Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
البقرة : ( 33 ) قال يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 33 ) <
> قوله تعالى : ( قل يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أنبئهم بأسمائهم ) أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له مختصا بالعلم الثانية في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ( أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ورضى منهم بالطلب له والشغل به هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم الثالثة أختلف العلماء من هذا الباب أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل أحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وقوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك وفي البخاري : يقول الله عز وجل : ( من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( وهذا نص أحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة بالهمزة من برأ الله الخلق وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ( الحديث أخرجه أبو داود وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ولا يباهي إلا بالأفضل والله أعلم وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ثم إن الأنبياء خير من الكعبة بأتفاق الأمة ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا الرابعة قوله تعالى : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة وسيأتي بيان هذا في الأنعام إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الخامسة قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) أي من قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها حكاه مكي والماوردي وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم ( وما كنتم تكتمون ) قال أبن عباس وأبن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية قال أبن عطية : وجاء تكتمون للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب وأتساعها كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا أي منكم فاعله وهذا مع قصد تعنيف ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وإنما ناداه منهم عيينة وقيل الأقرع وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا وكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه وما في قوله : ما تبدون يجوز أن ينتصب ب أعلم على أنه فعل ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به ما فيكون مثل حواج بيت الله وقد تقدم < <
البقرة : ( 34 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > < > ( البقره 34 ) <
> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلنا ) أي وأذكر وأما قول أبي عبيدة : إن إذ زائدة فليس بجائز لأن إذ ظرف وقد تقدم وقال : قلنا ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره والملائكة جمع ملك وقد تقدم وتقدم القول أيضا في آدم وأشتقاقه فلا معنى لإعادته وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في أسجدوا ونظيره الحمد لله الثانية قوله تعالى : ( أسجدوا ) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع قال الشاعر : بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر الأكم : الجبال الصغار جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها وعين ساجدة أي فاترة عن النظر وغايته وضع الوجه بالأرض قال أبن فارس : سجد إذا تطامن وكل ما سجد فقد ذل والإسجاد : إدامة النظر قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه قال : فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارها قال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد : وقلن له أسجد لليلى فأسجدا يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها قال : وافى بها كدراهم الإسجاد الثالثة أستدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : أسجدوا لآدم قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم والجواب أن معنى أسجدوا لآدم أسجدوا لي مستقبلين وجه آدم وهو كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس أي عند دلوك الشمس وكقوله : ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم أستغناءه عنهم وعن عبادتهم وقال بعضهم : عيروا آدم وأستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها لما قال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا فقال لهم : إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن فإن قيل : فقد أستدل أبن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وأمنه من العذاب بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح وقال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : لعمري وأقسم بالسماء والأرض ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع وأقسم بالتين والزيتون وأما قوله سبحانه : ومن يقل منهم إني إله من دونه فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فليس فيه إذا دلالة والله أعلم الرابعة وأختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد أتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله وطاعة لله تعالى وكان آدم كالقبلة لنا ومعنى لآدم : إلى آدم كما يقال صلى للقبلة أي إلى القبلة وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة فهو من التذلل والأنقياد أي أخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل ( فسجدوا ) أي أمتثلوا ما أمروا به وأختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام لقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد فقال لهم : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ( روى أبن ماجة في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ( فقال : يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك قال : ( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ( لفظ البستي ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد أتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم وأستغفارهم فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم الخامسة قوله : ( إلأ إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : أبن عباس وأبن مسعود وأبن جريج وأبن المسيب وقتادة وغيرهم وهو أختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر الآية قال بن عباس : وكان أسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد روى سماك أبن حرب عن عكرمة عن أبن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم وخلق سائر الملائكة من نور وقال أبن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا وروي نحوه عن أبن عباس وقال : أسمه الحارث وقال شهر أبن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب وحكاه الطبري عن أبن مسعود والأستثناء على هذا منقطع مثل قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وقوله : إلا ما ذكيتم في أحد القولين وقال الشاعر : ليس عليك عطش ولا جوع إلا الرقاد والرقاد ممنوع وأحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن والجن غير الملائكة أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه لا يسأل عما يفعل وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة حكاه المهدوي وغيره وحكى الثعلبي عن أبن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الملائكة من نور وكان أسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض وكان من أشد الملائكة أجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإن كانت خطيئته في معصية فآرجه وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية وخطيئة إبليس كبرا والملائكة قد تسمى جنا لأستتارها وفي التنزيل : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام : وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فأشتق أسمه من أسمها والله أعلم وإبليس وزنه إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية قاله أبو عبيدة وغيره وقيل : هو أعجمي لا أشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف قاله الزجاج وغيره السادسة قوله تعالى : ( أبى ) معناه أمتنع من فعل ما أمر به ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ أبن آدم السجدة فسجد أعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية : يا ويلي أمر أبن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ( خرجه مسلم يقال : أبى يأبى إباء وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روي عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف السابعة قوله تعالى : ( وأستكبر ) الأستكبار : الأستعظام فكأنه كره السجود في حقه وأستعظمه في حق آدم فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ( وفي رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( أخرجه مسلم ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله وغمط الناس : الأحتقار لهم والأزدراء بهم ويروى : وغمص بالصاد المهملة والمعنى واحد يقال : غمصه يغمصه غمصا وأغتمصه أي أستصغره ولم يره شيئا وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها وغمصت عليه قولا قاله أي عبته عليه وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين أأسجد لمن خلقت طينا لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون فكفره الله بذلك فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه وهذا ما لا خلاف فيه وروى أبن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة وقال قتادة : حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد بن آدم أخاه الثامنة قوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) قيل : كان هنا بمعنى صار ومنه قوله تعالى : فكان من المغرقين وقال الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي صارت وقال أبن فورك كان هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة قلت : وهذا صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الإستدراج كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم وكما أعطي بلعام الأسم الأعظم على طرف لسانه فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن قال أبن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده فلذلك قال : أنا خير منه ولذلك قال الله عز وجل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين أي أستكبرت ولا كبر لك ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال : وكان من الكافرين وكان أصل خلقته من نار العزة ولذلك حلف بالعزة فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما أتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان علم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله قالوا : ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة أبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم العاشرة وأختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا فقيل : لا وإن إبليس أول من كفر وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض وأختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه قال أبن عطية : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء < <
البقرة : ( 35 ) وقلنا يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 35 ) <
> فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم أسكن ) لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال لآدم : أسكن أي لازم الإقامة وأتخذها مسكنا وهو محل السكون وسكن إليه يسكن سكونا والسكن : النار قال الشاعر : قد قومت بسكن وأدهان والسكن : كل ما سكن إليه والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته وسكان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الأضطراب الثانية في قوله تعالى : ( أسكن ) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى وأن له أن يخرجه إذا أنقضت مدة الإسكان وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حتى يموت فهو له حياته وموته وإذا قال داري هذه أسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات ونحو من السكنى العمرى إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى وسيأتي الكلام في العمرى في هود إن شاء الله تعالى قال الحربي : سمعت أبن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره ومثله الرقبى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك وهي من المراقبة والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه ولذلك أختلفوا في إجازتها ومنعها فأجازها أبو يوسف والشافعي وكأنها وصية عندهم ومنعها مالك والكوفيون لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما أبن ماجة في سننه الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبي جائزة لمن أرقبها ( ففي هذا الحديث التسوية بين العمري والرقبى في الحكم الثاني رواه أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته ( قال : والرقبى أن يقول هو للآخر : مني ومنك موتا فقوله : ( لا رقبى ( نهي يدل على المنع وقوله : ( من أرقب شيئا فهو له ( يدل على الجواز وأخرجهما أيضا النسائي وذكر عن أبن عباس قال : العمري والرقبى سواء وقال أبن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ( فقد صحح الحديث أبن المنذر وهو حجة لمن قال بأن العمري والرقبي سواء وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا وبه قال إسحاق وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث والإفقار مأخوذ من فقار الظهر أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه ومثله الإخبال يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه قال زهير : هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا والمنحة : العطية والمنحة : منحة اللبن والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم ( رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما وهو صحيح والإطراق : إعارة الفحل أستطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله فأطرقه إياه ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في أبلي وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها وطروقة الفحل : أنثاه يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل الثالثة قوله : ( أنت وزوجك ) أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ومثله فأذهب أنت وربك ولا يجوز أسكن وزوجك ولا أذهب وربك إلا في ضرورة الشعر كما قال : قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا ف زهر معطوف على المضمر في أقبلت ولم يؤكد ذلك المضمر ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد الرابعة قوله تعالى : ( وزوجك ) لغة القرآن زوج بغيرها وقد تقدم القول فيه وقد جاء في صحيح مسلم : زوجة حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال : ( يا فلان هذه زوجتي فلانة ( : فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ( وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على أمرأته فلما أنتبه قيل له : من هذه قال : أمرأة قيل : وما أسمها قال : حواء قيل : ولم سميت أمرأة قال : لأنها من المرء أخذت قيل : ولم سميت حواء قال : لآنها خلقت من حي روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم قال : نعم قالوا لحواء : أتحبينه ياحواء قالت : لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه قالوا : فلو صدقت أمرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء وقال أبن مسعود وأبن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما أنتبه رأها فقال : من أنت قالت : أمرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها قال العلماء : ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المرأة خلقت من ضلع في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها أستمعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ( وقال الشاعر : هي الضلع العوجاء لست تقيمها ألا إن تقويم الضلوع أنكسارها أتجمع ضعفا وأقتدارا على الفتى أليس عجيبا ضعفها وأقتدارها ومن هذا الباب أستدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل روي ذلك عن علي رضي الله عنه لخلق حواء من أحد أضلاعه وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( الجنة ) الجنة : البستان وقد تقدم القول فيها ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن وأستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس فإن الله يقول : لا لغو فيها ولا تأثيم وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا النبأ وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما الواقعة وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : وما هم منها بمخرجين وأيضا فأن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ومن قال : أسأل الله الجنة لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم ولو كانت غيرها لرد على موسى فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها وأما ما أحتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم أنتزعت منه بعد المعصية وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام فلا معنى لقول من خالفهم وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا على ما قال أبو أمامة على ما يأتي السادسة قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) قراءة الجمهور رغدا بفتح الغين وقرأ النخعي وأبن ثابت بسكونها والرغد : العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه قال : بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغد ويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ) وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف وحيث وحيث وحيث وحوث وحوث وحاث كلها لغات ذكرها النحاس وغيره السابعة قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) أي لا تقرباها بأكل لأن الإباحة فيه وقعت قال أبن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول : إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل وإذا كان بضم الراء فإن معناه لا تدن منه وفي الصحاح : قرب الشيء يقرب قربا أي دنا وقربته بالكسر أقربه قربانا أي دنوت منه وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة والأسم القرب قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما القرب فقال : سير الليل لورد الغد وقال أبن عطية قال بعض الحذاق : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعوا إليه العرب وهو القرب قال أبن عطية : وهذا مثال بين في سد الذرائع وقال بعض أرباب المعاني قوله : ولا تقربا إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وأن سكناه فيها لا يدوم لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فدل على خروجه منها الثامنة قوله تعالى : ( هذه الشجرة ) الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لاغير كقولك : مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة وقرأ أبن محيصن : هذي الشجرة بالياء وهو الأصل لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك أنكسر ما قبلها وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها وذلك لأن أصلها الياء والشجرة والشجرة والشيرة ثلاث لغات وقرئ الشجرة بكسر الشين والشجرة والشجرة : ما كان على ساق من نبات الأرض وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار وواد شجير ولا يقال : واد أشجر وواحد الشجراء شجرة ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة : شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء : حلفة بكسر اللام مخالفة لأخواتها وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء والمشجرة : موضع الأشجار وأرض مشجرة وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا قاله الجوهري التاسعة وأختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها فقال أبن مسعود وأبن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة : هي الكرم ولذلك حرمت علينا الخمر وقال أبن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة : هي السنبلة والحبة منها ككلي البقر أحلى من العسل وألين من الزبد قاله وهب بن منبه ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه وقال أبن جريج عن بعض الصحابة : هي شجرة التين وكذا روي سعيد عن قتادة ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها ذكره السهيلي قال أبن عطية : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها وقال القشيري أبو نصر : وكان الإمام والدي رحمه الله يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة العاشرة وأختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى : فتكونا من الظالمين فقال قوم : أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر قال أبن العربي : وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول قال : وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا : لا حنث فيه وقال مالك وأصحابه : إن أقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه وإن أقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهى عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها فحمل القول على اللفظ دون المعنى وقد أختلف علماؤنا في فرع من هذا وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين قال في الكتاب : يحنث لأنها هكذا تؤكل وقال أبن المواز : لا شيء عليه لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الأسم والصفة ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها وفيما أشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف وقال آخرون : تأولا النهي على الندب قال أبن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا لقوله : فتكونا من الظالمين فقرن النهي بالوعيد وكذلك قوله سبحانه : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وقال أبن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله وكذلك قال يزيد بن قسيط وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل قال أبن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا أما النقل فلم يصح بحال وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : لا فيها غول وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض وأقتحام الجرائم قلت : قد أستنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : فلما أنبأهم بأسمائهم فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جل وعز وقيل : أكلها ناسيا ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد قلت : وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا أي مخالفا قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تعالى : ولم نجد له عزما قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء والله أعلم قلت : والقول الأول أيضا حسن فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ( وقال في خبر آخر : ( هذان مهلكان أمتي ( وإنما أراد الجنس لا العين الحادية عشرة يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها على ما يأتي بيانه وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد فأتاهما من حيث أحبا حبك الشيء يعمي ويصم فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد فألح على حواء وألحت حواء على آدم إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت فأكلت فلم يضرها فأتت آدم فقالت : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب لقول الله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فجمعهما في النهي فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهى عنه منهما جميعا وخفيت على آدم هذه المسألة ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما وقد إختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال قال أبن القاسم : لا تطلقان ولا تعتقان إلا بأجتماعهما في الدخول حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ وقاله سحنون وقال أبن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما لأن بعض الحنث حنث كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها لأن دخول كل واحدة منهما شرط في طلاقها أو عتقها قال أبن العربي : وهذا بعيد لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا قلت : الصحيح الأول وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما لأن قول الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة نهي لهما فتكونا من الظالمين جوابه فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا فلما أكلت لم يصبها شيء لأن المنهي عنه ما وجد كاملا وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم وهو معنى قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وقيل : نسى قوله : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى والله أعلم الثانية عشرة وأختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا بعد أتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك وأحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث وهذا ظاهر لا خفاء فيه وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها لأنا أمرنا بأتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الأقتداء بهم إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ولا يصح أن يؤمر المرء بأمتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : وأختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم وصار بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول : الذي ينبغي أن يقال أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم بل قد تلافاهم وأجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم وأختارهم وأصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فتكونا من الظالمين ) الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت قال النابغة وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد 0 ويسمى ذلك التراب الظلم قال الشاعر : فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمها وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ومنه : ظلامون للجزر ويقال : سقانا ظليمة طيبة إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه وقد ظلم وطبه إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده واللبن مظلوم وظليم قال : وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم ورجل ظليم : شديد الظلم والظلم : الشرك قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا ) حذفت النون من كلا لأنه أمر وحذفت الهمزة لكثرة الأستعمال وحذفها شاذ قال سيبويه : من العرب من يقول أؤكل فيتم يقال منه : أكلت الطعام أكلا ومأكلا والأكلة بالفتح : المرة الواحدة حتى تشبع والأكلة بالضم : اللقمة تقول : أكلت أكلة واحدة أي لقمة وهي القرصة أيضا وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة لك والأكل أيضاما أكل ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع ( رغدا ) نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا قال أبن كسيان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال وقال مجاهد : رغدا أي لاحساب عليهم والرغد في اللغة : الكثير الذي لا يعنيك ويقال : أرغد القوم إذا وقعوا في خصب وسعة وقد تقدم هذا المعنى و ( حيث ) مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لاتضاف فأشبهت قبل وبعد إذا أفردنا فضمت قال الكسائي : لغة قيس وكنانة الضم ولغة تميم الفتح قال الكسائي : وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب قال الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لايعلمون وتضم وتفتح ( ولا تقربا هذه الشجرة ) الهاء من هذه بدل من ياء الأصل لأن الأصل هذى قال النحاس : ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلا ها هذه ومن العرب من يقول : هاتا هند ومنهم من يقول : هاتي هند وحكى سيبويه : هذه هند بإسكان الهاء وحكى الكسائي عن العرب : ولا تقربا هذي الشجرة وعن شبل بن عباد قال : كان أبن كثير وأبن محيصن لا يثبتان الهاء في هذه في جميع القرآن وقراءة الجماعة رغدا بفتح الغين وروي عن أبن وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين وحكى سلمى عن الفراء قال يقال : هذه فعلت وهذي فعلت بإثبات ياء بعد الذال وهذ فعلت بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء وهاتان فعلت قال هشام ويقال : تأفعلت وأنشد : خليلي لولا ساكن الدار لم أقم بتا الدار إلا عابر أبن سبيل قال أبن الأنباري : وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه وقد قال الفراء : من قال هذ قامت لا يسقط ها لأن الأسم لا يكون على ذال واحدة ( فتكونا ) عطف على تقربا فلذلك حذفت النون وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة وكلاهما جائز < <
البقرة : ( 36 ) فأزلهما الشيطان عنها . . . . . > > < > ( البقره 36 ) <
> قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة أي أستزلهما وأوقعهما فيها وقرأ حمزة فأزالهما بألف من التنحية أي نحاهما يقال : أزلته فزال قال أبن كسيان : فأزلهما من الزوال أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه : أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى : إنما أستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله فوسوس لهما الشيطان والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان إنما قدرته على إدخاله في الزلل فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال قال أمرؤ القيس : يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوى بأثواب العنيف المثقل وقال أيضا : كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل الثانية قوله تعالى : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : فأخرجهما تأكيد وبيان للزوال إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة وليس كذلك وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض لأنهما خلقا منها وليكون آدم خليفة في الأرض ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل أزداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن قال الله جل ثناؤه : ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى إبليس لأنه كان بسببه وإغوائه ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم وأختلف في الكيفية فقال أبن مسعود وأبن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين والمقاسمة ظاهرها المشافهة وقال بعضهم وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : أنظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها ثم أغوى آدم وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه : أين أنت فقال : أنا هذا يا رب قال : ألا تخرج قال أستحي منك يا رب قال : أهبط إلى الأرض التي خلقت منها ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ولذلك أمرنا بقتلها على ما يأتي بيانه وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوي بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من أبن آدم مجرى الدم ( والله أعلم وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية فرحمته شجرة التين فأخذ من ورقه فأستتر به فبلي بالعري دون الشجر والله أعلم وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا الثالثة يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك روى أبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس يقتلهن المحرم ( فذكر الحية فيهن وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي فكان أبن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ( قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ( أخرجه مسلم وغيره الرابعة روى أبن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقتلوها ( فسبقتنا إلى جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ( قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار وقال : هو مثلة قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل على الأثر الذي جاء : ( لا تعذبوا بعذاب الله ( فكان على هذا سبيل العمل عنده فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : والمرسلات عرفا فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية فقال : ( أقتلوها ( فأبتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ( فلم يضرم نارا ولا أحتال في قتلها قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان والله أعلم وقوله : ( وقاها الله شركم ( أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ( أي لسعها الخامسة الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله : ( أقتلوا الحيات وأقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ( فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ( فشجع على قتلها وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا : ( أقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني ( والله أعلم السادسة ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله عليه السلام : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ( وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا قاله أبن نافع وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح لأن الله عز وجل قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف الآية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ( وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة الحديث وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال : فوجدته يصلي فجلست انتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت فألتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما أنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت فقلت نعم فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فأستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ( فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا أمرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت له : أكفف عليك رمحك وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فأنتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فأضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا : أدع الله يحييه لنا فقال : ( أستغفروا لأخيكم ثم قال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فأقتلوه فإنما هو شيطان ( وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فأقتلوه فإنه كافر وقال لهم : أذهبوا فأدفنوا صاحبكم ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وأنتقاما وقد قتلت سعد أبن عبادة رضي الله عنه وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا : قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ( ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك فأصبحت فأمرت بأثنى عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي وعن علقمة نحوه الثامنة في صفة الإنذار قال مالك : أحب إلى أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل : يكفي ثلاث مرار لقوله عليه السلام : ( فليؤذنه ثلاثا ( وقوله : ( حرجوا عليه ثلاثا ( ولأن ثلاثا للعدد المؤنث فظهر أن المراد ثلاث مرات وقول مالك أولى لقوله عليه السلام : ( ثلاثة أيام ( وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فأقتلوه قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة والحديث يرده والله أعلم وقد حكى أبن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : ( أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا التاسعة روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني وأسمه جرثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون ( وروى أبو الدرداء وأسمه عويمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ( العاشرة ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل أبتداء لأجل إذايته من غير خلاف كالحية والعقرب والفأر والوزغ وشبهه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( وذكر الحديث فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به وقال لها إبليس أنت في ذمتي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال : ( أقتلوها ولو كنتم في الصلاة ( يعني الحية والعقرب والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت وهذا من نوع ما يروى في الحية وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ( وفي رواية أنه قال : ( في أول ضربة سبعون حسنة ( والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها وروي عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة ( وأستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة هذا كله في معنى الحية فلذلك ذكرناه وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا ) حذفت الألف من أهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم الباء في أهبطوا وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان في قول أبن عباس وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة وقال مجاهد والحسن أيضا : بنو آدم وبنو إبليس والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له بوذ ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فأمتلأ ما هناك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع فأورث ولده الصلع وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ( الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة والحية ببيسان وقيل : بسجستان وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي الثانية قوله تعالى : ( بعضكم لبعض عدو ) بعضكم مبتدأ عدو خبره والجملة في موضع نصب على الحال والتقدير وهذه حالكم وحذفت الواو من وبعضكم لأن في الكلام عائدا كما يقال : رأيت السماء تمطر عليك والعدو : خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم وذئب عدوان : يعدو على الناس والعدوان : الظلم الصراح وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة من قولك : لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك وعداه إذا جاوزه فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشئ والمعنيان متقاربان فإن من ظلم فقد تجاوز قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : بعضكم لبعض عدو على الإنسان نفسه وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى يدل عليه قوله عليه السلام : ( إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه أتق الله فينا فإنك إذا إستقمت أستقمنا وإن أعوججت أعوججنا ( فإن قيل : كيف قال عدو ولم يقل أعداء ففيه جوابان أحدهما : أن بعضا وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى وذلك في القرآن قال الله تعالى : وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا على اللفظ وقال تعالى : وكل أتوه داخرين على المعنى والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع قال الله عز وجل : وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا بمعنى أعداء وقال تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وقال بن فارس : العدو أسم جامع للواحد والأثنين والثلاثة والتأنيث وقد يجمع الثالثة لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال : إني جاعل في الأرض خليفة وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع إنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية : قلنا أهبطوا وسيأتي الرابعة قوله تعالى : ( ولكم في الأرض مستقر ) أبتداء وخبر أي موضع استقرار قاله أبو العالية وأبن زيد وقال السدي : مستقر يعني القبور قلت : وقول الله تعالى : جعل لكم الأرض قرارا يحتمل المعنيين والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( ومتاع ) المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ومنه سميت متعه النكاح لأنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر أبنه أيوب إثر دفنه : وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفاق السادسة قوله تعالى : ( إلى حين ) أختلف المتأولون في الحين على أقوال فقالت فرقة : إلى الموت وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا وقيل : إلى قيام الساعة وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور وقال الربيع : إلى حين إلى أجل والحين : الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد : كابي الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم والحين أيضا : المدة ومنه قوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان والحين : الساعة قال الله تعالى : أو تقول حين ترى العذاب قال أبن عرفة : الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله : فذرهم في غمرتهم حتى حين أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين أي كل سنة وقيل : بل كل ستة أشهر وقيل : بل غدوة وعشيا قال الأزهري : الحين أسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة قال : والحين يوم القيامة والحين : الغدوة والعشية قال الله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ويقال : عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان : إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب قالت بثينة : وأن سلوى عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها السابعة لما أختلف أهل اللسان في الحين أختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ستة أشهر قال أبن العربي : الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف وأكثر المعلوم سنة ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الإسماء والأزمنة والشافعي يرى الأقل وأبو حنيفة توسط فقال : ستة أشهر ولا معنى لقوله لأن المقدورات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة الوتر وقال مالك وأصحابه : أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل وذكر أبن خويز منداد في أحكامه : أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل كذا حينا أن الحين سنة قال : وأتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه قلت : هذا الأتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله : من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر فذلك كله سنة وقال عنه أبن وهب : إنه شك في الدهر أن يكون سنة وحكى أبن المنذر عن يعقوب وأبن الحسن : أن الدهر ستة أشهر وعن أبن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أنه ستة أشهر وقال الأوزاعي وأبو عبيد : الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال : لا نحنثه أبدأ والورع أن يقضيه قبل أنقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة يقال : قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم قال الكيا الطبري الشافعي : وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين وقال بعض العلماء في قوله تعالى : إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب والله أعلم < <
البقرة : ( 37 ) فتلقى آدم من . . . . . > > < > ( البقره 37 ) <
> قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) تلقى قيل معناه : فهم وفطن وقيل : قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه تقول : خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم وقيل : معنى تلقى تلقن وهذا في المعنى صحيح ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ومثله تسريت من تسررت وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال : تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن فأعلم وحكى مكي أنه ألهمها فأنتفع بها وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها الثانية وأختلف أهل التأويل في الكلمات فقال أبن عباس والحسن وسعيد أبن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن مجاهد أيضا : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم وقالت طائفة : رأي مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم والأستغفار والحزن قال أبن عطية : وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الأستغفار المعهود وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه : ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقال موسى : رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي وقال يونس : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وعن أبن عباس ووهب بن منبه : أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فأغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وقال محمد بن كعب هي قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أرحم الراحمين وقيل : الكلمات قوله حين عطس : الحمد لله والكلمات : جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم : الثالثة قوله تعالى : ( فتاب عليه ) أي قبل توبته أو وفقه للتوبة وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وتاب العبد : رجع إلى طاعة ربه وعبد تواب : كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال تاب وثاب وآب وأناب : رجع الرابعة إن قيل : لم قال عليه ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال : ولا تقربا هذه الشجرة وقالا ربنا ظلمنا أنفسنا فالجواب : أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : أسكن خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى آدم ربه فغوى وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى في قوله : ألم أقل لك وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل : إنه مثل قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب وقال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن فوق الطوى رماني وفي التنزيل : والله ورسوله أحق أن يرضوه فحذف إيجازا وأختصارا الخامسة قوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم ) وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا وأسما وفعلا وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة اقوال أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الأنابة والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة السادسة لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب أسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى قال الله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وقال : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وإنما قيل لله عز وجل : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه السابعة اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه أفتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين الثامنة قرأ أبن كثير : فتلقى آدم من ربه كلمات والباقون برفع آدم ونصب كلمات والقراءتان ترجعان إلى معنى لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته وقيل : لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه القراءة فتلقت آدم من ربه كلمات لكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التانيث وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة ومنه قولهم : حضر القاضي اليوم أمرأة وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر وقرأ الأعمش : آدم من ربه مدغما وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب : أنه بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الأستئناف وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم وقيل : لا يجوز لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط قال النحاس : أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد : له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير فعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالأبتداء التواب خبره والجملة خبر إن ويجوز أن يكون هو توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة على ما تقدم وقال سعيد بن جبير : لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت : لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجي ولا لك في البر منه مخلص < <
البقرة : ( 38 ) قلنا اهبطوا منها . . . . . > > < > ( البقره 38 ) <
> قوله تعالى : ( قلنا أهبطوا ) كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده كما تقول لرجل : قم قم وقيل : كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث الإسراء على ما يأتي ( جميعا ) نصب على الحال وقال وهب بن منبه : لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع : إن هذا عدو لكم فأهلكوه فأجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب وقالوا : أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك فجاءه جبريل عليه السلام وقال له : أمسح يدك على رأس الكلب ففعل فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا وأستأمنه الكلب فأمنه آدم فبقي معه ومع أولاده وقال الترمذي الحكيم نحو هذا وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب فاميت فؤاده فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فآطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم وبموت فؤاده يفزع من الآدميين فلو رمى بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام فهو بشعبة إبليس ينبح ويهر ويعدو على الآدمي وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وأنقاد وألف به وبولده يحرسهم ولهثة على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في الأعراف إن شاء الله تعالى ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها السباع عن نفسه قوله تعالى : ( فإما يأتينكم مني هدى ) أختلف في معنى قوله : هدى فقيل : كتاب الله قاله السدي وقيل : التوفيق للهداية وقالت فرقة : الهدى الرسل وهي إلى آدم من الملائكة والى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر وخرجه الآجري وفي قوله : مني إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم وقرأ الجحدري هدى وهو لغة هذيل يقولون : هدى وعصى ومحي وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه : سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع قال النحاس : وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يكسر ماقبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت وما في قوله : إما زائدة على إن التي للشرط وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله : فمن تبع ومن في موضع رفع بالإبتداء وتبع في موضع جزم بالشرط فلا خوف جوابه قال سيبويه : الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول وقال الكسائي : فلا خوف عليهم جواب الشرطين جميعا قوله تعالى : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه والتخوف : التنقص ومنه قوله تعالى : أو يأخذهم على تخوف وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وأبن أبي إسحاق ويعقوب : فلا خوف بفتح الفاء على التبرئة والأختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الإبتداء لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن لا لا تعمل في معرفة فأختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ويجوز أن تكون لا في قولك : فلا خوف بمعنى ليس والحزن والحزن : ضد السرور ولا يكون إلا على ماض وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما وأحتزن وتحزن بمعنى والمعنى في الآية : فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل : ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم < <
البقرة : ( 39 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . > > < > ( البقره 39 ) < > قوله تعالى : ( والذين كفروا ) أي أشركوا لقوله : ( وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ) هم فيها خالدون الصحبة : الأقتران بالشيء في حالة ما في زمان ما فإن كانت الملازمة والخلطة فهي كمال الصحبة وهكذا هي صحبة أهل النار لها وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة على ما نبينه في براءة إن شاء الله وباقي ألفاظ الآية تقدم معناها والحمد لله < < البقرة : ( 40 ) يا بني إسرائيل . . . . . > > < > ( البقره 40 ) <
> قوله تعالى : ( يا بني إسرائيل ) نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة الواحد أبن والأصل فيه بني وقيل : بنو فمن قال : المحذوف منه واو أحتج بقولهم : البنوة وهذا لا حجة فيه لأنهم قد قالوا : الفتوة وأصله الياء وقال الزجاج : المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت الأخفش : أختار أن يكون المحذوف منه الواو لأن حذفها أكثر لثقلها ويقال : أبن بين البنوة والتصغير بني قال الفراء : يقال : يا بني ويا بني لغتان مثل يا أبت وياأبت وقرئ بهما وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء والأبن فرع للأب وهو موضوع عليه وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال أبو الفرج الجوزي : وليس في الأنبياء من له أسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب فهوم الآثار له قلت : وقد قيل في المسيح إنه أسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه الله روحا وكلمة وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره الجوهري في الصحاح وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن الخليل بن أحمد : خمسة من الأنبياء ذوو أسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم قلت : ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها وإسرائيل : أسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة وفيه سبع لغات : إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسرائيل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد وإسرائيل بغير ياء بهمزة مكسورة وإسراءل بهمزة مفتوحة وتميم يقولون : إسرائين بالنون ومعنى إسرائيل : عبد الله قال أبن عباس : إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله وقيل : إسرا هو صفوة الله وإيل هو الله وقيل : إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي وقال السهيلي : سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمى إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا فيكون بعض الأسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب والله أعلم قوله تعالى : ( أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) الذكر أسم مشترك فالذكر بالقلب ضد النسيان والذكر باللسان ضد الإنصات وذكرت الشئ بلساني وقلبي ذكرا وأجعله منك على ذكر ( بضم الذال ) أي لا تنسه قال الكسائي : ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور الذال وقال غيره : هما لغتان يقال : ذكر وذكر ومعناهما واحد والذكر بفتح الذال خلاف الأنثى والذكر أيضا الشرف ومنه قوله : وإنه لذكر لك ولقومك قال أبن الأنباري : والمعنى في الآية أذكروا شكر نعمتي فحذف الشكر أكتفاء بذكر النعمة وقيل إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن والنعمة هنا أسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال الله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي نعمه ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى وفجر لهم من الحجر الماء إلى ما أستودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون بشرف آبائهم تنبيه قال أرباب المعاني : ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال : أذكروني أذكركم ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) أمر وجوابه وقرأ الزهري : أوف بفتح الواو وشد الفاء للتكثير وأختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن : عهده قوله : خذوا ما آتيناكم بقوة وقوله : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم أثني عشر نقيبا وقيل هو قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه آل عمران وقال الزجاج : أوفوا بعهدي الذي عهدت اليكم في التوراة من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم بما ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة وقيل : أوفوا بعهدي في أداء الفرائض على السنة والإخلاص أوف بقبولها منكم ومجاراتكم عليها وقال بعضهم : أوفوا بعهدي في العبادات أوف بعهدكم أي أوصلكم إلى منازل الرعايات وقيل : أوفوا بعهدي في حفظ آداب الظواهر أوف بعهدكم بتزيين سرائركم وقيل : هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة قلت : وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى : أوفوا بالعقود أوفوا بعهد الله وهو كثير ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهم قوله تعالى : ( وإياي فأرهبون ) أي خافون والرهب والرهب والرهبة : الخوف ويتضمن الأمر به معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية وقرأ أبن أبي إسحاق : فارهبوني بالياء وكذا فاتقوني على الأصل وإياي منصوب بإضمار فعل وكذا الأختيار في الأمر والنهي والأستفهام التقدير : وإياي ارهبوا فآرهبون ويجوز في الكلام وأنا فأرهبون على الأبتداء والخبر وكون فأرهبون الخبر على تقدير الحذف المعنى وأنا ربكم فأرهبون < <
البقرة : ( 41 ) وآمنوا بما أنزلت . . . . . > > < > ( البقره 41 ) <
> قوله تعالى : ( وآمنوا بما أنزلت ) أي صدقوا يعني القرآن ( مصدقا ) حال من الضمير في أنزلت التقدير بما أنزلته مصدقا والعامل فيه أنزلت ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقرآن مصدقا ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال ( لما معكم ) يعني من التوراة قوله تعالى : ( ولا تكونوا أول كافر به ) الضمير في به قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم قاله أبو العالية وقال بن جريج : هو عائد على القرآن إذ تضمنه قوله : بما أنزلت وقيل : على التوراة إذ تضمنها قوله : لما معكم فإن قيل : كيف قال كافر ولم يقل كافرين قيل : التقدير ولا تكونوا أول فريق كافر به وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر به وحكى سيبويه : هو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال : أول كافر به وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم وأول عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه وفاؤه واو وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين : العين والفاء وهذا مذهب البصريين وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل ثم خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة قال الجوهري : والجمع الأوائل والأوالى أيضا على القلب وقال قوم : أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة وإنما لم يجمع على أواول لأستثقالهم أجتماع الواوين بينهما ألف الجمع وقيل : هو أفعل من آل يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم مسألة لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب وهم الكوفيون ومن وافقهم لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا وخص الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا وهذا واضح قوله تعالى : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى ( ولا تشتروا ) معطوف على قوله : ولا تكونوا نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره وقيل : كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك وقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك وفي كتبهم : يا بن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة قاله أبو العالية وقيل : المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لأنهم جعلوه عوضا فأنطلق عليه أسم الثمن وإن لم يكن ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر : إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به فما أصبت بترك الحج من ثمن قلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو أمتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية والله أعلم وقد روي أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ( يعني ريحها الثانية وقد أختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان في معناها فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وروي أبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين ( وروي أبو هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال : ( درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء ( وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فأقبلها ( وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام في حديث أبن عباس حديث الرقية : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ( أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه وأما ما أحتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن قال أبن المنذر : وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة وأما الجواب عن الآية فالمراد بها بنو إسرائيل وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا فيه خلاف وهو لا يقول به جواب ثان وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال : ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل أما حديث أبن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك الحديث أيضا وهو حديث لا أصل له وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها قاله أبو عمر ثم قال : وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن بن مسعود وهو منقطع وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الناس وخير من يمشي على وجه الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار الثالثة وأختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من أستؤجر في رمضان يقوم للناس فقال أرجو ألا يكون به بأس وهو أشد كراهة له في الفريضة وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه وقال الأوزاعي : لا صلاة له وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم قال أبن عبدالبر : وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في براءة إن شاء الله تعالى وكره أبن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو وقال أبن حبيب : لا بأس بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء قال أبو الحسن اللخمي : ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه ويجيز بيع كتبه وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال الرابعة روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد أبن عمر بن الكميت قال حدثنا على بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال : مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال : هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له : أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال أبو حازم : يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني قال : أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني قال : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك قال : فألتفت إلى محمد أبن شهاب الزهري فقال : أصاب الشيخ وأخطأت قال سليمان : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال : لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال : أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لنا عند الله قال : أعرض عملك على كتاب الله قال : وأي مكان أجده قال إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم الانفطار قال سليمان : فأين رحمة الله يا أبا حازم قال أبو حازم : رحمة الله قريب من المحسنين قال له سليمان : يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم قال : أولو المروءة والنهي قال له سليمان : فأي الأعمال أفضل قال أبو حازم : أداء الفرائض مع أجتناب المحارم قال سليمان : فأي الدعاء أسمع قال : دعاء المحسن إليه للمحسن فقال : أي الصدقة أفضل قال : للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال : فأي القول أعدل قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه قال : فأي المؤمنين أكيس قال : رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال : فأي المؤمنين أحمق قال : رجل أنحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له سليمان : أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال : يا أمير المؤمنين أوتعفيني قال له سليمان : لا ولكن نصيحة تلقيها إلى قال : يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد أرتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم قال أبو حازم : كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان : فكيف لنا أن نصلح قال : تدعون الصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان فكيف لنا بالمأخذ به قال أبو حازم تأخذه من حله وتضعه في أهله قال له سليمان : هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك قال : أعوذ بالله قال له سليمان : ولم ذاك قال : أخشى أن أركن اليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له سليمان : أرفع إلينا حوائجك قال : تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان : ليس ذاك إلي قال أبو حازم : فما لي إليك حاجة غيرها قال : فأدع لي قال أبو حازم : اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان : قط قال أبو حازم : قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال له سليمان : أوصني : قال : سأوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال : فردها عليه وكتب إليه : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام : هذا رجل جائع فقال لإحداهما : اذهبي فأدعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجرما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت أجر ما سقيت لنا ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض مرة أخرى فلما عيل صبره ناداها : يا أمة الله كوني خلفي وأريني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب : أجلس يا شاب فتعش فقال له موسى عليه السلام : أعوذ بالله فقال له شعيب : لم أما أنت جائع قال : بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا فقال له شعيب : لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي : نقرئ الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الأضطرار أحل من هذه وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة قلت : هكذا يكون الأقتداء بالكتاب والأنبياء أنظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان ( وفي التنزيل : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم قوله تعالى : ( وإياي فأتقون ) قد تقدم معنى التقوى وقرئ فأتقوني بالياء وقد تقدم وقال سهل بن عبد الله : قوله وإياي فأتقون قال : موضع علمي السابق فيكم وإياي فأرهبون قال : موضع المكر والإستدراج لقول الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وقوله : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون الأعراف فما أستثنى نبيا ولا صديقا < <
البقرة : ( 42 ) ولا تلبسوا الحق . . . . . > > < > ( البقره 42 ) <
> قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) اللبس : الخلط لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى : وللبسنا عليهم ما يلبسون وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط : يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله وقالت الخنساء : ترى الجليس يقول الحق تحسبه رشدا وهيهات فأنظر ما به التبسا صدق مقالته وأحذر عداوته وألبس عليه أمورا مثل ما لبسا وقال العجاج : لما لبسن الحق بالتجني غنين وأستبدلن زيدا مني روى سعيد عن قتادة في قوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل يقول : لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ إلا به الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله والظاهر من قول عنترة : وكتيبة لبستها بكتيبة أنه من هذا المعنى ويحتمل أن يكون من اللباس وقد قيل هذا في معنى الآية أي لا تغطوا ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها قال الجعدي : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت عليه فكانت لباسا وقال الأخطل : وقد لبست لهذا الأمر أعصره حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا واللبوس : كل ما يلبس من ثياب ودرع قال الله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم الأنبياء ولابست فلانا حتى عرفت باطنه وفي فلان ملبس أي مستمتع قال : ألا إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسا ولبس الكعبة والهودج : ما عليهما من لباس بكسر اللام قوله تعالى : ( بالباطل ) الباطل في كلام العرب خلاف الحق ومعناه الزائل قال لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا ذهب ضياعا وخسرا وأبطله غيره ويقال : ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل : الشيطان والبطل : الشجاع سمي بذلك لأنه يبطل شجاعة صاحبه قال النابغة : لهم لواء بأيدي ماجد بطل لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي والمرأة بطلة وقد بطل الرجل بالضم يبطل بطولة وبطالة أي صار شجاعا وبطل الأجير بالفتح بطالة أي تعطل فهو باطل وأختلف أهل التأويل في المراد بقوله : الحق بالباطل فروي عن أبن عباس وغيره : لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل وهو التغيير والتبديل وقال أبو العالية : قالت اليهود : محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل وقال أبن زيد : المراد بالحق التوراة والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقاله قتادة وقد تقدم قلت : وقول أبن عباس أصوب لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان قوله تعالى ( وتكتموا الحق ) يجوز أن يكون معطوفا على تلبسوا فيكون مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن التقدير : لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه قال أبن عباس : يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه وقال محمد بن سيرين : نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه وهو معنى قوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قوله تعالى : ( وأنتم تعلمون ) جملة في موضع الحال أي أن محمدا عليه السلام حق فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر الآية < <
البقرة : ( 43 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . > > < > ( البقره 43 ) <
> فيه أربع وثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة ) أمر معناه الوجوب ولا خلاف فيه وقد تقدم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( وآتوا الزكاة ) أمر أيضا يقتضي الوجوب والإيتاء : الإعطاء آتيته : أعطيته قال الله تعالى : لئن آتانا من فضله لنصدقن وأتيته بالقصر من غير مد جئته فإذا كان المجيء بمعنى الإستقبال مد ومنه الحديث : ( ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ( وسيأتي الثالثة الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد يقال : زكا الزرع والمال يزكوا إذا كثر وزاد ورجل زكي أي زائد الخير وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكى ويقال : زرع زاك بين الزكاء وزكأت الناقة بولدها تزكأ به : إذا رمت به من بين رجليها وزكا الفرد : إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا قال الشاعر : كانوا خسا أو زكا من دون أربعة لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج جمع جد وهو الحظ والبخت تعتلج أي ترتفع أعتلجت الأرض : طال نباتها فخسا : الفرد وزكا : الزوج وقيل : أصلها الثناء الجميل ومنه زكي القاضي الشاهد فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل وقيل : الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال : زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الرابعة وأختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل : الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة وقيل : صدقة الفطر قاله مالك في سماع أبن القاسم قلت : فعلى الأول وهو قول أكثر العلماء فالزكاة في الكتاب مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة وقال البخاري : ( خمس أواق من الورق ( وروى البخاري عن أبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر ( وسيأتي بيان هذا الباب في الأنعام إن شاء الله تعالى ويأتي في براءة زكاة العين والماشية وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا وقوله تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر أسم ربه فصلى الأعلى والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة الأعلى ورأيت الكلام عليها في هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان الحديث وسيأتي فأضافها إلى رمضان الخامسة قوله تعالى : ( وأركعوا ) الركوع في اللغة الانحناء بالشخص وكل منحن راكع قال لبيد : أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأنى كلما قمت راكع وقال أبن دريد : الركعة الهوة في الأرض لغة يمانية وقيل : الانحناء يعم الركوع والسجود ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة قال : ولا تعاد الضعيف علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه السادسة وأختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر فقال قوم : جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة قلت : وهذا ليس مختصا بالركوع وحده فقد جعل الشرع القراءة عبارة عن الصلاة والسجود عبارة عن الركعة بكمالها فقال : وقرآن الفجر أي صلاة الفجر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ( وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة وقيل : إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع وقيل : لأنه كان أثقل على القوم في الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حصين للنبي صلى الله عليه وسلم : على ألا أخر إلا قائما فمن تأويله على ألا أركع فلما تمكن الإسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه وامتثل ما أمر به من الركوع السابعة الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعا يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره الحديث الثامنة الركوع فرض قرآنا وسنة وكذلك السجود لقوله تعالى في آخر الحج : أركعوا وأسجدوا وزادت السنة الطمأنينة فيهما والفصل بينهما وقد تقدم القول في ذلك وبينا صفة الركوع آنفا وأما السجود فقد جاء مبينا من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وروى مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ( وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سجدت فضع كفيك وأرفع مرفقيك ( وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه يعني جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه وإذا قعد أطمأن على فخذه اليسرى التاسعة وأختلف العلماء فيمن وضع جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون جبهته فقال مالك : يسجد على جبهته وأنفه وبه قال الثوري وأحمد وهو قول النخعي قال أحمد : لا يجزئه السجود على أحدهما دون الآخر وبه قال أبو خيثمة وأبن أبي شيبة قال إسحاق : إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وروي عن أبن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الأنف وقالت طائفة : يجزئ أن يسجد على جبهته دون أنفه هذا قول عطاء وطاوس وعكرمة وأبن سيرين والحسن البصري وبه قال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد قال أبن المنذر : وقال قائل : إن وضع جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة هذا قول النعمان قال أبن المنذر : ولا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه قلت : الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف لحديث أبي حميد وقد تقدم وروى البخاري عن أبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر ( وهذا كله بيان لمجمل الصلاة فتعين القول به والله أعلم وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد على جبهته دون أنفه كقول عطاء والشافعي والمختار عندنا قوله الأول ولا يجزئ عند مالك إذا لم يسجد على جبهته العاشرة ويكره السجود على كور العمامة وإن كان طاقة أو طاقتين مثل الثياب التي تستر الركب والقدمين فلا بأس والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد عليه فإن كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخوله في الصلاة فإن لم يفعل فليمسحه مسحة واحدة وروى مسلم عن معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : ( إن كنت فاعلا فواحدة ( وروي عن أنس بن مالك قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه الحادية عشرة لما قال تعالى : اركعوا واسجدوا قال بعض علمائنا وغيرهم : يكفي منها ما يسمى ركوعا وسجودا وكذلك من القيام ولم يشترطوا الطمأنينة في ذلك فأخذوا بأقل الأسم في ذلك وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة قال بن عبد البر : ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا وهوالصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهي رواية أبن وهب وأبي مصعب عن مالك وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد تكاثرت الرواية عن أبن القاسم وغيره بوجوب الفصل وسقوط الطمأنينة وهو وهم عظيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلمها فإن كان لأبن القاسم عذر أن كان لم يطلع عليها فما لكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلى فلما قضى الصلاة جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ارجع فصل فإنك لم تصل ( وجعل الرجل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها فلما جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك أرجع فصل فإنك لم تصل ( قال همام : فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا فقال له الرجل ما ألوت فلا أدري ما عبت علي من صلاتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ) أنه لا تتم صلاة احدكم حتى يسبغ الوضوء كما امره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله تعالى ويثنى عليه ثم يقرأ أم القران وما أذن له فيه وتيسر ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ويستوي قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخده ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه قال همام : وربما قال : جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ثم قال : لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ومثله حديث أبي هريرة خرجه مسلم وقد تقدم قلت : فهذا بيان الصلاة المجملة في الكتاب بتعليم النبي عليه السلام وتبليغه أياها جميع الأنام فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه الرحمن ولم يمتثل ما بلغه عن نبيه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى روى البخاري عن زيد بن وهب قال : رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال : ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( مع الراكعين ) مع تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من اهل التأويل بالقرآن : إن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله مع شهود الجماعة وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين فالذي عليه الجمهور أن ذلك من السنن المؤكدة ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير عذر العقوبة وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية قال بن عبد البر : وهذا قول صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة لقوله عليه السلام : ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ( أخرجه مسلم من حديث أبن عمرو وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا ( وقال داود : الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة وأحتج بقوله عليه السلام : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ( خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم وقال الشافعي : لا أرخص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر حكاه أبن المنذر وروى مسلم عن أبي هريرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال : ( هل تسمع النداء بالصلاة ( قال نعم قال : ( فأجب ( وقال أبو داود في هذا الحديث : ( لا أجد لك رخصة ( خرجه من حديث بن أم مكتوم وذكر أنه كان هو السائل وروي عن أبن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سمع النداء فلم يمنعه من إتيانه عذر قالوا : وما العذر قال : خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى ( قال أبو محمد عبد الحق : هذا يرويه مغراء العبدي والصحيح موقوف على أبن عباس : ( من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له ( على أن قاسم بن أصبغ ذكره في كتابه فقال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ( وحسبك بهذا الإسناد صحة ومغراء العبدي روي عنه أبو إسحاق وقال أبن مسعود : ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وقال عليه السلام : ( بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما ( قال بن المنذر : ولقد روينا عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : ( من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له ( منهم بن مسعود وأبو موسى الأشعري وروى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست لهم علة فأحرقها عليهم ( هذا ما احتج به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضا وهي ظاهرة في الوجوب وحملها الجمهور على تأكيد أمر شهود الصلوات في الجماعة بدليل حديث أبن عمر وأبي هريرة وحملوا قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه ( لا صلاة له ( على الكمال والفضل وكذلك قوله عليه السلام لابن أم مكتوم : ( فأجب ( على الندب وقوله عليه السلام : ( لقد هممت ( لا يدل على الوجوب الحتم لأنه هم ولم يفعل وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة يبين هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبد الله قال : ( من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ( فبين رضى الله عنه في حديثه أن الاجتماع سنة من سنن الهدى وتركه ضلال ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض : أختلف في التمالؤ على ترك ظاهر السنن هل يقاتل عليها أو لا والصحيح قتالهم لأن في التمالؤ عليها إماتتها قلت : فعلى هذا إذا أقيمت السنة وظهرت جازت صلاة المنفرد وصحت روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه ( قيل لأبي هريرة : ما يحدث قال : يفسو أو يضرط الثالثة عشرة واختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة هل لأجل الجماعة فقط حيث كانت أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد كما جاء في الحديث قولان والأول أظهر لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم والله أعلم وما كان من إكثار الخطا إلى المساجد وقصد الإتيان إليها والمكث فيها فذلك زيادة ثواب خارج عن فضل الجماعة والله أعلم الرابعة عشرة وأختلفوا أيضا هل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام فقال مالك : لا وقال بن حبيب : نعم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله ( رواه أبي بن كعب وأخرجه أبو داود وفي إسناده لين الخامسة عشرة واختلفوا أيضا فيمن صلى في جماعة هل يعيد صلاته تلك في جماعة أخرى فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم : إنما يعيد الصلاة في جماعة مع الإمام من صلى وحده في بيته وأهله أو في غير بيته وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي : جائز لمن صلى في جماعة ووجد جماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن شاء لأنها نافلة وسنة وروي ذلك عن حذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وصلة بن زفر والشعبي والنخعي وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب أحتج مالك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصلي صلاة في يوم مرتين ( ومنهم من يقول : لا تصلوا رواه سليمان بن يسار عن أبن عمر وأتفق أحمد وإسحاق على أن معنى هذا الحديث أن يصلي الإنسان الفريضة ثم يقوم فيصليها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى فأما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنة أو تطوع فليس بإعادة الصلاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلاة في جماعة : ( إنها لكم نافلة ( من حديث أبي ذر وغيره السادسة عشرة روى مسلم عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه ( وفي رواية ( سنا ( مكان ( سلما ( وأخرجه أبو داود وقال : قال شعبة : فقلت لإسماعيل ما تكرمته قال : فراشه وأخرجه الترمذي وقال : حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم قالوا : أحق الناس بالإمامة اقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة وقالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة وقال بعضهم : إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به وكرهه بعضهم وقالوا : السنة أن يصلي صاحب البيت قال أبن المنذر : روينا عن الأشعث أبن قيس أنه قدم غلاما وقال : إنما أقدم القرآن وممن قال : يؤم القوم أقرؤهم بن سيرين والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي قال بن المنذر : بهذا نقول لأنه موافق للسنة وقال مالك : يتقدم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة وإن للسن حقا وقال الأوزاعي : يؤمهم أفقههم وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان يقرأ القرآن وذلك لأن الفقيه أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة وتأولوا الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان الأفقه لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن وقد كان من عرفهم الغالب تسميتهم الفقهاء بالقراء واستدلوا بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أبا بكر لفضله وعلمه وقال إسحاق إنما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده ذكره أبو عمر في التمهيد وروى أبو بكر البزار بإسناد حسن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمكم فهو أميركم ( قال : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد قلت : إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئا ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال : كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ماهذا الرجل فيقولون : يزعم أن الله أرسله أوحى إليه كذا أوحى إليه كذا فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يقر في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون : أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال : جئتكم والله من عند نبي الله حقا قال : ( صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا ( فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا بن ست أوسبع سنين وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي : ألا تغطون عنا است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص وممن أجاز إمامة الصبي غير البالغ الحسن البصري وإسحاق بن راهوية واختاره بن المنذر إذا عقل الصلاة وقام بها لدخوله في جملة قوله صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( ولم يستثن ولحديث عمرو بن سلمة وقال الشافعي في أحد قوليه : يؤم في سائر الصلوات ولا يؤم في يوم الجمعة وقد كان قبل يقول : ومن أجزأت إمامته في المكتوبة إجزأت إمامته في الأعياد غير أني أكره فيها إمامة غير الوالي وقال الأوزاعي : لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم إلا أن يكون قوم ليس معهم من القرآن شيء فإنه يؤمهم الغلام المراهق وقال الزهري : إن اضطروا إليه أمهم ومنع ذلك جملة مالك والثوري وأصحاب الرأي السابعة عشرة الائتمام بكل إمام بالغ مسلم حر على استقامة جائز من غير خلاف إذا كان يعلم حدود الصلاة ولم يكن يلحن في أم القرآن لحنا يخل بالمعنى مثل أن يكسر الكاف من إياك نعبد الفاتحة ويضم التاء في أنعمت ومنهم من راعى تفريق الطاء من الضاد وإن لم يفرق بينهما لا تصح إمامته لأن معناهما يختلف ومنهم من رخص في ذلك كله إذا كان جاهلا بالقراءة وأم مثله ولا يجوز الائتمام بامرأة ولا خنثى مشكل ولا كافر ولا مجنون ولا أمي ولا يكون واحد من هؤلاء إماما بحال من الأحوال عند أكثر العلماء على ما يأتي ذكره إلا الأمي لمثله قال علماؤنا : لا تصح إمامة الأمي الذي لا يحسن القراءة مع حضور القارئ له ولا لغيره وكذلك قال الشافعي فإن أم أميا مثله صحت صلاتهم عندنا وعند الشافعي وقال أبو حنيفة : إذا صلى الأمي بقوم يقرؤون وبقوم أميين فصلاتهم كلهم فاسدة وخالفه أبو يوسف فقال : صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة وقالت فرقة : صلاتهم كلهم جائزة لان كلا مؤد فرضه وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء والمصلي قاعدا يصلي بقوم قيام صلاتهم مجزئة في قول من خالفنا لأن كلا مؤد فرض نفسه قلت : وقد يحتج لهذا القول بقوله عليه السلام : ( ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه ( أخرجه مسلم وإن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام والله أعلم وكان عطاء بن أبي رباح يقول : إذا كانت امرأته تقرأ كبر هو وتقرأ هي فإذا فرغت من القراءة كبر وركع وسجد وهي خلفه تصلي وروي هذا المعنى عن قتادة الثامنة عشرة ولا بأس بإمامة الأعمى والأعرج والأشل والأقطع والخصي والعبد إذا كان كل واحد منهم عالما بالصلاة وقال بن وهب : لا أرى أن يؤم الأقطع والأشل لأنه منتقص عن درجة الكمال وكرهت إمامته لأجل النقص وخالفه جمهور أصحابه وهو الصحيح لأنه عضو لا يمنع فقده فرضا من فروض الصلاة فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف بن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى وكذا الأعرج والأقطع والأشل والخصي قياسا ونظرا والله أعلم وقد روي عن أنس بن مالك أنه قال في الأعمى : وما حاجتهم إليه وكان بن عباس وعتبان بن مالك يؤمان وكلاهما أعمى وعليه عامة العلماء التاسعة عشرة واختلفوا في إمامة ولد الزنى فقال مالك : أكره أن يكون إماما راتبا وكره ذلك عمر بن عبد العزيز وكان عطاء بن أبي رباح يقول : له أن يؤم إذا كان مرضيا وهو قول الحسن البصري والزهري والنخعي وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وتجزئ الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي وغيره أحب إليهم وقال الشافعي : أكره أن ينصب إماما راتبا من لا يعرف أبوه ومن صلى خلفه أجزأه وقال عيسى بن دينار : لا أقول بقول مالك في إمامة ولد الزنى وليس عليه من ذنب أبويه شيء ونحوه قال بن عبد الحكم إذا كان في نفسه أهلا للإمامة قال بن المنذر : يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( وقال أبو عمر : ليس في شيء من الآثار الواردة في شرط الإمامة ما يدل على مراعاة نسب وإنما فيها الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين الوفية عشرين وأما العبد فروى البخاري عن بن عمر قال : لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا وعنه قال : كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر بن ربيعة وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف قال بن المنذر : وأم أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد نفرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حذيفة وأبو مسعود ورخص في إمامة العبد النخعي والشعبي والحسن البصري والحكم والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز وقال مالك : لا يؤمهم إلا أن يكون العبد قارئا ومن معه من الأحرار لايقرءون إلا أن يكون في عيد أو جمعة فإن العبد لا يؤمهم فيها ويجزئ عند الأوزاعي إن صلوا وراءه قال بن المنذر : العبد داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ( الحادية والعشرون وأما المرأة فروي البخاري عن أبي بكرة قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال : ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( وذكر أبو داود عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها قال : وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن : فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا قال بن المنذر : والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف المرأة وقال أبو ثور : لا إعادة عليهم وهذا قياس قول المزنى قلت وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء وروى بن أيمن جواز إمامتها للنساء وأما الخنثى المشكل فقال الشافعي : لا يؤم الرجال ويؤم النساء وقال مالك : لا يكون إماما بحال وهو قول أكثر الفقهاء الثانية والعشرون الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم المسلمين وهم لا يعلمون بكفره وكان الشافعي وأحمد يقولان : لا يجزئهم ويعيدون وقاله مالك وأصحابه لأنه ليس من أهل القربة وقال الأوزاعي : يعاقب وقال أبو ثور والمزنى لا إعادة على من صلى خلفه ولا يكون بصلاته مسلما عند الشافعي وأبي ثور وقال أحمد : يجبر على الإسلام الثالثة والعشرون وأما أهل البدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرهما فذكر البخاري عن الحسن : صل وعليه بدعته وقال أحمد : لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه وقال مالك : ويصلي خلف أئمة الجور ولا يصلي خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم وقال بن المنذر : كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلاة خلفه ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة ولا يجوز تقديم من هذه صفته الرابعة والعشرون وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذهب فيه فقال بن حبيب : من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة فلا إعادة على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذ سكران قاله من لقيت من أصحاب مالك وروي من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر : ( لا تؤمن امراة رجلا ولا يؤمن اعرابي مهاجرا ولا يؤمن فاجر برا إلا أن يكون ذلك ذا سلطان ( قال أبو محمد عبد الحق : هذا يرويه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب والأكثر يضعف علي بن زيد وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ( في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف قاله الدارقطني وقال فيه أبو أحمد بن عدي : كان يضع الحديث على ثقات المسلمين وحديثه هذا يرويه عن بن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وذكر الدارقطني عن سلام بن سليمان عن عمر عن محمد بن واسع عن سعيد بن جبير عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين الله ( قال الدارقطني : عمر هذا هو عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن وسلام بن سليمان أيضا مدائني ليس بالقوى قاله عبدالحق الخامسة والعشرون روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ( وقد اختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل الإمام عامدا على قولين : أحدهما أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها وهو قول أهل الظاهر وروي عن بن عمر ذكر سنيد قال حدثنا بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الورد الأنصاري قال : صليت إلى جنب بن عمر فجعلت أرفع قبل الإمام وأضع قبله فلما سلم الإمام أخذ بن عمر بيدي فلواني وجذبني فقلت : مالك قال : من أنت قلت : فلان بن فلان قال : أنت من أهل بيت صدق فما يمنعك أن تصلي قلت : أو ما رأيتني إلى جنبك قال : قد رأيتك ترفع قبل الإمام وتضع قبله وإنه لا صلاة لمن خالف الإمام وقال الحسن بن حي فيمن ركع أو سجد قبل الإمام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن يركع الإمام أو يسجد لم يعتد بذلك ولم يجزه وقال أكثر الفقهاء : من فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلاته لأن الأصل في صلاة الجماعة والأئتمام فيها بالأئمة سنة حسنة فمن خالفها بعد أن أدى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها وإن أسقط بعض سننها لأنه لو شاء أن ينفرد فصلى قبل إمامه تلك الصلاة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة قالوا : ومن دخل في صلاة الإمام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة وإمامه في أخرى فقد اقتدى وإن كان يرفع قبله ويخفض قبله لأنه بركوعه يركع وبسجوده يسجد ويرفع وهو في ذلك تبع له إلا أنه مسيء في فعله ذلك لخلافه سنة المأموم المجتمع عليها قلت : ماحكاه بن عبد البر عن الجمهور ينبئ على أن صلاة المأموم عندهم غير مرتبطة بصلاة الإمام لأن الإتباع الحسي والشرعي مفقود وليس الأمر هكذا عند أكثرهم والصحيح في الأثر والنظر القول الأول فإن الإمام إنما جعل ليؤتم به ويقتدى به بأفعاله ومنه قوله تعالى : إني جاعلك للناس إماما أي يأتمون بك على ما يأتي بيانه هذه حقيقة الإمام لغة وشرعا فمن خالف إمامه لم يتبعه ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين فقال : ( إذا كبر فكبروا ( الحديث فأتى بالفاء التي توجب التعقيب وهو المبين عن الله مراده ثم أوعد من رفع أو ركع قبل وعيدا شديدا فقال : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ( أخرجه الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم وقال أبو هريرة : إنما ناصيته بيد شيطان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ( يعني مردود فمن تعمد خلاف إمامه عالما بأنه مأمور بإتباعه منهي عن مخالفته فقد استخف بصلاته وخالف ما أمر به فواجب ألا تجزي عنه صلاته تلك والله أعلم السادسة والعشرون فإن رفع رأسه ساهيا قبل الإمام فقال مالك رحمه الله : السنة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أن يرجع راكعا أو ساجدا وينتظر الإمام وذلك خطأ ممن فعله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ( قال بن عبد البر : ظاهر قول مالك هذا لا يوجب الإعادة على من فعله عامدا لقوله : وذلك خطأ ممن فعله لأن الساهي الإثم عنه موضوع السابعة والعشرون وهذا الخلاف إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام أما السلام فقد تقدم القول فيه وأما تكبيرة الإحرام فالجمهور على أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام إلا ما روي عن الشافعي في أحد قوليه : أنه إن كبر قبل إمامه تكبيرة الإحرام أجزأت عنه لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبر انصرف وأومأ إليهم أي كما أنتم ثم خرج ثم جاء ورأسه تقطر فصلى بهم فلما انصرف قال : ( إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل ( ومن حديث أنس فكبر وكبرنا معه وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى : ولا جنبا في النساء إن شاء الله تعالى الثامنة والعشرون وروى مسلم عن أبي مسعود قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا زاد من حديث عبد الله : ( وإياكم وهيشات الأسواق ( وقوله : ( أستووا ( أمر بتسوية الصفوف وخاصة الصف الأول وهو الذي يلي الإمام على ما يأتي بيانه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى وهناك يأتي الكلام على معنى هذا الحديث بحول الله تعالى التاسعة والعشرون واختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاف الآثار في ذلك فقال مالك وأصحابه : يفضي المصلي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى لما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك قلت : وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهي عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم قلت : ولهذا الحديث والله أعلم قال بن عمر : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي : ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى لحديث وائل بن حجر وكذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق في الجلسة الوسطى وقالوا في الآخرة من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء كقول مالك لحديث أبي حميد الساعدي رواه البخاري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته قال الطبري : إن فعل هذا فحسن كل ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الموفية الثلاثين مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال : رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة فلما انصرف نهاني فقال : اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قلت وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قال : كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلى الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وقال : هكذا كان يفعل قال بن عبد البر : وما وصفه بن عمر من وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنه يشير بها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع كل ذلك سنة في الجلوس في الصلاة مجمع عليه لا خلاف علمته بين العلماء فيها وحسبك بهذا إلا أنهم اختلفوا في تحريك أصبعه السبابة فمنهم من رأى تحريكها ومنهم من لم يره وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجميعه مباح والحمد لله وروى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه : قال سفيان : وكان يحيى بن سعيد حدثناه عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه : قال : ( هي مذبة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا ( قلت : روى أبو داود في حديث بن الزبير أنه عليه السلام كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها وإلى هذا ذهب بعض العراقيين فمنع من تحريكها وبعض علمائنا رأوا أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد وذهب أكثر العلماء من أصحاب مالك وغيرهم إلى تحريكها إلا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين تأول من والاه بأن قال : إن ذلك يذكر بموالاة الحضور في الصلاة وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان ومن لم يوال رأى تحريكها عند التلفظ بكلمتي الشهادة وتأول في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد والله أعلم الحادية والثلاثون واختلفوا في جلوس المرأة في الصلاة فقال مالك : هي كالرجل ولا تخالفه فيما بعد الإحرام إلا في اللباس والجهر وقال الثوري : تسدل المرأة جلبابها من جانب واحد ورواه عن إبراهيم النخعي وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجلس المرأة كأيسر ما يكون لها وهو قول الشعبي : تقعد كيف تيسر لها وقال الشافعي : تجلس بأستر ما يكون لها الثانية والثلاثون روى مسلم عن طاوس قال : قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال : هي السنة فقلنا له إنا لنراه جفاء بالرجل فقال بن عباس : بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وقد اختلف العلماء في صفة الإقعاء ما هو فقال أبو عبيد : الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع قال بن عبد البر : وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يختلف العلماء فيه وهذا تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه وقال أبو عبيد : وأما أهل الحديث فإنهم يجعلون الإقعاء أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين قال القاضي عياض : والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه بن عباس إنه من السنة الذي فسر به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين وكذا جاء مفسرا عن بن عباس : من السنة أن تمس عقبك أليتك رواه إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عنه ذكره أبو عمر قال القاضي : وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار وسموه إقعاء ذكر عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن أبيه أنه رأى بن عمر وبن عباس وبن الزبير يقعون بين السجدتين الثالثة والثلاثون لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم وبعدم وجوبه أن التسليمة الثانية ليست بفرض إلا ما روي عن الحسن بن حي أنه أوجب التسليمتين معا قال أبو جعفر الطحاوي : لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره قال بن عبد البر : من حجة الحسن بن صالح في إيجابه التسليمتين جميعا وقوله : إن من أحدث بعد الأولى وقبل الثانية فسدت صلاته قوله صلى الله عليه وسلم : ( تحليلها التسليم ( ثم بين كيف التسليم فكان يسلم عن يمينه وعن يساره ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دون الثانية قوله صلى الله عليه وسلم : ( تحليلها التسليم ( قالوا : والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم قلت : هذه المسألة مبنية على الأخذ بأقل الأسم أو بآخره ولما كان الدخول في الصلاة بتكبيرة واحدة بإجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة إلا أنه تواردت السنن الثابتة من حديث بن مسعود وهو أكثرها تواترا ومن حديث وائل بن حجر الحضرمي وحديث عمار وحديث البراء بن عازب وحديث بن عمر وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين روى بن جريج وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن عمرو بن يحيى المازني عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال قلت لابن عمر : حدثني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت فذكر التكبير كلما رفع رأسه وكلما خفضه وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله عن يساره قال بن عبد البر : وهذا إسناد مدني صحيح والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر ومثله يصح فيه الإحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين ومتوارث عندهم أيضا وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان وكذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد بن أبي وقاص وعائشة وأنس إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث الرابعة والثلاثون روى الدارقطني عن بن مسعود أنه قال : من السنة أن يخفي التشهد واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو : التحيات لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار الشافعي وأصحابه والليث بن سعد تشهد بن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول : ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ( واختار الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث تشهد بن مسعود الذي رواه مسلم أيضا قال : كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم : السلام على الله السلام على فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : ( إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء ( وبه قال أحمد وإسحاق وداود وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا وموقوفا نحو تشهد بن مسعود وهذا كله اختلاف في مباح ليس شيء منه على الوجوب والحمد لله وحده فهذه جملة من أحكام الإمام والمأموم تضمنها قوله جل وعز : واركعوا مع الراكعين وسيأتي القول في القيام في الصلاة عند قوله تعالى : وقوموا لله قانتين ويأتي هناك حكم الإمام المريض وغيره من أحكام الصلاة ويأتي في آل عمران حكم صلاة المريض غير الإمام ويأتي في النساء في صلاة الخوف حكم المفترض خلف المتنفل ويأتي في سورة مريم حكم الإمام يصلي أرفع من المأموم إلى غير ذلك من الأوقات والأذان والمساجد وهذا كله بيان لقوله تعالى : وأقيموا الصلاة وقد تقدم في أول السورة جملة من أحكامها والحمد لله على ذلك < <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?