمد بن زنجويه، أخبرنا أبو عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا روح بن أسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته"، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم معه أصحابه، فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع، فرجع فقاتل حتى أهريق دمه، [فيقول الله لملائكته: "انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه"] . أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أصبغ، أخبرني عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرنا الهيثم بن أبي سنان، أخبرني أنه سمع أبا هريرة في قصصه يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "إن أخا لكم لا يقول الرفث" يعني بذلك عبد الله بن رواحة، قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالكافرين المضاجع قوله عز وجل: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} قال ابن عباس: خوفا من النار وطمعا في الجنة، {ومما رزقناهم ينفقون} قيل: أراد به الصدقة المفروضة. وقيل: عام في الواجب والتطوع. {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} قرأ حمزة ويعقوب: "أخفي لهم" ساكنة الياء، أي: أنا أخفي لهم ومن حجته قراءة ابن مسعود "نخفي" بالنون. وقرأ الآخرون بفتحها. {من قرة أعين} مما تقر به أعينهم، {جزاء بما كانوا يعملون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن نصر، أخبرنا أبو أسامة عن الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعتم عليه"، ثم قرأ: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مما لا تفسير له. وعن بعضهم قال: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } قوله عز وجل: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعلي اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ولم يقل: لا يستويان، لأنه لم يرد مؤمنا واحدا وفاسقا واحدا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} التي يأوي إليها المؤمنون، {نزلا بما كانوا يعملون} {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل }
{ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} أي: سوى العذاب الأكبر، {لعلهم يرجعون} قال أبي بن كعب، والضحاك، والحسن، وإبراهيم: "العذاب الأدنى" مصائب الدنيا وأسقامها، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال عكرمة عنه: الحدود . وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب . وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر وهو قول قتادة والسدي، {دون العذاب الأكبر} يعني: عذاب الآخرة، {لعلهم يرجعون} إلى الإيمان، يعني: من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط. قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين} يعني: المشركين، {منتقمون} {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه} يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس وغيره. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، عن شعبة، عن قتادة رحمه الله قال: وقال لي خليفة، أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة، عن أبي العالية قال: أخبرنا ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط 75/أ الرأس، ورأيت مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه فلا تكن في مرية من لقائه" . أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا عبد الله المحاملي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، أخبرنا محمد بن يونس، أخبرنا عمر بن حبيب القاضي، أخبرنا سليمان التيمي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره" . وروينا في المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة . قال السدي: "فلا تكن في مرية من لقائه"، أي: من تلقي موسى كتاب الله بالرضا والقبول. {وجعلناه} يعني: الكتاب وهو التوراة، وقال قتادة: موسى، {هدى لبني إسرائيل} {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } {وجعلنا منهم} يعني: من بني إسرائيل، {أئمة} قادة في الخير يقتدى بهم، يعني: الأنبياء الذين كانوا فيهم. وقال قتادة: أتباع الأنبياء، {يهدون} يدعون، {بأمرنا لما صبروا} قرأ حمزة والكسائي، بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لصبرهم، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم، أي: حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، {وكانوا بآياتنا يوقنون} {إن ربك هو يفصل} يقضي، {بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} {أولم يهد} لم يتبين، {لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} آيات الله وعظائه فيتعظون بها. {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} أي: اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أرض بابين، {فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم} [من العشب والتبن] {وأنفسهم} من الحبوب والأقوات، {أفلا يبصرون} {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون }
{ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} قيل: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العباد، قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للكفار: إن لنا يوما نتنعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم، فقالوا استهزاء: متى هذا الفتح ؟ أي: القضاء والحكم، وقال الكلبي: يعني فتح مكة .وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لهم: إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم، فيقولون متى هذا الفتح . {قل يوم الفتح} يوم القيامة، {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} ومن حمل الفتح على فتح مكة أو القتل يوم بدر قال: معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا، {ولا هم ينظرون} لا يمهلون ليتوبوا ويعتذروا. {فأعرض عنهم} قال ابن عباس: نسختها آية السيف، {وانتظر إنهم منتظرون} قيل: انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان. وقيل: انتظر عذابنا فيهم فإنهم منتظرون ذلك. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة {آلم تنزيل} و {هل أتى على الإنسان} . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ: "تبارك" و"آلم تنزيل" . سورة الأحزاب مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما } {يا أيها النبي اتق الله} نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي [بن سلول رأس المنافقين] بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} أي: دم على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائما. وقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة .وقال الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم. {ولا تطع الكافرين} من أهل مكة، يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، {والمنافقين} من أهل المدينة، عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد، وطعمة {إن الله كان عليما} بخلقه، قبل أن يخلقهم، {حكيما} فيما دبره لهم. {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل }
{واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} قرأ أبو عمرو: "يعملون خبيرا" و"يعملون بصيرا" بالياء فيهما، وقرأ غيره بالتاء. {وتوكل على الله} ثق بالله، {وكفى بالله وكيلا} حافظا لك، وقيل: كفيلا برزقك. قوله عز وجل: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} نزلت في أبي معمر، جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال انهزموا، قال: فما لك إحدى 75/ب نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده . وقال الزهري ومقاتل هذا مثل ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة للمظاهر أمه حتى تكون أمان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين . {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} قرأ أهل الشام والكوفة: "اللاتي" ها هنا وفي سورة الطلاق بياء بعد الهمزة، وقرأ قالون عن نافع ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة، وقرأ الآخرون بتليين الهمزة، وكلها لغات معروفة، "تظاهرون" قرأ عاصم بالألف وضم التاء وكسر الهاء مخففا، [وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء مخففا] وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد الظاء، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد الظاء والهاء من غير ألف بينهما. وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. يقول الله تعالى: ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة نذكرها [إن شاء الله تعالى] في سورة المجادلة. {وما جعل أدعياءكم} يعني: من تبنيتموه {أبناءكم} فيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود له، يدعوه الناس إليه، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني {ذلكم قولكم بأفواهكم} لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وادعاء نسب لا حقيقة له، {والله يقول الحق} أي: قوله الحق، {وهو يهدي السبيل} أي: يرشد إلى سبيل الحق. {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما } {ادعوهم لآبائهم} الذين ولدوهم، {هو أقسط} أعدل، {عند الله} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا معلى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، أخبرنا موسى بن عقبة، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن . {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم} [أي: فهم إخوانكم] {في الدين ومواليكم} إن كانوا محررين وليسوا ببنيكم، أي: سموهم بأسماء إخوانكم في الدين. وقيل: "مواليكم" أي: أولياءكم في الدين، {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه، {ولكن ما تعمدت قلوبكم} من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي. وقال قتادة: "فيما أخطأتم به" أن تدعوه لغير أبيه، وهو يظن أنه كذلك. ومحل "ما" في قوله تعالى: "ما تعمدت" خفض ردا على "ما" التي في قوله "فيما أخطأتم به" مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم.
{وكان الله غفورا رحيما} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" . {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا } قوله عز وجل: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعتهم أنفسهم . وقال ابن زيد: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى فيهم، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. وقيل: هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم: نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية. أخبرنا عبد الواحد عبد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، أخبرنا فليح، عن هلال بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة"، اقرأوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه" . قوله عز وجل: {وأزواجه أمهاتهم} وفي حرف أبي: "وأزواجه وأمهاتهم وهو أب لهم" وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأييد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب" (الأحزاب-53) ، ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لأخوانهن وأخواتهن هم أخوال المؤمنين وخالاتهم . قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم يقل هي خالة المؤمنين . واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعا. وقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها: قالت يا أمه! فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم فبان بهذا معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن. قوله عز وجل: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} يعني: في الميراث، قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة. قال الكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت هذه الآية: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} 76/أفي حكم الله، {من المؤمنين} الذين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، {والمهاجرين} يعني ذوي القرابات، بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت بالقرابة. قوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} أراد بالمعروف الوصية [للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه] . وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة.
وقيل: أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة، يعني: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي: لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، أي: إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة . {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي: كان الذي ذكرت من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. وقال القرظي: في التوراة. {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } قوله عز وجل: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض. قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم، {ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر لما: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد الحديثي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان الساعدي، أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، أخبرنا أبي، أخبرنا سعيد -يعني ابن بشير-عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث" . قال قتادة: وذلك قول الله عز وجل: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} فبدأ به صلى الله عليه وسلم قبلهم. {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا } {ليسأل الصادقين عن صدقهم} يقول: أخذنا ميثاقهم [لكي نسأل الصادقين عن صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم] الرسالة. والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله عز وجل. وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم. {وأعد للكافرين عذابا أليما} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، {إذ جاءتكم جنود} يعني الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، {فأرسلنا عليهم ريحا} وهي الصبا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل، وكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" . قوله تعالى: {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاء النجاء، لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال.
{وكان الله بما تعملون بصيرا} قال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض: أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"، إلى قوله: "وكفى بجهنم سعيرا" (النساء 51-55) . فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس غيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع 76/ب فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. وكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر، فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا عليها، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن عمرو بن عوف، حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" .
قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب أخرج الله في بطن الخندق صخرة مرورة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال: فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شق الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها -يعني المدينة-حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرا فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، فأخذ بيد سلمان ورقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: "أرأيتم ما يقول سلمان"؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: "ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا"، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا؟ قال فنزل القرآن: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} وأنزل الله هذه القصة: "قل اللهم مالك الملك" الآية (آل عمران-26) . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه -أو اغبر-وهو يقول: والله لولا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته: أبينا أبينا .
رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام. وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم 77/أعلى قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب افتح لي، فقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. قال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه برعد وبرق، وليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه من الله عهدا وميثاقا. لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهرا للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم منهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمتهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وحتى قال أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن قيظي: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو وذلك على ملأ من رجال قومه، فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من المدينة.
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Siapakah Nabi Muhammad (saw)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?