Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Bagian V08/P207–V08/P213

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله ) قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور وروي علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ( فسماه ) قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يرزقني مالا فقال عليه السلام ( ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ( ثم عاود ثانيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت ( فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة وترك ما سواهما ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمى حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا ويح ثعلبة ( ثلاثا ثم نزل خذ من أموالهم صدقة فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة وقال لهما : ( مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما ( فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا الحديث وهو مشهور وقيل : سبب غناء ثعلبة أنه ورث بن عم له قاله بن عبد البر : قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه ومنهم من عاهد الله الآية إذ منع الزكاة فالله أعلم وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الآية قلت : وذكر عن بن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام فحلف في مجلس من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك لآتصدقن منه ولأصلن منه فلما سلم بخل بذلك فنزلت قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة فما روي عنه غير صحيح قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح والله أعلم وقال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير قلت : وهذا أشبه بنزول الآية فيهم إلا أن قوله فأعقبهم نفاقا يدل على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل إلا أن يكون المعنى : زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات وهو قوله تعالى : إلى يوم يلقونه على ما يأتي الثانية قال علماؤنا : لما قال الله تعالى ومنهم من عاهد الله احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها ومن رفع بالابتداء والخبر في المجرور ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام أما إنه في صيغة القسم في المعنى فإن اللام تدل عليه وقد أتى بلامين الأولى للقسم والثانية لام الجواب وكلاهما للتأكيد ومنهم من قال : إنهما لا ما القسم والأول أظهر والله أعلم الثالثة العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به قاله علماؤنا وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا بن العربي : والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك وقد سئل : إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال : يلزمه كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه قال بن العربي : وهذا أصل بديع وتحريره أن يقال عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية أصله الإيمان والكفر قلت : وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ( ورواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به قال أبو عمر : ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء هذا هو الأشهر عن مالك وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه والأول أصح في النظر وطريق الأثر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعلمه يد ( الرابعة إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق بيد أن المعنى فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة أو نية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها الشقاوة نعوذ بالله من ذلك قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله عز وجل من أمنيته ( أي من عاقبتها فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها الخامسة قوله تعالى : ( لئن آتانا من فضله لنصدقن ) دليل على أن من قال : إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه وبه قال أبو حنيفة : وقال الشافعي : لا يلزمه والخلاف في الطلاق مثله وكذلك في العتق وقال أحمد بن حنبل : يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق لأن العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر بخلاف الطلاق فإنه تصرف في محل وهو لا يثبت في الذمة احتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك ( لفظ الترمذي وقال : وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وبن عباس وعائشة حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم بن العربي : وسرد أصحاب الشافعي في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها شيء فلا يعول عليها ولم يبق إلا ظاهر الآية السادسة قوله تعالى : ( فلما آتاهم من فضله ) أي أعطاهم ( بخلوا به ) أي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا وقد مضى البخل في آل عمران ( وتولوا ) أي عن طاعة الله ( وهم معرضون ) أي عن الإسلام أي مظهرون للإعراض عنه السابعة قوله تعالى : ( فأعقبهم نفاقا ) مفعولان أي أعقبهم الله تعالى نفاقا في قلوبهم وقيل : أي أعقبهم البخل نفاقا ولهذا قال : بخلوا به ( إلى يوم يلقونه ) في موضع خفض أي يلقون بخلهم أي جزاء بخلهم كما يقال : أنت تلقى غدا عملك وقيل : إلى يوم يلقونه أي يلقون الله وفي هذا دليل على أنه مات منافقا وهو يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) كذبهم نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك الثامنة قوله تعالى : ( نفاقا ) النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق يدعها : إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( خرجه البخاري وقد مضى في البقرة اشتقاق هذه الكلهة فلا معنى لإعادتها واختلف الناس في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة : إنما لم يحدث بحديث يعلم أنه كذب ويعهد عهدا لا يعتقد الوفاء به وينتظر الأمانة للخيانة فيها وتعلقوا بحديث ضعبف الإسناد وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان فقال علي : ما لي أراكما ثقيلين قالا حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال المنافقين ( إذا كذب وإذا عاهد غدر وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف ( فقال علي : أفلا سألتماه فقالا : هبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكني سأسأله فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان ثم ذكر ما قالاه فقال : ( قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أنه يكذب وإذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون ( بن العربي : قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو بالتكذيب له تعالى الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين وقالت طائفة : ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلقوا بما رواه مقاتل بن حيان عن سعيد بن جبير عن بن عمر وبن عباس قالا : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه فقلنا : يا رسول الله إنك قلت ( ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق ( فظننا أنا لم نسلم منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله في كتابه أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل إذا جاءك المنافقون الآية أفأنتم كذلك ( قلنا لا قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك براء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علي ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآيات الثلاث ( أفأنتم كذلك قلنا لا والله لو عاهدنا الله على شيء أوفينا به قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علي إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك ( قلنا لا قال : ( لا عليكم أنتم من ذلك برآء ( وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة قالت طائفة : هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذمينة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة قال بن العربي : والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم يؤثر في الإعتقاد قال علماؤنا : إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأخلفوه وحدثوه فكذبوه وائتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين قال عطا بن أبي رباح : قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : النفاق نفاقان نفاق الكذب ونفاق العمل فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة وروى البخاري عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان قوله تعالى : ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) هذا توبيخ وإذا كان عالما فإنه سيجازيهم < <

Bagian V08/P213–V08/P215

التوبة : ( 79 ) الذين يلمزون المطوعين . . . . . > > < > ( التوبه 79 ) < > قوله تعالى : ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ) هذا أيضا من صفات المنافقين قال قتادة : يلمزون يعيبون قال : وذلك أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف فقال قوم : ما أعظم رياءه فأنزل الله : الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة من تمره فقالوا : ما أغنى الله عن هذا فأنزل الله عز وجل ( والذين لا يجدون إلا جهدهم ) الآية وخرج مسلم عن أبي مسعود قال : أمرنا بالصدقة قال : كنا نحامل في رواية : على ظهورنا قال : فتصدق أبو عقيل بنصف صاع قال : وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا وما فعل هذا الآخر إلا رياء : فنزلت الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم يعني أبا عقيل وإسمه الحبحاب والجهد : شيء قليل يعيش به المقل والجهد والجهد بمعنى واحد وقد تقدم ويلمزون يعيبون وقد تقدم والمطوعين أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء وهم الذين يفعلون الشيء تبرعا من غير أن يجب عليهم والذين في موضع خفض عطف على المؤمنين ولا يجوز أن يكون عطفا على الإسم قبل تمامه وفيسخرون ) عطف على يلمزون ( سخر الله منهم ) خبر الابتداء وهو دعاء عليهم وقال بن عباس : هو خبر أي سخر منهم حيث صاروا إلى النار ومعنى سخر الله مجازاتهم على سخريتهم وقد تقدم في البقرة < < التوبة : ( 80 ) استغفر لهم أو . . . . . > > < > ( التوبه 80 ) < > قوله تعالى : ( استغفر لهم ) يأتي بيانه عند قوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم ما ت أبدا < < التوبة : ( 81 ) فرح المخلفون بمقعدهم . . . . . > > < > ( التوبه 81 ) < > قوله تعالى : ( فرح المخلفون بمقعدهم ) أي بقعودهم قعد قعودا ومقعدا أي جلس وأقعده غيره عن الجوهري والمخلف المتروك أي خلفهم الله وثبطهم أو خلفهم رسول الله والمؤمنون لما علموا تثاقلهم عن الجهاد قولان وكان هذا في غزوة تبوك ( خلاف رسول الله ) مفعول من أجله وإن شئت كان مصدرا والخلاف المخالفة ومن قرأ خلف رسول الله أراد التأخر عن الجهاد ( وقالوا لا تنفروا في الحر ) أي قال بعضهم لبعض ذلك ( قل نار جهنم ) أي قل لهم يا محمد نار جهنم ( أشد حرا لو كانوا يفقهون ) ابتداء وخبر حرا نصب على البيان أي من ترك أمر الله تعرض لتلك النار < < التوبة : ( 82 ) فليضحكوا قليلا وليبكوا . . . . . > > < > ( التوبه 82 ) <

Bagian V08/P215–V08/P217

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( فليضحكوا قليلا ) أمر معناه معنى التهديد وليس أمرا بالضحك والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها قال الحسن : فليضحكوا قليلا في الدنيا ( وليبكوا كثيرا ) في جهنم وقيل : هو أمر بمعنى الخبر أي إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا ( جزاء ) مفعول من أجله أي للجزاء الثانية ومن الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف وإن كان عبدا صالحا قال صلى الله عليه وسلم : ( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى لوددت أني كنت شجرة تعضد ( خرجه الترمذي وكان الحسن البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك وكان بن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله أضحك وأبكى وكان الصحابة يضحكون إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه وهو من فعل السفهاء والبطالة وفي الخبر : ( أن كثرته تميت القلب ( وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود قال عليه السلام : ( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت ( خرجه بن المبارك من حديث أنس وبن ماجة أيضا < < التوبة : ( 83 ) فإن رجعك الله . . . . . > > < > ( التوبه 83 ) < > قوله تعالى : ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) أي المنافقين وإنما قال : إلى طائفة لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له ثم عفا عنهم وتاب عليهم كالثلاثة الذين خلفوا وسيأتي ( فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ) أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدا وهو كما قال في سورة الفتح : قل لن تتبعونا و ( الخالفين ) جمع خالف كأنهم خلفوا الخارجين قال بن عباس الخالفين من تخلف من المنافقين وقال الحسن : مع النساء والضعفاء من الرجال فغلب المذكر وقيل : المعنى فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم فلان خالفة أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم من خلوف فم الصائم ومن قولك : خلف اللبن أي فسد بطول المكث في السقاء فعلى هذا يعني فاقعدوا مع الفاسدين وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الغزوات لا يجوز < < التوبة : ( 84 ) ولا تصل على . . . . . > > < > ( التوبه 84 ) <

Bagian V08/P217–V08/P222

> فيه إحدى عشرة مسألة : الألى روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وتظاهرت الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه وأن الآية نزلت بعد ذلك وروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه وتلا عليه ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه والروايات الثابتة على خلاف هذا ففي البخاري عن بن عباس قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ونحوه عن بن عمر خرجه مسلم قال بن عمر : لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما خيرني الله تعالى فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين ( قال : إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فترك الصلاة عليهم وقال بعض العلماء : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه الثانية إن قال قائل فكيف قال عمر : أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم قيل له : يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان القرآن ينزل على مراده كما قال : وافقت ربي في ثلاث وجاء : في أربع وقد تقدم في البقرة فيكون هذا من ذلك ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم الآية لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم والله أعلم قلت : ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين لأنها نزلت بمكة وسيأتي القول فيها الثالثة قوله تعالى : استغفر لهم الآية بين تعالى أنه وإن استغفر لهم لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار قال القشيري : ولم يثبت ما يروي أنه قال : ( لأزيدن على السبعين ( قلت : وهذا خلاف ما ثبت في حديث بن عمر ( وسأزيد على سبعين ( وفي حديث بن عباس ( لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها ( قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه البخاري الرابعة واختلف العلماء في تأويل قوله : استغفر لهم هل هو إياس أو تخبير فقالت طائفة : المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى : فلن يغفر الله لهم وذكر السبعين وفاق جرى أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء فإذا قال قائلهم : لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله : لا أكلمه أبدا ومثله في الأغياء قوله تعالى : في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وقوله عليه السلام : ( من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ( وقالت طائفة : هو تخيير منهم الحسن وقتادة وعروة غن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر ولهذا أراد أن يصلي على بن أبي قال عمر : أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا فقال : ( إني خيرت فاخترت ( قالوا : ثم نسخ هذا لما نزل سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ذلك بأنهم كفروا أي لا يغفر الله لهم لكفرهم الخامسة قوله تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب على ما يأتي بيانه وهذا يفهم منه النهي عن الإستغفار لمن مات كافرا وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله : ( إنما خيرني الله ( وهذا مشكل فقيل : إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفارا مرجو الإجابة حتى تحصل له المغفرة وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربه في أن يأذن له فيه لأمه فلم يأذن له فيه وأما الاستغفار للمنافقين الذي خير فيه فهو استغفار لساني لا ينفع وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له والله أعلم السادسة واختلف في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله فقيل : إنما أعطاه لأن عبد الله كان قد أعطى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر على ما تقدم وسلب ثوبه رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا قميص عبد الله لتقاربهما في طول القامة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافئه بها وقيل : إنما أعطاه القميص إكراما لإبنه وإسعافا له في طلبته وتطييبا لقلبه والأول أصح خرجه البخاري عن جابر بن عبد الله قال : لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فطلب النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي ( كذا في بعض الروايات ( من قومي ( يريد من منافقي العرب والصحيح أنه قال : ( رجال من قومه ( ووقع في مغازي بن إسحاق وفي بعض كتب التفسير : فأسلم وتاب لهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل من الخزرج السابعة لما قال تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) قال علماؤنا : هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين على قولين يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى : إنهم كفروا بالله ورسوله فإذا زال الكفر وجبت الصلاة ويكون هذا نحو قوله تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين يعني الكفار فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون فذلك مثله والله أعلم أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية وهي الأحاديث الواردة في الباب والإجماع ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه ( قال : فقمنا فصففنا صفين يعني النجاشي وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين من أهل الكبائر كانوا أو صالحين وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا وعملا والحمد لله واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد كما تقدم وإلا في أهل البدع والبغاة الثامنة والجمهور من العلماء على أن التكبير أربع قال بن سيرين : كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة وقالت طائفة : يكبر خمسا وروي عن بن مسعود وزيد بن أرقم وعن علي : ست تكبيرات وعن بن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد : ثلاث تكبيرات والمعول عليه أربع روى الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالوا هذه سنتكم يا بني آدم ( التاسعة ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك وكذلك أبو حنيفة والثوري لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ( رواه أبو داود من حديث أبي هريرة وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة لقوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ( حملا له على عمومه وبما خرجه البخاري عن بن عباس وصلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنها سنة وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضا قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن تكبر ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم قال شيخنا أبو العباس : وهذان الحديثان صحيحان وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند والعمل على حديث أبي أمامة أولى إذ فيه جمع بين قوله عليه السلام : ( لا صلاة ( وبين إخلاص الدعاء للميت وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء والله أعلم العاشرة وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة لما رواه أبو داود عن أنس وصلى على جنازة فقال له العلاء بن زياد : يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز كصلاتك يكبر أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال : نعم ورواه مسلم عن سمرة بن جندب قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليها وسطها الحادية عشرة قوله تعالى : ( ولا تقم على قبره ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت على ما بيناه ( في التذكرة ) والحمد لله < <

Bagian V08/P222–V08/P224

التوبة : ( 85 ) ولا تعجبك أموالهم . . . . . > > < > ( التوبه 85 ) < > كرره تأكيدا وقد تقدم الكلام فيه < < التوبة : ( 86 ) وإذا أنزلت سورة . . . . . > > < > ( التوبه 86 ) < > انتدب المؤمنون إلى الإجابة وتعلل المنافقون فالأمر للمؤمنين باستدامة الإيمان وللمنافقين بابتداء الإيمان وأن ) في موضع نصب أي بأن آمنوا والطول ) الغنى وقد تقدم وخصهم بالذكر لأن من لا طول له لا يحتاج إلى إذن لأنه معذور ( وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) أي العاجزين عن الخروج < < التوبة : ( 87 ) رضوا بأن يكونوا . . . . . > > < > ( التوبه 87 : 89 ) < > قوله تعالى : ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) الخوالف جمع خالفة أي مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار من الرجال وقد يقال للرجل : خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب على ما تقدم يقال : فلان خالفة أهله إذا كان دونهم قال النحاس وأصله من خلف اللبن يخلف إذا حمض من طول مكثه وخلف فم الصائم إذا تغير ريحه ومنه فلان خلف سوء إلا أن فواعل جمع فاعلة ولا يجمع فاعل صفة على فواعل إلا في الشعر إلا في حرفين وهما فارس وهالك وقوله تعالى في وصف المجاهدين : ( وأولئك لهم الخيرات ) قيل : النساء الحسان عن الحسن دليله قوله عز وجل : فيهن خيرات حسان الرحمن ويقال : هي خيرة النساء والأصل خيرة فخفف مثل هينة وهينة وقيل : جمع خير فالمعنى لهم منافع الدارين وقد تقدم معنى الفلاح والجنات : والبساتين وقد تقدم أيضا < < التوبة : ( 90 ) وجاء المعذرون من . . . . . > > < > ( التوبه 90 ) < > قوله تعالى : ( وجاء المعذرون من الأعراب ) قرأ الأعرج والضحاك المعذرون مخففا ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ورواها أصحاب القراءات عن بن عباس قال الجوهري : وكان بن عباس يقرأ وجاء المعذرون مخففة من أعذر ويقول : والله لهكذا أنزلت قال النحاس : إلا أن مدارها عن الكلبي وهي من أعذر ومنه قد أعذر من أنذر أي قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك وأما المعذرون بالتشديد ففيه قولان : أحدهما أنه يكون المحق فهو في المعنى المعتذر لأن له عذرا فيكون المعذرون على هذه أصله المعتذرون ولكن التاء قلبت ذالا فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين كما قرئ يخصمون يس بفتح الخاء ويجوز المعذرون بكسر العين لاجتماع الساكنين ويجوز ضمها اتباعا للميم ذكره الجوهري والنحاس إلا أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون ثم أدغمت التاء في الذال ويكونون الذين لهم عذر قال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والقول الآخر أن المعذر قد يكون غير محق وهو الذي يعتذر ولا عذر له قال الجوهري : فهو المعذر على جهة المفعل لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر قال غيره : يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا أي قصر ولم يبالغ فيه والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب قال الجوهري : وكان بن عباس يقول : لعن الله المعذرين كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر النحاس : قال أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول الخليل وسيبويه بعد أن كان سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم قال : لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا قال النحاس : وأصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر وقول العرب : من عذيري من فلان معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به فمن يعذرني إن عاقبته فعلى قراءة التخفيف قال بن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل قالوا : يا رسول الله لو غزونا معك أغارت أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى قراءة التشديد في القول الثاني هم قوم من غفار اعتذروا فلم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنهم غير محقين والله أعلم وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال : ( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) والمراد بكذبهم قولهم : إنا مؤمنون وليؤذن نصب بلام كي < <

Bagian V08/P224

التوبة : ( 91 ) ليس على الضعفاء . . . . . > > < > ( التوبه 91 : 92 ) <

Bagian V08/P224–V08/P229

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ) الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز فكل من عجز عن شيء سقط عنه فتارة إلى بدل هو فعل وتارة إلى بدل هو غرم ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال ونظير هذه الآية قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقوله : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ( قالوا : يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة قال : ( حبسهم العذر ( فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمي والعرج وأقوام لم يجدوا ما ينفقون فقال : ليس على هؤلاء حرج ( إذا نصحوا لله ورسوله ) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء : فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار وما صبرت القلوب فخرج بن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل هذه عزائم القوم والحق يقول : ليس على الأعمى حرج وهو في الأول ولا على الأعرج حرج وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش قال له الرسول عليه السلام : ( إن الله قد عذرك ( فقال : والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم وقال عبد الله بن مسعود : ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف الثانية قوله تعالى : إذا نصحوا النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح قال نفطويه : نصح الشيء إذا خلص ونصح له القول أي أخلصه له وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ( ثلاثا قلنا لمن قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( قال العلماء : النصيحة لله إخلاص الإعتقاد في الوحدانية ووصفه بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد من مساخطه والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته والتزام طاعته في أمره ونهيه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وتوقيره ومحبته ومحبة آل بيته وتعظيمه وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم وكذا النصح لكتاب الله : قراءته والتفقه فيه والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به والنصح لأئمة المسلمين : ترك الخروج عليهم وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم والنصح للعامة : ترك معاداتهم وإرشادهم وحب الصالحين منهم والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم وفي الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ( الثالثة قوله تعالى : ( ما على المحسنين من سبيل ) من سبيل في موضع رفع اسم ما اي من طريق إلى العقوبة وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه : إنه لا دية له لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه وقال أبو حنيفة : تلزمه الدية وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : تلزمه لمالكه القيمة قال بن العربي : وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها الرابعة قوله تعالى : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) روي أن الآية نزلت في عرباض بن سارية وقيل : نزلت في عائذ بن عمرو وقيل : نزلت في بني مقرن وعلى هذا جمهور المفسرين وكانوا سبعة إخوة كلهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان وسابع لم يسم بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم فيما ذكره بن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم وقد قيل : إنهم شهدوا الخندق كلهم وقيل : نزلت في سبعة نفر من بطون شتى وهم البكاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ليحملهم فلم يجد ما يحملهم عليه ف تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون فسموا البكائين وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف وعلبة بن زيد أخو بني حارثة وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام من بني سلمة وعبد الله بن المغفل المزني وقيل : بل هو عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر له وفيهم اختلاف قال القشيري : معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وآخر قالوا : يا نبي الله قد ندبتنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة نغز معك فقال : ( لا أجد ما أحملكم عليه ( فتولوا وهم يبكون وقال بن عباس : سألوه أن يحملهم على الدواب وكان الرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق وقال الحسن : نزلت في أبي موسى وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه ووافق ذلك منه غضبا فقال : ( والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ( فتولوا يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذودا فقال أبو موسى ألست حلفت يا رسول الله فقال : ( إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ( قلت : وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم بلفظه ومعناه وفي مسلم : فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى الحديث وفي آخره : ( فانطلقوا فإنما حملكم الله ( وقال الحسن أيضا وبكر بن عبد الله : نزلت في عبد الله بن مغفل المزني أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله قال الجرجاني : التقدير أي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد فهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو والجواب تولوا ( وأعينهم تفيض من الدمع ) الجملة في موضع نصب على الحال ( حزنا ) مصدر ( ألا يجدوا ) نصب بأن وقال النحاس : قال الفراء يجوز أن لا يجدون يجعل لا بمعنى ليس وهو عند البصريين بمعنى أنهم لا يجدون الخامسة والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا يجب عليه وقال علماؤنا : إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على العادة لأن حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد والله أعلم السادسة في قوله تعالى : وأعينهم تفيض من الدمع ما يستدل به على قرائن الأحوال ثم منها ما يفيد العلم الضروري ومنها ما يحتمل الترديد فالأول كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت الخدود وحلقت الشعور وسلقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثبور فيعلم أنه قد مات وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف عليه السلام : وجاءوا أباهم عشاء يبكون يوسف وهم الكاذبون قال الله تعالى مخبرا عنهم : وجاءوا على قميصه بدم كذب يوسف ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها وقال الشاعر : إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى وسيأتي هذا المعنى في يوسف مستوفي إن شاء الله تعالى < <

Bagian V08/P229–V08/P230

التوبة : ( 93 ) إنما السبيل على . . . . . > > < > ( التوبه 93 ) < > قوله تعالى : ( إنما السبيل ) أي العقوبة والمأثم ( على الذين يستأذنونك وهم أغنياء ) والمراد المنافقون كرر ذلك ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم < < التوبة : ( 94 ) يعتذرون إليكم إذا . . . . . > > < > ( التوبه 94 ) < > قوله تعالى : ( يعتذرون إليكم ) يعني المنافقين أي ( لن نؤمن لكم ) أي نصدقكم ( قد نبأنا الله من أخباركم ) أي أخبرنا بسرائركم ( وسيرى الله عملكم ) فيما تستأنفون ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) أي يجازيكم بعملكم وقد مضى هذا كله مستوفي < < التوبة : ( 95 ) سيحلفون بالله لكم . . . . . > > < > ( التوبه 95 ) < > قوله تعالى : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ) أي من تبوك والمحلوف عليه محذوف أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج ( لتعرضوا عنهم ) أي لتصفحوا عن لومهم وقال بن عباس : أي لا تكلموهم وفي الخبر أنه قال عليه السلام لما قدم من تبوك : ( ولا تجالسوهم ولا تكلموهم ( ( إنهم رجس ) أي عملهم رجس والتقدير : إنهم ذوو رجس أي عملهم قبيح ( ومأواهم جهنم ) أي منزلهم ومكانهم قال الجوهري : المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا على فعول وإواء ومنه قوله تعالى : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وآويته أنا إيواء وأويته إذا أنزلته بك فعلت وأفعلت بمعنى عن أبي زيد ومأوى الإبل ( بكسر الواو ) لغة في مأوى الإبل خاصة وهو شاذ < < التوبة : ( 96 ) يحلفون لكم لترضوا . . . . . > > < > ( التوبه 96 ) < > حلف عبد الله بن أبي ألا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وطلب أن يرضى عنه < < التوبة : ( 97 ) الأعراب أشد كفرا . . . . . > > < > ( التوبه 97 ) <

Bagian V08/P230–V08/P233

> قوله تعالى : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) فيه مسألتان : الأولى لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا عنها من الأعراب فقال كفرهم أشد قال قتادة : لأنهم أبعد عن معرفة السنن وقيل : لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل ولذلك قال الله تعالى في حقهم : ( وأجدر ) أي أخلق ( ألا يعلموا ) أن في موضع نصب بحذف الباء تقول : أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب أن وإن أتيت بالباء صلح ب أن وغيره تقول : أنت جدير أن تقوم وجدير بالقيام ولو قلت أنت : جدير القيام كان خطأ وإنما صلح مع أن لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف ( حدود ما أنزل الله ) أي بألا يعلموا أي فرائض الشرع وقيل حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم الثانية ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة : أولها لا حق لهم في الفيء والغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة وفيه : ( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبو أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ( وثانيها إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق التهمة وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعي كل تهمة والمسلمون كلهم عنده على العدالة وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا وهو الصحيح لما بيناه في البقرة وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة : أحدها بالكفر والنفاق والثاني بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر والثالث بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول وذلك باطل وقد مضى الكلام في هذا في النساء وثالثها أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي : الصلاة خلف الأعرابي جائزة واختاره بن المنذر إذا أقام حدود الصلاة قوله تعالى : ( أشد ) أصله أشدد وقد تقدم ( كفرا ) نصب على البيان ( ونفاقا ) عطف عليه ( وأجدر ) عطف على أشد ومعناه أخلق يقال : فلان جدير بكذا أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا والجمع جدراء وجديرون وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله : هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به ( ألا يعلموا ) أي بألا يعلموا والعرب : جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار والأعراب منهم سكان البادية خاصة وجاء في الشعر الفصيح أعاريب والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط وإنما العرب اسم جنس والعرب العاربة هم الخلص منهم وأخذ من لفظه وأكد به كقولك : ليل لائل وربما قالوا : العرب العرباء وتعرب أي تشبه بالعرب وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص وكذلك المتعربة والعربية هي هذه اللغة ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية وهو أبو اليمن كلهم والعرب والعرب واحد مثل العجم والعجم والعريب تصغير العرب قال الشاعر : ومكن الضباب طعام العريب ولا تشتهيه نفوس العجم إنما صغرهم تعظيما كما قال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب كله عن الجوهري وحكى القشيري وجمع العربي العرب وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب وسميت العرب عربا لأن ولد إسماعيل نشئوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها وأقامت قريش بعربة وهي مكة وانتشر سائر العرب في جزيرتها < <

Bagian V08/P233–V08/P234

التوبة : ( 98 ) ومن الأعراب من . . . . . > > < > ( التوبه 98 ) < > قوله تعالى : ( ومن الأعراب من يتخذ ) من في موضع رفع بالابتداء ( ما ينفق مغرما ) مفعولان والتقدير ينفقه فحذفت الهاء لطول الاسم مغرما معناه غرما وخسرانا وأصله لزوم الشيء ومنه : إن عذابها كان غراما الفرقان أي لازما أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرما ولا يرجون عليه ثوابا ( ويتربص بكم الدوائر ) التربص الانتظار وقد تقدم والدوائر جمع دائرة وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء الدخلة وخبث القلب ( عليهم دائرة السوء ) قرأه بن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح وفتحها الباقون وأجمعوا على فتح السين في قوله : ما كان أبوك امرأ سوء مريم والفرق بينهما أن السوء بالضم المكروه قال الأخفش : أي عليهم دائرة الهزيمة والشر وقال الفراء : أي عليهم دائرة العذاب والبلاء قالا : ولا يجوز امرأ سوء بالضم كما لا يقال : هو امرؤ عذاب ولا شر وحكي عن محمد بن يزيد قال : السوء بالفتح الرداءة قال سيبويه : مررت برجل صدق ومعناه برجل صلاح وليس من صدق اللسان ولو كان من صدق اللسان لما قلت : مررت بثوب صدق ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته وإنما معناه مررت برجل فساد وقال الفراء : السوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية قال غيره : والفعل منه ساء يسوء والسوء بالضم اسم لا مصدر وهو كقولك : عليهم دائرة البلاء والمكروه < < التوبة : ( 99 ) ومن الأعراب من . . . . . > > < > ( التوبه 99 ) < > قوله تعالى : ( ومن الأعراب من يؤمن بالله ) أي صدق والمراد بنو مقرن من مزينة ذكره المهدوي ( قربات ) جمع قربة وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى والجمع قرب وقربات وقربات وقربات حكاه النحاس والقربات ( بالضم ) ما تقرب به إلى الله تعالى تقول منه : قربت لله قربانا والقربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء والجمع في أدنى العدد قربات وقربات وقربات وللكثير قرب وكذلك جمع كل ما كان على فعلة مثل سدرة وفقرة لك أن تفتح العين وتكسر وتسكن حكاه الجوهري وقرأ نافع في رواية ورش قربة بضم الراء وهي الأصل والباقون بسكونها تخفيفا مثل كتب ورسل ولا خلاف في قربات وحكى بن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ ألا إنها قربة لهم ومعنى ( وصلوات الرسول ) استغفاره ودعاؤه والصلاة تقع على ضروب فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة قال الله تعالى : هو الذي يصلي عليكم وملائكته والصلاة من الملائكة الدعاء وكذلك هي من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة ( ألا إنها قربة لهم ) أي تقربهم من رحمة الله يعني نفقاتهم < < التوبة : ( 100 ) والسابقون الأولون من . . . . . > > < > ( التوبه 100 ) <

Bagian V08/P234–V08/P239

> فيه سبع مسائل : الأولى لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين وأثنى عليهم وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين الغرض فيه إن شاء الله تعالى وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ والأنصار رفعا عطفا على السابقين قال الأخفش : الخفض في الأنصار الوجه لأن السابقين منهما والأنصار اسم إسلامي قيل لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : الأنصار اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية قال : بل اسم سمانا الله به في القرآن ذكره أبو عمر في الاستذكار الثانية نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة وفي قول أصحاب الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية وقاله الشعبي وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار : هم أهل بدر واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم أما أفضلهم وهي : الثالثة فقال أبو منصور البغدادي التميمي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية الرابعة وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال : سألت بن عباس من أول الناس إسلاما قال أبو بكر أوما سمعت قول حسان : إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا وذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب عن الماجشونأنه قال : أدركت أبي وشيخنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر وهو قول بن عباس وحسان وأسماء بنت أبي بكر وبه قال إبراهيم النخعي وقيل : أول من أسلم علي روي ذلك عن زيد بن أرقم وأبي ذر والمقداد وغيرهم قال الحاكم أبو عبد الله : لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما وقيل : أول من أسلم زيد بن حارثة وذكر معمر نحو ذلك عن الزهري وهو قول سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس وقيل : أول من أسلم خديجة أم المؤمنين روي ذلك من وجوه عن الزهري وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار وجماعة وروي أيضا عن بن عباس وادعى الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة وأن إختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار فكان يقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال والله أعلم وذكر محمد بن سعد قال : أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال : كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعا أو خامسا قال الليث بن سعد وحدثني أبو الأسود قال : أسلم الزبير وهو بن ثمان سنين وروي أن عليا أسلم وهو بن سبع سنين وقيل : بن عشر الخامسة والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه قال البخاري في صحيحه : من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة السابعة لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق وقال بن العربي : السبق يكون بثلاثة أشياء : الصفة وهو الإيمان والزمان والمكان وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ( نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا والنصارى بعد غد ( فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه والاستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه لا نعترض عليه ولا نختار معه ولا نبدل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب وذلك بتوفيق الله لما قضاه وبتيسيره لما يرضاه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله السابعة قال بن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك من العطاء في المال والرتبة في الإكرام وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم على بعض بحسب السابقة وكان عمر يقول له : أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له فقال أبو بكر : إنما عملوا لله وأجرهم عليه وكان عمر يفضل في خلافته ثم قال عند وفاته : لئن عشت إلى غد لألحقن أسفل الناس بأعلاهم فمات من ليلته والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف قوله تعالى : ( والذين اتبعوهم بإحسان ) فيه مسألتان : الأولى قرأ عمر والأنصار رفعا الذين بإسقاط الواو نعتا للأنصار فراجعه زيد بن ثابت فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع إليه عمر وقال : ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد فقال أبي : إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم الجمعة وفي سورة الحشر : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وفي سورة الجمعة : ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) وفي سورة الحشر : ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) وفي سورة الأنفال بقوله : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم فثبتت القراءة بالواو وبين تعالى بقوله : بإحسان ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم الثانية واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم فقال الخطيب الحافظ : التابعي من صحب الصحابي ويقال للواحد منهم : تابع وتابعي وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية وقد قيل : إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد : ( دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( ومن العجب عد الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ابني مقرن المزني في التابعين عندما ذكر الإخوة من التابعين وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة وقد شهدا الخندق كما تقدم والله أعلم وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة وهم سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال : فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه وقال أحمد بن حنبل : أفضل التابعين سعيد بن المسيب فقيل له : فعلقمة والأسود فقال : سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعنه أيضا أنه قال : أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق هؤلاء كانوا فاضلين ومن علية التابعين وقال أيضا : كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أكثر الناس عنهم وأبهم وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال : سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن وثالثتهما وليست كهما أم الدرداء وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال : طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه وبكير بن أبي السميط وبكير بن عبد الله الأشج وذكر غيرهم قال : وطبقة عدادهم عند الناس في اتباع التابعين وقد لقوا الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان لقي عبد الله بن عمر وأنسا وهشام بن عروة وقد أدخل على عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة وقد أدرك أنس بن مالك وأم خالد بنت خالد بن سعيد وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم واحدهم مخضرم ( بفتح الراء ) كأنه خضرم أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا منهم أبو عمرو الشيباني وسويد بن غفلة الكندي وعمرو بن ميمون الأودي وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن يزيد الخيراني ( بفتح الخاء ) بطن من همدان وعبد الرحمن بن مل وأبو الحلال العتكي ربيعة بن زرارة وممن لم يذكره مسلم منهم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب والأحنف بن قيس فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم رضوان الله عليهم أجمعين وكفانا نحن قوله جل وعز : كنتم خير أمة أخرجت للناس على ما تقدم وقوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وددت أنا لو رأينا إخواننا ( الحديث فجعلنا إخوانه إن اتقينا الله واقتفينا آثاره حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله < <

Bagian V08/P239–V08/P240

التوبة : ( 101 ) وممن حولكم من . . . . . > > < > ( التوبه 101 ) < > قوله تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) ابتداء وخبر أي قوم منافقون يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) أي قوم مردوا على النقاق وقيل : مردوا من نعت المنافقين فيكون في الكلام تقديم وتأخير المعنى ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ومن أهل المدينة مثل ذلك ومعنى : مردوا أقاموا ولم يتوبوا عن بن زيد وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره والمعنى متقارب وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق ومنه رملة مرداء لا نبت فيها وغصن أمرد لا ورق عليه وفرس أمرد لا شعر على ثنته وغلام أمرد بين المرد ولا يقال جارية مرداء وتمريد البناء تمليسه ومنه قوله : صرح ممرد وتمريد الغصن تجريده من الورق يقال : مرد يمرد مرودا ومرادة قوله تعالى : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) هو مثل قوله : لا تعلمونهم الله يعلمهم على ما تقدم وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار قوله تعالى : ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) قال بن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة فمرض المؤمن كفارة ومرض الكافر عقوبة وقيل : العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم على ما يأتي بيانه في المنافقين والعذاب الثاني عذاب القبر الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر بن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم والثاني عذاب القبر مجاهد : الجوع والقتل الفراء القتل وعذاب القبر وقيل : السباء والقتل وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم والثاني عذاب القبر وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم إلى قوله إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا والغرض من الآية اتباع العذاب أو تضعيف العذاب عليهم < < التوبة : ( 102 ) وآخرون اعترفوا بذنوبهم . . . . . > > < > ( التوبه 102 ) <

Bagian V08/P240–V08/P243

> أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين وقال بن عباس : نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد وقال بنحوه قتادة وقال : وفيهم نزل خذ من أموالهم صدقة ذكره المهدوي وقال زيد بن أسلم : كانوا ثمانية وقيل : كانوا ستة وقيل : خمسة وقال مجاهد : نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلقه يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ونزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ذكره الطبري عن مجاهد وذكره بن إسحاق في السيرة أوعب من هذا وقال أشهب عن مالك : نزلت وآخرون في شأن أبي لبابة وأصحابه وقال حين أصاب الذنب : يا رسول الله أجاورك وأنخلع من مالي فقال ( يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ورواه بن القاسم وبن وهب عن مالك والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لبابة وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ( فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ( فأنزل الله تعالى خذ من أموالهم صدقة الآية قال بن عباس : كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها فكان عملهم السيء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة واختلفوا في الصالح فقال الطبري وغيره : الاعتراف والتوبة والندم وقيل : عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا : لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله عذرنا وقالت فرقة : بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة : فهي ترجى ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : ( أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا : أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم ( وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال : ( ثم صعد بي إلى السماء ( ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا : ( حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم قال وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا ( وذكر الحديث والواو في قوله : وآخر سيئا قيل : هي بمعنى الباء وقيل : بمعنى مع كقولك استوى الماء والخشبة وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا : لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء وآخر في الآية يجوز تقديمه على الأول فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن < <

Bagian V08/P243

التوبة : ( 103 ) خذ من أموالهم . . . . . > > < > ( التوبه 103 ) <

Bagian V08/P243–V08/P249

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) اختلف في هذه الصدقة المأمور بها فقيل : هي صدقة الفرض قاله جويبر عن بن عباس وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري وقيل : هو مخصوص بمن نزلت فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء ولهذا قال مالك : إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث متمسكا بحديث أبي لبابة وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا : إنه كان يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره ونظم في ذلك شاعرهم فقال : أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر وإن الذي سألوكم فمنعتم لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقية كرام على الضراء في العسر واليسر وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة وفي حقهم قال أبو بكر : والله لآقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة بن العربي : أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وقوله : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونحوه ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى كقوله : ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقوله : خالصة لك ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلآ كقوله : أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية وقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل وقوله : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة ومن هذا القبيل قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله ويا أيها النبي إذا طلقتم النساء الثانية قوله تعالى : ( من أموالهم ) ذهب بعض العرب وهم دوس : إلى أن المال الثياب والمتاع والعروض ولا تسمى العين مالا وقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى بن مطيع عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع الحديث وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق وقيل : الإبل خاصة ومنه قولهم : المال الإبل وقيل : جميع الماشية وذكر بن الأنباري عن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال وأنشد : والله ما بلغت لي قط ماشية حد الزكاة ولا إبل ولا مال قال أبو عمر : والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال لقوله صلى الله عليه وسلم : ( يقول بن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلي أو تصدق فأمضى ( وقال أبو قتادة : فأعطاني الدرع فابتعث به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نواه وقد قيل : إن ذلك على أموال الزكاة والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين وهذا ما لا خلاف فيه واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض وسيأتي ذكر الخيل والعسل في النحل إن شاء الله روى الأئمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ( وقد مضى الكلام في الأنعام في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفي وفي المعادن في البقرة وفي الحلي في هذه السورة وأجمع العلماء على ان الأوقية أربعون درهما فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها وذلك ربع عشرها خمسة دراهم وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام : ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ( أخرجه الترمذي وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد وروي ذلك عن علي وبن عمر وقالت طائفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة الرابعة وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة على حديث علي أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون عنهما جميعا وقال الباجي في المنتقي : وهذا الحديث ليس إسناده هناك غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه والله أعلم وروي عن الحسن والثوري وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي علي أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا وهذا يرده حديث علي وحديث بن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر الخامسة اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه فإذا بلغت خمسا ففيها شاة والشاة تقع على واحدة من الغنم والغنم الضأن والمعز جميعا وهذا أيضا اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة وهي فريضتها وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لأنس لما وجهه إلى البحرين أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وبن ماجة وغيرهم وكله متفق عليه والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك : المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون وإن شاء أخذ حقتين وقال بن القاسم : وقال بن شهاب : فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون قال بن القاسم : ورأيي على قول بن شهاب وذكر بن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وبن دينار يقولون بقول مالك وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم وهي إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة فإن الحسن بن صالح بن حي قال : فيها أربع شياه وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه وهكذا كلما زادت في كل مائة شاة وروي عن إبراهيم النخعي مثله وقال الجمهور : في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه ثم كلما زادت مائة ففيها شاة إجماعا واتفاقا قال بن عبد البر : وهذه مسألة وهم فيها بن المنذر وحكى فيها عن العلماء الخطأ وخلط وأكثر الغلط السادسة لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحهما تفصيل زكاة البقر وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة قال أبو عمر : وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم والحسن مجتمع على ضعفه وقد روى هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ومن أربعين مسنة ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر ذكره الدارقطني وأبو عيسى الترمذي وصححه قال أبو عمر ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل : في ثلاثين بقرة تبيع وفي أربعين مسنة إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه ويأتي ذكر الخلطة في سورة ص إن شاء الله تعالى السابعة قوله تعالى : ( صدقة ) مأخوذ من الصدق إذ هي دليل على صحة إيمانه وصدق باطنه مع ظاهره وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ( تطهرهم وتزكيهم بها ) حالين للمخاطب التقدير : خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة أي صدقة مطهرة لهم مزكية ويكون فاعل تزكيهم المخاطب ويعود الضمير الذي في بها على الموصوف المنكر وحكى النحاس ومكي أن تطهرهم من صفة الصدقة وتزكيهم بها حال من الضمير في خذ وهو النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة وقال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى : إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ومنه قول امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وقرأ الحسن تطهرهم ( بسكون الطاء ) وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته مثل ظهر وأظهرته الثامنة قوله تعالى : ( وصل عليهم ) أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : ( اللهم صل عليهم ( فأتاه بن أبي أوفى بصدقته فقال : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ( ذهب قوم إلى هذا وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا قالوا : فلا يجوز أن يصلي على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة لأنه خص بذلك واستدلوا بقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا الآية وبأن عبد الله بن عباس كان يقول : لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم ويأتي في الآية بعد هذا فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به لأنه كان يمتثل قوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به وقد روي جابر بن عبد الله قال : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي : لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا فقالت : يا رسول الله صل على زوجي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلى الله عليك وعلى زوجك ( والصلاة هنا الرحمة والترحم قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ومنه الصلاة على الجنائز وقرأ حفص وحمزة والكسائي إن صلاتك بالتوحيد وجمع الباقون وكذلك الاختلاف في أصلاتك تأمرك هود وقرئ سكن بسكون الكاف قال قتادة : معناه وقار لهم والسكن : ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب < <

Bagian V08/P249–V08/P251

التوبة : ( 104 ) ألم يعلموا أن . . . . . > > < > ( التوبه 104 ) < > فيه مسألتان : الأولى قيل : قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم الآن وما هذه الخاصة التي خصوا بها دوننا فنزلت : ألم يعلموا فالضمير في يعلموا عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين قال معناه بن زيد ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم وقوله تعالى : هو تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور وتحقيق ذلك أنه لو قال : أن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول رسوله قبولا منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك الثانية قوله تعالى : ( ويأخذ الصدقات ) هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده والله عز وجل حي لا يموت وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى : خذ من أموالهم صدقة ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربي الصدقات ( قال : هذا حديث حسن صحيح وفي صحيح مسلم : ( لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه في رواية فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل ( الحديث وروي ( إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها كما كني بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله : ( يا بن آدم مرضت فلم تعدني ( الحديث وقد تقدم هذا المعنى في البقرة وخص اليمين والكف بالذكر إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه فخرج على ما يعرفونه والله جل وعز منزه عن الجارحة وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة كما قال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين أي هو مؤهل للمجد والشرف ولم يرد بها يمين الجارحة لأن المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى وكذلك اليمين في حق الله تعالى وقد قيل : إن معنى ( تربو في كف الرحمن ( عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال فيكون من باب حذف المضاف كأنه قال : فتربو كفة ميزان الرحمن وروي عن مالك والثوري وبن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها : أمروها بلا كيف قاله الترمذي وغيره وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة < < التوبة : ( 105 ) وقل اعملوا فسيرى . . . . . > > < > ( التوبه 105 ) < > قوله تعالى : ( وقل اعملوا ) خطاب للجميع ( فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم وفي الخبر : ( لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان ( < < التوبة : ( 106 ) وآخرون مرجون لأمر . . . . . > > < > ( التوبه 106 ) <

Bagian V08/P251

> نزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم : كعب بن مالك وهلال بن أمية من بني واقف ومرارة بن الربيع وقيل : بن ربعي العمري ذكره المهدوي كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر على ما يأتي من ذكرهم والتقدير : ومنهم آخرون مرجون من أرجأته أي أخرته ومنه قيل : مرجئة لأنهم أخروا العمل وقرأ حمزة والكسائي مرجون بغير همزة فقيل : هو من أرجيته أي أخرته وقال المبرد : لا يقال أرجيته بمعنى أخرته ولكن يكون من الرجاء ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) إما في العربية لأحد أمرين والله عز وجل عالم بمصير الأشياء ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا < < التوبة : ( 107 ) والذين اتخذوا مسجدا . . . . . > > < > ( التوبه 107 ) <

Bagian V08/P251–V08/P257

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والذين اتخذوا مسجدا ) معطوف أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا عطف جملة على جملة ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف كإنهم يعذبون أو نحوه ومن قرأ الذين بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء والخبر لا تقم التقدير : الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا أي لا تقم في مسجدهم قاله الكسائي وقال النحاس : يكون خبر الابتداء لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم وقيل : ألخبر يعذبون كما تقدم ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر الراهب لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه قاله بن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم وقد تقدمت قصته في الأعراف وقال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه ( فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة فقال : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ( فخرجوا مسرعين وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ابنا جارية ونبتل بن الحارث وبحزج وبجاد بن عثمان ووديعة بن ثابت وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم قال أبو عمر بن عبد البر : وفيه نظر لأنه شهد بدرا وقال عكرمة : سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد فقال : أعنت فيه بسارية فقال : أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم الثانية قوله تعالى : ( ضرارا ) مصدر مفعول من أجله ( وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا ) عطف كله وقال أهل التأويل : ضرارا بالمسجد وليس للمسجد ضرار إنما هو لأهله وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه ( قال بعض العلماء : الضرر : الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة وقد قيل : هما بمعنى واحد تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد الثالثة قال علماؤنا : لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ وكذلك قالوا لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له : إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد فقال : لا أحب أن أصلي فيه لأنه بني على ضرار قال علماؤنا : وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه وقال النقاش : يلزم من هذا ألا يصلي في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر قلت : هذا لا يلزم لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير وإن كان أصل بنائها على شر وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة وقد ذكر البخاري أن بن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم الرابعة قال العلماء : إن من كان إماما لظالم لا يصلي وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم فقال : لا ولا نعمة عين أليس بإمام مسجد الضرار فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا أعلم بما في أنفسهم فعذره عمر رضي الله عنهما وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء الخامسة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ( يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره فما ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم وذلك كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير وضابط هذا الباب : أن من أدخل على أخيه ضررا منع فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول مثال ذلك : رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ومعلوم أن الإطلاع على العورات محرم وقد ورد النهي فيه فلحرمة الاطلاع على العورات رأي العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين إذ لم يكن بد من قطع أحدهما وهكذا الحكم في هذا الباب خلافا للشافعي ومن قال بقوله قال أصحاب الشافعي : لو حفر رجل في ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر الأولة جاز لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك ومثله عندهم : لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه لأنه تصرف في ملكه والقرآن والسنة يردان هذا القول وبالله التوفيق ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه كدخان الفرن والحمام وغبار الأندر والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه وليس مما يستحق به شيء فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ساعة خفيفة وللجار على جاره في ادب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه السادسة ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها يعني مسا من الجن فكانت إذا أصابها زوجها وأجنبت أو دنا منها يشتد ذلك بها فقال مالك : لا أرى أن يقربها وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها السابعة قوله تعالى : ( وكفرا ) لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الإعتقاد قاله بن العربي وقيل : وكفرا أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به قاله القشيري وغيره الثامنة قوله تعالى : ( وتفريقا بين المؤمنين ) أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة وتصفو القلوب من وضر الأحقاد التاسعة تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال : لا تصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين خلافا لسائر العلماء وقد روي عن الشافعي المنع حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول : من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام وخفي ذلك عليهم قال بن العربي : وهذا كان شأنه معهم وهو أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة العاشرة قوله تعالى : ( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ) يعني أبا عامر الراهب وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر وأرسل إلى المنافقين وقال : استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة فبنوا مسجد الضرار وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة والإرصاد : الإنتظار تقول : أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به قال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر وقال بن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ومعناه ارتقبت وقوله تعالى : ( من قبل ) أي من قبل بناء مسجد الضرار ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة وهذا يدل على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات ولذلك قال : وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه < <

Bagian V08/P257

التوبة : ( 108 ) لا تقم فيه . . . . . > > < > ( التوبه 108 ) <

Bagian V08/P257–V08/P262

> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( لا تقم فيه أبدا ) يعني مسجد الضرار أي لا تقم فيه للصلاة وقد يعبر عن الصلاة بالقيام يقال : فلان يقوم الليل أي يصلي ومنه الحديث الصحيح : ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات الثانية قوله تعالى : أبدأ أبدا ظرف زمان وظرف الزمان على قسمين : ظرف مقدر كاليوم وظرف مبهم كالحين والوقت والأبد من هذا القسم وكذلك الدهر وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي أن أبدا وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم فلو قال : لا تقم لكفى في الانكفاف المطلق فإذا قال : أبدا فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم وقد فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا : لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة الثالثة قوله تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى ) أي بنيت جدره ورفعت قواعده والأس أصل البناء وكذلك الأساس والأسس مقصور منه وجمع الأس إساس مثل عس وعساس وجمع الأساس أسس مثل قذال وقذل وجمع الأسس آساس مثل سبب وأسباب وقد أسست البناء تأسيسا وقولهم : كان ذلك على أس الدهر وأس الدهر وإس الدهر ثلاث لغات أي على قدم الدهر ووجه الدهر واللام في قوله لمسجد لام قسم وقيل لام الابتداء كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلا وهي مقتضية تأكيدا أسس على التقوى نعت لمسجد ( أحق ) خبر الابتداء الذي هو لمسجد ومعنى التقوى هنا الخصال التي تتقي بها العقوبة وهي فعلى من وقيت وقد تقدم الرابعة واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى فقالت طائفة : هو مسجد قباء يروي عن بن عباس والضحاك والحسن وتعلقوا بقوله : من أول يوم ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قاله بن عمر وبن المسيب ومالك فيما رواه عنه بن وهب وأشهب وبن القاسم وروي الترمذي عن أبي سعيد الخدري : قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل هو مسجد قباء وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو مسجدي هذا ( قال حديث صحيح والقول الأول أليق بالقصة لقوله : فيه وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين فهو مسجد قباء والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال : كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية قال الشعبي : هم أهل مسجد قباء أنزل الله فيهم هذا وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء : ( إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون ( قالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء رواه أبو داود وروي الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين فقال : ( يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ( قالوا : يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فهل مع ذلك من غيره ( فقالوا : لا غير إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال : ( هو ذاك فعليكموه ( وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه وقد روي أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم الخامسة ( من أول يوم ) من عند النحويين مقابلة منذ فمنذ في الزمان بمنزلة من في المكان فقيل : إن معناها هنا معنى منذ والتقدير : منذ أول يوم ابتدئ بنيانه وقيل : المعنى من تأسيس أول الأيام فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس كما قال : لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر أي من مر حجج ومن مر دهر وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن من لا يجر بها الأزمان وإنما تجر الأزمان بمنذ تقول ما رأيته منذ شهر أو سنة أو يوم ولا تقول : من شهر ولا من سنة ولا من يوم فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن كما ذكرنا في تقدير البيت بن عطية ويحسن عندي أن يستغني في هذه الآية عن تقدير وأن تكون من تجر لفظة أول لأنها بمعنى البداءة كأنه قال : من مبتدأ الأيام السادسة قوله تعالى : ( أحق أن تقوم فيه ) أي بأن تقوم فهو في موضع نصب وأحق هو أفعل من الحق وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر فمسجد الضرار وإن كان باطلا لا حق فيه فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية لكن أحد الاعتقادين باطل باطنا عند الله والآخر حق باطنا وظاهرا ومثل هذا قوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا الفرقان ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير إذ كل حزب بما لديهم فرحون وليس هذا من قبيل : العسل أحلى من الخل فإن العسل وإن كان حلوا فكل شيء ملائم فهو حلو ألا ترى أن من الناس من يقدم الخل على العسل مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف السابعة قوله تعالى : ( فيه ) من قال : إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالهاء في أحق أن تقوم فيه عائد إليه وفيه رجال له أيضا ومن قال : إنه مسجد قباء فالضمير في فيه عائد إليه على الخلاف المتقدم الثامنة أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت : مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم قال : حديث صحيح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا بن العربي : وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء التاسعة اللازم من نجاسة المخرج التخفيف وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه وبه قال عامة العلماء وشذ بن حبيب فقال : لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء والأخبار الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده العاشرة واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال : الأول أنه واجب فرض ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك أو ساهيا روي عن بن عباس والحسن وبن سيرين وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ورواه بن وهب عن مالك وهو قول أبي الفرج المالكي والطبري إلا أن الطبري قال : إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة الدبر وقالت طائفة : إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان وجوب سنة وليس بفرض قالوا : ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ورواية بن وهب عنه وقال مالك في يسير الدم : لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده وتعاد من يسير البول والغائط ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث وقال بن القاسم عنه : تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان وهي من مفرداته والقول الأول أصح إن شاء الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ( الحديث خرجه البخاري ومسلم وحسبك وسيأتي في سورة سبحان قالوا : ولا يعذب الإنسان إلا على ترك واجب وهذا ظاهر وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أكثر عذاب القبر من البول ( احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى الحديث خرجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى قالوا : ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال والله أعلم الحادية عشرة قال القاضي أبو بكر بن العربي : وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياسا على المسربة ففاسد من وجهين أحدهما أن المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل هذا التقدير الثاني أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة والحاجة والرخص لا يقاس عليها لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه < <

Pertanyaan

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 54 · Qur'an & Sunnah