Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( ويصنع الفلك ) أي وطفق يصنع قال زيد بن أسلم : مكث نوح صلى الله عليه وسلم مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها ومائة سنة يعملها وروى بن القاسم عن بن أشرس عن مالك قال : بلغني أن قوم نوح ملئوا الأرض حتى ملئوا السهل والجبل فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة ثم جمعها ييبسها مائة عام وقومه يسخرون وذلك لما رأوه يصنع من ذلك حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان وروي عن عمرو بن الحارث قال : عمل نوح سفينته ببقاع دمشق وقطع خشبها من جبل لبنان وقال القاضي أبو بكر بن العربي : لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فاصنع الفلك قال : يا رب ما أنا بنجار قال : بلى فإن ذلك بعيني فأخذ القدوم فجعله بيده وجعلت يده لا تخطىء فجعلوا يمرون به ويقولون : هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا فعملها في أربعين سنة وحكى الثعلبي وأبو نصر القشيري عن بن عباس قال : اتخذ نوح السفينة في سنتين زاد الثعلبي : وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن اصنعها كجؤجؤ الطائر وقال كعب : بناها في ثلاثين سنة والله أعلم المهدوي : وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها واختلفوا في طولها وعرضها فعن بن عباس رضي الله عنهما كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون وسمكها ثلاثون ذراعا وكانت من خشب الساج وكذا قال الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلاثمائة ذراع والذراع إلى المنكب قاله سلمان الفارسي وقال الحسن البصري : إن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة ذراع وحكاه الثعلبي في كتاب العرائس وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن بن عباس قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب قال أتدرون ما هذا قالوا : الله ورسوله أعلم قال : هذا كعب حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال : قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب من رأسه وقد شاب فقال له عيسى : أهكذا هلكت قال : لا بل مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال : أخبرنا عن سفينة نوح قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات طبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير وذكر باقي الخبر على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وقال الكلبي فيما حكاه النقاش : ودخل الماء فيها أربعة أذرع وكان لها ثلاثة أبواب باب فيه السباع والطير وباب فيه الوحش وباب فيه الرجال والنساء بن عباس جعلها ثلاث بطون البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب والأوسط للطعام والشراب وركب هو في البطن الأعلى وحمل معه جسد آدم عليه السلام معترضا بين الرجال والنساء ثم دفنه بعد ببيت المقدس وكان إبليس معهم في الكوثل وقيل : جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح : لا أحملكما لأنكما سبب الضرر والبلاء فقالتا : احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين يخاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين لم تضراه ذكره القشيري وغيره وذكر الحافظ بن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة ( قوله تعالى : ( وكلما ) ظرف ( مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) قال الأخفش والكسائي يقال : سخرت به ومنه وفي سخريتهم منه قولان : أحدهما أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر فيسخرون به ويستهزئون ويقولون : يا نوح صرت بعد النبوة نجارا الثاني لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا : يانوح ماتصنع قال : أبني بيتا يمشي على الماء فعجبوا من قوله وسخروا منه قال بن عباس : ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه ومياه البحار هي بقية الطوفان ( قال إن تسخروا منا ) أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة ( فإنا نسخر منكم ) غدا عند الغرق والمراد بالسخرية هنا الاستجهال ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا قوله تعالى : ( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) تهديد ومن متصلة ب سوف تعلمون وتعلمون هنا من باب التعدية إلى مفعول أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب ويجوز أن تكون من استفهامية أي أينا يأتيه العذاب وقيل من في موضع رفع بالابتداء ويأتيه الخبر ويخزيه صفة ل عذاب وحكى الكسائي : أن أناسا من أهل الحجاز يقولون : سو تعلمون وقال من قال : ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا وحكى الكوفيون : سوف تعلمون ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى ( ويحل عليه ) أي يجب عليه وينزل به ( عذاب مقيم ) أي دائم يريد عذاب الآخرة قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) اختلف في التنور على أقوال سبعة : الأول أنه وجه الأرض والعرب تسمى وجه الأرض تنورا قاله بن عباس وعكرمة والزهري وبن عيينة وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك الثاني أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه وكان تنورا من حجارة وكان لحواء حتى صار لنوح فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك وأنبع الله الماء من التنور فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور فقال : جاء وعد ربي حقا هذا قول الحسن وقاله مجاهد وعطية عن بن عباس الثالث أنه موضع اجتماع الماء في السفينة عن الحسن أيضا الرابع أنه طلوع الفجر ونور الصبح من قولهم : نور الفجر تنويرا قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخامس أنه مسجد الكوفة قاله علي بن أبي طالب أيضا وقاله مجاهد قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة وكان فوران الماء منه علما لنوح ودليلا على هلاك قومه قال الشاعر وهو أمية : فار تنورهم وجاش بماء صار فوق الجبال حتى علاها السادس أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة منها قاله قتادة السابع أنه العين التي بالجزيرة عين الوردة رواه عكرمة وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم وإنما كان بالشام بموضع يقال له : عين وردة وقال بن عباس أيضا : فار تنور آدم بالهند قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض قال : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا القمر فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة والفوران الغليان والتنور اسم أعجمي عربته العرب وهو على بناء فعل لأن أصل بنائه تنر وليس في كلام العرب نون قبل راء وقيل : معنى فار التنور التمثيل لحضور العذاب كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب والوطيس التنور ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم قال شاعرهم : تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور قوله تعالى : ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) يعني ذكرا وأنثى لبقاء أصل النسل بعد الطوفان وقرأ حفص : من كل زوجين اثنين بتنوين كل أي من كل شيء زوجين والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء معه آخر لا يستغنى عنه ويقال للاثنين : هما زوجان في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه فإن العرب تسمى كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان وكذلك عنده زوجا حمام وعليه زوجا قيود قال الله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى النجم ويقال للمرأة هي زوج الرجل وللرجل هو زوجها وقد يقال للاثنين هما زوج وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين والصنفين وكل ضرب يدعى زوجا قال الله تعالى : وأنبتت من كل زوج بهيج أي من كل لون وصنف وقال الأعشى : وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبو بذاك معا أراد كل ضرب ولون ومن كل زوجين في موضع نصب ب احمل اثنين تأكيد ( وأهلك ) أي واحمل أهلك ( إلا من سبق ) من في موضع نصب بالاستثناء ( عليه القول ) منهم أي بالهلاك وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين ( ومن آمن ) قال الضحاك وبن جريج : أي احمل من آمن بي أي من صدقك ف من في موضع نصب ب احمل ( وما آمن معه إلا قليل ) قال بن عباس رضي الله عنهما : آمن من قومه ثمانون إنسانا منهم ثلاثة من بنيه سام وحام ويافث وثلاث كنائن له ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس نوح وزوجته غير التي عوقبت وبنوه الثلاثة وزوجاتهم وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وبن جريج ومحمد بن كعب فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث وقال الأعمش : كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين وأسقط امرأة نوح وقال بن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا وقليل رفع بآمن ولا يجوز نصبه على الاستثناء لأن الكلام قبله لم يتم إلا أن الفائدة في دخول إلا وما لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن فإذا جئت بما وإلا أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم < <
هود : ( 41 ) وقال اركبوا فيها . . . . . > > < > ( هود 41 : 44 ) <
> قوله تعالى : ( وقال اركبوا فيها ) أمر بالركوب ويحتمل أن يكون من الله تعالى ويحتمل أن يكون من نوح لقومه والركوب العلو على ظهر الشيء ويقال : ركبه الدين وفي الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة وقيل : المعنى اركبوها وفي للتأكيد كقوله تعالى : إن كنتم للرؤيا تعبرون وفائدة في أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها قال عكرمة : ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم فذلك ستة أشهر وقاله قتادة وزاد وهو يوم عاشوراء فقال لمن كان معه : من كان صائما فليتم صومه ومن لم يكن صائما فليصمه وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب وصام الشهر أجمع وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء ففيه أرست على الجودي فصامه نوح ومن معه وذكر الطبري عن بن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي فاستوت عليه قوله تعالى : ( بسم الله مجريها ومرساها ) قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء ويجوز أن تكون في موضع نصب ويكون التقدير : بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت وأقيم مجراها مقامه وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : بسم الله مجريها بفتح الميم ومرساها بضم الميم وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب بسم الله مجراها ومرساها بفتح الميم فيهما على المصدر من جرت تجري جريا ومجرى ورست رسوا ومرسى إذا ثبتت وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي : بسم الله مجريها ومرسيها نعت لله عز وجل في موضع جر ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها ويجوز النصب على الحال وقال الضحاك : كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مجراها جرت وإذا قال بسم الله مرساها رست وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ( وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل كما بيناه في البسملة والحمد لله ( ) أي لأهل السفينة وروي عن بن عباس قال : لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فقال نوح : لو غمزت ذنب هذا الخنزير ففعل فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة فأوحى الله إلى نوح أن امسح جبهة الأسد فمسحها فخرج منها سنوران فأكلا الفئرة ولما حمل الأسد في السفينة قال : يا رب من أين أطعمه قال : سوف أشغله فأخذته الحمى فهو الدهر محموم قال بن عباس : وأول ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزة وآخر ما حمل حمل الحمار قال : وتعلق إبليس بذنبه ويداه قد دخلتا في السفينة ورجلاه خارجة بعد فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل فصاح به نوح : ادخل ويلك فجعل يضطرب فقال : ادخل ويلك وإن كان معك الشيطان كلمة زلت على لسانه فدخل ووثب الشيطان فدخل ثم إن نوحا رآه يغني في السفينة فقال له : يا لعين ما أدخلك بيتي قال : أنت أذنت لي فذكر له فقال له : قم فاخرج قال : مالك بد في أن تحملني معك فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان واحدة مكان الشمس والأخرى مكان القمر بن عباس : إحداهما بيضاء كبياض النهار والأخرى سوداء كسواد الليل فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر الساعات قوله تعالى : ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) الموج جمع موجة وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح والكاف للتشبيه وهي في موضع خفض نعت للموج وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعا ( ونادى نوح ابنه ) قيل : كان كافرا واسمه كنعان وقيل : يام ويجوز على قول سيبويه : ونادى نوح ابنه بحذف الواو من ابنه في اللفظ وأنشد : له زجل كأنه صوت حاد فأما ونادى نوح ابنه وكان فقراءة شاذة وهي مروية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعروة بن الزبير وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد ابنها فحذف الألف كما تقول : ابنه فتحذف الواو وقال النحاس : وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها والواو ثقيلة يجوز حذفها ( وكان في معزل ) أي من دين أبيه وقيل : عن السفينة وقيل : إن نوحا لم يعلم أن ابنه كان كافرا وأنه ظن أنه مؤمن ولذلك قال له : ( ولا تكن مع الكافرين ) وسيأتي وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق وقبل رؤية اليأس بل كان في أول ما فار التنور وظهرت العلامة لنوح وقرأ عاصم : يابني اركب معنا بفتح الياء والباقون بكسرها وأصل يابني أن تكون بثلاث ياءات ياء التصغير وياء الفعل وياء الإضافة فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة وحذفت ياء الإضافة لوقوعها موقع التنوين أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع هذا أصل قراءة من كسر الياء وهو أيضا أصل قراءة من فتح لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف أو لسكونها وسكون الراء قال النحاس : أما قراءة عاصم فمشكلة قال أبو حاتم : يريد يا بنياه ثم يحذف قال النحاس : رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز لأن الألف خفيفة قال أبو جعفر النحاس : ما علمت أن أحدا من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق فإنه زعم أن الفتح من جهتين والكسر من جهتين فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا قال الله عز وجل إخبارا : ياويلتا وكما قال الشاعر : فيا عجبا من رحلها المتحمل فيريد يا بنيا ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين كما تقول : جاءني عبدا الله في التثنية والجهة الأخرى أن تحذف الألف لأن النداء موضع حذف والكسر على أن تحذف الياء للنداء والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين قوله تعالى : ( قال سآوي ) أي أرجع وأنضم ( إلى جبل يعصمني ) أي يمنعني ( من الماء ) فلا أغرق ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله ) أي لامانع فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار وانتصب عاصم على التبرئة ويجوز لا عاصم اليوم تكون لا بمعنى ليس ( إلا من رحم ) في موضع نصب استثناء ليس من الأول أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه قاله الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع على أن عاصما بمعنى معصوم مثل : ماء دافق الطارق أي مدفوق فالاستثناء على هذا متصل قال الشاعر بطيء القيام رخيم الكلا م أمسى فؤادي به فاتنا أي مفتونا وقال آخر : دع المكارم لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي المطعوم المكسو قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون من في موضع رفع بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم أي إلا الله وهذا اختيار الطبري ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه ولا إلا بمعنى لكن ( وحال بينهما الموج ) يعني بين نوح وابنه ( فكان من المغرقين ) قيل : إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه وأعجب بها فلما رأى الماء جاء قال : يا أبت فار التنور فقال له أبوه : يا بني اركب معنا فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه وحيل بينه وبين نوح فغرق وقيل : إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء فلما فار التنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك وقيل : إن الجبل الذي آوى إليه طور سيناء قوله تعالى : ( وقيل ياأرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي ) هذا مجاز لأنها موات وقيل : جعل فيها ما تميز به والذي قال إنه مجاز قال : لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها وبلاغة رصفها واشتمال المعاني فيها وفي الأثر : إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك وذلك قوله تعالى : إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية الحاقة فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك وأمر الله الأرض بالابتلاع يقال : بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء قال بن العربي : التقى الماءان على أمر قد قدر ما كان في الأرض وما نزل من السماء فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع فلم تمتص الأرض منه قطرة وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط وذلك قوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقيل : ميز الله بين الماءين فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته وصار ماء السماء بحارا قوله تعالى : ( وغيض الماء ) أي نقص يقال : غاض الشيء وغضته أنا كما يقال : نقص بنفسه ونقصه غيره ويجوز غيض بضم الغين ( وقضيالأمر ) أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام ويقال : إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يكن فيمن هلك صغير والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان كما هلكت الطير والسباع ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير بل ماتوا بآجالهم وحكى أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها الماء استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي قوله تعالى : ( واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) أي هلاكا لهم الجودي جبل بقرب الموصل استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه شكرا لله تعالى وقد تقدم هذا المعنى وقيل : كان ذلك يوم الجمعة وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت وبقى الجودي لم يتطاول تواضعا لله فاستوت السفينة عليه : وبقيت عليه أعوادها وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ( وقال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا وتطامن الجودى وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ورست السفينة عليه وقد قيل : إن الجودي اسم لكل جبل ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد ويقال : إن الجودي من جبال الجنة فلهذا استوت عليه ويقال : أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر : الجودي بنوح وطور سيناء بموسى وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مسألة : لما تواضع الجودي وخضع عز ولما ارتفع غيره واستعلى ذل وهذه سنة الله في خلقه يرفع من تخشع ويضع من ترفع ولقد أحسن القائل : وإذا تذللت الرقاب تخشعا منا إليك فعزها في ذلها وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال : كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا : سبقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ( وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مانقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أوحي إلى أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ( خرجه البخاري مسألة : نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة ذكر الحافظ بن عساكر في التاريخ له عن الحسن : أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فذلك قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وكان قد كثرت فيهم المعاصي وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا سرا وعلانية وكان صبورا حليما ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيذا ويضربونه في المجالس ويطرد وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه فذلك قوله تعالى : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم نوح وقال مجاهد وعبيد بن عمير : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وقال بن عباس : إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال : يا أبت أمكني من العصا فأمكنه فأخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض فوضعه فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة موضحة في رأسه وسالت الدماء فقال نوح : رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن قال : وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون أي لا تحزن عليهم واصنع الفلك بأعيننا ووحينا قال : يا رب وأين الخشب قال : اغرس الشجر قال : فغرس الساج عشرين سنة وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء وكانوا يسخرون منه فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها : فقال : يا رب كيف أتخذ هذا البيت قال : اجعله على ثلاثة صور رأسه كرأس الديك وجؤجؤه كجؤجؤ الطير وذنبه كذنب الديك واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها وشدها بدسر يعني مسامير الحديد وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة وجعلت يده لا تخطئ قال بن عباس : كانت دار نوح عليه السلام دمشق وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأول وجعل الوحش والطير في الباب الثاني وأطبق عليهما وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب قال الزهري : إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين من السباع والطير والوحش والبهائم وقال جعفر بن محمد : بعث الله جبريل فحشرهم فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة وقال زيد بن ثابت : استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها بيده في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبدا حياؤها ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها قال إسحاق : أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحا حمل أهل السفينة وجعل فيها من كل زوجين اثنين وحمل من الهدهد زوجين فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكانا فلم يجد طينا ولا ترابا فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبرا فدفنها فيه فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر فلذلك نتأت أقفية الهداهد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة ( وذكر صاحب كتاب العروس وغيره : أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الدجاج : أنا فأخذها وختم على جناحها وقال لها : أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا أنت ينتفع بك أمتي فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه ولذلك يقتل في الحل والحرم ودعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على شجرة بأرض سيناء فحملت ورقة زيتونة ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت : بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي والخضاب في رجلي وأسكن الحرم فمسح يده على عنقها وطوقها ووهب لها الحمرة في رجليها ودعا لها ولذريتها بالبركة وذكر الثعلبي أنه بعث بعد الغراب التدرج وكان من جنس الدجاج وقال : إياك أن تعتذر فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع وأخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة < <
هود : ( 45 ) ونادى نوح ربه . . . . . > > < > ( هود 45 : 47 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ونادى نوح ربه ) أي دعاه ( فقال رب إن ابني من أهلي ) أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق ففي الكلام حذف ( وإن وعدك الحق ) يعني الصدق وقال علماؤنا : وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله : وأهلك وترك قوله : إلا من سبق عليه القول فلما كان عنده من أهله قال : رب إن ابني من أهلي يدل على ذلك قوله : ولاتكن مع الكافرين أي لا تكن ممن لست منهم لأنه كان عنده مؤمنا في ظنه ولم يك نوح يقول لربه : إن ابني من أهلي إلا وذلك عنده كذلك إذ محال أن يسأل هلاك الكفار ثم يسأل في إنجاء بعضهم وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان فأخبر الله تعالى نوحا بما هو منفرد به من علم الغيوب أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت وقال الحسن : كان منافقا ولذلك استحل نوح أن يناديه وعنه أيضا : كان بن امرأته دليله قراءة علي ونادى نوح ابنها ( وأنت أحكم الحاكمين ) ابتداء وخبر أي حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالغرق الثانية قوله تعالى : ( قال يانوح إنه ليس من أهلك ) أي ليس من أهلك الذين وعدتهم أن أنجيهم قاله سعيد بن جبير وقال الجمهور : ليس من أهل دينك ولا ولايتك فهو على حذف مضاف وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب ( إنه عمل غير صالح ) قرأ بن عباس وعروة وعكرمة ويعقوب والكسائي إنه عمل غير صالح أي من الكفر والتكذيب واختاره أبو عبيد وقرأ الباقون عمل أي ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف قاله الزجاج وغيره قال : ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وإدبار وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد ويجوز أن تكون الهاء للسؤال أي إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح قاله قتادة وقال الحسن : معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه وكان لغير رشدة وقاله أيضا مجاهد قال قتادة سألت الحسن عنه فقال : والله ما كان ابنه قلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال : إن ابني من أهلي فقال : لم يقل مني وهذه إشارة إلى أنه كان بن امرأته من زوج آخر فقلت له : إن الله حكى عنه أنه قال : إن ابني من أهلي ونادى نوح ابنه ولا يختلف أهل الكتابين أنه ابنه فقال الحسن : ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب إنهم يكذبون وقرأ : فخانتاهما التحريم وقال بن جريج : ناداه وهو يحسب أنه ابنه وكان ولد على فراشه وكانت امرأته خانته فيه ولهذا قال : فخانتاهما وقال بن عباس : ما بغت امرأة نبي قط وأنه كان ابنه لصلبه وكذلك قال الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم وأنه كان ابنه لصلبه وقيل لسعيد بن جبير يقول نوح : إن ابني من أهلي أكان من أهله أكان ابنه فسبح الله طويلا ثم قال : لا إله إلا الله يحدث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه وتقول إنه ليس ابنه نعم كان ابنه ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين ولهذا قال الله تعالى : إنه ليس من أهلك وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به وإن قوله : إنه ليس من أهلك ليس مما ينفي عنه أنه ابنه وقوله : فخانتاهما التحريم يعني في الدين لا في الفراش وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون وذلك أنها قالت له : أما ينصرك ربك فقال لها : نعم قالت : فمتى قال : إذا فار التنور فخرجت تقول لقومها : يا قوم والله إنه لمجنون يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور فهذه خيانتها وخيانة الأخرى أنها كانت تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله والله أعلم وقيل : الولد قد يسمى عملا كما يسمى كسبا كما في الخبر ( أولادكم من كسبكم ( ذكره القشيري الثالثة في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين وروي أن بن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه قال فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك : الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا ومن أهل البيت فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه ومن تضمنه منزله وهو في عياله وقال تعالى في آية أخرى : ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم فسمى جميع من ضمه منزله من أهله الرابعة ودلت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما : أن الولد للفراش ولذلك قال نوح ما قال آخذا بظاهر الفراش وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول : نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل بن نوح عليه السلام ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ( يريد الخيبة وقيل : الرجم بالحجارة وقرأ عروة بن الزبير ونادى نوح ابنها يريد بن امرأته وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه وعن علي رضي الله عنه وهي حجة للحسن ومجاهد إلا أنها قراءة شاذة فلا نترك المتفق عليها لها والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) أي أنهاك عن هذا السؤال وأحذرك لئلا تكون أو كراهية أن تكون من الجاهلين أي الآثمين ومنه قوله تعالى : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا النور أي يحذركم الله وينهاكم وقيل : المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين قال بن العربي : وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين ف ( قال ) نوح : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ماليس لي به علم ) الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام فشكر الله تذلله وتواضعه ( وإلا تغفر لي ) مافرط من السؤال ( وترحمني ) أي بالتوبة ( أكن من الخاسرين ) أي أعمالا فقال : يا نوح اهبط بسلام منا < <
هود : ( 48 ) قيل يا نوح . . . . . > > < > ( هود 48 ) < > قوله تعالى : ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا ) أي قالت له الملائكة أو قال الله تعالى له : اهبط من السفينة إلى الأرض أو من الجبل إلى الأرض فقد ابتلعت الماء وجفت بسلام منا أي بسلامة وأمن وقيل : بتحية ( وبركات عليك ) أي نعم ثابتة مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته ومنه البركة لثبوت الماء فيها وقال بن عباس رضي الله عنهما : نوح آدم الأصغر فجميع الخلائق الآن من نسله ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته على قول قتادة وغيره حسب ما تقدم وفي التنزيل وجعلنا ذريته هم الباقين ( وعلى أمم ممن معك ) قيل : دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة ودخل في قوله : ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) كل كافر إلى يوم القيامة روي ذلك عن محمد بن كعب والتقدير على هذا : وعلى ذرية أمم ممن معك وذرية أمم سنمتعهم وقيل : من للتبعيض وتكون لبيان الجنس وأمم سنمتعهم ارتفع وأمم على معنى وتكون أمم قال الأخفش سعيد كما تقول : كلمت زيدا وعمرو جالس وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما وتقديره : ونمتع أمما وأعيدت على مع أمم لأنه معطوف على الكاف من عليك وهي ضمير المجرور ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره وقد تقدم في النساء بيان هذا مستوفى في قوله تعالى : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام بالخفض والباء في قوله : بسلام متعلقة بمحذوف لأنها في موضع الحال أي اهبط مسلما عليك ومنا في موضع جر متعلق بمحذوف لأنه نعت للبركات وعلى أمم متعلق بما تعلق به عليك لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف ومن في قوله : ممن معك متعلق بمحذوف لأنه في موضع جر نعت للأمم ومعك متعلق بفعل محذوف لأنه صلة لمن أي ممن استقر معك أو آمن معك أو ركب معك < < هود : ( 49 ) تلك من أنباء . . . . . > > < > ( هود 49 ) < > قوله تعالى : ( تلك من أنباء الغيب ) أي تلك الأنباء وفي موضع آخر ذلك أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك ( نوحيها إليك ) أي لتقف عليها ( ماكنت تعلمها أنت ولا قومك ) أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان والمجوس الآن ينكرونه ( من قبل هذا ) خبر أي مجهولة عندك وعند قومك ( فاصبر ) على مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح وقيل : أراد جهلهم بقصة بن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان فإنه على الجملة فاصبر أي اصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من أذى العرب الكفار كما صبر نوح على أذى قومه ( إن العاقبة ) في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز ( للمتقين ) عن الشرك والمعاصي < < هود : ( 50 ) وإلى عاد أخاهم . . . . . > > < > ( هود 50 : 60 ) <
> قوله تعالى : ( وإلى عاد أخاهم هودا ) أي وأرسلنا فهو معطوف على أرسلنا نوحا وقيل له أخوهم لأنه منهم وكانت القبيلة تجمعهم كما تقول : يا أخا تميم وقيل : إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم وقد تقدم هذا في الأعراف وكانوا عبدة الأوثان وقيل : هم عادان عاد الأولى وعاد الأخرى فهؤلاء هم الأولى وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى : إرم ذات العماد الفجر وعاد اسم رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه ( قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) بالخفض على اللفظ وغيره بالرفع على الموضع وغيره بالنصب على الاستثناء ( إن أنتم إلا مفترون ) أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز قوله تعالى : ( يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني ) تقدم معناه والفطرة ابتداء الخلق ( أفلا تعقلون ) ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل قوله تعالى : ( وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) تقدم في أول السورة ( يرسل السماء ) جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة ( عليكم مدرارا ) نصب على الحال وفيه معنى التكثير أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل وقد جاء ها هنا من فعل لأنه من درت السماء تدر وتدر فهي مدرار وكان قوم هود أعني عادا أهل بساتين وزروع وعمارة وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدم في الأعراف ( ويزدكم ) عطف على يرسل ( قوة إلى قوتكم ) قال مجاهد : شدة على شدتكم الضحاك : خصبا إلى خصبكم علي بن عيسى : عزا على عزكم عكرمة : ولدا إلى ولدكم وقيل : إن الله حبس عنهم المطر وأعقم الأرحام ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد فقال لهم هود : إن آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد فتلك القوة وقال الزجاج : المعنى يزدكم قوة في النعم ( ولا تتولوا مجرمين ) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه وتقيموا على الكفر قوله تعالى : ( قالوا يا هود ما جئتنا ببينة ) أي حجة واضحة ( ومانحن لك بمؤمنين ) إصرارا منهم على الكفر قوله تعالى : ( إن نقول إلا اعتراك ) أي أصابك ( بعض آلهتنا ) أي أصنامنا ( بسوء ) أي بجنون لسبك إياها عن بن عباس وغيره يقال : عراه الأمر واعتراه إذا ألم به ومنه وأطعموا القانع والمعتر ( قال إني أشهد الله ) أي على نفسي ( واشهدوا ) أي وأشهدكم لا أنهم كانوا أهل شهادة ولكنه نهاية للتقرير أي لتعرفوا ( أني بريء مما تشركون ) أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها ( فكيدوني جميعا ) أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري ( ثم لا تنظرون ) أي تؤخرون وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى وهو من أعلام النبوة أن يكون الرسول وحده يقول لقومه : فكيدوني جميعا وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش وقال نوح صلى الله عليه وسلم : فأجمعوا أمركم وشركاءكم الآية قوله تعالى : ( إني توكلت على الله ربي وربكم ) أي رضيت بحكمه ووثقت بنصره ( مامن دابة ) أي نفس تدب على الأرض وهو في موضع رفع بالابتداء ( إلا هو آخذ بناصيتها ) أي يصرفها كيف يشاء ويمنعها مما يشاء أي فلا تصلون إلى ضري وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة والهاء للمبالغة وقال الفراء : مالكها والقادر عليها وقال القتبي : قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته وقال الضحاك : يحييها ثم يميتها والمعنى متقارب والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته قال بن جريج : إنما خص الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع فيقولون ما ناصية فلان إلا بيد فلان أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم وقال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول قوله تعالى : مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد ثم نظر إليها ثم خلق خلقه وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور آخذ بنواصيهم يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ( ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه فسمى ذلك الموضع منه ناصية لأنها تنص حركات العباد بما قدر فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال : ناصية كاذبة خاطئة العلق يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ والله أعلم ( إن ربي على صراط مستقيم ) قال النحاس : الصراط في اللغة المنهاج الواضح والمعنى أن الله جل ثناوه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق وقيل : معناه لا خلل في تدبيره ولا تفاوت في خلقه سبحانه قوله تعالى : ( فإن تولوا ) في موضع جزم فلذلك حذفت منه النون والأصل تتولوا فحذفت التاء لاجتماع تاءين ( فقد أبلغتكم ماأرسلت به إليكم ) بمعنى قد بينت لكم ( ويستخلف ربي قوما غيركم ) أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه ويستخلف مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله : فقد أبلغتكم وروي عن حفص عن عاصم ويستخلف بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها مثل : ويذرهم في طغيانهم يعمهون قوله تعالى : ( ولا تضرونه شيئا ) أي بتوليكم وإعراضكم ( إن ربي على كل شيء حفيظ ) أي لكل شيء حافظ على بمعنى اللام فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء قوله تعالى : ( ولما جاء أمرنا ) أي عذابنا بهلاك عاد ( نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ) لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى وإن كانت له أعمال صالحة وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لن ينجي أحدا منكم عمله ( قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ( وقيل : معنى برحمة منا بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة وكانوا أربعة آلاف وقيل : ثلاثة آلاف ( ونجيناهم من عذاب غليظ ) أي عذاب يوم القيامة وقيل : هو الريح العقيم كما ذكر الله في الذاريات وغيرها وسيأتي قال القشيري أبو نصر : والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه نعم لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به قوله تعالى : ( وتلك عاد ) ابتداء وخبر وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف عادا فيجعله اسما للقبيلة ( جحدوا بآيات ربهم ) أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها ( وعصوا رسله ) يعني هودا وحده لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه ونظيره قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات المومنون يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه لم يكن في عصره رسول سواه وإنما جمع ها هنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل وقيل : عصوا هودا والرسل قبله وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل ( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) أي اتبع سقاطهم رؤساءهم والجبار المتكبر والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له قال أبو عبيد : العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند وقال الراجز : إني كبير لا أطيق العندا قوله تعالى : ( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ) أي ألحقوها ( ويوم القيامة ) أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك فالتمام على قوله : ويوم القيامة ( ألا إن عادا كفروا ربهم ) قال الفراء : أي كفروا نعمة ربهم قال : ويقال كفرته وكفرت به مثل شكرته وشكرت له ( ) أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله والبعد الهلاك والبعد التباعد من الخير يقال : بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد وبعد يبعد بعدا إذا هلك قال : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر وقال النابغة : فلا تبعدن إن المنية منهل وكل امرئ يوما به الحال زائل < <
هود : ( 61 ) وإلى ثمود أخاهم . . . . . > > < > ( هود 61 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإلى ثمود ) أي أرسلنا إلى ثمود ( أخاهم ) أي في النسب ( صالحا ) وقرأ يحيى بن وثاب وإلى ثمود بالتنوين في كل القرآن وكذلك روي عن الحسن واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف إذ كان الأغلب عليه التأنيث قال النحاس : الذي قال أبو عبيدة رحمه الله من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود لأن ثمودا يقال له حي ويقال له قبيلة وليس الغالب عليه القبيلة بل الأمر على ضد ما قال عند سيبويه والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف نحو قريش وثقيف وما أشبههما وكذلك ثمود والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى والتأنيث جيد بالغ حسن وأنشد سيبويه في التأنيث : غلب المساميح الوليد سماحة وكفى قريش المعضلات وسادها الثانية قوله تعالى : ( قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) تقدم ( هو أنشأكم من الأرض ) أي ابتدأ خلقكم من الأرض وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدم في البقرة والأنعام وهم منه وقيل : أنشأكم في الأرض ولا يجوز إدغام الهاء من غيره في الهاء من هو إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج ( واستعمركم فيها ) أي جعلكم عمارها وسكانها قال مجاهد : ومعنى استعمركم أعمركم من قوله : أعمر فلان فلانا داره فهي له عمري وقال قتادة : أسكنكم فيها وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى أفعل مثل استجاب بمعنى أجاب وقال الضحاك : أطال أعماركم وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف بن عباس : أعاشكم فيها زيد بن أسلم : أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن وغرس أشجار وقيل : المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها الثالثة قال بن العربي قال بعض علماء الشافعية : الاستعمار طلب العمارة والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب قال القاضي أبو بكر : تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان : منها استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله : استحملته أي طلبت منه حملانا وبمعنى اعتقد كقولهم : استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا أو وجدته سهلا واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته ومنه استفعلت بمعنى أصبت كقولهم : استجدته أي أصبته جيدا : ومنها بمعنى فعل كقوله : قر في المكان واستقر وقالوا وقوله : يستهزئون ويستسخرون منه فقوله تعالى : استعمركم فيها خلقكم لعمارتها لا على معنى استجدته واستسهلته أي أصبته جيدا وسهلا وهذا يستحيل في الخالق فيرجع إلى أنه خلق لأنه الفائدة وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازا ولا يصح أن يقال : إنه طلب من الله تعالى لعمارتها فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه أما أنه يصح أن يقال : أنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمرا وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى رغبة قلت : لم يذكر استفعل بمعنى أفعل مثل قوله : استوقد بمعنى أوقد وقد ذكرناه وهي : الرابعة ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في البقرة في السكنى والرقبى وأما العمرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : أحدها أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة عمره فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد وهو مشهور مذهب مالك وأحد أقوال الشافعي وقد تقدم في البقرة حجة هذا القول الثاني أنها تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وبن شبرمة وأبي عبيد قالوا : من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته وبعد وفاته لورثته لأنه قد ملك رقبتها وشرط المعطي الحياة والعمر باطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العمرى جائزة ( و ( العمرى لمن وهبت له ( الثالث إن قال عمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأول : وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمة بن عبد الرحمن وبن أبي ذئب وقد روي عن مالك وهو ظاهر قوله في الموطأ والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر إذا انقرض عقب المعمر إن كان المعمر حيا وإلا فإلى من كان حيا من ورثته وأولى الناس بميراثه ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء وإنما يملك بلفظ العمرى المنفعة دون الرقبة وقد قال مالك في الحبس أيضا : إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه وكذلك العمرى قياسا وهو ظاهر الموطأ وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ( وعنه قال : إن العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : هي لك ولعقبك فأما إذا قال : هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها قال معمر : وبذلك كان الزهري يفتي قلت : معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني لأن الله سبحانه قال : واستعمركم بمعنى أعمركم فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن وبالعكس الرجل الفاجر فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا وقد يقال : إن الثناء الحسن يجري مجرى العقب وفي التنزيل : واجعل لي لسان صدق في الآخرين الشعراء أي ثناء حسنا وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم قال : وجعلنا ذريته هم الباقين وقال : وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين الخامسة قوله تعالى : ( فاستغفروه ) أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام ( ثم توبوا إليه ) أي ارجعوا إلى عبادته ( إن ربي قريب مجيب ) أي قريب الإجابة لمن دعاه وقد مضى في البقرة عند قوله : فإني قريب أجيب دعوة الداعي القول فيه < <
هود : ( 62 ) قالوا يا صالح . . . . . > > < > ( هود 62 : 68 ) <
> قوله تعالى : ( قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل ذلك ) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا أي قبل دعوتك النبوة وقيل : كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما دعاهم إلى الله قالوا : انقطع رجاؤنا منك ( أتنهانا ) استفهام معناهالإنكار ( أن نعبد ) أي عن أن نعبد ( مايعبد آباؤنا ) فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر ( وإننا لفي شك ) وفي سورة إبراهيم وإنا والأصل وإننا فاستثقل ثلاث نونات فأسقط الثالثة ( مما تدعونا ) الخطاب لصالح وفي سورة إبراهيم تدعوننا لأن الخطاب للرسل صلوات الله وسلامه عليهم ( إليه مريب ) من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة قال الهذلي : كنت إذا أتوته من غيب يشم عطفي ويبز ثوبي كأنما أربته بريب قوله تعالى : ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منهرحمة ) تقدم معناه في قول نوح ( فمن ينصرني من الله إن عصيته ) استفهام معناه النفي أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد ( فما تزيدونني غير تخسير ) أي تضليل وإبعاد من الخير قاله الفراء والتخسير لهم لا له صلى الله عليه وسلم كأنه قال : غير تخسير لكم لا لي وقيل : المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم عن بن عباس قوله تعالى : ( وياقوم هذه ناقة الله ) ابتداء وخبر ( لكم آية ) نصب على الحال والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في هذه وإنما قيل : ناقة الله لأنه أخرجها لهم من جبل على ما طلبوا على أنهم يؤمنون وقيل : أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة فلما خرجت الناقة على ما طلبوا قال لهم نبي الله صالح : هذه ناقة الله لكم آية ( فذروها تأكل ) أمر وجوابه وحذفت النون من فذروها لأنه أمر ولا يقال : وذر ولا واذر إلا شاذا وللنحويين فيه قولان قال سيبويه : استغنوا عنه بترك وقال غيره : لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فعل بمعناه لا واو فيه ألغوه قال أبو إسحاق الزجاج : ويجوز رفع تأكل على الحال والاستئناف ( ولا تمسوها ) جزم بالنهي ( بسوء ) قال الفراء : بعقر ( فيأخذكم ) جواب النهي ( عذاب قريب ) أي قريب من عقرها قوله تعالى : ( فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( فعقروها ) إنما عقرها بعضهم وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين وقد تقدم الكلام في عقرها في الأعراف ويأتي أيضا ( فقال تمتعوا ) أي قال لهم صالح تمتعوا أي بنعم الله عز وجل قبل العذاب ( في داركم ) أي في بلدكم ولو أراد المنزل لقال في دوركم وقيل : أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه كقوله : يخرجكم طفلا أي كل واحد طفلا وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميت لا يتلذذ ولا يتمتع بشيء فعقرت يوم الأربعاء فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد وإنما أقاموا ثلاثة أيام لأن الفصيل رغا ثلاثا على ما تقدم في الأعراف فاصفرت ألوانهم في اليوم الأول ثم احمرت في الثاني ثم اسودت في الثالث وهلكوا في الرابع وقد تقدم في الأعراف الثانية استدل علماؤنا بإرجاء الله العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر لأن الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة وقد تقدم في النساء ما للعلماء في هذا قوله تعالى : ( ذلك وعد غير مكذوب ) وقيل : غير مكذوب فيه قوله تعالى : ( فلما جاء أمرنا ) أي عذابنا ( نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ) تقدم ( ومن خزي يومئذ ) أي ونجيناهم من خزي يومئذ أي من فضيحته وذلته وقيل : الواو زائدة أي نجيناهم من خزي يومئذ ولا يجوز زيادتها عند سيبويه وأهل البصرة وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع لما وحتى لا غير وقرأ نافع والكسائي يومئذ بالنصب الباقون بالكسر على إضافة يوم إلى إذ وقال أبو حاتم : حدثنا أبو زيد عن أبي عمرو أنه قرأ ومن خزي يومئذ أدغم الياء في الياء وأضاف وكسر الميم في يومئذ قال النحاس : الذي يرويه النحويون مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا الإخفاء فأما الإدغام فلا يجوز لأنه يلتقي ساكنان ولا يجوز كسر الزاي قوله تعالى : ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا وذكر لأن الصيحة والصياح واحد قيل : صيحة جبريل وقيل : صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم وماتوا وقال هنا : وأخذ الذين ظلموا الصيحة وقال في الأعراف فأخذتهم الرجفة وقد تقدم بيانه هناك وفي التفسير : أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة قالوا : فما نصنع فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم وكانوا فيما يقال اثني عشر ألف قبيلة في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل فوقفوا على الطرق والفجاج زعموا يلاقون العذاب فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش ومات كل ما كان معهم من البهائم وجعل الماء يتفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدة حره فما زالوا كذلك وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس فصيح بهم فأهلكوا ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) أي ساقطين على وجوههم قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت ( ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ) تقدم معناه < <
هود : ( 69 ) ولقد جاءت رسلنا . . . . . > > < > ( هود 69 : 71 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) هذه قصة لوط عليه السلام وهو بن عم إبراهيم عليه السلام لحا وكانت قرى لوط بنوا حي الشام وإبراهيم ببلاد فلسطين فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده وكان كل من نزل عنده يحسن قراه وكانوا مروا ببشارة إبراهيم فظنهم أضيافا وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام قاله بن عباس الضحاك : كانوا تسعة السدي : أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه ذوو وضاءة وجمال بارع بالبشرى قيل : بالولد وقيل : بإهلاك قوم لوط وقيل : بشروه بأنهم رسل الله عز وجل وأنه لا خوف عليه ( قالوا سلاما ) مصب بوقوع الفعل عليه كما تقول : قالوا خيرا وهذا اختيار الطبري وأما قوله : سيقولون ثلاثة الكهف فالثلاثة اسم غير قول مقول ولو رفعا جميعا أو نصبا جميعا قالوا سلاما قال سلام جاز في العربية وقيل : انتصب على المصدر وقيل : قالوا سلاما أي فاتحوه بصواب من القول كما قال : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي صوابا فسلاما معنى قولهم لا لفظه قال معناه بن العربي واختاره قال : ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبرا عن الملائكة : سلام عليكم بما صبرتم سلام عليكم طبتم وقيل : دعوا له والمعنى سلمت سلاما ( قال سلام ) في رفعه وجهان : أحدهما على إضمار مبتدأ أي هو سلام وأمري سلام والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية فأضمر الخبر وجاز سلام على التنكير لكثرة استعماله فحذف الألف واللام كما حذفت من لا هم في قولك اللهم وقرىء سلم قال الفراء : السلم والسلام بمعنى مثل الحل والحلال قوله تعالى : ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( فما لبث أن جاء ) أن بمعنى حتى قاله كبراء النحويين حكاه بن العربي التقدير : فما لبث حتى جاء وقيل : أن في موضع نصب بسقوط حرف الجر التقدير : فما لبث عن أن جاء أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل فلما حذف حرف الجر بقي أن في محل النصب وفي لبث ضمير اسم إبراهيم وما نافية قاله سيبويه وقال الفراء : فما لبث مجيئه أي ما أبطأ مجيئه فأن في موضع رفع ولا ضمير في لبث وما نافية ويصح أن تكون ما بمعنى الذي وفي لبث ضمير إبراهيم وأن جاء خبر ما أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ و ( حنيذ ) مشوي وقيل : هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار يقال : حنذت الشاة أحنذها حنذا أي شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ وحنذت الفرس أحنذه حنذا وهو أن تحضره شوطا أو شوطين ثم تظاهر عليه الجلال في الشمس ليعرق فهو محنوذ وحنيذ فإن لم يعرق قيل : كبا وحنذ موضع قريب من المدينة وقيل : الحنيذ السميط بن عباس وغيره : حنيذ نضيج وحنيذ بمعنى محنوذ وإنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله الثانية في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه فيقدم الموجود الميسر في الحال ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة ولا يتكلف ما يضر به والضيافة من مكارم الأخلاق ومن آداب الإسلام ومن خلق النبيين والصالحين وإبراهيم أول من أضاف على ما تقدم في البقرة وليست بواجبة عند عامة أهل العلم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة ( والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب وقال صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ( وإكرام الجار ليس بواجب إجماعا فالضيافة مثله والله أعلم وذهب الليث إلى وجوبها تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( ليلة الضيف حق ( إلى غير ذلك من الأحاديث وفيما أشرنا إليه كفاية والله الموفق للهداية قال بن العربي : وقد قال قوم : إن وجوب الضيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ وهذا ضعيف فإن الوجوب لم يثبت والناسخ لم يرد وذكر حديث أبي سعيد الخدري خرجه الأئمة وفيه : فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا فلدغ سيد ذلك الحي الحديث وقال : هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقا للام النبي صلى الله عليه وسلم القوم الذين أبوا ولبين لهم ذلك الثالثة اختلف العلماء فيمن يخاطب بها فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية وقال مالك : ليس على أهل الحضر ضيافة قال سحنون : إنما الضيافة على أهل القرى وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر حكى اللغتين صاحب العين وغيره واحتجوا بحديث بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ( وهذا حديث لا يصح وإبراهيم بن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب وهذا مما انفرد به ونسب إلى وضعه قاله أبو عمر بن عبد البر قال بن العربي : الضيافة حقيقة فرض على الكفاية ومن الناس من قال : إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأواة والأقوات ولا شك أن الضيف كريم والضيافة كرامة فإن كان غريبا فهي فريضة الرابعة قال بن العربي قال بعض علمائنا : كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب وهذا حكم بالظن في موضع القطع وبالقياس في موضع النقل من أين علم أنه قليل بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل صلى الله عليهم وسلم وعجل لثلاثة عظيم فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه الخامسة السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم لأنهم خرجوا عن العادة وخالفوا السنة وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه وروي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم فلما رأى ذلك منهم ( نكرهم وأوجس منهم خيفة ) أي أضمر وقيل : أحس والوجوس الدخول قال الشاعر : جاء البريد بقرطاس يخب به فأوجس القلب من قرطاسه جزعا خيفة خوفا أي فزعا وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا فقالت الملائكة ( لا تخف إنا أرسلنا ألى قوم لوط ) السادسة من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر روي أن أعرابيا أكل مع سليمان بن عبد الملك فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة فقال له : أزل الشعرة عن لقمتك فقال له : أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي والله لا أكلت معك قلت : وقد ذكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول : وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد السابعة قوله تعالى : ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ) يقول : أنكرهم تقول : نكرتك وأنكرتك واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته قال الشاعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا فجمع بين اللغتين ويقال : نكرت لما تراه بعينك وأنكرت لما تراه بقلبك الثامنة قوله تعالى : ( وامرأته قائمة ) ابتداء وخبر أي قائمة بحيث ترى الملائكة قيل : كانت من وراء الستر وقيل : كانت تخدم الملائكة وهو جالس وقال محمد بن إسحاق : قائمة تصلي وفي قراءة عبد الله بن مسعود وامرأته قائمة وهو قاعد التاسعة قوله تعالى : ( فضحكت ) قال مجاهد وعكرمة : حاضت وكانت آيسة تحقيقا للبشارة وأنشد على ذلك اللغويون : وإني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا وقال آخر : وضحكت الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوف يوم اللقا والعرب تقول : ضحكت الأرنب إذا حاضت وروي عن بن عباس رضي الله عنهما وعكرمة أخذ من قولهم : ضحكت الكافورة وهي قشرة الطلعة إذا انشقت وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت وقال الجمهور : هو الضحك المعروف واختلفوا فيه فقيل : هو ضحك التعجب قال أبو ذؤيب فجاء بمزج لم ير الناس مثله هو الضحك إلا أنه عمل النحل وقال مقاتل : ضحكت من خوف إبراهيم ورعدته من ثلاثة نفر وإبراهيم في حشمه وخدمه وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل قال : وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك قال الفراء : لم أسمعه من ثقة وإنما هو كناية وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام من موضعه فلحق بأمه فضحكت سارة عند ذلك فبشروها بإسحاق ويقال : كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم فذلك قوله : وامرأته قائمة أي قائمة في خدمتهم ويقال قائمة لروع إبراهيم فضحكت لقولهم : لا تخف سرورا بالأمن وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير المعنى : فبشرناها بإسحاق فضحكت أي ضحكت سرورا بالولد وقد هرمت والله أعلم أي ذلك كان قال النحاس فيه أقوال : أحسنها أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم فلما قالوا لا تخف وأخبروه أنهم رسل الله فرح بذلك فضحكت امرأته سرورا بفرحه وقيل : إنها كانت قالت له : أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك فلما جاءت الرسل بما قالته سرت به فضحكت قال النحاس : وهذا إن صح إسناده فهو حسن والضحك إنكشاف الأسنان ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه تقول : رأيت فلانا ضاحكا أي مشرقا وأتيت على روضه تضحك أي مشرقة وفي الحديث ( إن الله سبحانه يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك ( جعل انجلاءه عن البرق ضحكا وهذا كلام مستعار وروي عن رجل من قراء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي فضحكت بفتح الحاء قال المهدوي : وفتح الحاء من فضحكت غير معروف وضحك يضحك ضحكا وضحكا وضحكا وضحكا أربع لغات والضحكة المرة الواحدة ومنه قول كثير : غلقت لضحكته رقاب المال قاله الجوهري : العاشرة روى مسلم عن سهل بن سعد قال : دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس قال سهل : أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقعت له تمرات من الليل في تور فلما أكل سقته إياه وأخرجه البخاري وترجم له باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس قال علماؤنا : فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ويستخدمهن لهم ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب والله أعلم الحادية عشرة ذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا : لا نأكل طعاما إلا بثمن فقال لهم : ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل لأصحابه : بحق اتخذ الله هذا خليلا قال علماؤنا : ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم عليه السلام الضيافة حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة الثانية عشرة ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم عليه السلام كان لا يأكل وحده فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه فلقي يوما رجلا فلما جلس معه على الطعام قال له إبراهيم : سم الله قال الرجل لا أدري ما الله فقال له : فاخرج عن طعامي فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له : يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة فخرج إبراهيم فزعا يجر رداءه وقال : ارجع فقال : لا أرجع حتى تخبرني لم تردني لغير معنى فأخبره بالأمر فقال : هذا رب كريم آمنت ودخل وسمى الله وأكل مؤمنا الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فبشرناها بإسحاق ) لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر تمنت سارة أن يكون لها بن وأيست لكبر سنها فبشرت بولد يكون نبيا ويلد نبيا فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها الرابعة عشرة قوله تعالى : ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) قرأ حمزة وعبد الله بن عامر يعقوب بالنصب ورفع الباقون فالرفع على معنى : ويحدث لها من وراء إسحاق يعقوب ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في من كأن المعنى : وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب ويجوز أن يرتفع بالابتداء ويكون في موضع الحال أي بشروها بإسحاق مقابلا له يعقوب والنصب على معنى : ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون يعقوب في موضع جر على معنى : وبشرناها من وراء إسحاق بيعقوب قال الفراء : ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض قال سيبويه ولو قلت : مررت بزيد أول من أمس وأمس عمرو كان قبيحا خبيثا لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو كما تفرق بين الجار والمجرور لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور ولا بينه وبين الواو < <
هود : ( 72 ) قالت يا ويلتى . . . . . > > < > ( هود 72 ) < > فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( يا ويلتا ) قال الزجاج : أصلها يا ويلتي فأبدل من الياء ألف لأنها أخف من الياء والكسرة ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه وعجبت من ولادتها ومن كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر و ( أألد ) استفهام معناه التعجب ( وأنا عجوز ) أي شيخة ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت تعجيزا أي طعنت في السن وقد يقال : عجوزة أيضا وعجزت المرأة بكسر الجيم عظمت عجيزتها عجزا وعجزا بضم العين وفتحها قال مجاهد : كانت بنت تسع وتسعين سنة وقال بن إسحاق : كانت بنت تسعين سنة وقيل غير هذا الثانية قوله تعالى : ( وهذا بعلي ) أي زوجي ( شيخا ) نصب على الحال والعامل فيه التنبيه أو الإشارة وهذا بعلي ابتداء وخبر وقال الأخفش : وفي قراءة بن مسعود وأبي وهذا بعلي شيخ قال النحاس : كما تقول هذا زيد قائم فزيد بدل من هذا وقائم خبر الابتداء ويجوز أن يكون هذا مبتدأ وزيد قائم خبرين وحكى سيبويه : هذا حلو حامض وقيل : كان إبراهيم بن مائة وعشرين سنة وقيل : بن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة وقيل : إنها عرضت بقولها : وهذا بعلي شيخا أي عن ترك غشيانه لها وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ وهي بنت عم إبراهيم ( إن هذا لشيء عجيب ) أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب < < هود : ( 73 ) قالوا أتعجبين من . . . . . > > < > ( هود 73 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قالوا أتعجبين من أمر الله ) لما قالت : وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا وتعجبت أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله أي من قضائه وقدره أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد وهو إسحاق وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل وأنه أسن من إسحاق لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب وسيأتي الكلام في هذا وبيانه في الصافات إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( رحمة الله وبركاته ) مبتدأ والخبر ( عليكم ) وحكى سيبويه عليكم بكسر الكاف لمجاورتها الياء وهل هو خبر أو دعاء وكونه إخبارا أشرف لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم المعنى : أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد ونصب ( أهل البيت ) على الاختصاص وهذا مذهب سيبويه وقيل : على النداء الثالثة هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ممن قال الله فيهم : ويطهركم تطهيراوسيأتي الرابعة ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام وبركاته كما أخبر الله عن صالحي عباده رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت والبركة النمو والزيادة ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك فقال بن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره من هذا فقالوا اليماني الذي يغشاك فعرفوه إياه فقال : إن السلام انتهى إلى البركة وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه فقلت : السلام عليكم فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك ( قال : ودخلت الثانية فقلت : السلام عليكم ورحمة الله فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك ( فدخلت الثالثة فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء ( إنه حميد مجيد ) أي محمود ماجد وقد بيناهما في الأسماء الحسنى < <
هود : ( 74 ) فلما ذهب عن . . . . . > > < > ( هود 74 : 76 ) < > قوله تعالى : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع ) أي الخوف يقال : ارتاع من كذا إذا خاف قال النابغة : فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن صرد ( وجاءته البشرى ) أي بإسحاق ويعقوب وقال قتادة : بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط وأنه لا يخاف ( يجادلنا ) أي يجادل رسلنا وأضافه إلى نفسه لأنهم نزلوا بأمره وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة وذلك أنهم لما قالوا : إنا مهلكوا أهل هذه القرية قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم قالوا : لا قال : فأربعون قالوا : لا قال : فثلاثون قالوا : لا قال : فعشرون قالوا : لا قال : فإن كان فيها عشرة أو خمسة شك حميد قالوا : لا قال قتادة : نحوا منه قال فقال يعني إبراهيم : قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم وقيل إن إبراهيم قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها قالوا : لا فقال إبراهيم عند ذلك : إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وقال عبد الرحمن بن سمرة : كانوا أربعمائة ألف بن جريج وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف ومذهب الأخفش والكسائي أن يجادلنا في موضع جادلنا قال النحاس : لما كان جواب لما يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه وفيه جواب آخر أن يكون يجادلنا في موضع الحال أي أقبل يجادلنا وهذا قول الفراء ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) تقدم في براءة معنى لأواه حليم التوبة والمنيب الراجع يقال : أناب إذا رجع وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله تعالى في أموره كلها وقيل : الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان قوله تعالى : ( ياإبراهيم أعرض عن هذا ) أي دع عنك الجدال في قوم لوط ( إنه قد جاء أمر ربك ) أي عذابه لهم ( وإنهم آتيهم ) أي نازل بهم ( عذاب غير مردود ) أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع < < هود : ( 77 ) ولما جاءت رسلنا . . . . . > > < > ( هود 77 : 83 ) <
> قوله تعالى : ( ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ) لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط وهما تستقيان بالملائكة ورأتا هيئة حسنة فقالتا : ما شأنكم ومن أين أقبلتم قالوا : من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا : فإن أهلها أصحاب الفواحش فقالوا : أبها من يضيفنا قالتا : نعم هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم ( سيء بهم ) أي ساءه مجيئهم يقال : ساء يسوء فهو لازم وساءه يسوءه فهو متعد أيضا وإن شئت ضممت السين لأن أصلها الضم والأصل سوئ بهم من السوء قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت : سي بهم مخففا ولغة شاذة بالتشديد ( وضاق بهم ذرعا ) أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه وقيل : ضاق وسعه وطاقته وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع وقيل : هو من ذرعه القيء أي غلبه أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم وما يعلم من فسق قومه ( وقال هذا يوم عصيب ) أي شديد في الشر وقال الشاعر : وإنك إلا ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب وقال آخر : يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالا ويقال : عصيب وعصبصب على التكثير أي مكروه مجتمع الشر وقد عصب أي عصب بالشر عصابة ومنه قيل : عصبة وعصابة أي مجتمعوا الكلمة أي مجتمعون في أنفسهم وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب وتعصبت لفلان صرت كعصبته ورجل معصوب أي مجتمع الخلق قوله تعالى : ( وجاءه قومه يهرعون إليه ) في موضع الحال يهرعون أي يسرعون قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة يقال : أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى وهو مهرع قال مهلهل فجاؤوا يهرعون وهم أسارى نقودهم على رغم الأنوف وقال آخر : بمعجلات نحوه مهارع وهذا مثل : أولع فلان بالأمر وأرعد زيد وزهي فلان وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه وقيل : أهرع أي أهرعه حرصه وعلى هذا يهرعون أي يستحثون عليه ومن قال بالأول قال : لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع على لفظ ما لم يسم فاعله قال بن القوطية : هرع الإنسان هرعا وأهرع : سيق واستعجل وقال الهروي يقال : هرع الرجل وأهرع أي استحث قال بن عباس وقتادة والسدي : يهرعون يهرولون الضحاك : يسعون بن عيينة : كأنهم يدفعون وقال شمر بن عطية : هو مشي بين الهرولة والجمزى وقال الحسن : مشي بين مشيين والمعنى متقارب وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم : إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رؤي مثلهم جمالا وكذا وكذا فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له وقيل : وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط وقالت لهم : مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا : نريد أن تضيفنا الليلة فقال لهم : أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم فقالوا : وما عملهم فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض وقد كان الله عز وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات فلما قال لوط هذه المقالة قال جبريل لأصحابه : هذه واحدة وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ثم دخل بهم المدينة قوله تعالى : ( ومن قبل ) أي ومن قبل مجيء الرسل : وقيل : من قبل لوط ( كانوا يعملون السيئات ) أي كانت عادتهم إتيان الرجال فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا وقال ( هؤلاء بناتي ) ابتداء وخبر وقد اختلف في قوله : هؤلاء بناتي فقيل : كان له ثلاث بنات من صلبه وقيل : بنتان زيتا وزعوراء فقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه وقيل : ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين وقالت فرقة منهم مجاهد وسعيد بن جبير أشار بقوله : بناتي إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم ويقوي هذا أن في قراءة بن مسعود النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقالت طائفة : إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه روى هذا القول عن أبي عبيدة كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير : الخنزير أحل لك من هذا وقال عكرمة : لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته وإنما قال لهم هذا لينصرفوا قوله تعالى : ( هن أطهر لكم ) ابتداء وخبر أي أزوجكموهن فهو أطهر لكم مما تريدون أي أحل والتطهر التنزه عما لا يحل وقال بن عباس : كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته وليس ألف أطهر للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة بل هو كقولك : الله أكبر وأعلى وأجل وإن لم يكن تفضيلا وهذا جائز شائع في كلام العرب ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد : أعل هبل أعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( قل الله أعلى وأجل ( وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا وقرأ العامة برفع الراء وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو هن أطهر بالنصب على الحال وهن عماد ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون هن ها هنا عمادا وإنما يكون عمادا فيما لايتم الكلام إلا بما بعدها نحو كان زيد هو أخاك لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت قال الزجاج : ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر وقال غيره : يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها قوله تعالى : ( فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ) أي لا تهينوني ولا تذلوني ومنه قول حسان : فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق مددت يمينا للنبي تعمدا ودميت فاه قطعت بالبوارق ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الحياء والخجل قال ذو الرمة : خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب وقال آخر : من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد لأنه في الأصل مصدر قال الشاعر : لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية والجمع والأول أكثر كقولك : رجال صوم وفطر وزور وخزي الرجل خزاية أي استحيا مثل ذل وهان وخزي خزيا إذا افتضح يخزى فيهما جميعا ثم وبخهم بقوله : ( أليس منكم رجل رشيد ) أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقيل : رشيد أي ذو رشد أو بمعنى راشد أو مرشد أي صالح أو مصلح بن عباس : مؤمن أبو مالك : ناه عن المنكر وقيل : الرشيد بمعنى الرشد والرشد والرشاد الهدى والاستقامة ويجوز أي يكون بمعنى المرشد كالحكيم بمعنى المحكم قوله تعالى : ( قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق ) روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا فذلك قوله تعالى قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وبعد ألا تكون هذه الخاصية فوجه الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلق ولا هن قصدنا ولا لنا عادة نطلب ذلك ( وإنك لتعلم مانريد ) إشارة إلى الأضياف قوله تعالى : ( قال لو أن لي بكم قوة ) لما رأى استمرارهم في غيهم وضعف عنهم ولم يقدر على دفعهم تمنى لو وجد عونا على ردهم فقال على جهة التفجع والاستكانة : لو أن لي بكم قوة أي أنصارا وأعوانا وقال بن عباس : أراد الولد وأن في موضع رفع بفعل مضمر تقديره : لو اتفق أو وقع وهذا يطرد في أن التابعة ل لو وجواب لو محذوف أي لرددت أهل الفساد وحلت بينهم وبين مايريدون ( أو آوي إلى ركن شديد ) أي ألجأ وأنضوي وقرى أو آوي بالنصب عطفا على قوة كأنه قال : لو أن لي بكم قوة أو إيواء إلى ركن شديد أي وأن آوي فهو منصوب بإضمار أن ومراد لوط بالركن العشيرة والمنعة بالكثرة وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات وقالوا : إن ركنك لشديد وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ( الحديث وقد تقدم في البقرة وخرجه الترمذي وزاد ( ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه ( قال محمد بن عمرو : والثروة الكثرة والمنعة حديث حسن ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه وهموا بكسر الباب وهو يمسكه قالت له الرسل : تنح عن الباب فتنحى وانفتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون : النجاء قال الله تعالى : ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم القمر وقال بن عباس وأهل التفسير : أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم قالوا : يا لوط إن ركنك لشديد وأنهم آتيهم عذاب غير مردود وإنا رسل ربك فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم وقيل : أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم فلم يعرفوا طريقا ولا اهتدوا إلى بيوتهم وجعلوا يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض وقد سحرونا فأعموا أبصارنا وجعلوا يقولون : يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى يتوعدونه قوله تعالى : ( قالوا يالوط إنا رسل ربك ) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا وعلى أيديهم فجفت ( لن يصلوا إليك ) أي بمكروه ( فأسر بأهلك ) قرئ فاسر بوصل الألف وقطعها لغتان فصيحتان قال الله تعالى : والليل إذا يسر الفجر وقال : سبحان الذي أسرى وقال النابغة : فجمع بين اللغتين : أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد وقال آخر : حي النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري وقد قيل : فأسر بالقطع إذا سار من أول الليل وسرى إذا سار من آخره ولا يقال في النهار إلا سار وقال لبيد : إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه قضى عملا والمرء ما عاش عامل وقال عبد الله بن رواحة : عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى ( بقطع من الليل ) قال بن عباس : بطائفة من الليل الضحاك : ببقية من الليل قتادة : بعد مضي صدر من الليل الأخفش : بعد جنح من الليل بن الأعرابي : بساعة من الليل وقيل : بظلمة من الليل وقيل : بعد هدء من الليل وقيل : هزيع من الليل وكلها متقاربة وقيل : إنه نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين ومنه قول الشاعر : ونائحة تنوح بقطع ليل على رجل بقارعة الصعيد فإن قيل : السرى لا يكون إلا بالليل فما معنى بقطع من الليل فالجواب : أنه لو لم يقل : بقطع من الليل جاز أن يكون أوله ( ولايلتفت منكم أحد ) أي لا ينظر وراءه منكم أحد قاله مجاهد بن عباس : لا يتخلف منكم أحد علي بن عيسى : لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع ( إلا امرأتك ) بالنصبوهي القراءة الواضحة البينة المعنى أي فأسر بأهلك إلا امرأتك وكذا في قراءة بن مسعود فأسر بأهلك إلا امرأتك فهو استثناء من الأهل وعلى هذا لم يخرج بها معه وقد قال الله عز وجل : كانت من الغابرين أي من الباقين وقرأ أبو عمرو وبن كثير : إلا أمراتك بالرفع على البدل من أحد وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد وقال لا يصح ذلك إلا برفع يلتفت ويكون نعتا لأن المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت أن المرأة أبيح لها الالتفات وليس المعنى كذلك قال النحاس : وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون والرفع على البدل له معنى صحيح والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه : لا يخرج فلان فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب أي لا تدعه يخرج ومثله قولك : لا يقم أحد إلا زيد يكون معناه : انههم عن القيام إلا زيدا وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره كأنه قال : انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك وأن لوطا خرج بها ونهى من معه ممن أسري بهم ألا يلتفت فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت : واقوماه فأدركها حجر فقتلها ( إنه مصيبها ) أي من العذاب والكناية في إنه ترجع إلى الأمر والشأن أي فإن الأمر والشأن والقصة ( مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح ) لما قالت الملائكة : إنا مهلكوا أهل هذه القرية قال لوط : الآن الآن استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا : ( أليس الصبح بقريب ) وقرأ عيسى بن عمر أليس الصبح بضم الباء وهي لغة ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم لأن النفوس فيه أودع والناس فيه أجمع وقال بعض أهل التفسير : إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر وأن الملائكة قالت له : إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد وخطف برق وصواعق عظيمة وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه وأمارته أنه لا يلتفت ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم قوله تعالى : ( فلما جاء أمرنا ) أي عذابنا ( جعلنا عاليها سافلها ) وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط وهي خمس : سدوم وهي القرية العظمى وعامورا ودادوما وضعوه وقتم فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم لم تنكفىء لهم جرة ولم ينكسر لهم إناء ثم نكسوا على رؤوسهم وأتبعهم الله بالحجارة مقاتل : أهلكت أربعة ونجت ضعوه وقيل غير هذا والله أعلم قوله تعالى : ( وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم وقد تقدم في الأعراف وفي التفسير : أمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة وأما كلام العرب فيقال : مطرت السماء وأمطرت : حكاه الهروي واختلف في السجيل فقال النحاس : السجيل الشديد الكثير وسجيل وسجين اللام والنون أختان وقال أبو عبيدة : السجيل الشديد وأنشد : ضربا تواصى به الأبطال سجينا قال النحاس : ورد عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال : هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى وقول أبي عبيدة يرد من جهة أخرى وهي أنه لو كان على قوله لكان على قوله كان حجارة سجيلا لأنه لا يقال : حجارة من شديد لأن شديدا نعت وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء وقالت طائفة منهم بن عباس وسعيد بن جبير وبن إسحاق : إن سجيلا لفظة غير عربية عربت أصلها سنج وجيل ويقال : سنك وكيل بالكاف موضع الجيم وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما إسما واحدا وقيل : هو من لغة العرب وقال قتادة وعكرمة : السجيل الطين بدليل قوله : لنرسل عليهم حجارة من طين الذاريات وقال الحسن : كأن أصل الحجارة طينا فشددت والسجيل عند العرب كل شديد صلب وقال الضحاك : يعني الآجر وقال بن زيد : طين طبخ حتى كان كالآجر وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا ذكره المهدوي وحكاه الثعلبي عن أبي العالية وقال بن عطية : وهذا ضعيف يرده وصفه ب منضود وعن عكرمة : أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة وقيل : هي جبال في السماء وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله : وينزل من السماء من جبال فيها من برد النور وقيل : هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم فهو في معنى سجين قال الله تعالى : وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم المطففين قاله الزجاج واختاره وقيل : هو فعيل من أسجلته أي أرسلته فكأنها مرسلة عليهم وقيل : هو من أسجلته إذا أعطيته فكأنه عذاب أعطوه قال : من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب وقال أهل المعاني : السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب قال بن مقبل : ورجلة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصى به الأبطال سجينا ( منضود ) قال بن عباس : متتابع وقال قتادة : نضد بعضها فوق بعض وقال الربيع : نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا وقال عكرمة : مصفوف وقال بعضهم مرصوص والمعنى متقارب يقال : نضدت المتاع واللبن إذا جعلت بعضه على بعض فهو منضود ونضيد ونضد قال : ورفعته إلى السجفين فالنضد وقال أبو بكر الهذلي : معد أي هو مما أعده الله لأعدائه الظلمة ( مسومة ) أي معلمة من السيما وهي العلامة أي كان عليها أمثال الخواتيم وقيل : مكتوب على كل حجر اسم من رمي به وكانت لا تشاكل حجارة الأرض وقال الفراء : زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض فذلك تسويمها وقال كعب : كانت معلمة ببياض وحمرة وقال الشاعر : غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر ومسومة من نعت حجارة ومنضود من نعت سجيل وفي قوله : ( عند ربك ) دليل على أنها ليست من حجارة الأرض قاله الحسن ( وماهي من الظالمين ببعيد ) يعني قوم لوط أي لم تكن تخطئهم وقال مجاهد : يرهب قريشا المعنى : ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد وقال قتادة وعكرمة : يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار الله منها ظالما بعد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ( ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هي من الظالمين ببعيد وفي رواية عنه عليه السلام ( لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك ( وقيل : المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد وهي بين الشام والمدينة وجاء ببعيد مذكرا على معنى بمكان بعيد وفي الحجارة التي أمطرت قولان : أحدهما أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل الثاني أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها < <
هود : ( 84 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . > > < > ( هود 84 : 95 ) <
> قوله تعالى : ( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) أي وأرسلنا إلى مدين ومدين هم قوم شعيب وفي تسميتهم بذلك قولان : أحدهما أنهم بنو مدين بن إبراهيم فقيل : مدين والمراد بنو مدين كما يقال مضر والمراد بنو مضر الثاني أنه اسم مدينتهم فنسبوا إليها قال النحاس : لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة وقد تقدم في الأعراف هذا المعنى وزيادة ( قال ياقوم اعبدوا مالكم من إله غيره ) تقدم ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ) كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص وشححوا لع بغاية ما يقدرون فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك وبالوفاء نهيا عن التطفيف ( إني أراكم بخير ) أي في سعة من الرزق وكثرة من النعم وقال الحسن : كان سعرهم رخيصا ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) وصف اليوم بالإحاطة وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم وهو كقولك : يوم شديد أي شديد حره واختلف في ذلك العذاب فقيل : هو عذاب النار في الآخرة وقيل : عذاب الاستئصال في الدنيا وقيل : غلاء السعر روي معناه عن بن عباس وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء ( وقد تقدم قوله تعالى : ( وياقوم أفوا المكيال والميزان بالقسط ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا والإيفاء الإتمام بالقسط أي بالعدل والحق والمقصود أن يصل كل ذي نصيب إلى نصيبه وليس يريد إيفاء المكيل والموزون لأنه لم يقل : أوفوا بالمكيال وبالميزان بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا ( ولاتعثوا في الأرض مفسدين ) بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض وقد مضى في الأعراف زيادة لهذا والحمد لله قوله تعالى : ( بقية الله خير لكم ) أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم قال معناه الطبري وغيره وقال مجاهد : بقية الله خير لكم يريد طاعته وقال الربيع : وصية الله وقال الفراء : مراقبة الله بن زيد : رحمة الله قتادة والحسن : حظكم من ربكم خير لكم وقال بن عباس : رزق الله خير لكم ( إن كنتم مؤمنين ) شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين وقيل : يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا ( وما أنا عليكم بحفيظ ) أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق وقيل : أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم ققوله تعالى : ( قالوا ياشعيب أصلواتك ) وقرىء أصلاتك من غير جمع ( تأمرك أن نترك مايعبد آباؤنا ) أن في موضع نصب قال الكسائي : موضعها خفض على إضمار الباء وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة مواظبا على العبادة فرضها ونفلها ويقول : الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة واستهزءوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم وقيل : إن الصلاة هنا بمعنى القراءة قاله سفيان عن الأعمش أي قراءتك تأمرك ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة ( أو أن نفعل في أموالنا مانشاء ) زعم الفراء أن التقدير : أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء وقرأ السلمي والضحاك بن قيس أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء بالتاء في الفعلين والمعنى : ما تشاء أنت يا شعيب وقال النحاس : أو أن على هذه القراءة معطوفة على أن الأولى وروي عن زيد بن أسلم أنه قال : كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم وقيل : معنى أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) يعنون عند نفسك بزعمك ومثله في صفة أبي جهل : ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان أي عند نفسك بزعمك وقيل : قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية قاله قتادة ومنه قولهم للحبشي : أبو البيضاء وللأبيض أبو الجون ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل : ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال سفيان بن عيينة : العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل كما قيل للديغ سليم وللفلاة مفازة وقيل : هو تعريض أرادوا به السب وأحسن من هذا كله ويدل ما قبله على صحته أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ويدل عليه أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباونا أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم وبعده أيضا ما يدل عليه قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا أي أفلا أنهاكم عن الضلال وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة وأنه اعتقادهم فيه ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم : ( يا إخوة القردة ( فقالوا : يا محمد ما علمناك جهولا مسألة قال أهل التفسير : كان مما ينهاهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا وعلى المقروضة وزنا وكانوا يبخسون في الوزن وقال بن وهب قال مالك : كانوا يكسرون الدنانير والدراهم وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما وكسرهما ذنب عظيم وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها وظهرت فائدتها وإذا كسرت صارت سلعة وبطلت منها الفائدة فأضر ذلك بالناس ولذلك حرم وقد قيل في تأويل قوله تعالى : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون النمل أنهم كانوا يكسرون الدراهم قاله زيد بن أسلم قال أبو عمر بن عبد البر : زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي مسألة : قال اصبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي : من كسرها لم تقبل شهادته وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر وليس هذا بموضع عذر قال بن العربي : أما قوله : لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر وأما قوله : لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه أو خفي وجه الصدق فيه وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك مسألة : إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك ومر بن المسيب برجل قد جلد فقال : ما هذا قال رجل : يقطع الدنانير والدراهم قال بن المسيب : هذا من الفساد في الأرض ولم ينكر جلده ونحوه عن سفيان وقال أبو عبد الرحمن النجيبي : كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتي برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه وأمر فطيف به وأمره أن يقول : هذا جزاء من يقطع الدراهم ثم أمر أن يرد إليه فقال : إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع قال القاضي أبو بكر بن العربي : أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه وأما حلقه فقد فعله عمر وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية وطريقا إلى التجمل به في الفساد وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها فإن الكسر إفساد الوصف والقرض تنقيص للقدر فهو أخذ مال على جهة الاختفاء فإن قيل : أليس الحرز أصلا في القطع قلنا : يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها وحرز كل شيء على قدر حاله وقد أنفذ ذلك بن الزبير وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم وقد قال علماؤنا المالكية : إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة قال بن العربي : وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم إلا أني كنت محفوفا بالجهال فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى قوله تعالى : ( قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) تقدم ( ورزقني منه رزقا حسنا ) أي واسعا حلالا وكان شعيب عليه السلام كثير المال قاله بن عباس وغيره وقيل : أراد به الهدى والتوفيق والعلم والمعرفة وفي الكلام حذف وهو ما ذكرناه أي أفلا أنهاكم عن الضلال وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتبع الضلال وقيل : المعنى أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف وقد أغناني الله عنه ( وماأريد أن أخالفكم ) في موضع نصب ب أريد ( إلى ما أنهاكم عنه ) أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه كما لا أترك ما أمرتكم به ( إن أريد إلا الإصلاح مااستطعت ) أي ما أريد إلا فعل الصلاح أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة وقال : ما استطعت لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة وما مصدرية أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي ( وماتوفيقي ) أي رشدي والتوفيق الرشد ( إلا بالله عليه توكلت ) أي اعتمدت ( وإليه أنيب ) أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب وقيل : إليه أرجع في الآخرة وقيل : إن الإنابة الدعاء ومعناه وله أدعو قوله تعالى : ( وياقوم لايجرمنكم ) وقرأ يحيى بن وثاب يجرمنكم ( شقاقي ) في موضع رفع ( أن يصيبكم ) في موضع نصب أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم قاله الحسن وقتادة وقيل : لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب كما أصاب من كان قبلكم قاله الزجاج وقد تقدم معنى يجرمنكم في المائدة والشقاق في البقرة وهو هنا بمعنى العداوة قاله السدي ومنه قول الأخطل : ألا من مبلغ عني رسولا فكيف وجدتم طعم الشقاق وقال الحسن البصري : إضراري وقال قتادة : فراقي ( وما قوم لوط منكم ببعيد ) وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط وقيل : وما ديار قوم لوط منكم ببعيد أي بمكان بعيد فلذلك وحد البعيد قال الكسائي : أي دورهم في دوركم قوله تعالى : ( وياقوم استغفروا ربكم ثم توابوا إليه ) تقدم ( إن ربي رحيم ودود ) اسمان من أسمائه سبحانه وقد بيناهما في كتاب الأسنى في شرح الأسماء الحسنى قال الجوهري : وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته والودود المحب والود والود والود والمودة المحبة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال : ( ذاك خطيب الأنبياء قوله تعالى : ( قالوا ياشعيب مانفقه كثيرا مما تقول ) أي ما نفهم لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله وقيل : قالوا ذلك إعراضا عن سماعه واحتقارا لكلامه يقال : فقه يفقه إذا فهم فقها وحكى الكسائي : فقه فقها وفقها إذا صار فقيها ( وإنا لنراك فينا ضعيفا ) قيل : إنه كان مصابا ببصره قاله سعيد بن جبير وقتادة وقيل : كان ضعيف البصر قاله الثوري وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة قال النحاس : وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا أي قد ضعف بذهاب بصره كما يقال له ضرير أي قد ضر بذهاب بصره كما يقال له : مكفوف أي قد كف عن النظر بذهاب بصره قال الحسن : معناه مهين وقيل : المعنى ضعيف البدن حكاه علي بن عيسى وقال السدي : وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا وقيل : قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها وضعيفا نصب على الحال ( ولولا رهطك ) رفع بالابتداء ورهط الرجل عشيرته الذى يستند إليهم ويتقوى بهم ومنه الراهطاء لجحر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده ومعنى ( لرجمناك ) لقتلناك بالرجم وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة وكان رهطه من أهل ملتهم وقيل : معنى لرجمناك لشتمناك ومنه قول الجعدي : تراجمنا بمر القول حتى نصير كأننا فرسا رهان والرجم أيضا اللعن ومنه الشيطان الرجيم ( وما أنت علينا بعزيز ) أي ماأنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع قوله تعالى : ( قال ياقوم أرهطي ) أرهطي رفع بالابتداء والمعنى أرهطي في قلوبكم ( أعز عليكم من الله ) وأعظم وأجل وهو يملككم ( واتخذتموه وراءكم ظهريا ) أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا أي جعلتموه وراء ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال : جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه وقد مضى في البقرة ( إن ربي بما تعملون ) أي من الكفر والمعصية ( محيط ) أي عليم وقيل : حفيظ قوله تعالى : ( وياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون ) تهديد ووعيد وقد تقدم في الأنعام ( من يأتيه عذاب يخزيه ) أي يهلكه ومن في موضع نصب مثل يعلم المفسد من المصلح ( ومن هو كاذب ) عطف عليها وقيل : أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا وقيل : في محل رفع تقديره : ويخزي من هو كاذب وقيل : تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره وزعم الفراء أنهم إنما جاؤوا ب هو في ومن هو كاذب لأنهم لا يقولون من قائم إنما يقولون : من قام ومن يقوم ومن القائم فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل قال النحاس : ويدل على خلاف هذا قوله : من رسولي إلى الثريا بأني ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ( وارتقبوا إني معكم رقيب ) أي انتظروا العذاب والسخطة فإني منتظر النصر والرحمة قوله تعالى : ( ولما جاء أمرنا ) قيل : صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم ( نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذتالذين ظلموا الصيحة ) أي صيحة جبريل وأنث الفعل على لفظ الصيحة وقال في قصة صالح : وأخذ الذين ظلموا الصيحة فذكر على معنى الصياح قال بن عباس : ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب أهلكهم الله بالصيحة غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) تقدم معناه وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ كما بعدت ثمود بضم العين قال النحاس : المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك وقال المهدوي : من ضم العين من بعدت فهي لغة تستعمل في الخير والشر ومصدرها البعد وبعدت تستعمل في الشر خاصة يقال : بعد يبعد بعدا فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني < <
هود : ( 96 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . > > < > ( هود 96 : 99 ) < > قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) بين أنه أتبع النبي النبي لإقامة الحجة وإزاحة كل علة بآياتنا أي بالتوراة وقيل : بالمعجرات ( وسلطان مبين ) أي حجة بينة يعني العصا وقد مضى في آل عمران معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة ( إلى فرعون وملئهفاتبعوا أمر فرعون ) أي شأنه وحاله حتى اتخذوه إلها وخالفوا أمر الله تعالى ( وماأمر فرعون برشيد ) أي بسديد يؤدي إلى صواب : وقيل : برشيد أي بمرشد إلى خير قوله تعالى : ( يقدم قومه يوم القيامة ) يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو رئيسهم يقال : قدمهم يقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمهم ( فأوردهم النار ) أي أدخلهم فيها ذكر بلفظ الماضي والمعنى فيوردهم النار وما تحقق وجوده فكانه كائن فلهذا يعبر عن المستقبل بالماضي ( وبئس الورد المورود ) أي بئس المدخل المدخول ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود وهو كما تقول : نعم المنزل دارك ونعمت المنزل دارك والمورود الماء الذي يورد والموضع الذي يورد وهو بمعنى المفعول قوله تعالى : ( وأتبعوا في هذه لعنة ) أي في الدنيا ( ويوم القيامة ) أي ولعنة يوم القيامة وقد تقدم هذا المعنى ( بئس الرفد المرفود ) حكى الكسائي وأبو عبيدة : رفدته أرفده رفدا أي أعنته وأعطيته واسم العطية الرفد أي بئس العطاء والإعانة والرفد أيضا القدح الضخم قاله الجوهري والتقدير : بئس الرفد رفد المرفود وذكر الماوردي : أن الرفد بفتح الراء القدح والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب حكى ذلك عن الأصمعي فكأنه ذم بذلك ما يسقونه في النار وقيل : إن الرفد الزيادة أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار قاله الكلبي < < هود : ( 100 ) ذلك من أنباء . . . . . > > < > ( هود 100 : 109 ) <
> قوله تعالى : ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) ذلك رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك وإن شئت بالابتداء والمعنى : ذلك النبأ المتقدم من أنباء القرى نقصه عليك ( منها قائم وحصيد ) قال قتادة : القائم ما كان خاويا على عروشه والحصيد ما لا أثر له وقيل : القائم العامر والحصيد الخراب قاله بن عباس وقال مجاهد : قائم خاوية على عروشها وحصيد مستأصل يعني محصودا كالزرع إذا حصد قال الشاعر : والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد وقال آخر : إنما نحن مثل خامة زرع فمتى يأن يأت محتصده قال الأخفش سعيد : حصيد أي محصود وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض قال : يكون فيمن يعقل حصدى مثل قتيل وقتلى ( وما ظلمناهم ) أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه وقد تقدم في البقرة مستوفى ( ولكن ظلموا أنفسهم ) بالكفر والمعاصي وحكى سيبويه أنه يقال : ظلم إياه ( فما أغنت ) أي دفعت ( عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ) في الكلام حذف أي التي كانوا يعبدون أي يدعون ( لما جاء أمر ربك ومازادوهم غير تتبيب ) أي غير تخسير قاله مجاهد وقتادة وقال لبيد : فلقد بليت وكل صاحب جدة لبلى يعود وذاكم التتبيب والتبات الهلاك والخسران وفيه إضمار أي ما زادتهم عبادة الأصنام فحذف المضاف أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة قوله تعالى : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ) أي كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة وقرأ عاصم الجحدري وطلحة بن مصرف وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وعن الجحدري أيضا وكذلك أخذ ربك كالجماعة إذ أخذ القرى قال المهدوي من قرأ : وكذلك أخذ ربك إذ أخذ فهو إخبار عما جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم والمعنى : وكذلك أخذ ربك من أخذه من الأمم المهلكة إذ أخذهم وقراءة الجماعة على أنه مصدر والمعنى : كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه فإذ لما مضى أي حين أخذ القرى وإذا للمستقبل ( وهي ظالمة ) أي وأهلها ظالمون فحذف المضاف مثل : واسأل القرية ( إن أخذه أليم شديد ) أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة وفي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ( ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى الآية قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب قوله تعالى : ( إن في ذلك لآية ) ألي لعبرة وموعظة ( لمن خاف عذاب الآخرة ) ( ذلك يوم ) ابتداء وخبر ( مجموع ) من نعته ( له الناس ) اسم ما لم يسم فاعله ولهذا لم يقل مجموعون فإن قدرت ارتفاع الناس بالابتداء والخبر مجموع له فإنما لم يقل : مجموعون على هذا التقدير لأن له يقوم مقام الفاعل والجمع الحشر أي يحشرون لذلك اليوم ( وذلك يوم مشهود ) أي يشهده البر والفاجر ويشهده أهل السماء وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من أسماء القيامة في كتاب التذكرة وبيناهما والحمد لله قوله تعالى : ( ومانؤخره ) أي ما نؤخر ذلك اليوم ( إلا لأجل معدود ) أي لأجل سبق به قضاؤنا وهو معدود عندنا ( يوم تأتي ) وقرىء يوم يأت لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة تقول : لا أدر ذكره القشيري قال النحاس : قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج وحذفها في الوقف وروى أن أبيا وبن مسعود قرأ يوم يأتي بالياء في الوقف والوصل وقرأ الأعمش وحمزة يوم يأت بغير ياء في الوقف والوصل قال أبو جعفر النحاس : الوجه في هذا ألا يوقف عليه وأن يوصل بالياء لأن جماعة من النحويين قالوا : لا تحذف الياء ولا يجزم الشيء بغير جازم فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي قال : لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم فحذف الياء كما تحذف الضمة وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له أنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء والحجة الأخرى أنه حكى أنها لغة هذيل تقول : ما أدر قال النحاس : أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يرده عليه أكثر العلماء قال مالك بن أنس رحمه الله : سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب وأما حجته بقولهم : ما أدر فلا حجة فيه لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء وذكروا علته وأنه لا يقاس عليه وأنشد الفراء في حذف الياء كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما أي تعطي وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول : لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال قال الزجاج : والأجود في النحو إثبات الياء قال : والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء لأن القراءة سنة وقد جاء مثله في كلام العرب ( لاتكلم نفس إلا بإذنه ) الأصل تتكلم حذفت إحدى التاءين تخفيفا وفيه إضمار أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمؤذون فيه من حسن الكلام لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح وقيل : المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه وقيل : إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين فيقول لم قال : لا تكلم نفس إلا بإذنه وهذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون المرسلات وقال في موضع من ذكر القيامة : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون الصافات وقال : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وقال : وقفوهم إنهم مسئولون الصافات وقال : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان الرحمن والجواب ما ذكرناه وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا وطرح بعضهم الذنوب على بعض فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا وخطابه فارغ عن الحجة : ما تكلمت بشيء وما نطقت بشيء فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم وقال : قوم : ذلك اليوم طويل وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام وفي بعضها يطلق لهم الكلام فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه ( فمنهم شقي وسعيد ) أي من الأنفس أو من الناس وقد ذكرهم في قوله : يوم مجموع له الناس والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة والسعيد الذي كتبت عليه السعادة قال لبيد : فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع وروى الترمذي عن بن عمر عن عمر بن الخطاب قال : لما نزلت هذه الآية فمنهم شقي وسعيد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه فقال : ( بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له ( قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم في الأعراف قوله تعالى : ( فأما الذين شقوا ) ابتداء ( ففي النار ) في موضع الخبر وكذا ( لهم فيها زفير وشهيق ) قال أبو العالية : الزفير من الصدر والشهيق من الحلق وعنه أيضا ضد ذلك وقال الزجاج : الزفير من شدة الأنين والشهيق من الأنين المرتفع جدا قال : وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في النهيق وقال بن عباس رضي الله عنه عكسه قال : الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف وقال الضحاك ومقاتل : الزفير مثل أول نهيق الحمار والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته قال الشاعر : حشرج في الجوف سحيلا أو شهيق حتى يقال ناهق وما نهق وقيل : الزفير إخراج النفس وهو أن يمتلىء الجوف غما فيخرج بالنفس والشهيق رد النفس وقيل : الزفير ترديد النفس من شدة الحزن مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته والشهيق النفس الطويل الممتد مأخوذ من قولهم : جبل شاهق أي طويل والزفير والشهيق من أصوات المحزونين قوله تعالى : ( خالدين فيها مادامت السماوات والأرض ) مادامت في موضع نصب على الظرف أي دوام السماوات والأرض والتقدير : وقت ذلك واختلف في تأويل هذا فقالت طائفة منهم الضحاك : المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك والأرض ما استقر عليه قدمك وفي التنزيل : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء وقيل : أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده كقولهم : لا آتيك ما جن ليل أو سال سيل وما اختلف الليل والنهار وما ناح الحمام وما دامت السماوات والأرض ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض وعن بن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه فهما دائمتان أبدا في نور العرش قوله تعالى : ( إلا ماشاء ربك ) في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول وقد اختلف فيه على أقوال عشرة : الأولى أنه استثناء من قوله : ففي النار كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما وإنما لم يقل من شاء لأن المراد العدد لا الأشخاص كقوله : ما طاب لكم وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية الثاني أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار وعلى هذا يكون قوله : فأما الذين شقوا عاما في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون ( وقد تقدم هذا المعنى في النساء وغيرها الثالث إن الاستثناء من الزفير والشهيق أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر وما لم يذكر حكاه بن الأنباري الرابع قال بن مسعود : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون فيها ولا يخرجون منها إلا ما شاء ربك وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ثم يجدد خلقهم قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل وتجديد الخلق الخامس إن إلا بمعنى سوى كما تقول في الكلام : ما معي رجل إلا زيد ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك قيل : فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود السادس أنه استثناء من الإخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها كما تقول في الكلام : أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره وأنت مقيم على ذلك الفعل فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة قال : ولأهل المعاني قولان آخران فأحد القولين : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم على رأس قبورهم وللمحاسبة وقدر مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب والقول الآخر وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب وتقديره : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم قلت : فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض وذلك مدة العالم وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه وهو قوله سبحانه : يوم تبدل الأرض غير الأرض فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق فمن وفى بذلك العهد فله الجنة ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض فإنما دامتا للمعاملة وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله قال الله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق الدخان فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا فأعلم الله العباد مقدار الخلود ثم قال : إلا ما شاء ربك من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا وقد قيل : إن إلا بمعنى الواو قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن والمعنى : وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا وقد قيل في قوله تعالى : إلا الذين ظلموا أي ولا الذين ظلموا وقال الشاعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان أي والفرقدان وقال أبو محمد مكي : وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو وقد مضى في البقرة بيانه وقيل : معناه كما شاء ربك كقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أي كما قد سلف وهو التاسع العاشر وهو أن قوله تعالى : إلا ما شاء ربك إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على حد قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين الفتح فهو استثناء في واجب وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك كأنه قال : إن شاء ربك فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ويؤيده ويقويه قوله تعالى : عطاء غير مجذوذ ونحوه عن أبي عبيد قال : تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين فوقع لفظ الاستثناء والعزيمة قد تقدمت في الخلود قال : وهذا مثل قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين الفتح وقد علم أنهم يدخلونه حتما فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا إذ المشيئة قد تقدمت بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام ونحوه عن الفراء وقول حادي عشر وهو أن الأشقياء هم السعداء والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم والاستثناء في الموضعين راجع إليهم وبيانه أن ما بمعنى من استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني كأنه قال تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ألا يخلده فيها وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء وبدخلوهم الجنة يسمون السعداء كما روى الضحاك عن بن عباس إذ قال : الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي وأما الذين سعدوا بضم السين وقال أبو عمرو : والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا قال النحاس : ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية إذ كان هذا لحنا لا يجوز لأنه إنما يقال : سعد فلان وأسعده الله وأسعد مثل أمرض وإنما احتج الكسائي بقولهم : مسعود ولا حجة له فيه لأنه يقال : مكان مسعود فيه ثم يحذف فيه ويسمى به قال المهدوي : ومن ضم السين من سعدوا فهو محمول على قولهم : مسعود وهو شاذ قليل لأنه لا يقال : سعده الله إنما يقال : أسعده الله وقال الثعلبي : سعدوا بضم السين أي رزقوا السعادة يقال : سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون سعدوا بفتح السين قياسا على شقوا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقال الجوهري : والسعادة خلاف الشقاوة تقول : منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد مثل سلم فهو سليم وسعد فهو مسعود ولا يقال فيه : مسعد كأنهم استغنوا عنه بمسعود وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : وقد ورد سعده الله فهو مسعود وأسعده الله فهو مسعد فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه : لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لأنه مما لا يتعدى ( عطاء غير مجذوذ ) أي غير مقطوع من جذه يجذه أي قطعه قال النابغة : تجذ السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب قوله تعالى : ( فلا تك ) جزم بالنهي وحذفت النون لكثرة الاستعمال ( في مرية ) أي في شك ( مما يعبد هؤلاء ) من الآلهة أنها باطل وأحسن من هذا : أي قل يا محمد لكل من شك لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء أن الله عز وجل ما أمرهم به وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها نصيبهم من الرزق قاله أبو العالية الثاني نصيبهم من العذاب قاله بن زيد الثالث ما وعدوا به من خير أو شر قاله بن عباس رضي الله عنهما < <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?