Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Bagian V16/P240–V16/P242

> قوله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) قال الماوردي : وفيه وإن كان الرسول عالما بالله ثلاثة أوجه : يعني اعلم أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله الثاني ماعلمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينا الثالث يعني فاذكر أن لا إله إلا الله فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله حين بدأ به فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك فأمر بالعمل بعد العلم وقال : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو إلى قوله سابقوا إلى مغفرة من ربكم الحديد وقال : واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ثم قال بعد : فاحذروهم التغابن وقال تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ثم أمر بالعمل بعد قوله تعالى : ( واستغفر لذنبك ) يحتمل وجهين : أحدهما يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب الثاني استغفر الله ليعصمك من الذنوب وقيل : لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان أي اثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى استغفار وقيل : الخطاب له والمراد به الأمة وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين وقيل : كان عليه السلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين فنزلت الآية أي فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله فلا تعلق قلبك بأحد سواه وقيل : أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة ( وللمؤمنين والمؤمنات ) أي ولذنوبهم وهذا أمر بالشفاعة وروي مسلم عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس المخزومي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت من طعامه فقلت : يا رسول الله غفر الله لك فقال له صاحبي : هل استغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم قال : نعم ولك ثم تلا هذه الآية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم تحولت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه جمعا عليه خيلان كأنه الثآليل ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) فيه خمسة أقوال : أحدها يعلم أعمالكم في تصرفكم وإقامتكم الثاني متقلبكم في أعمالكم نهارا ومثواكم في ليلكم نياما وقيل متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الدنيا والآخرة قاله بن عباس والضحاك وقال عكرمة : متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم مقامكم في الأرض وقال بن كيسان : متقلبكم من ظهر إلى بطن إلى الدنيا ومثواكم في القبور قلت : والعموم يأتي على هذا كله فلا يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم وكذا جميع خلقه فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلا أولى وأخرى سبحانه لا إله إلا هو < < محمد : ( 20 ) ويقول الذين آمنوا . . . . . > > < > ( محمد 20 : 21 ) <

Bagian V16/P242–V16/P244

> قوله تعالى : ( ويقول الذين آمنوا ) أي المؤمنون المخلصون ( لولا نزلت سورة ) اشتياقا للوحي وحرصا على الجهاد وثوابه ومعنى لولا هلا ( فإذا أنزلت سورة محكمة ) لا نسخ فيها قال قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين وفي قراءة عبد الله فإذا أنزلت سورة محدثة أي محدثة النزول ( وذكر فيها القتال ) أي فرض فيها الجهاد وقريء فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال على البناء للفاعل ونصب القتال ( رأيت الذين في قلوبهم مرض ) أي شك ونفاق ( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق كمن يشخص بصره عند الموت وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا ولميلهم في السر إلى الكفار قوله تعالى : ( فأولى لهم طاعة وقول معروف ) فأولى لهم قال الجوهري : وقولهم : أولى لك تهديد ووعيد قال الشاعر : فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مرد قال الأصمعي : معناه قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد : فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد قال ثعلب : ولم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعي وقال المبرد : يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت : أولى لك أي قاربت العطب كما روي أن أعرابيا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه فيقول : أولى لك ثم رمى صيدا فقاربه ثم أفلت منه فقال : فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم ولكن أولى يترك القوم جوعا وقيل : هو كقول الرجل لصاحبه : يا محروم أي شيء فاتك وقال الجرجاني : هو مأخوذ من الويل فهو أفعل ولكن فيه قلب وهو أن عين الفعل وقع موقع اللام وقد تم الكلام على قوله : فأولى لهم قال قتادة : كأنه قال العقاب أولى لهم وقيل : أي وليهم المكروه ثم قال : طاعة وقول معروف أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن وهو مذهب سيبويه والخليل وقيل : إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف فحذف المبتدأ فيوقف على فأولى لهم وكذا من قدر يقولون منا طاعة وقيل : إن الآية الثانية متصلة بالأولى واللام في قوله : لهم بمعنى الباء أي الطاعة أولى وأليق بهم وأحق لهم من ترك امتثال أمر الله وهي قراءة أبي يقولون طاعة وقيل إن : طاعة نعت لسورة على تقدير : فإذا أنزلت سورة ذات طاعة فلا يوقف على هذا على فأولى لهم قال بن عباس : إن قولهم طاعة إخبار من الله عز وجل عن المنافقين والمعنى لهم طاعة وقول معروف قيل : وجوب الفرائض عليهم فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها فيوقف على هذا على فأولى قوله تعالى : ( فإذا عزم الأمر ) أي جد القتال أو وجب فرض القتال كرهوه فكرهوه جواب إذا وهو محذوف وقيل : المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر ( فلو صدقوا الله ) أي في الإيمان والجهاد ( لكان خيرا لهم ) من المعصية والمخالفة < < محمد : ( 22 ) فهل عسيتم إن . . . . . > > < > ( محمد 22 : 24 ) <

Bagian V16/P244–V16/P248

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم ) اختلف في معنى إن توليتم فقيل : هو من الولاية قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا وقال الكلبي : أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم وقال بن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا وقيل : من الإعراض عن الشيء قال قتادة : أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام وتقطعوا أرحامكم وقيل : فهل عسيتم أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم وقريء بفتح السين وكسرها وقد مضى في البقرة القول فيه مستوفي وقال بكر المزني : إنها نزلت في الحرورية والخوارج وفيه بعد والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون وقال بن حيان : قريش ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء قالا : نزلت في بني أمية وبني هاشم ودليل هذا التأويل ما روي عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ثم قال هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم ( وقرأ علي بن أبي طالب إن توليتم أن تفسدوا في الأرض بضم التاء والواو وكسر اللام وهي قراءة بن أبي إسحاق ورواها رويس عن يعقوب يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم ( وتقطعوا أرحامكم ) بالبغي والظلم والقتل وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم وتقطعوا بفتح التاء وتخفيف القاف من القطع اعتبارا بقوله تعالى : ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل وروي هذه القراءة هارون عن أبي عمرو وقرأ الحسن وتقطعوا مفتوحة الحروف مشددة اعتبارا بقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم الباقون وتقطعوا بضم التاء مشددة الطاء من التقطيع على التكثير وهو اختيار أبي عبيد وتقدم ذكر عسيتم في ( البقرة ) وقال الزجاج في قراءة نافع : لو جاز هذا لجاز عسى بالكسر قال الجوهري : ويقال عسيت أن أفعل ذلك وعسيت بالكسر وقريء فهل عسيتم بالكسر قلت : ويدل قوله هذا على أنهما لغتان وقد مضى القول فيه في البقرة مستوفي ( أولئك الذين لعنهم الله ) أي طردهم وأبعدهم من رحمته ( فأصمهم ) عن الحق ( وأعمى أبصارهم ) أي قلوبهم عن الخير فأتبع الأخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه لعنته وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لاينقاد للحق وإن سمعه فجعله كالبهيمة التي لا تعقل وقال : فهل عسيتم ثم قال : أولئك الذين لعنهم الله فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك الثانية قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ) أي يتفهمونه فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام ( أم على قلوب أقفالها ) أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون وهذا يرد على القدرية والإمامية مذهبهم وفي حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها ( وأصل القفل اليبس والصلابة ويقال لما يبس من الشجر : القفل والقفيل مثله والقفيل أيضا نبت والقفيل : الصوت قال الراجز : لما أتاك يابسا قريشا قمت إليه بالقفيل ضربا كيف قريت شيخك الأزبا القرشب ( بكسر القاف ) المسن عن الأصمعي وأقفله الصوم أي أيبسه قاله القشيري والجوهري فالأقفال ها هنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوه عن الإيمان أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال : على قلوب لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها الثالثة في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار وقال قتادة وغيره : معنى الآية فلعلكم أو يخاف عليكم إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة وعلى هذا قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية والمراد من أضمر منهم نفاقا فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك يوجب القتال وبالجملة فالرحم على وجهين : عامة وخاصة فالعامة رحم الدين ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم وأما الرحم الخاصة وهي القرابة من طرق الرجل أبيه وأمه فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة كالنفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة حتى إذا تزاحمت الحقوق بديء بالأقرب فالأقرب وقال بعض أهل العلم : إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان أو غير محرم فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتها ولا يحرم قطعهم وهذا ليس بصحيح والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال قربة ودينية على ما ذكرناه أولا والله أعلم وقد روى أبو داؤد الطيالسي في مسنده قال : حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ( وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة قاطع ( قال بن أبي عمر قال سفيان : يعني قاطع رحم ورواه البخاري الرابعة قوله عليه السلام : ( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ( خلق بمعنى اخترع وأصله التقدير كما تقدم والخلق هنا بمعنى المخلوق ومنه قوله تعالى : هذا خلق الله أي مخلوقه ومعنى ( فرغ منهم ( كمل خلقهم لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة ولا خلقه بآلة ولا محاولة تعالى عن ذلك وقوله : ( قامت الرحم فقالت ( يحمل على أحد وجهين : أحدهما أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين وثانيهما أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام كما قال تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون وقوله : ( فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة ( مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره وأدخله في ذمته وخفارته وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض ولذلك قال مخاطبا للرحم : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ( وهذا كما قال عليه السلام : ( ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه ( < <

Bagian V16/P248–V16/P250

محمد : ( 25 ) إن الذين ارتدوا . . . . . > > < > ( محمد 25 ) < > قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم قاله بن جريج وقال بن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون قعدوا عن القتال بعد ما علموه في القرآن ( والشيطان سول لهم ) أي زين لهم خطاياهم قاله الحسن ( وأملي لهم ) أي مد لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر عن الحسن أيضا وقال : إن الذي أملى لهم في الأمل ومد في آجالهم هو الله عز وجل قاله الفراء والمفضل وقال الكلبي ومقاتل : إن معنى أملي لهم أمهلهم فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالإمهال في عذابهم وقرأ أبو عمرو وبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة وأملي لهم بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله وكذلك قرأ بن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم كأنه قال : وأنا أملي لهم واختاره أبو حاتم قال : لأن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يملي لهم وليس كذلك فلهذا عدل إلى الضم قال المهدوي : ومن قرأ وأملي لهم فالفاعل اسم الله تعالى وقيل الشيطان واختار أبو عبيد قراءة العامة قال : لأن المعنى معلوم لقوله : لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه رد التسبيح على اسم الله والتوقير والتعزير على اسم الرسول < < محمد : ( 26 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . . > > < > ( محمد 26 ) < > قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قالوا ) أي ذلك الإملاء لهم حتى يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا يعني المنافقين واليهود ( للذين كرهوا ما نزل الله ) وهم المشركون ( سنعطيكم في بعض الأمر ) أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته والقعود عن الجهاد معه وتوهين أمره في السر وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر الله نبيه وقراءة العامة أسرارهم بفتح الهمزة جمع سر وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقرأ الكوفيون وبن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم إسرارهم بكسر الهمزة على المصدر نحو قوله تعالى : وأسررت لهم إسرارا نوح جمع لاختلاف ضروب السر < < محمد : ( 27 ) فكيف إذا توفتهم . . . . . > > < > ( محمد 27 ) < > قوله تعالى : ( فكيف ) أي فكيف تكون حالهم ( إذا توفتهم الملائكة يضربون ) أي ضاربين فهو في موضع الحال ومعنى الكلام التخويف والتهديد أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر وقد مضى في الأنفال والنحل وقال بن عباس : لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه وقيل : ذلك عند القتال نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب وقيل : ذلك في القيامة عند سوقهم إلى النار < < محمد : ( 28 ) ذلك بأنهم اتبعوا . . . . . > > < > ( محمد 28 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) أي ذلك جزاؤهم ( بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ) قال بن عباس : هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر ( وكرهوا رضوانه ) يعني الإيمان ( فأحبط أعمالهم ) أي ما عملوه من صدقة وصلة رحم وغير ذلك على ما تقدم < < محمد : ( 29 ) أم حسب الذين . . . . . > > < > ( محمد 29 : 30 ) <

Bagian V16/P250–V16/P252

> قوله تعالى : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض ) نفاق وشك يعني المنافقين ( أن لن يخرج الله أضغانهم ) الأضغان ما يضمر من المكروه واختلف في معناه فقال السدي : غشهم وقال بن عباس : حسدهم وقال قطرب : عداوتهم وأنشد قول الشاعر : قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصديق وشيد الأضغانا وقيل : أحقادهم واحدها ضغن قال : وذي ضغن كففت النفس عنه وقد تقدم وقال عمرو بن كلثوم : وإن الضغن بعد الضغن يفشو عليك ويخرج الداء الدفينا قال الجوهري : الضغن والضغينة : الحقد وقد ضغن عليه ( بالكسر ) ضغنا وتضاغن القوم واضطغنوا : أبطنوا على الأحقاد واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك وأنشد الأحمر : كأنه مضطغن صبيا أي حامله في حجره وقال بن مقبل : إذا اضطغنت سلاحي عند مغرضها ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا وفرس ضاغن : لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب والمعنى : أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام ( ولو نشاء لأريناكهم ) أي لعرفناكهم قال بن عباس : وقد عرفه إياهم في سورة براءة تقول العرب : سأريك ما أصنع أي سأعلمك ومنه قوله تعالى : بما أراك الله أي بما أعلمك ( فلعرفتهم بسيماهم ) أي بعلاماتهم قال أنس : ما خفى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم الناس فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق فذلك سيماهم وقال بن زيد : قدر الله إظهارهم وأمر أن يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها ( ولتعرفنهم في لحن القول ) أي في فحواه ومعناه ومنه قول الشاعر : وخير الكلام ما كان لحنا أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به مأخوذ من اللحن في الإعراب وهو الذهاب عن الصواب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ( أي أذهب بها في الجواب لقوته على تصريف الكلام أبو زيد لحنت له ( بالفتح ) ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفي على غيره ولحنه هو عني ( بالكسر ) يلحنه لحنا أي فهمه وألحنته أنا إياه ولا حنت الناس فاطنتهم قال الفزاري : وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق رائع وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا يريد أنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها وقد قال تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول وقال القتال الكلابي : ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا ولحنت لحنا ليس بالمرتاب وقال مرار الأسدي : ولحنت لحنا فيه غش ورابني صدودك ترضين الوشاة الأعاديا قال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافق إلا عرفه وقيل : كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما بينهم والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد فنبهه الله تعالى عليه فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم قال أنس : فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه الله ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إياه ( والله يعلم أعمالكم ) أي لايخفي عليه شيء منها < < محمد : ( 31 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . . > > < > ( محمد 31 ) <

Bagian V16/P252–V16/P254

> قوله تعالى : ( ولنبلونكم ) أي نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور وقيل : لنعاملنكم معاملة المختبرين ( حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) عليه قال بن عباس : حتى نعلم حتى نميز وقال علي رضي الله عنه حتى نعلم حتى نرى وقد مضى في البقرة وقراءة العامة بالنون في نبلونكم ونعلم ونبلو وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهن وروى رويس عن يعقوب إسكان الواو من نبلو على القطع مما قبل ونصب الباقون ردا على قوله : حتى نعلم وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم فتأويله : حتى نعلم المجاهدين علم شهادة لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة ( ونبلو أخباركم ) نختبرها ونظهرها قال إبراهيم بن الأشعث : كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا < < محمد : ( 32 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( محمد 32 ) < > يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود وقال بن عباس : هم المطعمون يوم بدر نظيرها : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله الآية ( وشاقوا الرسول ) أي عادوه وخالفوه ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) أي علموا أنه نبي بالحجج والآيات ( لن يضروا الله شيئا ) بكفرهم ( وسيحبط أعمالهم ) أي ثواب ما عملوه < < محمد : ( 33 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( محمد 33 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) لما بين حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه ( ولا تبطلوا أعمالكم ) أي حسناتكم بالمعاصي قاله الحسن وقال الزهري : بالكبائر بن جريج : بالرياء والسمعة وقال مقاتل والثمالي : بالمن وهو خطاب لمن كان يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وكله متقارب وقول الحسن يجمعه وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات والمعاصي تخرج عن الإيمان الثانية احتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على أن التحلل من التطوع صلاة كان أو صوما بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه وقال من أجاز ذلك وهو الإمام الشافعي وغيره : المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض فنهى الرجل عن إحباط ثوابه فأما ما كان نفلا فلا لأنه ليس واجبا عليه فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييرا وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال وقال مقاتل : يقول الله تعالى إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم < < محمد : ( 34 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( محمد 34 ) < > بين أن الاعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في النار وقد مضى في البقرة الكلام فيه وقيل : إن المراد بالآية أصحاب القليب وحكمها عام < < محمد : ( 35 ) فلا تهنوا وتدعوا . . . . . > > < > ( محمد 35 ) <

Bagian V16/P254–V16/P256

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فلا تهنوا ) أي تضعفوا عن القتال والوهن : الضعف وقد وهن الإنسان ووهنه غيره يتعدى ولا يتعدى قال : إنني لست بموهون فقر ووهن أيضا ( بالكسر ) وهنا أي ضعف وقرئ فما وهنوا بضم الهاء وكسرها وقد مضى في آل عمران الثانية قوله تعالى : ( وتدعوا إلى السلم ) أي الصلح ( وأنتم الأعلون ) أي وأنتم أعلم بالله منهم وقيل : وأنتم الأعلون في الحجة وقيل : المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال وقال قتادة : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها الثالثة واختلف العلماء في حكمها فقيل : إنها ناسخة لقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكون بالمسلمين حاجة إلى الصلح وقيل : منسوخة بقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وقيل : هي محكمة والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال وقيل : إن قوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص في قوم بأعيانهم والأخرى عامة فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين وقد مضى هذا المعنى مستوفي ( والله معكم ) أي بالنصر والمعونة مثل : وإن الله لمع المحسنين : ( ولن يتركم أعمالكم ) أي لن ينقصكم عن بن عباس وغيره ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه : وتره يتره وترا وترة ومنه قوله عليه السلام : ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ( أي ذهب بهما وكذلك وتره حقه أي نقصه وقوله تعالى : ولن يتركم أعمالكم أي لن ينتقصكم في أعمالكم كما تقول : دخلت البيت وأنت تريد في البيت قاله الجوهري الفراء : ولن يتركم هو مشتق من الوتر وهو الفرد فكان المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب < < محمد : ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . . > > < > ( محمد 36 : 37 ) < > قوله تعالى : ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) تقدم في الأنعام ( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ) شرط وجوابه ( ولا يسألكم أموالكم ) أي لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة بل أمر بإخراج البعض قاله بن عيينة وغيره وقيل : لا يسألكم أموالكم لنفسه أو لحاجة منه إليها إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم وقيل : لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه المالك لها وهو المنعم بإعطائها وقيل : ولا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة نظيره : قل ما أسألكم عليه من أجر الفرقان الآية ( إن يسئلكموها فيحفكم ) يلح عليكم يقال : أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد والحفي المستقصي في السؤال وكذلك الإحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة ومنه أحفى شاربه أي استقصى في أخذه ( تبخلوا ويخرج أضغانكم ) أي يخرج البخل أضغانكم قال قتادة : قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان وقرأ بن عباس ومجاهد وبن محيصن وحميد تخرج بتاء مفتوحة وراء مضمومة أضغانكم بالرفع لكونه الفاعل وروي الوليد عن يعقوب الحضرمي ونخرج بالنون وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو ويخرج بالرفع في الجيم على القطع والاستئناف والمشهور عنه ويخرج كسائر القراء عطف على ما تقدم < < محمد : ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . > > < > ( محمد 38 ) <

Bagian V16/P256–V16/P259

> ) أي هأنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون ( لتنفقوا في سبيل الله ) أي في الجهاد وطريق الخير ( فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أي على نفسه أي يمنعها الأجر والثواب ( والله الغني ) أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم ( وأنتم الفقراء ) إليها ( وإن تتلوا يستبدل قوما غيركم ) أي أطوع لله منكم روى الترمذي عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم قالوا : ومن يستبدل بنا قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال : ( هذا وقومه هذا وقومه ( قال : حديث غريب في إسناده مقال وقد روى عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني أيضا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا ثم لا يكونوا أمثالنا قال : وكان سلمان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان قال : ( هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس ( وقال الحسن : هم العجم وقال عكرمة : هم فارس والروم قال المحاسبي : فلا أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس وقيل : إنهم اليمن وهم الأنصار قاله شريح بن عبيد وكذا قال بن عباس : هم الأنصار وعنه أنهم الملائكة وعنه هم التابعون وقال مجاهد : إنهم من شاء من سائر الناس ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) قال الطبري : أي في البخل بالإنفاق في سبيل الله وحكى عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( هي أحب إلي من الدنيا ( والله أعلم سورة الفتح مدنية بإجماع وهي تسع وعشرون آية ونزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب : ثكلت أم عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك فقال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال : ( لقد أنزلت على الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( لفظ البخاري وقال الترمذي : حديث حسن غريب صحيح وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال : لما نزلت : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما إلى قوله فوزا عظيما مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدى بالحديبية فقال : ( لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا ( وقال عطاء عن بن عباس : إن اليهود شتموا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله تعالى : ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وقالوا : كيف تنبع رجلا لا يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ونحوه قال مقاتل بن سليمان : لما نزل قوله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم فرح المشركون والمنافقون وقالوا : كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه فنزلت بعد ما رجع من الحديبية : إنا فتحنا لك فتحا مبينا أي قضينا لك قضاء فنسخت هذه الآية تلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد أنزلت علي سورة ما يسرني بها حمر النعم ( وقال المسعودي : بلغني أنه من قرأ <

Bagian V16/P259–V16/P260

> تفسير سورة الفتح < > في أول ليلة من رمضان في صلاة التطوع حفظه الله ذلك العام بسم الله الرحمن الرحيم < < الفتح : ( 1 ) إنا فتحنا لك . . . . . > > < > ( الفتح 1 ) < > اختلف في هذا الفتح ما هو ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال : الحديبية وقال جابر : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية وقال الفراء : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا نعد مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر وقال الضحاك : إنا فتحنا لك فتحا مبينا بغير قتال وكان الصلح من الفتح وقال مجاهد : هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه وقال : كان فتح الحديبية آية عظيمة نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه وقال موسى بن عقبة : قال رجل عند منصرفهم من الحديبية : ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا ( وقال الشعبي في قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال : هو فتح الحديبية لقد أصاب بها مالم يصب في غزوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبويع بيعة الرضوان وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدى محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس وقال الزهري : لقد كان الحديبية أعظم الفتوح وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف وقال مجاهد أيضا والعوفي : هو فتح خيبر والأول أكثر وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه على ما يأتي بيانه في قوله تعالى : سيقول المخلفون إذا انطلقتم وقوله : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وقال مجمع بن جارية وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن : شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعض الناس لبعض : ما بال الناس قالوا : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : فخرجنا نوجف فوجدنا نبي الله صلى الله عليه وسلم عند كراع الغميم فلما اجتمع الناس قرأ النبي صلى الله عليه وسلم إنا فتحنا لك فتحا مبينا فقال عمر بن الخطاب : أو فتح هو يا رسول الله قال : ( نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح ( فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل أحد إلا من شهد الحديبية وقيل : إن قوله تعالى : فتحا يدل على أن مكة فتحت عنوة لأن اسم الفتح لا يقع مطلقا إلا على ما فتح عنوة هذا هو حقيقة الاسم وقد يقال : فتح البلد صلحا فلا يفهم الصلح إلا بأن يقرن بالفتح فصار الفتح في الصلح مجازا والأخبار دالة على أنها فتحت عنوة وقد مضى القول فيها ويأتي < < الفتح : ( 2 ) ليغفر لك الله . . . . . > > < > ( الفتح 2 : 3 ) <

Bagian V16/P260–V16/P262

> قال بن الأنباري : فتحا مبينا غير تام لأن قوله : ليغفر لك الله ما تقدم متعلق بالفتح كأنه قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة فيجمع الله لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة وقال أبو حاتم السجستاني : هي لام القسم وهذا خطأ لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها ولو جاز هذا لجاز : ليقوم زيد بتأويل ليقومن زيد الزمخشري : فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة قلت : لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي : المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب وفي الترمذي عن أنس قال : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض ( ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فقالوا : هنيئا مريئا يا رسول الله لقد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار حتى بلغ فوزا عظيما قال حديث حسن صحيح وفيه عن مجمع بن جارية واختلف أهل التأويل في معنى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقيل : ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها قاله مجاهد ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري قال الطبري : هو راجع إلى قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح إلى قوله توابا النصر ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر إلى وقت نزول هذه الآية وقال سفيان الثوري : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ذنبك ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك وما تأخر كل شيء لم تعمله وقاله الواحدي وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة البقرة فهذا قول وقيل ما تقدم قبل الفتح وما تأخر بعد الفتح وقيل : ما تقدم قبل نزول هذه الآية وما تأخر بعدها وقال عطاء الخرساني : ما تقدم من ذنبك يعني من ذنب أبويك آدم وحواء وما تأخر من ذنوب أمتك وقيل : من ذنب أبيك إبراهيم وما تأخر من ذنوب النبيين وقيل : ما تقدم من ذنب يوم بدر وما تأخر من ذنب يوم حنين وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر أنه جعل يدعو ويقول : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا ( وجعل يردد هذا القول دفعات فأوحى الله إليه : من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا فكان هذا الذنب المتقدم وأما الذنب المتأخر فيوم حنين لما انهزم الناس قال لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان : ( ناولاني كفا من حصباء الوادي ( فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال : ( شاهت الوجوه حم لا ينصرون ( فانهزم القوم عن آخرهم فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم : ( لو لم أرمهم لم ينهزموا ( فأنزل الله عز وجل : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فكان هذا هو الذنب المتأخر وقال أبو علي الروذباري : يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك قوله تعالى : ( ويتم نعمته عليك ) قال بن عباس : في الجنة وقيل : بالنبوة والحكمة وقيل : بفتح مكة والطائف وخيبر وقيل : بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر ( ويهديك صراطا مستقيما ) أي يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه ( وينصرك الله نصرا عزيزا ) أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل < <

Bagian V16/P262–V16/P265

الفتح : ( 4 ) هو الذي أنزل . . . . . > > < > ( الفتح 4 ) < > السكينة : السكون والطمأنينة قال بن عباس : كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في البقرة وتقدم معنى زيادة الإيمان في آل عمران وقال بن عباس : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة فلما صدقوه زادهم الزكاة فلما صدقوه زادهم الصيام فلما صدقوه زادهم الحج ثم أكمل لهم دينهم فذلك قوله : ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) أي تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان وقال الربيع بن أنس : خشية مع خشيتهم وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم ( ولله جنود السماوات والأرض ) قال بن عباس : يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس ( وكان الله عليما ) بأحوال خلقه ( حكيما ) فيما يريده < < الفتح : ( 5 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . . > > < > ( الفتح 5 ) < > أي أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة وقيل : اللام في ليدخل يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله : ليغفر لك الله ( وكان ذلك أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران الذنوب ( عند الله فوزا عظيما ) أي نجاة من كل غم وظفرا بكل مطلوب وقيل : لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قالوا : هنيئا لك يا رسول الله فماذا لنا فنزل : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ولما قرأ ويتم نعمته عليك قالوا : هنيئا لك فنزلت : وأتممت عليكم نعمتي فلما قرأ ويهديك صراطا مستقيما نزل في حق الأمة : ويهديك صراطا مستقيما ولما قال : وينصرك الله نصرا عزيزا نزل : وكان حقا علينا نصر المؤمنين وهو كقوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ثم قال : هو الذي يصلي عليكم ذكره القشيري < < الفتح : ( 6 ) ويعذب المنافقين والمنافقات . . . . . > > < > ( الفتح 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا وأسرا واترقاقا ( الظانين بالله ظن السوء ) يعني ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية وأن المشركين يستأصلونهم كما قال : بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وقال الخليل وسيبويه : السوء هنا الفساد ( عليهم دائرة السوء ) في الدنيا بالقتل والسبي والأسر وفي الآخرة جهنم وقرأ بن كثير وأبو عمرو دائرة السوء بالضم وفتح الباقون قال الجوهري : ساءه يسوءه سوءا ( بالفتح ) ومساءة ومساية نقيض سره والاسم السوء ( بالضم ) وقرئ عليهم دائرة السوء يعني الهزيمة والشر ومن فتح فهو من المساءة ( وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ) تقدم في غير موضع جميعه والحمد لله وقيل : لما جرى صلح الحديبية قال بن أبي : أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقي له عدو فأين فارس والروم فبين الله عز وجل أن جنود السماوات والأرض أكثر من فارس والروم وقيل : يدخل فيه جميع المخلوقات وقال بن عباس : ولله جنود السماوات الملائكة وجنود الأرض المؤمنون وأعاد لأن الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين والمراد في الموضعين التخويف والتهديد فلو أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى < <

Bagian V16/P265–V16/P267

الفتح : ( 8 ) إنا أرسلناك شاهدا . . . . . > > < > ( الفتح 8 : 9 ) < > قوله تعالى : ( إنا أرسلناك شاهدا ) قال قتادة : على أمتك بالبلاغ وقيل : شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية وقيل : مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم وقيل : شاهدا عليهم يوم القيامة فهو شاهد أفعالهم اليوم والشهيد عليهم يوم القيامة وقد مضى في النساء عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا ( ومبشرا ) لمن أطاعه بالجنة ( ونذيرا ) من النار لمن عصى قاله قتادة وغيره وقد مضى في البقرة اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما وانتصب شاهدا ومبشرا ونذيرا على الحال المقدرة حكى سيبويه : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا فالمعنى : إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة وعلى هذا تقول : رأيت عمرا قائما غدا ( لتؤمنوا بالله ورسوله ) قرأ بن كثير وبن محيصن وأبو عمرو ليؤمنوا بالياء وكذلك يعزروه ويوقروه ويسبحوه كله بالياء على الخبر واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده فأما قبله فقوله : ليدخل وأما بعده فقوله : إن الذين يبايعونك الباقون بالتاء على الخطاب واختاره أبو حاتم ( وتعزروه ) أي تعظموه وتفخموه قاله الحسن والكلبي والتعزير : التعظيم والتوقير وقال قتادة : تنصروه وتمنعوا منه ومنه التعزير في الحد لأنه مانع قال القطامي ألا بكرت مي بغير سفاهة تعاتب والمودود ينفعه العزر وقال بن عباس وعكرمة : تقاتلون معه بالسيف وقال بعض أهل اللغة : تطيعوه ( وتوقروه ) أي تسودوه قاله السدي وقيل تعظموه والتوقير : التعظيم والترزين أيضا والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم وهنا وقف تام ثم تبتدئ وتسبحوه أي تسبحوا الله ( بكرة وأصيلا ) أي عشيا وقيل : الضمائر كلها لله تعالى فعلى هذا يكون تأويل تعزروه وتوقروه أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك واختار هذا القول القشيري والأول قول الضحاك وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو وتسبحوه من غير خلاف وبعضه راجعا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وتعزروه وتوقروه أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالأسم والكنية وفي تسبحوه وجهان : أحدهما تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح والثاني هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح بكرة وأصيلا أي غدوة وعشيا وقد مضى القول فيه وقال الشاعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأجلس في أفيائه بالأصائل < < الفتح : ( 10 ) إن الذين يبايعونك . . . . . > > < > ( الفتح 10 ) < > قوله تعالى : ( وإن الذين يبايعونك ) بالحديبية يا محمد ( إنما يبايعون الله ) بين أن بيعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما هي بيعة الله كما قال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) قيل : يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة وقال الكلبي : معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة وقال بن كيسان : قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ( فمن نكث ) بعد البيعة ( فإنما ينكث على نفسه ) أي يرجع ضرر النكث عليه لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب ( ومن أوفى بمن عاهد عليه الله ) قيل في البيعة وقيل في إيمانه ( فسيؤتيه أجرا عظيما ) يعني في الجنة وقرأ حفص والزهري عليه بضم الهاء وجرها الباقون وقرأ نافع وبن كثير وبن عامر فسنوتيه بالنون واختاره الفراء وأبو معاذ وقرأ الباقون بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقرب اسم الله منه < < الفتح : ( 11 ) سيقول لك المخلفون . . . . . > > <

Bagian V16/P267–V16/P269

> ( الفتح 11 ) < > قوله تعالى : ( سيقول لك المخلفون من الأعراب ) قال مجاهد وبن عباس : يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا من قريش وأحرم بعمرة وساق معه الهدى ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل فنزلت وإنما قال : المخلفون لأن الله خلفهم عن صحبة نبيه والمخلف المتروك وقد مضى في براءة ( شغلتنا أموالنا وأهلونا ) أي ليس لنا من يقوم بهما ( فاستغفر لنا ) جاؤوا ويطلبون الاستغفار واعتقادهم بخلاف ظاهرهم ففضحهم الله تعالى بقوله : ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) وهذا هو النفاق المحض ( قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ) قرأ حمزة والكسائي ضرا بضم الضاد هنا فقط أي أمرا يضركم وقال بن عباس : الهزيمة الباقون بالفتح وهو مصدر ضررته ضرا وبالضم اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال والمصدر يؤدى عن المرة وأكثر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قالا : لأنه قابله بالنفع وهو ضد الضر وقيل : هما لغتان بمعنى كالفقر والفقر والضعف والضعف ( أو أراد بكم نفعا ) أي نصرا وغنيمة وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويجعل لهم النفع < < الفتح : ( 12 ) بل ظننتم أن . . . . . > > < > ( الفتح 12 ) < > قوله تعالى : ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ) وذلك أنهم قالوا : إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون ( وزين ذلك ) أي النفاق ( في قلوبكم ) وهذا التزيين من الشيطان أو يخلق الله ذلك في قلوبهم ( وظننتم ظن السوء ) أن الله لا ينصر رسوله ( وكنتم قوما بورا ) أي هلكى قاله مجاهد وقال قتادة : فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير قال الجوهري : البور : الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه قال عبد الله بن الزبعري السهمي : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور وامرأة بور أيضا حكاه أبو عبيد وقوم بور هلكى قال تعالى : وكنتم قوما بورا وهو جمع بائر مثل حائل وحول وقد بار فلان أي هلك وأباره الله أي أهلكه وقيل : بورا أشرارا قاله بن بحر وقال حسان بن ثابت : لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد يهدي الإله سبيل المعشر البور أي الهالك < < الفتح : ( 13 ) ومن لم يؤمن . . . . . > > < > ( الفتح 13 ) < > وعيد لهم وبيان أنهم كفروا بالنفاق < < الفتح : ( 14 ) ولله ملك السماوات . . . . . > > < > ( الفتح 14 ) < > أي هو غني عن عباده وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى < < الفتح : ( 15 ) سيقول المخلفون إذا . . . . . > > < > ( الفتح 15 ) <

Bagian V16/P269–V16/P271

> قوله تعالى : ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) يعني مغانم خيبر لأن الله عز وجل وعد أهل الحديبية فتح خيبر وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضر قال بن إسحاق : وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة وزيد بن ثابت من بني النجار كانا حاسبين قاسمين ( ذرونا نتبعكم ) أي دعونا تقول : ذره أي دعه وهو يذره أي يدعه وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه وقد أميت صدره لا يقال : وذره ولا واذر ولكن تركه وهو تارك قال مجاهد : تخلفوا عن الخروج إلى مكة فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قوما ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) أي يغيروا قال بن زيد : هو قوله تعالى : فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا الآية وأنكر هذا القول الطبري وغيره بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة وقيل : المعنى يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد لأهل الحديبية وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح قاله مجاهد وقتادة واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل وقرأ حمزة والكسائي كلم بإسقاط الألف وكسر اللام جمع كلمة نحو سلمة وسلم الباقون كلام على المصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقوله : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي والكلام : ما استقل بنفسه من الجمل قال الجوهري : الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق ولهذا قال سيبويه : هذا باب علم ما الكلم من العربية ولم يقل ما الكلام لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء : الاسم والفعل والحرف فجاء بما لا يكون إلا جمعا وترك ما يمكن أن يقع على الواحد والجماعة وتميم تقول : هي كلمة بكسر الكاف وقد مضى في براءة القول فيها ( كذلك قال الله من قبل ) أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ( فسيقولون بل تحسدوننا ) أن نصيب معكم من الغنائم وقيل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم ( فقالوا : هذا حسد فقال المسلمون : قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى : فسيقولون بل تحسدوننا فقال الله تعالى : ( بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا وقيل : لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا وهو ترك القتال < < الفتح : ( 16 ) قل للمخلفين من . . . . . > > < > ( الفتح 16 ) <

Bagian V16/P271–V16/P273

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل للمخلفين من الأعراب ) أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال بن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وبن أبي ليلى وعطاء الخرساني : هم فارس وقال كعب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى : الروم وعن الحسن أيضا : فارس والروم وقال بن جبير : هوازن وثقيف وقال عكرمة : هوازن وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة وقال رافع بن خديج : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد وظاهر الآية يرده الثانية في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه السلام لأنه قال : لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما الزمخشري : فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا مادمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( تقاتلونهم أو يسلمون ) هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية وهو معطوف على تقاتلونهم أي يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة وإما الإسلام لا ثالث لهما وفي حرف أبي أو يسلموا بمعنى حتى يسلموا كما تقول : كل أو تشبع أي حتى تشبع قال : فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال الزجاج : قال أو يسلمون لأن المعنى أو هم يسلمون من غير قتال وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب الرابعة قوله تعالى : ( فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) الغنيمة والنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ( وإن تتولوا كما توليتم من قبل ) عام الحديبية ( يعذبكم عذابا أليما ) وهو عذاب النار < < الفتح : ( 17 ) ليس على الأعمى . . . . . > > < > ( الفتح 17 ) < > قال بن عباس : لما نزلت : وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله فنزلت : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم وقد مضى في براءة وغيرها الكلام فيه مبينا والعرج : آفة تعرض لرجل واحدة وإذا كان ذلك مؤثرا فخلل الرجلين أولى أن يؤثر وقال مقاتل : هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم أي من شاء أن يسير منهم معكم إلى خيبر فليفعل ( ومن يطع الله ورسوله ) فيما أمره ( يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) قرأ نافع وبن عامر ندخله بالنون على التعظيم الباقون بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدم اسم الله أولا ( ومن يتولى يعذبه عذابا أليما ) < < الفتح : ( 18 ) لقد رضي الله . . . . . > > < > ( الفتح 18 : 19 ) <

Bagian V16/P273–V16/P277

> قوله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) هذه بيعة الرضوان وكانت بالحديبية وهذا خبر الحديبية على اختصار : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام منصرفه من غزوة بني المصطلق في شوال وخرج في ذي القعدة معتمرا واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب وجميعهم نحو ألف وأربعمائة وقيل : ألف وخمسمائة وقيل غير هذا على ما يأتي وساق معه الهدى فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم فورد الخبر بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعسفان وكان المخبر له بشر بن سفيان الكعبي فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة وكان دليله فيهم رجل من أسلم فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس : خلأت خلأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها ( ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك فقيل : يا رسول الله ليس بهذا الوادي ماء فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وقيل : نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري فقاضاه عل أن ينصرف عليه الصلاة والسلام عامه ذلك فإذا كان من قابل أتي معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى الكفار ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا فقال لأصحابه ( اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه ( فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله وقالوا له : لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح : ( امح يا علي واكتب باسمك اللهم ( فأبي علي أن يمحو بيده ( محمد رسول الله ( فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اعرضه علي ( فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأمره أن يكتب من محمد بن عبد الله وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يرسف في قيوده فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه فعظم ذلك على المسلمين فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا جندل ( أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولا فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة فروي أنه بايعهم على الموت وروي أنه بايعهم على ألا يفروا وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه على شماله لعثمان فهو كمن شهدها وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال : بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل : كم كانوا يوم الحديبية قال : كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره وعن سالم بن أبي الجعد قال : سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة فقال : لو كنا مائة ألف لكفانا كنا ألفا وخمسمائة وفي رواية : كنا خمس عشرة مائة وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين وعن يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال : على الموت وعن البراء بن عازب قال : كتب علي رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية فكتب : هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( امحه ( فقال : ما أنا بالذي أمحاه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده وكان فيما اشترطوا : أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح قلت لأبي إسحاق : وما جلبان السلاح قال : القراب وما فيه وعن أنس : أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ( فقال سهيل بن عمرو : أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم فقال : ( اكتب من محمد رسول الله ( قالوا : لو علمنا أنك رسوله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اكتب من محمد بن عبد الله ( فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم : أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا : يا رسول الله أنكتب هذا قال : ( نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا ( وعن أبي وائل قال : قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل قال ( بلى ( قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال ( بلى ( قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال ( يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا ( قال : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل قال بلى قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال : يا بن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا قال : فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال : يا رسول الله أو فتح هو قال ( نعم ( فطابت نفسه ورجع قوله تعالى : ( فعلم ما في قلوبهم ) من الصدق والوفاء قاله الفراء وقال بن جريج وقتادة : من الرضا بأمر البيعة على ألا يفروا وقال مقاتل : من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت ( فأنزل السكينة عليهم ) حتى بايعوا وقيل : فعلم ما في قلوبهم من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم إذا رأى أنه يدخل الكعبة حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك رؤيا منام ( وقال الصديق : لم يكن فيها الدخول في هذا العام والسكينة : الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد وقيل الصبر ( وأثابهم فتحا قريبا ) قال قتادة وبن أبي ليلى : فتح خيبر وقيل فتح مكة وقريء وآتاهم ( ومغانم كثيرة يأخذونها ) يعني أموال خيبر وكانت خيبر ذات عقار وأموال وكانت بين الحديبية ومكة ف مغانم على هذا بدل من فتحا قريبا والواو مقحمة وقيل ومغانم فارس والروم < <

Bagian V16/P277–V16/P279

الفتح : ( 20 ) وعدكم الله مغانم . . . . . > > < > ( الفتح 20 ) < > قوله تعالى : ( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ) قال بن عباس ومجاهد إنها المغانم التي تكون إلى يوم القيامة وقال بن زيد : هي مغانم خيبر ( فجعل لكم هذه ) أي خيبر قاله مجاهد وقال بن عباس : عجل لكم صلح الحديبية ( وكف أيدي الناس عنكم ) يعني أهل مكة كفهم عنكم بالصلح وقال قتادة : كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر وهو اختيار الطبري لأن كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله : وهو الذي كف أيديهم عنكم وقال بن عباس في كف أيدي الناس عنكم يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن مالك النضري ومن كان معهما إذ جاؤوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى الله عليه وسلم محاصر لهم فألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وكفهم عن المسلمين ( ولتكون آية للمؤمنين ) أي ولتكون هزيمتهم وسلامتكم آية للمؤمنين فيعلموا أن الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم وقيل : أي لتكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين وقيل : أي ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها والواو في ولتكون مقحمة عند الكوفيين وقال البصريون : عاطفة على مضمر أي وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين ( ويهديكم صراطا مستقيما ) أي يزيدكم هدى أو يثبتكم على الهداية < < الفتح : ( 21 ) وأخرى لم تقدروا . . . . . > > < > ( الفتح 21 ) < > قوله تعالى : ( وأخرى ) أخرى معطوفة على هذه أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى ( لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) قال بن عباس : هي الفتوح التي فتحت على المسلمين كأرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمون وهو قول الحسن ومقاتل وبن أبي ليلى وعن بن عباس أيضا والضحاك وبن زيد وبن إسحاق : هي خيبر وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها وعن الحسن أيضا وقتادة : هو فتح مكة وقال عكرمة : حنين لأنه قال : لم تقدروا عليها وهذا يدل على ما تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة قاله القشيري وقال مجاهد : هي ما يكون إلى يوم القيامة ومعنى قد أحاط الله بها أي أعدها لكم فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه فهو محصور لا يفوت فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم وقيل : أحاط الله بها علم أنها ستكون لكم كما قال : وأن الله قد أحاط بكل شيء علما الطلاق وقيل : حفظها الله عليكم ليكون فتحها لكم ( وكان الله على كل شيء قديرا < < الفتح : ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . . > > < > ( الفتح 22 : 23 ) < > قوله تعالى : ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ) قال قتادة : يعني كفار قريش في الحديبية وقيل : ولو قاتلكم غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر لكانت الدائرة عليهم ( ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ) يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر أوليائه على أعدائه وانتصب سنة على المصدر وقيل : سنة الله أي كسنة الله والسنة الطريقة والسيرة قال : فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها والسنة أيضا : ضرب من تمر المدينة ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) < < الفتح : ( 24 ) وهو الذي كف . . . . . > > < > ( الفتح 24 ) <

Bagian V16/P279–V16/P282

> قوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ) وهي الحديبية ( من بعد أن أظفركم عليهم ) روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذناهم سلما فأستحييناهم فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وقال عبد الله بن مغفل المزني : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا ( قالوا : اللهم لا فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية وذكر بن هشام عن وكيع : وكانت قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجلا أو ثمانين رجلا للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين يسمون العتقاء ومنهم معاوية وأبوه وقال مجاهد : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا إذ أخذ أصحابه ناسا من الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم فذلك الإظفار ببطن مكة وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا باثني عشر فارسا من الكفار فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( هل لكم علي ذمة ( قالوا لا فأرسلهم فنزلت وقال بن أبزي والكلبي : هم أهل الحديبية كف الله أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين وكف أيدي المسلمين عنهم وقد تقدم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين قال القشيري : فهذه رواية والصحيح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت وقد قال سلمة بن الأكوع : كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح قال : فجئت بستة من المشركين أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فأتيت بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر قال في الطريق : يا رسول الله نأتي قوما حربا وليس معنا سلاح ولا كراع فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح وكراع كان فيها وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جهل خرج إليك في خمسمائة فارس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد : ( هذا بن عمك أتاك في خمسمائة ( فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله فيومئذ سمي بسيف الله فخرج ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة وهذه الرواية أصح وكان بينهم قتال بالحجارة وقيل بالنبل والظفر وقيل : أراد بكف اليد أنه شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردهم الرسول عليه السلام إلى المشركين فلحقوا بالساحل ومنهم أبو بصير وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم حتى جاء كبار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : اضممهم إليك حتى نأمن ففعل وقيل : همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر لأنهم كانوا حلفاءهم فمنعهم الله عن ذلك فهو كف اليد ( ببطن مكة ) فيه قولان : أحدهما يريد به مكة الثاني الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرم قال الماوردي : وفي قوله : من بعد أن أظفركم عليهم بفتح مكة وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحا لقوله عز وجل : كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم قلت : الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين وروى الترمذي قال : حدثنا عبد بن حميد قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أن ثمانين هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وقد تقدم وأما فتح مكة فالذي تدل عليه الأخبار أنها إنما فتحت عنوة وقد مضى القول في ذلك في الحج وغيرها ( وكان الله بما تعملون بصيرا < <

Bagian V16/P282

الفتح : ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . . > > < > ( الفتح 25 ) <

Bagian V16/P282–V16/P287

> قوله تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( هم الذين كفروا ) يعني قريشا منعوكم دخول المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بعمرة ومنعوا الهدى وحبسوه عن أن يبلغ محله وهذا كانوا لا يعتقدونه ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه وأدخل الأنس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيانه ووعده الثانية قوله تعالى : ( والهدى معكوفا ) أي محبوسا وقيل موقوفا وقال أبو عمرو بن العلاء : مجموعا الجوهري : عكفه أي حبسه ووقفه يعكفه ويعكفه عكفا ومنه قوله تعالى : والهدى معكوفا يقال : ما عكفك عن كذا ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس ( أن يبلغ محله ) أي منحره قاله الفراء وقال الشافعي رضي الله عنه : الحرم وكذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه المحصر محل هديه الحرم والمحل ( بكسر الحاء ) : غاية الشيء ( وبالفتح ) : هو الموضع الذي يحله الناس وكان الهدى سبعين بدنة ولكن الله بفضله جعل ذلك الموضع له محلا وقد اختلف العلماء في هذا على ما تقدم بيانه في البقرة عند قوله تعالى : فإن أحصرتم والصحيح ما ذكرناه وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وعنه قال : اشتركنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة فقال رجل لجابر : أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور قال : ما هي إلا من البدن وحضر جابر الحديبية قال : ونحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة وفي البخاري عن بن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنة وحلق رأسه قيل : إن الذي حلق رأسه يومئذ خراش بن أمية بن أبي العيص الخزاعي وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينحروا ويحلوا ففعلوا بعد توقف كان منهم أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له أم سلمة : لو نحرت لنحروا فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه ونحروا بنحره وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ودعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ورأى كعب بن عجرة والقمل يسقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ( قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية خرجه البخاري والدارقطني وقد مضى في البقرة الثالثة قوله تعالى : ( والهدى ) الهدي والهدي لغتان وقريء حتى يبلغ الهدي محله بالتخفيف والتشديد والواحد هدية وقد مضى في البقرة أيضا وهو معطوف على الكاف والميم من صدوكم ومعكوفا ) حال وموضع أن من قوله : أن يبلغ محله نصب على تقدير الحمل على صدوكم أي صدوكم وصدوا الهدى على أن يبلغ ويجوز أن يكون مفعولا له كأنه قال : وصدوا الهدى كراهية أن يبلغ محله أبو علي : لا يصح حمله على العكف لأنا لا نعلم عكف جاء متعديا ومجيء معكوفا في الآية يجوز أن يكون محمولا على المعنى كأنه لما كان حبسا حمل المعنى على ذلك كما حمل الرفث على معنى الإفضاء فعدي بإلى فإن حمل على ذلك كان موضعه نصبا على قياس قول سيبويه وجرا على قياس قول الخليل أو يكون مفعولا له كأنه فال : محبوسا كراهية أن يبلغ محله ويجوز تقدير الجر في أن لأن عن تقدمت فكأنه قال : وصدوكم عن المسجد الحرام وصدو الهدى عن أن يبلغ محله ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس : مررت برجل إن زيد وإن عمرو فأضمر الجار لتقدم ذكره قوله تعالى : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولو لا رجال مؤمنون ) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وأشباههم ( لم تعلموهم ) أي تعرفوهم وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون ( أن تطئوهم ) بالقتل والإيقاع بهم يقال : وطئت القوم أي أوقعت بهم وأن يجوز أن يكون رفعا على البدل من رجال ونساء كأنه قال ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات ويجوز أن يكون نصبا على البدل من الهاء والميم في تعلموهم فيكون التقدير : لم تعلموا وطأهم وهو في الوجهين بدل الاشتمال لم تعلموهم نعت ل رجال ونساء وجواب لولا محذوف والتقدير : ولو أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة ولسلطكم عليهم ولكنا صنا من كان فيها يكتم إيمانه وقال الضحاك : لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطئوا آباءهم فتهلك أبناؤهم الثانية قوله تعالى : ( فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) المعرة العيب وهي مفعلة من العر وهو الجرب أي يقول المشركون : قد قتلوا أهل دينهم وقيل : المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدية في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما وقد مضى في النساء القول فيه وقال بن زيد : معرة إثم وقال الجوهري وبن إسحاق : غرم الدية قطرب : شدة وقيل غم الثالثة قوله تعالى : ( بغير علم ) تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدي حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحدا لكان عن غير قصد وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان عليه السلام في قولها : لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون قوله تعالى : ( ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا ) اللام في ليدخل متعلقة بمحذوف أي لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته ويجوز أن تتعلق بالإيمان ولا تحمل على مؤمنين دون مؤمنات ولا على مؤمنات دون مؤمنين لأن الجميع يدخلون في الرحمة وقيل : المعنى لم يأذن الله لكم في قتال المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة وكذلك كان أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه ودخلوا في رحمته أي جنته الثانية قوله تعالى : ( لو تزيلوا ) أي تميزوا قاله القتبي وقيل : لو تفرقوا قاله الكلبي وقيل : لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف قاله الضحاك ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار وقال علي رضي الله عنه : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا فقال : ( هم المشركون من أجداد نبي الله ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله تعالى الكافرين عذابا أليما ( الثالثة هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن إذ لا يمكن أذية الكافر إلا بأذية المؤمن قال أبو زيد قلت لابن القاسم : أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم أيحرق هذا الحصن أم لا قال سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم : أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم قال : فقال مالك لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة : لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ والدية على عواقلهم فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا وإذا أبيحوا الفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة قال بن العربي : وقد قال جماعة إن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال وهذا ضعيف لأن من في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة وهو سبحانه قد صرح فقال : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم وذلك لا ينطلق على من في بطن المرأة وصلب الرجال وإنما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وكذلك قال مالك : وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم ولو تترس كافر بولد مسلم رمى المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة وقال الثوري : فيه الكفارة ولا دية وقال الشافعي بقولنا وهذا ظاهر فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه والله أعلم قلت : قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية فمعنى كونها ضرورية : أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس ومعنى أنها كلية : أنها قاطعة لكل الأمة حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة ومعنى كونها قطعية : أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا قال علماؤنا : وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون ولا يتأتى لعاقل أن يقول : لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم والله أعلم الرابعة قراءة العامة لو تزيلوا إلا أبا حيوة فإنه قرأ تزايلوا وهو مثل تزيلوا في المعنى والتزايل : التباين وتزيلوا تفعلوا من زلت وقيل : هي تفيعلوا لعذبنا الذين كفروا قيل : اللام جواب لكلامين أحدهما لولا رجال والثاني لو تزيلوا وقيل جواب لولا محذوف وقد تقدم ولو تزيلوا ابتداء كلام < <

Pertanyaan

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 118 · Qur'an & Sunnah