Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
الكهف : ( 42 ) وأحيط بثمره فأصبح . . . . . > > < > ( الكهف 42 ) < > قوله تعالى : ( وأحيط بثمره ) اسم ما لم يسم فاعله مضمر وهو المصدر ويجوز أن يكون المخفوض في موضع رفع ومعنى أحيط بثمره أي أهلك ماله كله وهذا أول ما حقق الله تعالى به إنذار أخيه ( فأصبح يقلب كفيه ) أي فأصبح الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما لأن هذا يصدر من النادم وقيل : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق وهذا لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم : في يده مال أي في ملكه مال ودل قوله فأصبح على أن هذا الإهلاك جرى بالليل كقوله فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم القلم ويقال : أنفقت في هذه الدار كذا وأنفقت عليها ( وهي خاوية على عروشها ) أي خالية قد سقط بعضها على بعض مأخوذ من خوت النجوم تخوي خيا أمحلت وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها وأخوت مثله وخوت الدار خواء أقوت وكذلك إذا سقطت ومنه قوله تعالى : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ويقال ساقطة كما يقال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على سقوفها فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل وهذا من أعظم الجوانح مقابلة على بغيه ( ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ) أي يا ليتني عرفت نعم الله علي وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم < < الكهف : ( 43 ) ولم تكن له . . . . . > > < > ( الكهف 43 ) < > قوله تعالى : ( ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ) فئة اسم تكن وله الخبر ينصرونه في موضع الصفة أي فئة ناصرة ويجوز أن يكون ينصرونه الخبر والوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدم له وأبو العباس يخالفه ويحتج بقول الله عز وجل ولم يكن له كفوا أحد الإخلاص وقد أجاز سيبويه الآخر وينصرونه على معنى فئة لأن معناها أقوام ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره أي فرقة وجماعة يلتجىء إليهم ( وما كان منتصرا ) أي ممتنعا قاله قتادة وقيل : مستردا بدل ما ذهب منه وقد تقدم اشتقاق الفئة في آل عمران والهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه أصله فيء مثل فيع لأنه من فاء ويجمع على فئون وفئات مثل شيات ولدات ومئات أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد < < الكهف : ( 44 ) هنالك الولاية لله . . . . . > > < > ( الكهف 44 ) <
> قوله تعالى : ( هنالك الولاية لله الحق ) اختلف في العامل في قوله هنالك وهو ظرف فقيل العامل فيه ولم تكن له فئة ولا كان هنالك أي ما نصر ولا انتصر هنالك أي لما أصابه من العذاب وقيل : تم الكلام عند قوله منتصرا والعامل في قوله هنالك : الولاية وتقديره على التقديم والتأخير : الولاية لله الحق هنالك أي في القيامة وقرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع نعتا للولاية وقرأ أهل المدينة وحمزة الحق بالخفض نعتا لله عز وجل والتقدير : لله ذي الحق قال الزجاج : ويجوز الحق بالنصب على المصدر والتوكيد كما تقول : هذا لك حقا وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي الولاية بكسر الواو الباقون بفتحها وهما بمعنى واحد كالرضاعة والرضاعة وقيل : الولاية بالفتح من الموالاة كقوله الله ولي الذين آمنوا ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا محمد وبالكسر يعني السلطان والقدرة والإمارة كقوله والأمر يومئذ لله الانفطار أي له الملك والحكم يومئذ أي لا يرد أمره إلى أحد والملك في كل وقت لله ولكن تزول الدعاوى والتوهمات يوم القيامة وقال أبو عبيد : إنها بفتح الواو للخالق وبكسرها للمخلوق ( هو خير ثوابا ) أي الله خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به وليس ثم غير يرجى منه ولكنه أراد في ظن الجهال أي هو خير من يرجى ( وخير عقبا ) قرأ عاصم والأعمش وحمزة ويحيى عقبا ساكنة القاف الباقون بضمها وهما بمعنى واحد أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به يقال : هذا عاقبة أمر فلان وعقباه وعقبه أي آخره < < الكهف : ( 45 ) واضرب لهم مثل . . . . . > > < > ( الكهف 45 ) < > قوله تعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا أي شبهها ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ) أي بالماء ( نبات الأرض ) حتى استوى وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر وقد تقدم هذا المعنى في يونس مبينا وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله إني أريد ان أكون من الفائزين قال : ( ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغي ( وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ( فأصبح ) أي النبات ( هشيما ) أي متكسرا من اليبس متفتتا يعني بانقطاع الماء عنه فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه والهشم : كسر الشيء اليابس والهشيم من النبات اليابس المتكسر والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء ومنه قولهم : ما فلان إلا هشيمة كرم إذا كان سمحا ورجل هشيم : ضعيف البدن وتهشم عليه فلان إذا تعطف واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه ويقال : هشم الثريد ومنه سمى هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو وفيه يقول عبد الله بن الزبعري : عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف وكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة وهشم ذلك الخبز يعني كسره وثرده ونحر تلك الإبل ثم أمر الطهاة فطبخوا ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة فكان ذلك أول الحباء بعد السنة التي أصابتهم فسمى بذلك هاشما ( تذروه الرياح ) أي تفرقه قاله أبو عبيدة بن قتيبة : تنسفه بن كيسان : تذهب به وتجيء بن عباس : تديره والمعنى متقارب وقرأ طلحة بن مصرف تذريه الريح قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله تذريه يقال : ذرته الريح تذروه ذروا وتذريه ذريا وأذرته تذريه إذراء إذا طارت به وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته وأنشد سيبويه والفراء : فقلت له صوب ولا تجهدنه فيذرك من أخرى القطاة فتزلق قوله تعالى : ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) من الإنشاء والإفناء والإحياء سبحانه < <
الكهف : ( 46 ) المال والبنون زينة . . . . . > > < > ( الكهف 46 ) <
> قوله تعالى : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) ويجوز زينتا وهو خبر الابتداء في التثنية والإفراد وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالا ونفعا وفي البنين قوة ودفعا فصارا زينة الحياة الدنيا لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين لأن المعنى : المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى كالهشيم حين ذرته الريح إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعدد الآخرة وكان يقال : لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك ويكفي في هذا قول الله تعالى : إنما أموالكم وأولادكم فتنة التغابن وقال تعالى : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قوله تعالى : ( والباقيات الصالحات ) أي ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الطاعات ( خير عند ربك ثوابا ) أي أفضل ( وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن يدل عليه ما روته عائشة رضي الله عنها قالت دخلت علي امرأة مسكينة الحديث وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله يتوارى من القوم النحل الآية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد رأيت رجلا من أمتي أمر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن رب إنه كان يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن وقال قتادة في قوله تعالى فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما الكهف قال أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبي فولدت له اثني عشر غلاما كلهم أنبياء أي أفضل ) أي أفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح وليس في زينة الدنيا خير ولكنه خرج مخرج قوله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وقيل : خير في التحقيق مما يظنه الجهال أنه خير في ظنهم واختلف العلماء في الباقيات الصالحات فقال بن عباس وبن جبير وأبو ميسرة وعمرو بن شرحبيل : هي الصلوات الخمس وعن بن عباس أيضا : أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة وقاله بن زيد ورجحه الطبري وهو الصحيح إن شاء الله لأن كل مابقي ثوابه جاز أن يقال له هذا وقال علي رضي الله عنه : الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون وحرث الآخرة الباقيات الصالحات وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام وقال الجمهور : هي الكلمات المأثورة فضلها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات : إنها قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أسنده النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( استكثروا من الباقيات الصالحات ( قيل : وما هي يا رسول الله قال : ( التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ( صححه أبو محمد عبد الحق رحمه الله وروى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنا فخرطه حتى سقط ورقه وقال : ( إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تحاتت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات ( ذكره الثعلبي وخرجه بن ماجة بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يعني يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها ( وأخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشجرة يابسة الورقة فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال : ( إن الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة ( قال : هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعا من أنس إلا أنه قد رآه ونظر إليه وخرج الترمذي أيضا عن بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ( قال : حديث غريب خرجه الماوردي بمعناه وفيه فقلت : وما غراس الجنة قال : ( لاحول ولا قوة إلا بالله ( وخرج بن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس غرسا فقال : ( يا أبا هريرة مالذي تغرس ( قلت غراسا قال ( ألا أدلك على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة ( وقد قيل : إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمات لأن بها تقبل الأعمال وترفع قاله الحسن وقال عبيد بن عمير : هن البنات يدل عليه أوائل الآية قال الله تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا ثم قال والباقيات الصالحات يعني البنات الصالحات هن عند الله لآبائهن خير ثوابا وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن ويدل عليه ماروته عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي امرأة مسكينة الحديث وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله يتوارى من القوم الآية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لقد رأيت رجلا من أمتي أمر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن رب إنه يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن ( وقال قتادة في قوله تعالى : فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما قال : أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبي فولدت له اثني عشر غلاما كلهم أنبياء < <
الكهف : ( 47 ) ويوم نسير الجبال . . . . . > > < > ( الكهف 47 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ) قال بعض النحويين : التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسير الجبال قال النحاس : وهذا غلط من أجل الواو وقيل : المعنى واذكر يوم نسير الجبال أي نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كما قال في آية أخرى وهي تمر مر السحاب ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وقرأ بن كثير والحسن وأبو عمرو وبن عامر ويوم تسير بتاء مضمومة وفتح الياء والجبال رفعا على الفعل المجهول وقرأ بن محيصن ومجاهد ويوم تسير الجبال بفتح التاء مخففا من سار الجبال رفعا دليل قراءة أبي عمرو وإذا الجبال سيرت ودليل قراءة بن محيصن وتسير الجبال سيرا واختار أبو عبيد القراءة الأولى نسير بالنون لقوله وحشرناهم ومعنى ( بارزة ) ظاهرة وليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان أي قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها وهدم بنيانها فهي بارزة ظاهرة وعلى هذا القول أهل التفسير وقيل : وترى الأرض بارزة أي برز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال وألقت ما فيها وتخلت الانشقاق وقال وأخرجت الأرض أثقالها الزلزلة وهذا قول عطاء ( وحشرناهم ) أي إلى الموقف ( فلم نغادر منهم أحدا ) أي لم نترك يقال : غادرت كذا أي تركته قال عنترة : غادرته متعفرا أوصاله والقوم بين مجرح ومجدل أي تركته والمغادرة الترك ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء وإنما سمى الغدير من الماء غديرا لأن الماء ذهب وتركه ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها يقول : حشرنا برهم وفاجرهم وجنهم وإنسهم < < الكهف : ( 48 ) وعرضوا على ربك . . . . . > > < > ( الكهف 48 ) < > قوله تعالى : ( وعرضوا على ربك صفا ) صفا نصب على الحال قال مقاتل : يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة كل أمة وزمرة صفا لا أنهم صف واحد وقيل جميعا كقوله ثم ائتوا صفا طه أي جميعا وقيل قياما وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حجتكم ويسروا جوابا فإنكم مسئولون محاسبون يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب ( قلت : هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية ولم يذكره كثير من المفسرين وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه والحمد لله ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) أي يقال لهم : لقد جئتمونا حفاة عراة لا مال معكم ولا ولدا وقيل فرادى دليله قوله ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وقد تقدم وقال الزجاج : أي بعثناكم كما خلقناكم ( بل زعمتم ) هذا خطاب لمنكري البعث أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا وأن لن نجعل لكم موعدا للبعث وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ( قلت : يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض قال : ( يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ( غرلا أي غير مختونين وقد تقدم في الأنعام بيانه < < الكهف : ( 49 ) ووضع الكتاب فترى . . . . . > > < > ( الكهف 49 ) <
> قوله تعالى : ( ووضع الكتاب ) الكتاب اسم جنس وفيه وجهان : أحدهما أنها كتب الأعمال في أيدي العباد قاله مقاتل الثاني أنه وضع الحساب قاله الكلبي فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة والقول الأول أظهر ذكره بن المبارك قال : أخبرنا الحكم أو أبو الحكم شك نعيم عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال قال عمر لكعب : ويحك يا كعب حدثنا من حديث الآخرة قال : نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله قال ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش وذلك قوله تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها قال الأسدي : الصغيرة ما دون الشرك والكبيرة الشرك إلا أحصاها قال كعب : ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه الحاقة ثم يدعى بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوى عنقه فذلك قوله وأما من أوتي كتابه وراء ظهره الانشقاق فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول : يا ويلتاه ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر قال بن عباس : الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك يعني ما كان من ذلك في معصية الله عز وجل ذكره الثعلبي وحكى الماوردي عن بن عباس أن الصغيرة الضحك قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية فإن الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية وعلى هذا تكون كبيرة فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم وقد قال تعالى : فتبسم ضاحكا من قولها النمل وقال سعيد بن جبير : إن الصغائر اللمم كالمسيس والقبل والكبيرة المواقعة والزنى وقد مضى في النساء بيان هذا قال قتادة : اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلما فإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه وقد مضى ومعنى أحصاها عدها وأحاط بها وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا ( ووجدوا ماعملوا حاضرا ) أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا وقيل : وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا ( ولايظلم ربك أحدا ) أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد ولا يأخذه بما لم يعمله قاله الضحاك وقيل : لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه < < الكهف : ( 50 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > < > ( الكهف 50 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) تقدم في البقرة هذا مستوفى قال أبو جعفر النحاس : وفي هذه الآية سؤال يقال : ما معنى ففسق عن أمر ربه ففي هذا قولان : أحدهما وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب الفسق أمر ربه كما تقول : أطعمته عن جوع والقول الآخر وهو مذهب محمد بن قطرب أن المعنى : ففسق عن رد أمر ربه ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) وقف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله أفتتخذونه يا بني آدم وذريته أولياء وهم لكم عدو أي اعداء فهو اسم جنس بئس للظالمين بدلا ) أي بئس عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الله أو بئس إبليس بدلا عن الله واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه فقال الشعبي : سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة فقلت : إن ذلك عرس لم أشهده ثم ذكرت قوله أفتتخذونه وذريته أولياء فعلمت أنه لاتكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم وقال مجاهد : إن إبليس ادخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات فهذا أصل ذريته وقيل : إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة فهو يخرج وهو يطير وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة وقال قوم : ليس له أولاد ولا ذرية وذريته أعوانه من الشياطين قال القشيري أبو نصر : والجملة ان الله تعالى أخبر ان لإبليس أتباعا وذرية وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح قلت : الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني أنه خرج في كتابه مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ ( وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه والله أعلم قال بن عطية : وقوله وذريته ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين الذين يأتون بالمنكر ويحملون على الباطل وذكر الطبري وغيره أن مجاهدا قال : ذرية إبليس الشياطين وكان يعدهم : زلنبور صاحب الأسواق يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح وآخر من يغلق وثبر صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب والدعاء بالويل والحرب والأعور صاحب أبواب الزنى ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع وما لم يحسن موضعه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه قال الأعمش : وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت : ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر فأقول : داسم داسم أعوذ بالله منه زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد : والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه السلام والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس فيها ومرة وهو صاحب المزامير وبه يكنى والهفاف يكون بالصحاري يضل الناس ويتيههم ومنهم الغيلان وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب ولقوس صاحب التحريش والأعور صاحب أبواب السلطان قال وقال الداراني : إن لإبليس شيطانا يقال له المتقاضي يتقاضى بن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السر منذ عشرين سنة فيحدث به في العلانية قال بن عطية : وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانا يسمى الولهان قلت : أما ما ذكر من التعيين في الاسم فصحيح وأما أن له أتباعا وأعوانا وجنودا فمقطوع به وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولادا من صلبه كما قال مجاهد وغيره وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث وفي مسند البزار عن سلمان الفارسي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته ( وفي مسند أحمد بن حنبل قال : أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري قال : إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلق زوجته قال : يوشك أن يتزوج ويقول آخر : لم أزل بفلان حتى عق قال : يوشك أن يبر قال ويقول القائل : لم أزل بفلان حتى شرب قال : أنت قال ويقول : لم أزل بفلان حتى زنى قال : أنت قال ويقول : لم أزل بفلان حتى قتل قال : أنت أنت وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيدنيه أو قال فيلتزمه ويقول نعم أنت ( وقد تقدم وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثغر الإسكندرية يقول : إن شيطانا يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين في الصيام فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ عليهم البيوت فيظنون أنهم قد 11 بسم الله الرحمن الرحيم < <
الكهف : ( 51 ) ما أشهدتهم خلق . . . . . > > < > ( الكهف 51 : 53 ) <
> قوله تعالى : ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) قيل : الضمير عائد على إبليس وذريته أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم بل خلقتهم على ما أردت وقيل : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ( ولا خلق أنفسهم ) أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني وقيل : الكناية في قوله : ( ما أشهدتهم ) ترجع إلى المشركين وإلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء وقال بن عطية : وسمعت أبي رضي الله عنه يقول سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدي بالمهدية يقول : سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ويتأول هذا التأويل في هذه الآية وأنها رادة على هذه الطوائف وذكر هذا بعض الأصوليين قال بن عطية وأقول : إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن حين يقولون : أعوذ بعزيز هذا الوادي إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع فهم المراد الأول بالمضلين وتندرج هذه الطوائف في معناهم قال الثعلبي : وقال بعض أهل العلم ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ) رد على المنجمين أن قالوا : إن الأفلاك تحدث في الأرض وفي بعضها في بعض وقوله : ( والأرض ) رد على أصحاب الهندسة حيث قالوا إن الأرض كرية والأفلاك تجري تحتها والناس ملصقون عليها وتحتها وقوله : ( ولا خلق أنفسهم ) رد على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس وقرأ أبو جعفر ( ما أشهدناهم ) بالنون والألف على التعظيم الباقون بالتاء بدليل قوله : ( ما كنت متخذ ) يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم ( وما كنت متخذ المضلين ( يعني الشياطين وقيل الكفار ( عضدا ) أي أعوانا يقال : اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت والأصل فيه عضد اليد ثم يوضع موضع العون لأن اليد قوامها العضد يقال : عضده وعاضده على كذا إذا أعانه وأعزه ومنه قوله : سنشد عضدك بأخيك أي سنعينك بأخيك ولفظ العضد على جهة المثل والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ وقرأ أبو جعفر الجحدري ( وما كنت ) بفتح التاء أي وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا وفي عضد ثمانية أوجه : ( عضدا ) بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور وهي أفصحها و ( عضدا ) بفتح العين وإسكان الضاد وهي لغة بني تميم و ( عضدا ) بضم العين والضاد وهي قراءة أبي عمرو والحسن و ( عضدا ) بضم العين وإسكان الضاد وهي قراءة عكرمة و ( عضدا ) بكسر العين وفتح الضاد وهي قراءة الضحاك و ( عضدا ) بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر وحكى هارون القارئ ( عضدا ) واللغة الثامنة ( عضدا ) على لغة من قال : كتف وفخذ قوله تعالى : ( ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ) أي اذكروا يوم يقول الله : أين شركائي أي ادعوا الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي وإنما يقول ذلك لعبدة الأوثان وقرأ حمزة ويحيى وعيسى بن عمر ( نقول ) بنون الباقون بالياء لقوله : ( شركائي ) ولم يقل : شركائنا ( فدعوهم ) أي فعلوا ذلك ( فلم يستجيبوا لهم ) أي لم يجيبوهم إلى نصرهم ولم يكفوا عنهم شيئا ( وجعلنا بينهم موبقا ) قال أنس بن مالك : هو واد في جهنم من قيح ودم وقال بن عباس : أي وجعلنا بين المؤمنين والكافرين حاجزا وقيل : بين الأوثان وعبدتها نحو قوله : ( فزيلنا بينهم قال بن الأعرابي : كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق وذكر بن وهب عن مجاهد في قوله تعالى : ( موبقا ) قال واد في جهنم يقال له موبق كذلك قال نوف البكالي إلا أنه قال : يحجز بينهم وبين المؤمنين عكرمة : هو نهر في جهنم يسيل نارا على حافتيه حيات مثل البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار وروى زيد بن درهم عن أنس بن مالك قال : ( موبقا ( واد من قيح ودم في جهنم وقال عطاء والضحاك : مهلكا في جهنم ومنه يقال : أوبقته ذنوبه ايباقا وقال أبو عبيدة : موعدا للهلاك الجوهري : وبق يبق وبوقا هلك والموبق مثل الموعد مفعل من وعد يعد ومنه قوله تعالى : ( وجعلنا بينهم موبقا ) وفيه لغة أخرى : وبق يوبق وبقا وفيه لغة ثالثة : وبق يبق بالكسر فيهما وأوبقه أي أهلكه وقال زهير : ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه من كل شنعاء موبق قال الفراء : جعل تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة قوله تعالى : ( ورأى المجرمون النار ) ( رأى ) أصله رأى قلبت الياء ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها ولهذا زعم الكوفيون أن ( رأى ) يكتب بالياء وتابعهم على هذا القول بعض البصريين فأما البصريون الحذاق منهم محمد بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف ولا فرق بين ذوات الياء وبين ذوات الواو في الخط كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء ورماه بالألف فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ثم يكتبون ضحا جمع ضحوة وكسا جمع كسوة وهما من ذوات الواو بالياء وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل ( فظنوا أنهم مواقعوها ) ( فظنوا ) هنا بمعنى اليقين والعلم كما قال : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج أي أيقنوا وقد تقدم قال بن عباس : أيقنوا أنهم مواقعوها وقيل : رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها وظنوا أنها تأخذهم في الحال وفي الخبر : ( إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ( والمواقعة ملابسة الشيء بشدة وعن علقمة أنه قرأ ( فظنوا أنهم ملافوها ( أي مجتمعون فيها واللفف الجمع ( ولم يجدوا عنها مصرفا ) أي مهربا لاحاطتها بهم من كل جانب وقال القتبي : معدلا ينصرفون إليه وقيل : ملجأ يلجئون إليه والمعنى واحد وقيل : ولم تجد الأصنام مصرفا للنار عن المشركين < <
الكهف : ( 54 ) ولقد صرفنا في . . . . . > > < > ( الكهف 54 : 59 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ) يحتمل وجهين : أحدهما ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية الثاني ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في سبحان فهو على الوجه الأول زجر وعلى الثاني بيان ( وكان الانسان أكثر شيء جدلا ) أي جدالا ومجادلة والمراد به النضر بن الحرث وجداله في القرآن وقيل : الآية في أبي بن خلف وقال الزجاج : أي الكافر أكثر شيء جدلا والدليل على أنه أراد الكافر قوله : ويجادل الذين كفروا بالباطل وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له ما صنعت فيما أرسلت إليك فيقول رب آمنت بك وصدقت برسلك وعملت بكتابك فيقول الله له هذه صحيفتك ليس فيها شيء من ذلك فيقول يارب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول ولا أقبلهم يارب وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى هذا اللوح المحفوظ أم الكتاب قد شهد بذلك فقال يارب ألم تجرني من الظلم قال بلى فقال يارب لا أقبل إلا شاهدا علي من نفسي فيقول الله تعالى الآن نبعث عليك شاهدا من نفسك فيتفكر من ذا الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يخلى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإن بعضه ليلعن بعضا يقول لأعضائه لعنكن الله فعنكن كنت أناضل فتقول أعضاؤه لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يكتم حديثا فذلك قوله تعالى ( وكان الانسان أكثر شيء جدلا ) أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضا وفي صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال : ( ألا تصلون ( فقلت : يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول : ( وكان الانسان أكثر شيء جدلا ) قوله تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) أن القرآن والاسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام ( ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) أي سنتنا في إهلاكهم أي ما منعهم عن الايمان إلا حكمي عليهم بذلك ولو حكمت عليهم بالايمان آمنوا وسنة الأولين عادة الأولين في عذاب الاستئصال وقيل المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين فحذف وسنة الأولين معاينة العذاب فطلب المشركون ذلك وقالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية ( أو يأتيهم العذاب قبلا ) نصب على الحال ومعناه عيانا قاله بن عباس وقال الكلبي : هو السيف يوم بدر وقال مقاتل : فجأة وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي ( قبلا ) بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كله جمع قبيل نحو سبيل وسبل النحاس : ومذهب الفراء أن ( قبلا ) جمع قبيل أي متفرقا يتلو بعضه بعضا ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا وقال الأعرج : وكانت قراءته ( قبلا ) معناه جميعا وقال أبو عمرو : وكانت قراءته ( قبلا ) ومعناه عيانا قوله تعالى : ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ) أي بالجنة لمن آمن ( ومنذرين ) أي مخوفين بالعذاب من كفر وقد تقدم ( ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ) قيل : نزلت في المقتسمين كانوا يجادلون في الرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون : ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدم ومعنى ( يدحضوا ) يزيلوا ويبطلوا وأصل الدحض الزلق يقال : دحضت رجله أي زلقت تدحض دحضا ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت ودحضت حجته دحوضا بطلت وأدحضها الله والادحاض الإزلاق وفي وصف الصراط : ( ويضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم سلم سلم ( قيل : يا رسول الله وما الجسر قال : ( دحض مزلقة ( أي تزلق فيه القدم قال طرفة : أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض ( واتخذوا آياتي ) يعني القرآن ( وما أنذروا ) من الوعيد ( هزوا ) و ( ما ) بمعنى المصدر أي والإنذار وقيل : بمعنى الذي أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا وقد تقدم في البقرة بيانه وقيل : هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم وقيل : هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين وقالوا للرسول : هل هذا إلا بشر مثلكم وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وماذا أراد الله بهذا مثلا قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ) أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه فتهاون بها وأعرض عن قبولها ( ونسي ما قدمت يداه ) أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها فالنسيان هنا بمعنى الترك وقيل : المعنى نسي ما قدم لنفسه وحصل من العذاب والمعنى متقارب ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) بسبب كفرهم أي نحن منعنا الايمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم ( وإن تدعهم إلى الهدى ) أي إلى الايمان ( فلن يهتدوا إذا أبدا ) نزل في قوم معينين وهو يرد على القدرية قولهم وقد تقدم معنى هذه الآية في سبحان وغيرها قوله تعالى : ( وربك الغفور ذو الرحمة ) أي للذنوب وهذا يختص به أهل الايمان دون الكفرة بدليل قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ( ذو الرحمة ) فيه أربع تأويلات : أحدها ذو العفو الثاني ذو الثواب وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر الثالث ذو النعمة الرابع ذو الهدى وهو على هذين الوجهين يعم أهل الايمان والكفر لأنه ينعم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر ومعنى قوله : ( لو يؤاخذهم بما كسبوا ) أي من الكفر والمعاصي ( لعجل لهم العذاب ) ولمنه يمهل ( بل لهم موعد ) أي أجل مقدر يؤخرون إليه نظيره لكل نبإ مستقر لكل أجل كتاب أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة ( لن يجدوا من دونه موئلا ) أي ملجأ قاله بن عباس وبن زيد وحكاه الجوهري في الصحاح وقد وأل يئل وألا ووءولا على فعول أي لجأ وواءل منه على فاعل أي طلب النجاة وقال مجاهد : محرزا قتادة : وليا وأبو عبيدة : منجى وقيل : محيصا والمعنى واحد والعرب تقول : لا وألت نفسه أي لا نجت ومنه قول الشاعر : لا وألت نفسك خليتها للعامريين ولم تكلم وقال الأعشى : وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي ما ينجو قوله تعالى : ( وتلك القرى أهلكناهم ) ( تلك ) في موضع رفع بالابتداء ( القرى ) نعت أو بدل و ( أهلكناهم ) في موضع الخبر محمول على المعنى لأن المعنى أهل القرى ويجوز أن تكون ( تلك ) في موضع نصب على قول من قال : زيدا ضربته أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم نحو قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا ( وجعلنا لمهلكهم موعدا ) أي وقتا معلوما لم تعده و ( مهلك ) من أهلكوا وقرأ عاصم ( مهلكهم ) بفتح الميم واللام وهو مصدر هلك وأجاز الكسائي والفراء ( لمهلكهم ) بكسر اللام وفتح الميم النحاس : قال الكسائي وهو أحب إلي لأنه من هلك الزجاج : اسم للزمان والتقدير : لوقت مهلكهم كما يقال : أتت الناقة على مضربها < <
الكهف : ( 60 ) وإذ قال موسى . . . . . > > < > ( الكهف 60 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ) الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره وقالت فرقة منها نوف البكالي : إنه ليس بن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران وقد رد هذا القول بن عباس في صحيح البخاري وغيره وفتاه : هو يوشع بن نون وقد مضى ذكره في المائدة وآخر يوسف ومن قال هو بن منشا فليس الفتى يوشع بن نون ( لا أبرح ) أي لا أزال أسير قال الشاعر : وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقا مجيدا وقيل : ( لا أبرح ) لاأفارقك ( حتى أبلغ مجمع البحرين ) أي ملتقاهما قال قتادة : وهو بحر فارس والروم وقاله مجاهد قال بن عطية : وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام هو مجمع البحرين على هذا القول وقيل : هما بحر الأردن وبحر القلزم وقيل : مجمع البحرين عند طنجة قاله محمد بن كعب وروى عن أبي بن كعب أنه بأفريقية وقال السدي : الكر والرس بأرمينية وقال بعض أهل العلم : هو بحر الأندلس من البحر المحيط حكاه النقاش وهذا مما يذكر كثيرا وقالت فرقة : إنما هما موسى والخضر وهذا قول ضعيف وحكى عن بن عباس ولا يصح فإن الأمر بين من الأحاديث أنه إنما وسم له بحر ماء وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم ( وذكر الحديث واللفظ للبخاري وقال بن عباس : لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه فذكرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون وأهلك عدوهم واستخلفهم في الأرض ثم قال : وكلم الله نبيكم تكليما واصطفاه لنفسه وألقى علي محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فجعلكم أفضل أهل الأرض ورزقكم العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والتوراة بعد أن كنتم جهالا فقال له رجل من بني إسرائيل : عرفنا الذي تقول فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله قال : لا فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه فبعث الله جبريل : أن يا موسى وما يدريك أين أضع علمي بلى إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك وذكر الحديث قال علماؤنا : قوله في الحديث ( هو أعلم منك ( أي بأحكام وقائع مفصلة وحكم نوازل معينة لا مطلقا بدليل قول الخضر لموسى : إنك على علم علمكه الله لا أعلمه أنا وأنا على علم علمنيه لا تعلمه أنت وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ولا يعلمه الآخر فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة وهمته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم وللقاء من قيل فيه : وقيل له احمل معك حوتا مالحا في مكتل وهو الزنبيل فحيث يحيا وتفقده فثم السبيل فانطلق مع فتاه لما واتاه مجتهدا طلبا قائلا : ( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ) ( أو أمضي حقبا في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وذلك كان في دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام قال البخاري ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث ) بضم الحاء والقاف وهو الدهر والجمع أحقاب وقد تسكن قافه فيقال : حقب وهو ثمانون سنة ويقال : أكثر من ذلك والجمع حقاب والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وهي السنون الثانية في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الإزدياد من العلم والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وذلك كان في دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام قال البخاري : ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث الثالثة في قوله : ( وإذ قال موسى لفتاه ) للعلماء فيه ثلاثة أقوال : أحدهما أنه كان معه يخدمه والفتى في كلام العرب الشاب ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم فتى على وجهه حسن الأدب وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي ( فهذا ندب إلى التواضع وقد تقدم هذا في يوسف والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف عليه السلام ويقال : هو بن أخت موسى عليه السلام وقيل : إنما سمي فتى موسى لأنه لزمه ليتعلم منه وإن كان حرا وهذا معنى الأول وقيل : إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو العبد قال الله تعالى : وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم وقال : تراود فتاها عن نفسه قال بن العربي : فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد وفي الحديث : أنه كان يوشع بن نون وفي [ التفسير ] أنه بن أخته وهذا كله مما لا يقطع به والتوقف فيه أسلم الرابعة قوله تعالى : ( أو أمضي حقبا ) قال عبد الله بن عمر : والحقب ثمانون سنة مجاهد : سبعون خريفا قتادة : زمان النحاس : الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود كما أن رهطا وقوما مبهم غير محدود : وجمعه أحقاب < <
الكهف : ( 61 ) فلما بلغا مجمع . . . . . > > < > ( الكهف 61 : 65 ) <
> قوله تعالى : ( فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا ) الضمير في قوله : ( بينهما ) للبحرين قاله مجاهد والسرب المسلك قاله مجاهد وقال قتادة : جمد الماء فصار كالسرب وجمهور المفسرين أن الحوت بقي في موضع سلوكه فارغا وأن موسى مشى عليه متبعا للحوت حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر وفيها وجد الخضر وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر وقوله : ( نسيا حوتهما ) وإنما كان النسيان من الفتى وحده فقيل : المعنى نسى أن يعلم موسى بما رأى من حاله فنسب النسيان إليهما للصحبة كقوله تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن وإنما يخرج من الملح وقوله : يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم وإنما الرسل من الانس لا من الجن وفي البخاري فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال : ما كلفت كثيرا فذلك قوله عز وجل : ( وإذ قال موسى لفتاه ) يوشع بن نون ليست عن سعيد قال فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه : لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو : هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما وفي رواية : وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : ( آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به فقال له فتاه : ( أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) وقيل : إن النسيان كان منهما لقوله تعالى : ( نسيا ) فنسب النسيان إليهما وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به فلما مضيا كان فتاه هو الحامل له حتى أويا إلى الصخرة نزلا ( فلما جاوزا ) يعني الحوت هناك منسيا أي متروكا فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه عند المخاطبة وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو الصخرة فقد كان موسى شريكا في النسيان لأن النسيان التأخير من ذلك قولهم في الدعاء : أنسأ الله في أجلك فلما مضيا من الصخرة أخرا حوتهما عن حمله فلم يحمله واحد منهما فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت قوله تعالى : ( آتنا غداءنا ) فيه مسألة واحدة وهو اتخاذ الزاد في الأسفار وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار الذين يقتحمون المهامه والقفار زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه وتوكله على رب العباد وفي صحيح البخاري : إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا سألوا الناس فأنزل الله تعالى ( وتزودوا ) وقد مضى هذا في البقرة واختلف في زاد موسى ما كان فقال بن عباس : كان حوتا مملوحا في زنبيل وكانا يصيبان منه غداء وعشاء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل فقلب المكتل وانسرب الحوت ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى وقيل : إنما كان الحوت دليلا على موضع الخضر لقوله في الحديث : احمل معك حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثم على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير الحوت وهذا ذكره شيخنا الامام أبو العباس واختاره وقال بن عطية : قال أبي رضي الله عنه سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه : مشى موسى إلى المناجاة فبقى أربعين يوما لم يحتج إلى طعام ولما مشي إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم وقوله : ( نصبا ) أي تعبا والنصب التعب والمشقة وقيل : عنى به هنا الجوع وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الانسان من الألم والأمراض وأن ذلك لا يقدح في الرضا ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط وفي قوله : ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) أن مع الفعل بتأويل المصدر وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في ( أنسانيه ) وهو بدل الظاهر من المضمر أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان وفي مصحف عبد الله وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت فقال : ما كلفت كثيرا فاعتذر بذلك القول قوله تعالى : ( واتخذ سبيله في البحر عجبا ) يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس ويحتمل أن يكون قوله : ( واتخذ سبيله في البحر ) تمام الخبر ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه : ( عجبا ) لهذا الأمر وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقه الأيسر ثم حي بعد ذلك قال أبو شجاع في كتاب [ الطبري ] : رأيته أتيت به فإذا هو شق حوت وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء قال بن عطية : وأنا رأيته والشق الذي ليس فيه شيء عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة ويحتمل أن يكون قوله : ( واتخذ سبيله ) إخبارا من الله تعالى وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجبا أي تعجب منه وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس ومن غريب ما روي في البخاري عن بن عباس من قصص هذه الآية : أن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هناك تدعى عين الحياة ما مست قط شيئا إلا حيي وفي [ التفسير ] : إن العلامة كانت أن يحيا الحوت فقيل : لما نزل موسى بعد ما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة أصاب الحوت شيء من ذلك الماء فحيي وقال الترمذي في حديثه قال سفيان : يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ولا يصيب ماؤها شيئا إلا عاش قال : وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش وذكر صاحب كتاب [ العروس ] أن موسى عليه السلام توضأ من عين الحياة فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي والله أعلم قوله تعالى : ( ذلك ما كنا نبغي ) أي قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب فإن الرجل الذي جئنا له ثم فرجعا يقصان آثارهما لئلا يخطئا طريقهما وفي البخاري : فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال : هل بأرضك من سلام من أنت قال : أنا موسى قال : موسى بني إسرائيل قال : نعم قال : فما شأنك قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا الحديث وقال الثعلبي في كتاب [ العرائس ] : إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو متشح بثوب أخضر فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه فقال : وأنى بأرضنا السلام ثم رفع رأسه واستوى جالسا وقال : وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال له موسى : وما أدراك بي ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل قال : الذي أدراك بي ودلك علي ثم قال : يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل قال موسى : إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك ثم جلسا يتحدثان فجاءت خطافة وحملت بمنقارها من الماء وذكر الحديث على ما يأتي قوله تعالى : ( فوجدا عبدا من عبادنا ) العبد هو الخضر عليه السلام في قول الجمهور وبمقتضى الأحاديث الثابتة وخالف من لا يعتد بقوله فقال : ليس صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر وحكى أيضا هذا القول القشيري قال : وقال قوم هو عبد صالح والصحيح أنه كان الخضر بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد : سمى الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء ( هذا حديث صحيح غريب الفروة هنا وجه الأرض قاله الخطابي وغيره والخضر نبي عند الجمهور وقيل : هو عبد صالح غير نبي والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي وأيضا فإن الانسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي وقيل : كان ملكا أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن والأول الصحيح والله أعلم قوله تعالى : ( آتيناه رحمة من عندنا ) الرحمة في هذه الآية النبوة وقيل : النعمة ( وعلمناه من لدنا علما ) أي علم الغيب بن عطية : كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطى ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم < <
الكهف : ( 66 ) قال له موسى . . . . . > > < > ( الكهف 66 : 70 ) < > قوله تعالى : ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ) فيه مسئلتان : الاولى قوله تعالى : ( قال له موسى هل أتبعك ) هذا سؤال الملاطف والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب المعنى : هل يتفق لك ويخف عليك وهذا كما في الحديث : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء حسب ما تقدم بيانه في المائدة الثانية في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول والفضل لمن فضله الله فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه لأنه نبي والنبي أفضل من الولي وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة والله أعلم ( ورشدا ) مفعول ثان بت ( علمني ( قال ) الخضر : ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب وهو معنى قوله : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) والأنبياء لا يقرون على منكر ولا يجوز لهم التقرير أي لا يسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك وانتصب ( خبرا ) على التمييز المنقول عن الفاعل وقيل : على المصدر الملاقى في المعنى لأن قوله : ( لم تحط ) معناه لم تخبره فكأنه قال : لم تخبره خبرا وإليه أشار مجاهد والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها قوله تعالى : ( قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) أي سأصبر بمشيئة الله ( ولا أعصي لك أمرا ) أي قد ألزمت نفسي طاعتك وقد اختلف في الاستثناء هل هو يشمل قوله : ( ولا أعصي لك أمرا ) أم لا فقيل : يشمله كقوله : والذاكرين الله كثيرا والذاكرات وقيل : استثنى في الصبر فصبر وما استثنى في قوله : ( ولا أعصي لك أمرا ) فاعترض وسأل قال علماؤنا : إنما كان ذلك منه لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدري كيف يكون حاله فيه ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبا لنا بخلاف فعل المعصية وتركه فإن ذلك كله مكتسب لنا والله أعلم قوله تعالى : ( قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ) أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة فلو صبر ودأب لرأى العجب لكنه أكثر من الاعتراض فتعين الفراق والاعراض < < الكهف : ( 71 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . > > < > ( الكهف 71 : 73 ) <
> قوله تعالى : ( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ) فيه مسألتان : الاولى في صحيح مسلم والبخاري : فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع منها لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ( لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكانت الأولى من موسى نسيانا ( قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة في البحر فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر قال علماؤنا : حرف السفينة طرفها وحرف كل شيء طرفه ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد والعلم هنا بمعنى المعلوم كما قال ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلوماته وهذا من الخضر تمثيل أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر وإنما مثل له ذلك بالبحر لأنه أكثر ما يشاهده مما بين أيدينا وإطلاق لفظ النقص هنا تجوز قصد به التمثيل والتفهيم إذ لا نقص في علم الله ولا نهاية لمعلوماته وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال : والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر وفي [ التفسير ] عن أبي العالية : لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين من أراد الله له أن يريه ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة وقيل : خرج أهل السفينة إلى جزيرة وتخلف الخضر فخرق السفينة وقال بن عباس : لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية وقال في نفسه : ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني قال له الخضر : يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك قال : نعم قال : كذا وكذا قال : صدقت ذكره الثعلبي في كتاب [ العرائس ] الثانية في خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرب بعضه وقال أبو يوسف : يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض وقرأ حمزة والكسائي ( ليغرق ) بالياء ( أهلها ) بالرفع فاعل يغرق فاللام على قراءة الجماعة في ( لتغرق ) لام المآل مثل ( ليكون لهم عدوا وحزنا ) وعلى قراءة حمزة لام كي ولم يقل لتغرقني لأن الذي غلب عليه في الحال فرط الشفقة عليهم ومراعاة حقهم و ( إمرا ) معناه عجبا قاله القتبي وقيل : منكرا قاله مجاهد وقال أبو عبيدة : الإمر الداهية العظيمة وأنشد : قد لقى الأقران مني نكرا داهية دهياء إدا إمرا وقال الأخفش : يقال أمر أمره يأمر أمرا إذا اشتد والاسم الإمر قوله تعالى : ( قال لاتؤاخذني بما نسيت ) في معناه قولان : أحدهما يروى عن بن عباس قال : هذا من معاريض الكلام والآخر أنه نسي فاعتذر ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة وأنه لا يدخل تحت التكليف ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره وقد تقدم ولو نسي في الثانية لاعتذر < < الكهف : ( 74 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . > > < > ( الكهف 74 : 76 ) <
> قوله تعالى : ( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ) في البخاري قال يعلى قال سعيد : وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ( قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ) لم تعمل بالحنث وفي الصحيحين وصحيح الترمذي : ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله قال له موسى : ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ) قال : وهذه أشد من الأولى ( قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ) لفظ البخاري وفي [ التفسير ] : إن الخضر مر بغلمان يلعبون فأخذ بيده غلاما ليس فيهم أضوأ منه وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال أبو العالية : لم يره إلا موسى ولو رأوه لحالوا بينه وبين الغلام قلت : ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة فإنه يحتمل أن يكون دمغه أولا بالحجر ثم أضجعه فذبحه ثم اقتلع رأسه والله أعلم بما كان من ذلك وحسبك بما جاء في الصحيح وقرأ الجمهور ( زاكية ) بالألف وقرأ الكوفيون وبن عامر ( زكية ) بغير ألف وتشديد الياء قيل : المعنى واحد قاله الكسائي وقال ثعلب : الزكية أبلغ قال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت قوله تعالى : ( غلاما ) اختلف العلماء في الغلام هل كان بالغا أم لا فقال الكلبي : كان بالغا يقطع الطريق بين قريتين وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين وأمه من عظماء القرية الأخرى فأخذه الخضر فصرعه ونزع رأسه عن جسده قال الكلبي : واسم الغلام شمعون وقال الضحاك : حيسون وقال وهب : اسم أبيه سلاس واسم أمه رحمى وحكى السهيلي أن اسم أبيه كازير واسم أمه سهوى وقال الجمهور : لم يكن بالغا ولذلك قال موسى زاكية لم تذنب وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ وتقابله الجارية في النساء وكان الخضر قتله لما علم من سره وأنه طبع كافرا كما في صحيح الحديث وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفرا وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله في ذلك فإن الله تعالى الفعال لما يريد القادر على ما يشاء وفي كتاب [ العرائس ] إن موسى لما قال للخضر : ( أقتلت نفسا زكية ) الآية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا في عظم كتفه مكتوب : كافر لا يؤمن بالله أبدا وقد احتج أهل القول الأول بأن العرب تبقى على الشاب اسم الغلام ومنه قول ليلى الأخيلية : شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها وقال صفوان لحسان : تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر وفي الخبر : إن هذا الغلام كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه ممن يطلبه قالوا وقوله : ( بغير نفس ) يقتضى أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس وإنما جاز قتله لأنه كان بالغا عاصيا قال بن عباس : كان شابا يقطع الطريق وذهب بن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف لقراءة أبي وبن عباس ( وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ( والكفر والايمان من صفات المكلفين ولا يطلق على غير مكلف إلا بحكم التبعية لأبويه وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ فتعين أن يصار إليه والغلام من الاغتلام وهو شدة الشبق قوله تعالى : ( نكرا ) اختلف الناس أيهما أبلغ ( إمرا ) أو قوله ( نكرا ) فقالت فرقة : هذا قتل بين وهناك مترقب ف ( نكرا ) أبلغ وقالت فرقة : هذا قتل واحد وذاك قتل جماعة ف ( إمرا ) أبلغ قال بن عطية : وعندي أنهما لمعنيين وقوله : ( إمرا ) أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم و ( نكرا ) بين في الفساد لأن مكروهه قد وقع وهذا بين قوله : ( إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ) شرط وهو لازم والمسلمون عند شروطهم وأحق الشروط أن يوفى به ما التزمه الأنبياء والتزم للأنبياء وقوله : ( قد بلغت من لدني عذرا ) يدل على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقا وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع قاله بن العربي بن عطية : ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة وأيام المتلوم ثلاثة فتأمله قوله تعالى : ( فلا تصاحبني ) كذا قرأ الجمهور أي تتابعني وقرأ الأعرج ( تصحبني ) بفتح التاء والباء وتشديد النون وقريء ( تصحبني ) أي تتبعني وقرأ يعقوب ( تصحبني ) بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو قال الكسائي : معناها لا تتركني أصحبك ( قد بلغت من لدني عذرا ) أي بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي وقرأ الجمهور : ( من لدني ) بضم الدال إلا أن نافعا وعاصما خففا النون فهي ( لدن ) اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه وقرأ أبو بكر عن عاصم ( لدني ) بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وروى عن عاصم ( لدني ) بضم اللام وسكون الدال قال بن مجاهد : وهي غلط قال أبو علي : هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة وقرأ الجمهور ( عذرا ) وقرأ عيسى ( عذرا ) بضم الذال وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( عذرى ) بكسر الراء وياء بعدها مسألة أسند الطبري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما : ( رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى العجب ولكنه قال ( فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ) والذي في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب ( قال : وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه : رحمة الله علينا وعلى أخي كذا وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما ( الذمامة بالذال المعجمة المفتوحة وهو بمعنى المذمة بفتح الذال وكسرها وهي الرقة والعار من تلك الحرمة : يقال أخذتني منك مذمة ومذمة وذمامة وكأنه استحيا من تكرار مخالفته ومما صدر عنه من تغليظ الانكار < <
الكهف : ( 77 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . > > < > ( الكهف 77 : 78 ) <
> فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( حتى إذا أتيا أهل قرية ) في صحيح مسلم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : لئاما فطافا في المجالس ف ( استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) يقول : مائل قال : ( فأقامه ) الخضر بيده قال له موسى : قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما ( الثانية واختلف العلماء في القرية فقيل : هي أبلة قاله قتادة وكذلك قال محمد بن سيرين وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء وقيل : أنطاكية وقيل : بجزيرة الأندلس روى ذلك عن أبي هريرة وغيره ويذكر أنها الجزيرة الخضراء وقالت فرقة : هي باجروان وهي بناحية أذربيجان وحكى السهيلي وقال : إنها برقة الثعلبي : هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك الثالثة كان موسى عليه السلام حين سقى لبنتي شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر ولم يسأل قوتا بل سقى ابتداء وفي القرية سألا القوت وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة منها أن موسى كان في حديث مدين منفردا وفي قصة الخضر تبعا لغيره قلت : وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أول الآية لفتاه ( آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع والله أعلم وقيل : لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت الرابعة في هذه الآية دليل على سؤال القوت وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه خلافا لجهال المتصوفة والاستطعام سؤال الطعام والمراد به هنا سؤال الضيافة بدليل قوله : ( فأبوا أن يضيفوهما فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا وينسبوا إلى اللؤم والبخل كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام قال قتادة في هذه الآية : شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة وهذا هو الأليق بحال الأنبياء ومنصب الفضلاء والأولياء وقد تقدم القول في الضيافة في هود والحمد لله ويعفو الله عن الحريري حيث استخف في هذه الآية وتمجن وأتى بخطل من القول وزل فاستدل بها على الكدية والإلحاح فيها وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال : وإن رددت فما في الرد منقصة عليك قد رد موسى قبل والخضر قلت : وهذا لعب بالدين وانسلال عن احترام النبيين وهي شنشنة أدبية وهفوة سخافية ويرحم الله السلف الصالح فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح فقالوا : مهما كنت لاعبا بشيء فإياك أن تلعب بدينك الخامسة قوله تعالى : ( جدادا ) الجدار والجدر بمعنى وفي الخبر : ( حتى يبلغ الماء الجدر ( ومكان جدير بني حواليه جدار وأصله الرفع وأجدرت الشجرة طلعت ومنه الجدري السادسة قوله تعالى : ( يريد أن ينقض ) أي قرب أن يسقط وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله : ( مائل ( فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن وهو مذهب الجمهور وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير فمن ذلك قول الأعشى أتنتهون ولا ينهى ذوى شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل فأضاف النهى إلى الطعن ومن ذلك قول الآخر : يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل وقال آخر : إن دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهم بالاحسان وقال آخر : في مهمه فلقت به هاماتها فلق الفؤس إذا أردن نصولا أي ثبوتا في الأرض من قولهم : نصل السيف إذا ثبت في الرمية فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج وقال حسان بن ثابت : لو أن اللؤم ينسب كان عبدا قبيح الوجه أعور من ثقيف وقال عنترة : فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقد فسر هذا المعنى بقوله : لو كان يدري ما المحاورة اشتكى وهذا في هذا المعنى كثير جدا ومنه قول الناس : إن داري تنظر إلى دار فلان وفي الحديث : ( اشتكت النار إلى ربها ( وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن منهم أبو إسحاق الاسفرايني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما فإن كلام الله عز وجل وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين لأنه يقص الحق كما أخبر الله تعالى في كتابه ومما احتجوا به أن قالوا : لو خاطبنا الله تعالى بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز أيضا فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة وهو على الله تعالى محال قال الله تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون النور وقال تعالى : وتقول هل من مزيد ق وقال تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وقال تعالى : تدعو من أدبر وتولى المعارج واشتكت النار إلى ربها واحتجت النار والجنة وما كان مثلها حقيقة وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها وفي صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه هذا في الآخرة وأما في الدنيا ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده ( قال أبو عيسى : وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حديث حسن غريب السابعة قوله تعالى : ( فأقامه ) قيل : هدمه ثم قعد يبنيه فقال موسى للخضر : ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) لأنه فعل يستحق أجرا وذكر أبو بكر الأنباري عن بن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه ) قال أبو بكر : وهذا الحديث إن صح سنده فهو جار من الرسول عليه الصلاة والسلام مجرى التفسير للقرآن وأن بعض الناقلين أدخل تفسير قرآن في موضع فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف عثمان على ما قاله بعض الطاعنين وقال سعيد بن جبير : مسحه بيده وأقامه فقام وهذا القول هو الصحيح وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل والأولياء وفي بعض الأخبار : إن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسون ذراعا فأقامه الخضر عليه السلام أي سواه بيده فاستقام قاله الثعلبي في كتاب [ العرائس ] فقال موسى للخضر : ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) أي طعاما تأكله ففي هذا دليل على كرامات الأولياء وكذلك ما وصف من أحوال الخضر عليه السلام في هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي وقوله تعالى : ( وما فعلته عن أمري الكهف ) يدل على نبوءته وأنه يوحى إليه بالتكليف والأحكام كما أوحى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير أنه ليس برسول والله أعلم الثامنة واجب على الانسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه بل يسرع في المشي إذا كان مارا عليه لأن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي ( قال أبو عبيد القاسم بن سلام : كان أبو عبيدة يقول : الطربال شبيه بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة والبناء المرتفع قال جرير : ألوى بها شذب العروق مشذب فكأنما وكنت على طربال يقال منه : وكن يكن إذا جلس وفي الصحاح : الطربال القطعة العالية من الجدار والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل وطرابيل الشام صوامعها ويقال : طربل بوله إذا مده إلى فوق التاسعة كرامات الأولياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف والصيفية في الشتاء على ما تقدم وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت وهي ليست بنبية على الخلاف ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار قال بعض العلماء : ولا يجوز أن يقال كان نبيا لأن إثبات النبوة لا يجوز بأخبار الآحاد لا سيما وقد روى من طريق التواتر من غير أن يحتمل تأويلا بإجماع الأمة قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا نبي بعدي ( وقال تعالى : ( وخاتم النبيين ) والخضر وإلياس جميعا باقيان مع هذه الكرامة فوجب أن يكونا غير نبيين لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى انه ينزل بعده قلت : الخضر كان نبيا على ما تقدم وليس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي أي يدعي النبوة بعده أبدا والله أعلم العاشرة اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم لا على قولين : أحدهما أنه لا يجوز وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بعين خوف المكر لأنه لا يأمن أن يكون مكرا واستدراجا له وقد حكى عن السري أنه كان يقول : لو أن رجلا دخل بستانا فكلمه من رأس كل شجرة طير بلسان فصيح : السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذلك مكرا لكان ممكورا به ولأنه لو علم أنه ولي لزال عنه الخوف وحصل له الأمن ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة كما قال عز وجل : تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا فصلت ولأن الولي من كان مختوما له بالسعادة والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالخواتيم ( القول الثاني أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن يعلم أنه ولي ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه ولي الله تعالى فجاز له أن يعلم ذلك وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم بل كانوا أكثر تعظيما لله سبحانه وتعالى وأشد خوفا وهيبة فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم وكان الشبلي يقول : أنا أمان هذا الجانب فلما مات ودفن عبر الديلم دجلة ذلك اليوم واستولوا على بغداد ويقول الناس : مصيبتان موت الشبلي وعبور الديلم ولا يقال : إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجا لأنه لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله لجواز أن يكون ذلك استدراجا فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا لأن فيه إبطال الكرامات وما روى من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن الدين بعدها لقوله فانسلخ منها فليس في الآية أنه كان وليا ثم انسلخت عنه الولاية وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم والله أعلم والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار والمعجزة من شرطها الإظهار : وقيل : الكرامة ما تظهر من غير دعوى والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك وقد تقدم في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة والحمد لله تعالى وحده لا شريك له وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهي بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم قريبا من مائتي راجل كلهم رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة فقالوا : هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم فقالوا لهم : انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا فقال عاصم بن ثابت أمير السرية : أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموا بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق وهم خبيب الأنصاري وبن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه فانطلقوا بخبيب وبن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر فابتاع خبيبا بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت الحرث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته فأخذ بن لي وأنا غافلة حتى أتاه قالت : فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي فقال : أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطف عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله تعالى خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب : دعوني أركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين ثم قال : لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت ثم قال : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم قال : ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع فقتله بنو الحرث وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امريء مسلم قتل صبرا فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا وقال بن إسحاق في هذه القصة : وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعهم الدبر فلما حالت بينه وبينهم قالوا : دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه فبعث الله تعالى الوادي فاحتمل عاصما فذهب وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما امتنع منه في حياته وعن عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه عينا وحده فقال : جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته فوقع في الأرض ثم اقتحمت فانتبذت قليلا ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض وفي رواية أخرى زيادة : فلم نذكر لخبيب رمة حتى الساعة ذكره البيهقي الحادية عشرة ولا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة يصون بها ماله وعياله وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم وفضلهم وهم الحجة على غيرهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم الذي سمعه في السحابة فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه ( وفي رواية ( وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وبن السبيل ( قلت : وهذا الحديث لا يناقضه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا ( خرجه الترمذي من حديث بن مسعود وقال فيه حديث حسن فإنه محمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال وهي من أفضل الأموال قال عليه الصلاة والسلام : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ( وقد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ذكرناه فيه كفاية والله الموفق للهداية الثانية عشرة قوله تعالى : ( لاتخذت عليه أجرا ) فيه دليل على صحة جواز الإجارة وهي سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانه في سورة القصص إن شاء الله تعالى وقرأ الجمهور ( لاتخذت ) وأبو عمرو ( لتخذت ) وهي قراءة بن مسعود والحسن وقتادة وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ مثل قولك : تبع واتبع وتقى واتقى وأدغم بعض القراء الذال في التاء ولم يدغمها بعضهم وفي حديث أبي بن كعب : لو شئت لأوتيت أجرا وهذه صدرت من موسى سؤالا على جهة العرض لا الاعتراض فعند ذلك قال له الخضر : ( هذا فراق بيني وبينك ) بحكم ما شرطت على نفسك وتكريره ( بيني وبينك ) بحكم ما شرطت على نفسك وتكريره ( بيني وبينك ) وعدوله عن بيننا لمعنى التأكيد قال سيبويه : كما يقال أخزى الله الكاذب مني ومنك أي منا وقال بن عباس : وكان قول موسى في السفينة والغلام لله وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا فكان سبب الفراق وقال وهب بن منبه : كان ذلك الجدار جدارا طوله في السماء مائة ذراع الثالثة عشرة قوله تعالى : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) تأويل الشيء مآله أي قال له : أني أخبرك لم فعلت ما فعلت وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر : إنها حجة على موسى وعجبا له وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم فلما أنكر أمر الغلام قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه فلما أنكر إقامة الجدار نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر < <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?