Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) خرج مسلم عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذان خصمان اختصموا في ربهم إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه وقال بن عباس : نزلت هذه الآيات الثلاث على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين وسماهم كما ذكر أبو ذر وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه ذكره البخاري وإلى هذا القول ذهب هلال بن يساف وعطاء بن يسار وغيرهما وقال عكرمة : المراد بالخصمين الجنة والنار اختصمتا فقالت النار : خلقني لعقوبته وقالت الجنة خلقني لرحمته قلت : وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها خرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقال بن عباس أيضا : هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله منكم وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون : نحن أحق بالله منكم آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب وأنتم تعرفون نبينا وتركتموه وكفرتم به حسدا فكانت هذه خصومتهم وأنزلت فيهم هذه الآية وهذا قول قتادة والقول الأول أصح رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشيم عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر ومسلم عن عمرو بن زرارة عن هشيم ورواه سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن علي قال : فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر هذان خصمان اختصموا في ربهم إلى قوله عذاب الحريق وقرأ بن كثير هذان خصمان بتشديد النون من هذان وتأول الفراء الخصمين على أنهما فريقان أهل دينين وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود والنصارى اختصموا في دين ربهم قال : فقال اختصموا لأنهم جمع قال : ولو قال اختصما لجاز قال النحاس : وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل التفسير لأن الحديث في هذه الآية مشهور رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذه الآية نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن بن عباس وفيه قول رابع أنهم المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا قاله مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم وقيل : نزلت في الخصومة في البعث والجزاء إذ قال به قوم وأنكره قوم ( فالذين كفروا ) يعني من الفرق الذين تقدم ذكرهم ( قطعت لهم ثياب من نار ) أي خيطت وسويت وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب وقوله ( قطعت ) أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار وذكر بلفظ الماضي لأن ما كان من أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق قال الله تعالى : وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس أي يقول الله تعالى ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار وقال سعيد بن جبير : من نار من نحاس فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في قطران إبراهيم وليس في الآنية شيء إذا حمي يكون أشد حرا منه وقيل : المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب مثل وجعلنا الليل لباسا ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم ) أي الماء الحار المغلي بنار جهنم وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان قال : حديث حسن صحيح غريب ( يصهر ) يذاب ( به ما في بطونهم ) والصهر إذابة الشحم والصهارة ما ذاب منه يقال : صهرت الشيء فانصهر أي أذابته فذاب فهو صهير قال بن أحمر يصف فرخ قطاة : تروي لقي ألقي في صفصف تصهره الشمس فما ينصهر أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك ( والجلود ) أي وتحرق الجلود أو تشوي الجلود فإن الجلود لا تذاب ولكن يضم في كل شيء ما يليق به فهو كما تقول : أتيته فأطعمني ثريدا إي والله ولبنا قارصا أي وسقاني لبنا وقال الشاعر : علفتها تبنا وماءا باردا ( ولهم مقامع من حديد ) أي يضربون بها ويدفعون الواحدة مقمعة ومقمع أيضا كالمحجن يضرب به على رأس الفيل وقد قمعته إذا ضربته بها وقمعته وأقمعته بمعنى أي قهرته وأذللته فانقمع قال بن السكيت : أقمعت الرجل عني إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك وقيل : المقامع المطارق وهي المرازب أيضا وفي الحديث بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفا وقيل : المقامع سياط من نار وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب أي تذلله < <
الحج : ( 22 ) كلما أرادوا أن . . . . . > > < > ( الحج 22 ) < > قوله تعالى : ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) أي من النار ( أعيدوا فيها ) بالضرب بالمقامع وقال أبو ظبيان : ذكر لنا أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش بهم وتفور فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان إليها بالمقامع وقيل إذا اشتد غمهم فيها فروا فمن خلص منهم إلى شفيرها أعادتهم الملائكة فيها بالمقامع ويقولون لهم ( ذوقوا عذاب الحريق ) أي المحرق مثل الأليم والوجيع وقيل : الحريق الاسم من الاحتراق تحرق الشيء بالنار واحترق والاسم الحرقة والحريق والذوق : مماسة يحصل معها إدراك الطعم وهو هنا توسع والمراد بهم إدراكهم الألم < < الحج : ( 23 ) إن الله يدخل . . . . . > > < > ( الحج 23 ) <
> قوله تعالى : ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) لما ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) من صلة والأساور جمع إسورة وأسورة واحدها سوار وفيه ثلاث لغات : ضم السين وكسرها وإسوار قال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة : سوار من ذهب وسوار منفضة وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ قال ها هنا وفي فاطر من أساور من ذهب ولؤلؤا فاطر وقال في سورة الإنسان : وحلوا أساور من فضة الإنسان وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقيل : تحلى النساء بالذهب والرجال بالفضة وفيه نظر والقرأن يرده ( ولؤلؤا ) قرأ نافع وبن القعقاع وشيبة وعاصم ها هنا وفي سورة الملائكة لؤلؤا بالنصب على معنى ويحلون لؤلؤا واستدلوا أنها مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف وكذلك قرأ يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر بالنصب هنا والخفض في فاطر اتباعا للمصحف ولأنها كتبت ها هنا بألف وهناك بغير ألف الباقون بالخفض في الموضعين وكان أبو بكر لا يهمز اللؤلؤ في كل القرآن وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف قال القشيري : والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت قلت : وهو ظاهر القرآن بل نصه وقال بن الأنباري : من قرأ ولؤلؤ بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب وقال السجستاني : من نصب اللؤلؤ فالوقف الكافي من ذهب لأن المعنى ويحلون لؤلؤا قال بن الأنباري : وليس كما قال لأنا إذا خفضنا اللؤلؤ نسقناه على لفظ الأساور وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور وكأنا قلنا : يحلون فيها أساور ولؤلؤا فهو في النصب بمنزلته في الخفض فلا معنى لقطعه من الأول قوله تعالى : ( ولباسهم فيها حرير أي وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير وهو أعلى مما في الدنيا بكثير وروى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة فإن قيل : قد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة فهل يحرمها إذا دخل الجنة قلنا : نعم إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل الجنة لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا لا يقال : إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف فأما إذا دخل الجنة فلا لأن حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه فإنا نقول : ما ذكرتموه محتمل لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه وما رواه الأئمة من حديث بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو وهذا نص صريح وإسناده صحيح فإن كان وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو الغاية في البيان وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال ومثله لا يقال بالرأي والله أعلم وكذلك من شرب الخمر ولم يتب ومن استعمل آنية الذهب والفضة وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفى والحمد لله وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة وقد ذكرناه في سورة الكهف < <
الحج : ( 24 ) وهدوا إلى الطيب . . . . . > > < > ( الحج 24 ) < > قوله تعالى : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) أي ارشدوا إلى ذلك قال بن عباس : يريد لا إله إلا الله والحمد لله وقيل : القرآن ثم قيل : هذا في الدنيا هدوا إلى الشهادة وقراءة القرآن ( وهدوا إلى صراط الحميد ) أي إلى صراط الله وصراط الله : دينه وهو الإسلام وقيل : هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول وهو الحمد لله لأنهم يقولون غدا الحمد لله الذي هدانا لهذا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فليس في الجنة لغو ولا كذب فما يقولونه فهو طيب القول وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله إذ ليس في الجنة شيء من مخالفة أمر الله وقيل : الطيب من القول ما يأتيهم من الله من البشارات الحسنة ( وهدوا إلى صراط الحميد ) أي إلى طريق الجنة < < الحج : ( 25 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( الحج 25 ) <
> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الذين كفروا ويصدون ) أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس فقد وقع ذلك في صدر المبعث والصد : المنع أي وهم يصدون وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي وقيل : الواو زائدة ويصدون خبر إن وهذا مفسد للمعنى المقصود وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله والباد تقديره : خسروا إذا هلكوا وجاء ويصدون مستقبلا إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الرعد فكأنه قال : إن الذين كفروا من شأنهم الصد ولو قال إن الذين كفروا وصدوا لجاز قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز أن يكون وهو الوجه الخبر نذقه من عذاب أليم قال أبو جعفر : وهذا غلط ولست أعرف ما الوجه فيه لأنه جاء بخبر إن جزما وأيضا فإنه جواب الشرط ولو كان خبر إن لبقي الشرط بلا جواب ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب الثانية قوله تعالى : ( والمسجد الحرام ) قيل : إنه المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن لأنه لم يذكر غيره وقيل : الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية فنزل خارجا عنه قال الله تعالى : وصدوكم عن المسجد الحرام الفتح وقال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك الثالثة قوله تعالى : ( الذي جعلناه للناس ) أي للصلاة والطواف والعبادة وهو كقوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس ( سواء العاكف فيه والباد ) العاكف : المقيم الملازم والبادى : أهل البادية ومن يقدم عليهم يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد فليس أهل مكة أحق من النازح إليه وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله وهذا قول مجاهد ومالك رواه عنه بن القاسم وروي عن عمر وبن عباس وجماعة إلى أن القادم له النزول حيث وجد وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى وقال ذلك سفيان الثوري وغيره وكذلك كان الأمر في الصدر الأول كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة فتركه فاتخذ الناس الأبواب وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء وكانت الفساطيط تضرب في الدور وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد وهذا هو العمل اليوم وقال بهذا جمهور من الأمة وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى ومن سبق إلى موضع كان أولى به وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي أو كان فتحها صلحا وإليه ذهب الشافعي فتبقى ديارهم بأيديهم وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاؤوا وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا وهو أول من حبس في السجن في الإسلام على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة المائدة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة قلت : الصحيح ما قاله مالك وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن وزاد في رواية : وعثمان وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها وقال من اكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه ووهم أيضا في قوله عبيد الله بن أبي يزيد وإنما هو بن أبي زياد القداح والصحيح أنه موقوف وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس فقال : لا إنما هو مناخ من سبق إليه وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى : الذين أخرجوا من ديارهم فأضافها إليهم وقال عليه السلام يوم الفتح : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن الرابعة قرأ جمهور الناس سواء بالرفع وهو على الابتداء والعاكف خبره وقيل : الخبر سواء وهو مقدم أي العاكف فيه والبادي سواء وهو قول أبي علي والمعنى : الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء وقرأ حفص عن عاصم سواء بالنصب وهي قراءة الأعمش وذلك يحتمل أيضا وجهين : أحدهما أن يكون مفعولا ثانيا لجعل ويرتفع العاكف به لأنه مصدر فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو والوجه الثاني أن يكون حالا من الضمير في جعلناه وقرأت فرقة سواء بالنصب العاكف بالخفض والبادي عطفا على الناس التقدير : الذي جعلناه للناس العاكف والبادي وقراءة بن كثير في الوقف والوصل بالياء ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام واختلفوا في مكة وقد ذكرناه الخامسة ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) شرط وجوابه نذقه من عذاب أليم والإلحاد في اللغة : الميل إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد واختلف في الظلم فروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : الشرك وقال عطاء : الشرك والقتل وقيل : معناه صيد حمامه وقطع شجره ودخول غير محرم وقال بن عمر : كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله وبلى والله وكلا والله ولذلك كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل صيانة للحرم عن قولهم كلا والله وبلى والله حين عظم الله الذنب فيه وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث إن من الإلحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى والله والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات فتكون المعصية معصيتين إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام وهكذا الأشهر الحرم سواء وقد تقدم وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه وهو قول عمر بن الخطاب والعموم يأتي على هذا كله السادسة ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وبن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله وقد روي نحو ذلك عن بن مسعود وبن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو بعدن أبين لعذبه الله قلت : هذا صحيح وقد جاء هذا المعنى في سورة ن والقلم القلم مبينا على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى السابعة الباء في بإلحاد زائدة كزيادتها في قوله تعالى : تنبت بالدهن وعليه حملوا قول الشاعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أراد : نرجو الفرج وقال الأعشى : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا أي رزق وقال آخر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد أي ما لاقت والباء زائدة وهو كثير وقال الفراء : سمعت أعرابيا وسألته عن شيء فقال : أرجو بذاك أي أرجو ذاك وقال الشاعر : بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفل ه بالم رخ والشب ه ان أي المرخ وهو قول الأخفش والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد والباء مع أن تدخل وتحذف ويجوز أن يكون التقدير : ومن برد الناس فيه بإلحاد وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة هذا قول بن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم وقد ذكرناه آنفا < <
الحج : ( 26 ) وإذ بوأنا لإبراهيم . . . . . > > < > ( الحج 26 ) < > فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم يقال : بوأته منزلا وبوأت له كما يقال : مكنتك ومكنت لك فاللام في قوله : لإبراهيم صلة للتأكيد كقوله : ردف لكم النمل وهذا قول الفراء وقيل : بوأنا لإبراهيم مكان البيت أي أريناه أصله ليبنيه وكان قد درس بالطوفان وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم عليه السلام فرتب قواعده عليه حسبما تقدم بيانه في البقرة وقيل : بوأنا نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ وقال الشاعر : كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا الثانية ( أن لا تشرك ) هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور وقرأ عكرمة أن لا يشرك بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له قال أبو حاتم : ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لئلا يشرك وقيل : إن أن مخففة من الثقيلة وقيل مفسرة وقيل زائدة مثل فلما أن جاء البشير يوسف وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل أشركتم وقالت فرقة : الخطاب من قوله أن لا تشرك لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وقيل : عنى به التطهير عن الأوثان كما قال تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام وقيل : المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة براءة والقائمون هم المصلون وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود < < الحج : ( 27 ) وأذن في الناس . . . . . > > < > ( الحج 27 ) <
> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأذن في الناس بالحج ) قرأ جمهور الناس وأذن بتشديد الذال وقرأ الحسن بن أبي الحسن وبن محيصن وآذن بتخفيف الذال ومد الألف بن عطية : وتصحف هذا على بن جني فإنه حكى عنهما وآذن على أنه فعل ماض وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على بوأنا والأذان الإعلام وقد تقدم في براءة الثانية لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت وقيل له : أذن في الناس بالحج قال : يا رب وما يبلغ صوتي قال : أذن وعلي الإبلاغ فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح : يأيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار فحجوا فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك اللهم لبيك فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة إن أجاب مرة فمرة وإن أجاب مرتين فمرتين وجرت التلبية على ذلك قاله بن عباس وبن جبير وروي عن أبي الطفيل قال قال لي بن عباس : أتدري ما كان أصل التلبية قلت لا قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رءوسها ورفعت له القرى فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء : لبيك اللهم لبيك وقيل : إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تم عند قوله السجود ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام فقال وأذن في الناس بالحج أي أعلمهم أن عليهم الحج وقول ثالث إن الخطاب من قوله أن لا تشرك مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول أهل النظر لأن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك وها هنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أن لا تشرك بي بالتاء وهذا مخاطبة لمشاهد وإبراهيم عليه السلام غائب فالمعنى على هذا : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده وقرأ جمهور الناس بالحج بفتح الحاء وقرأ بن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها وقيل : إن نداء إبراهيم من جملة ما أمر به من شرائع الدين والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب وإنما قال يأتوك وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادى إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه وفيه تشريف إبراهيم بن عطية : رجالا جمع راجل مثل تاجر وتجار وصاحب وصحاب وقيل : الرجال جمع رجل والرجل جمع راجل مثل تجار وتجر وتاجر وصحاب وصحب وصاحب وقد يقال في الجمع : رجال بالتشديد مثل كافر وكفار وقرأ بن أبي إسحاق وعكرمة رجالا بضم الراء وتخفيف الجيم وهو قليل في أبنية الجمع ورويت عن مجاهد وقرأ مجاهد رجالى على وزن فعالى فهو مثل كسالى قال النحاس : في جمع راجل خمسة أوجه رجال مثل ركاب وهو الذي روي عن عكرمة ورجال مثل قيام ورجلة ورجل ورجالة والذي روي عن مجاهد رجالا غير معروف والأشبه به أن يكون غير منون مثل كسالى وسكارى ولو نون لكان على فعال وفعال في الجمع قليل وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي ( وعلى كل ضامر يأتين ) لأن معنى ضامر معنى ضوامر قال الفراء : ويجوز يأتي على اللفظ والضامر : البعير المهزول الذي أتعبه السفر يقال : ضمر يضمر ضمورا فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة وذكر سبب الضمور فقال : يأتين من كل فج عميق أي أثر فيها طول السفر ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع اربابها كما قال : والعاديات ضبحا العاديات في خيل الجهاد تكرمه لها حين سعت في سبيل الله الرابعة قال بعضهم : إنما قال رجالا لأن الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث فقوله رجالا من قولك : هذا رجل وهذا فيه بعد لقوله وعلى كل ضامر يعني الركبان فدخل فيه الرجال والنساء ولما قال تعالى رجالا وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب قال بن عباس : ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا فإني سمعت الله عز وجل يقول يأتوك رجالا وقال بن أبي نجيح : حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين وقرأ أصحاب بن مسعود يأتون وهي قراءة بن أبي عبلة والضحاك والضمير للناس الخامسة لا خلاف في جواز الركوب والمشي واختلفوا في الأفضل منهما فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس ولحديث أبي سعيد قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة وقال : اربطوا أوساطكم بأزركم ومشى خلط الهرولة خرجه بن ماجة في سننه ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل للإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم السادسة استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا وهذا تأنس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر فإنما ذكرت حالتا الوصول وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار وأنه ليس بسبيل يستطاع قال بن عطية : وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار وهذا ضعيف قلت : وأضعف من ضعيف وقد مضى في البقرة بيانه والفج : الطريق الواسعة والجمع فجاج وقد مضى في الأنبياء والعميق معناه البعيد وقراءة الجماعة يأتين وقرأ أصحاب عبد الله يأتون وهذا للركبان ويأتين للجمال كأنه قال : وعلى إبل ضامرة يأتين ( من كل فج عميق ) أي بعيد ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر ومنه : وقاتم الأعماق خاوي المخترق السابعة واختلفوا في الواصل إلى البيت هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا فروى أبو داود قال : سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود وقد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله وروى بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ترفع الأيدي في سبع مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة والموقفين والجمرتين وإلى حديث بن عباس هذا ذهب الثوري وبن المبارك وأحمد وإسحاق وضعفوا حديث جابر لأن مهاجرا المكي راوية مجهول وكان بن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت وعن بن عباس مثله < <
الحج : ( 28 ) ليشهدوا منافع لهم . . . . . > > < > ( الحج 28 : 29 ) <
> فيه ثلاث وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ليشهدوا ) أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا أي ليحضروا والشهود الحضور ( منافع لهم ) أي المناسك كعرفات والمشعر الحرام وقيل المغفرة وقيل التجارة وقيل هو عموم أي ليحضروا منافع لهم أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة قاله مجاهد وعطاء واختاره بن العربي فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى ولا خلاف في أن المراد بقوله : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم التجارة الثانية ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) قد مضى في البقرة الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر مثل قولك : باسم الله والله أكبر اللهم منك ولك ومثل قولك عند الذبح إن صلاتي ونسكي الآية وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله وقد مضى في الأنعام الثالثة واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر فقال مالك رضي الله عنه : بعد صلاة الإمام وذبحه إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح والشافعي دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه مع الخطبتين فاعتبر الوقت دون الصلاة هذه رواية المزني عنه وهو قول الطبري وذكر الربيع عن البويطي قال قال الشافعي : ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح وهذا كقول مالك وقال أحمد : إذا انصرف الإمام فاذبح وهو قول إبراهيم وأصح هذه الأقوال قول مالك لحديث جابر بن عبد الله قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم خرجه مسلم والترمذي وقال : وفي الباب عن جابر وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وبن عمر وأبي زيد الأنصاري وهذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يصلي الإمام وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء وفيه : ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين خرجه مسلم أيضا فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح وحديث جابر يقيده وكذلك حديث البراء أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا الحديث وقال أبو عمر بن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح لقوله عليه السلام : من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم الرابعة وأما أهل البوادي ومن لا إمام له فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام أو أقرب الأئمة إليه وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه ويجزيه إن ذبح بعده وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر وهو قول بن المبارك ذكره عنه الترمذي وتمسكوا بقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فأضاف النحر إلى اليوم وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس قولان ولا خلاف أنه لا يجزئ ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر الخامسة واختلفوا كم أيام النحر فقال مالك : ثلاثة يوم النحر ويومان بعده وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما وقال الشافعي : أربعة يوم النحر وثلاثة بعده وبه قال الأوزاعي وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبن عباس وبن عمر رضي الله عنهم وروي عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد وقيل : هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذي الحجة وروي عن بن سيرين وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أنهما قالا : النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات : إحداها كما قال مالك والثانية كما قال الشافعي والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى قلت : وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني : الضحايا إلى هلال ذي الحجة ولم يصح ودليلنا قوله تعالى : في أيام معلومات الآية وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على ان يوم النحر يوم أضحى وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة ولا يصح عندي في هذا إلا قولان : أحدهما قول مالك والكوفيين والآخر قول الشافعي والشاميين وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة وما خرج عن هذين فمتروك لهما وقد روي عن قتادة قول سادس وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له السادسة واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أولا فروي عن مالك في المشهور أنها لاتدخل فلايجوز الذبح بالليل وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي لقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام فذكر الأيام وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ويجزي الذبح فيها وروي عن مالك وأشهب نحوه ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية فأجاز الهدي ليلا ولم يجز الضحية ليلا السابعة قوله تعالى : ( على ما رزقهم ) أي على ذبح ما رزقهم ( من بهيمة الأنعام ) والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم وبهيمة الأنعام هي الأنعام فهو كقولك صلاة الأولى ومسجد الجامع الثامنة ( فكلوا منها ) أمر معناه الندب عند الجمهور ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية وقوله عليه السلام : فكلوا وادخروا وتصدقوا قال الكيا : قوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه التاسعة دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث : جزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذى ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار العاشرة فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا قولان في مذهبنا وبالأول قال بن الماجشون قال بن العربي : وهو الحق لا شيء عليه غيره وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل خلافا للمدونة لأن النحر قد وقع والتعدي إنما هو على اللحم فيغرم قدر ما تعدى فيه قوله تعالى : ( وليوفوا نذورهم ) يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل والله أعلم الحادية عشر هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما ففي كتاب محمد عن عبد الملك أنه يغرم طعاما والأول أصح لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة وليس حكم التعدي حكم العبادة الثانية عشرة فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئا قال إسماعيل بن إسحاق : لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله ولذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب فاحتيط على الناس وبذلك مضى العمل وروى أبو داود عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي وقال : إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس وبهذا الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع : لا يأكل منها سائقها شيئا ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها وفي صحيح مسلم : ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك وبظاهر هذا النهي قال بن عباس والشافعي في قوله الآخر واختاره بن المنذر فقالا : لا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقته قال أبو عمر : قوله عليه السلام ولا يأكل منها أحد ولا أحد من أهل رفقتك لا يوجد إلا في حديث بن عباس وليس ذلك في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية وهو عندنا أصح من حديث بن عباس وعليه العمل عند الفقهاء ويدخل في قوله عليه السلام : خل بينها وبين الناس أهل رفقته وغيرهم وقال الشافعي وأبو ثور : ما كان من الهدي أصله واجبا فلا يأكل منه وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق والمتعة والقران عنده نسك ونحوه مذهب الأوزاعي وقال أبو حنيفة وأصحابه : يأكل من هدي المتعة والتطوع ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام وحكي عن مالك : لا يأكل من دم الفساد وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر كقول الشافعي والأوزاعي تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين وقال في فدية الأذى : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام أو انسك شاة ونذر المساكين مصرح به وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله إلى قوله فكلوا منها وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه من الهدي الذي جاء به وشربا من مرقه وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال والروايات فكان هديه على هذا واجبا فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح والله أعلم وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم فلا جرم كذلك شرع وبلغ وكذلك فعل حين أهدى وأحرم صلى الله عليه وسلم الثالثة عشرة ( فكلوا منها ) قال بعض العلماء : قوله تعالى فكلوا منها ناسخ لفعلهم لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها كما قلناه في الهدايا فنسخ الله ذلك بقوله : فكلوا منها وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : من ضحى فليأكل من أضحيته ولأنه عليه السلام أكل من أضحيته وهديه وقال الزهري : من السنة أن تأكل أولا من الكبد الرابعة عشرة ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويأكل هو وأهله الثلث وقال بن القاسم عن مالك : ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف قال مالك في حديثه : وبلغني عن بن مسعود وليس عليه العمل روى الصحيح وأبو داود قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ثم قال : يا ثوبان أصلح لحم هذه الشاة قال : فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة وهذا نص في الفرض واختلف قول الشافعي فمرة قال : يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير فذكر شخصين وقال مرة : يأكل ثلثا ويهدي ثلثا ويطعم ثلثا لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فذكر ثلاثة الخامسة عشرة المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر إذ الأصل عموم الخطاب بها وهو قول كافة العلماء وخالف في ذلك أبو حنيفة والنخعي وروي عن علي والحديث حجة عليهم واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى فلم ير عليه أضحية وبه قال النخعي وروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي فإذا أراد أن يضحي جعله هديا والناس غير الحاج أنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم السادسة عشرة اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال روى عن علي وبن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث وروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي وقالت جماعة : ما روي من النهي عن الادخار منسوخ فيدخر إلى أي وقت أحب وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وقالت فرقة : يجوز الأكل منها مطلقا وقالت طائفة : إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله عليه السلام : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه لا لأنه منسوخ وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي السابعة عشرة وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا والمرفوع لإرتفاع علته يعود الحكم لعود العلة فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم الثامنة عشرة الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة وقد جاء المنع والإباحة معا كما هو منصوص في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري رواها الصحيح وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى بن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب ثم خطب الناس قال : ثم صليت العيد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها وروي عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث قال سالم : فكان بن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث وروى أبو داود عن نبيشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان محصور لأن الناس كانوا في شدة محتاجين ففعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمت الدافة والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك قال : حدثنا أحمد قال حدثنا ليث قال حدثني الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن لحوم الأضاحي فقالت : قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة وقال الشافعي : من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الإدخار ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما والله أعلم وسيأتي في سورة الكوثر الاختلاف في وجوب الأضحية وندبيتها وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة قوله تعالى : ( وأطعموا البائس الفقير ) الفقير من صفة البائس وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر يقال : بئس يبأس بأسا إذا افتقر فهو بائس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا ومنه قوله عليه السلام : لكن البائس سعد بن خولة ويقال : رجل بئيس أي شديد وقد بؤس يبؤس بأسا إذ اشتد ومنه قوله تعالى : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس أي شديد وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه فقيل النصف لقوله : فكلوا واطعموا وقيل الثلثان لقوله : ألا فكلوا وادخروا واتجروا أي اطلبوا الأجر بالإطعام واختلف في الأكل والإطعام فقيل واجبان وقيل مستحبان وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام فالأكل مستحب والإطعام واجب وهو قول الشافعي الموفية عشرين قوله تعالى : ( ثم ليقضوا تفثهم ) أي ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج كالحلق ورمي الجمار وإزالة شعث ونحوه قال بن عرفة : أي ليزيلوا عنهم أدرانهم وقال الأزهري : التفث الأخذ من الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وهذا عند الخروج من الأحرام وقال النضر بن شميل : التفث في كلام العرب إذهاب الشعث وسمعت الأزهري يقول : التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول بن عباس وأهل التفسير وقال الحسن : هو إزالة قشف الإحرام وقيل : التفث مناسك الحج كلها رواه بن عمر وبن عباس قال بن العربي : لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة قال : وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ولا أحاطوا بها خبرا لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال إنه قص الأظفار وأخذ الشارب وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح قال : ولم يجيء فيه شعر يحتج به وقال صاحب العين : التفث هو الرمي والحلق والتقصير والذبح وقص الأظفار والشارب والإبط وذكر الزجاج والفراء نحوه ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء وقال قطرب : تفث الرجل إذا كثر وسخه قال أمية بن أبي الصلت : حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله بن وهب عن مالك وهو الصحيح في التفث وهذه صورة إلقاء التفث لغة وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه ووفى نذره والنذر ما لزم الإنسان والتزمه قلت : ما حكاه عن قطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي وذكر بيتا آخر فقال : قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا وقال الثعلبي : وأصل التفث في اللغة الوسخ تقول العرب للرجل تستقذره : ما أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك قال أمية بن أبي الصلت : ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا وينزعوا عنهم قملا وصئبانا الماوردي : قيل لبعض الصلحاء ما المعني في شعث المحرم قال : ليشهد الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته الحادية والعشرون ( وليوفوا نذورهم ) أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية لقوله عليه السلام : لا وفاء لنذر في معصية الله وقوله : من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج قال الطبري : لا خلاف بين المتأولين في ذلك الثانية والعشرون للحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع قال إسماعيل بن إسحاق : طواف القدوم سنة وهو ساقط عن المراهق وعن المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة قال : والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه وهو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة قال الله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق قال : فهذا هو الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله قال الحافظ أبو عمر : ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل المدينة وهي رواية بن وهب وبن نافع وأشهب عنه وهو قول جمهور أهل العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق وقد روى بن القاسم وبن عبد الحكم عن مالك أن طواف القدوم واجب وقال بن القاسم في غير موضع من المدونة ورواه أيضا عن مالك : الطواف الواجب طواف القادم مكة وقال : من نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطا منه أو نسي السعي أو شوطا منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة ثم يهدي وإن أصاب النساء رجع فطاف وسعى ثم اعتمر وأهدى وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة سواء فعلى هذه الرواية الطوافان جميعا واجبان والسعي أيضا وأما طواف الصدر وهو المسمى بطواف الوداع فروى بن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء : أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوع بعد ذلك وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من طوافه وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا تطوع به من عمل الحج وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع بخلاف الصلاة فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أو بعده للوداع ورواية بن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك لأن فيها أن طواف الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدي كما ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدي أيضا عن طواف القدوم ومن قال هذا قال : أنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لأن بعضهما ينوب عن بعض ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافا واحدا بقوله : وأذن في الناس بالحج وقال في سياق الآية : وليطوفوا بالبيت العتيق والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف وأسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال : سألت زهيرا عن قوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق فقال : هو طواف الوداع وهذا يدل على أنه واجب وهو أحد قولي الشافعي لأنه عليه السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه ولا يرخص إلا في الواجب الثالثة والعشرون اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق فقال مجاهد والحسن : العتيق القديم يقال : سيف عتيق وقد عتق أي قدم وهذا قول يعضده النظر وفي الصحيح أنه أول مسجد وضع في الأرض وقيل عتيقا لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان قال معناه بن الزبير ومجاهد وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار قال : هذا حديث حسن صحيح وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له : إنما أعتقها عن كفار الجبابرة لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم كان ذلك دلالة على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء فقصر الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد ولم يتجاوزه إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار وجعل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وقالت طائفة : سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط وقالت فرقة : سمي عتيقا لأن الله عز وجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب وقيل : سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان قاله بن جبير وقيل : العتيق الكريم والعتق الكرم قال طرفة يصف أذن الفرس : مؤللتان تعرف العتق فيهما كسامعتي مذعورة وسط ربرب وعتق الرقيق : الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال عمر : حملت على فرس عتيق الحديث والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح قال مجاهد : خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام وسمي عتيقا لهذا والله أعلم < <
الحج : ( 30 ) ذلك ومن يعظم . . . . . > > < > ( الحج 30 : 31 ) <
> فيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( ذلك ) يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير : فرضكم ذلك أو الواجب ذلك ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير : امتثلوا ذلك ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير : هذا وليس كمن يعيا بخطته وسط الندى إذا ما قائل نطقا والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ويدخل في ذلك تعظيم المواضع قاله بن زيد وغيره ويجمع ذلك أن تقول : الحرمات امتثال الأمر من فرائضه وسننه وقوله : ( فهو خير له عند ربه ) أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها وقيل : ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير الثانية قوله تعالى : ( وأحلت لكم الأنعام ) أن تأكلوها وهي الإبل والبقر والغنم ( إلا مايتلى عليكم ) أي في الكتاب من المحرمات وهي الميتة والموقوذة وأخواتها ولهذا اتصال بأمر الحج فإن في الحج الذبح فبين ما يحل ذبحه وأكل لحمه وقيل : إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم الثالثة قوله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) الرجس : الشيء القذر والوثن : التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها وكانت العرب تنصبها وتعبدها والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا وقال عدي بن حاتم : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : ألق هذا الوثن عنك أي الصليب وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه وسمي الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه يريد اجتنبوا عبادة الأوثان روي عن بن عباس وبن جريج وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب وقيل : وصفها بالرجس والرجس النجس فهي نجسة حكما وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان فلا تزال إلا بالإيمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء الرابعة ( من ) في قوله : من الأوثان قيل : إنها لبيان الجنس فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس ومن قال إن من للتبعيض قلب معنى الآية وأفسده الخامسة قوله تعالى : ( واجتنبوا قول الزور ) والزور : الباطل والكذب وسمي زورا لأنه أميل عن الحق ومنه تزاور عن كهفهم الكهف ومدينة زوراء أي مائلة وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : عدلت شهادة الزور الشرك بالله قالها مرتين أو ثلاثا يعني أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها السادسة هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره وينادي عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حالة في التقى قبل شهادته وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت السابعة ( حنفاء ) معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق ولفظه حنفاء من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل وحنفاء نصب على الحال وقيل : حنفاء حجاجا وهذا تخصيص لا حجة معه الثامنة قوله تعالى : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا فهو بمنزلة من خر من السماء فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه ومعنى ( فتخطفه الطير ) أي تقطعه بمخالبها وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض كما في حديث البراء وقد ذكرناه في التذكرة والسحيق : البعيد ومنه قوله تعالى : فسحقا لأصحاب السعير الملك وقوله عليه الصلاة والسلام : فسحقا فسحقا < <
الحج : ( 32 ) ذلك ومن يعظم . . . . . > > < > ( الحج 32 : 33 ) < > فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ذلك ) فيه ثلاثة أوجه قيل : يكون في موضع رفع بالابتداء أي ذلك أمر الله ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف ويجوز أن يكون في موضع نصب أي اتبعوا ذلك الثانية قوله تعالى : ( ومن يعظم شعائر الله ) الشعائر جمع شعيرة وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ومنه شعار القوم في الحرب أي علامتهم التي يتعارفون بها ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة فشعائر الله اعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك وقال قوم : المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها قاله بن عباس ومجاهد وجماعة وفيه إشارة لطيفة وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه فلا يدل على الإخلاص فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع وهو من تقوى القلوب والله أعلم الثالثة الضمير في إنها عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام ولو قال فإنه لجاز وقيل إنها راجعة إلى الشعائر أي فإن تعظيم الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه فرجعت الكناية إلى الشعائر الرابعة قوله تعالى : ( فإنها من تقوى القلوب ) قرئ القلوب بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو تقوى وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث : التقوى ها هنا وأشار إلى صدره الخامسة قوله تعالى : ( لكم فيها منافع ) يعني البدن من الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك إذا لم يبعثها ربها هديا فإذا بعثها فهو الأصل المسمى قاله بن عباس فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة وشرب لبنها بعد ري فصيلها وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها فقال : إنها بدنة فقال : اركبها قال : إنها بدنة قال : اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدي فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا والأجل المسمى على هذا القول نحرها قاله عطاء بن أبي رباح السادسة ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام : اركبها وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر وروى بن نافع عن مالك : لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضي على المطلق وبنحو ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة ثم إذا ركبها عنده الحاجة نزل قال إسماعيل القاضي وهو الذي يدل عليه مذهب مالك وهو خلاف ما ذكره بن القاسم أنه لا يلزمه النزول وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه وقوله : إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك وقد جاء صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد فقال : اركبها وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به السابعة قوله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) يريد أنها تنتهي إلى البيت وهو الطواف فقوله : محلها مأخوذ من إحلال المحرم والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه قاله مالك في الموطأ وقال عطاء : ينتهي إلى مكة وقال الشافعي : إلى الحرم وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت والله أعلم < <
الحج : ( 34 ) ولكل أمة جعلنا . . . . . > > < > ( الحج 34 ) < > قوله تعالى : ( ولكل أمة جعلنا منسكا ) لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا والمنسك الذبح وإراقة الدم قاله مجاهد يقال : نسك إذا ذبح ينسك نسكا والذبيحة نسيكة وجمعها نسك ومنه قوله تعالى : أو صدقة أو نسك البقرة والنسك أيضا الطاعة وقال الأزهري في قوله تعالى ولكل أمة جعلنا منسكا : إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع أراد مكان نسك ويقال : منسك ومنسك لغتان وقرئ بهما قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين الباقون بفتحها وقال الفراء : المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي وقال بن عرفة في قوله : ولكل أمة جعلنا منسكا : أي مذهبا من طاعة الله تعالى يقال : نسك نسك قومه إذا سلك مذهبهم وقيل : منسكا عيدا قاله الفراء وقيل حجا قاله قتادة والقول الأول أظهر لقوله تعالى : ( ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام ) أي على ذبح ما رزقهم فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه : فالإله واحد لجميعكم فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له قوله تعالى : ( فله أسلموا ) معناه لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا ويحتمل أن يريد الاستسلام أي له أطيعوا وانقادوا قوله تعالى : ( وبشر المخبتين ) المخبت : المتواضع الخاشع من المؤمنين والخبت ما انخفض من الأرض أي بشرهم بالثواب الجزيل قال عمرو بن أوس : المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن بن أبي نجيح : المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل < < الحج : ( 35 ) الذين إذا ذكر . . . . . > > < > ( الحج 35 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وجلت قلوبهم ) أي خافت وحذرت مخالفته فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم وكأنهم بين يديه ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها وروي أن هذه الآية قوله : وبشر المخبتين نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم وقرأ الجمهور الصلاة بالخفض على الإضافة وقرأ أبو عمرو الصلاة بالنصب على توهم النون وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم وأنشد سيبويه : الحافظو عورة العشيرة الثانية هذه الآية نظير قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الأنفال وقوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله هذه حالة العارفين بالله الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ أن تساوي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى والخوف منه والتعظيم لجلاله ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم قال الله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم فمن كان مستنا فليستن ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا والجنون فنون روى الصحيح عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسأله فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي وذكر الحديث وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبع من هذا في سورة الأنفال والحمد لله < <
الحج : ( 36 ) والبدن جعلناها لكم . . . . . > > < > ( الحج 36 ) <
> فيها عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والبدن ) وقرأ بن أبي إسحاق والبدن لغتان واحدتها بدنة كما يقال : ثمرة وثمر وثمر وخشبة وخشب وخشب وفي التنزيل وكان له ثمر وقرئ ثمر لغتان وسميت بدنة لأنها تبدن والبدانة السمن وقيل : إن هذا الاسم خاص بالإبل وقيل البدن جمع بدن بفتح الباء والدال ويقال : بدن الرجل [ بضم الدال ] إذا سمن وبدن [ بتشديدها ] إذا كبر وأسن وفي الحديث : إني قد بدنت أي كبرت وأسننت وروى بدنت وليس له معنى لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم ومعناه كثرة اللحم يقال : بدن الرجل يبدن بدنا وبدانة فهو بادن أي ضخم الثانية اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا فقال بن مسعود وعطاء والشافعي : لا وقال مالك وأبو حنيفة : نعم وفائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة فهل تجزيه أم لا فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه وعلى مذهب مالك تجزيه والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة الحديث فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة والله أعلم وأيضا قوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يدل على ذلك فإن الوصف خاص بالإبل والبقر يضجع ويذبح كالغنم على ما يأتي ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة والضخامة توجد فيهما جميعا وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك وليس ذلك في مذهبنا وحكى بن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة وهو قول شاذ والبدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة والهدي عام في الإبل والبقر والغنم الثالثة قوله تعالى : ( من شعائر الله ) نص في أنها بعض الشعائر وقوله : ( لكم فيها خير ) يريد به المنافع التي تقدم ذكرها والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة الرابعة قوله تعالى : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) أي انحروها على اسم الله وصواف أي قد صفت قوائمها والإبل تنحر قياما معقولة وأصل هذا الوصف في الخيل يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبك الرابعة والسنبك طرف الحافر والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري صوافي أي خوالص لله عز وجل لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا وعن الحسن أيضا صواف بكسر الفاء وتنوينها مخففة وهي بمعنى التي قبلها لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس وصواف قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها من صف يصف وواحد صواف صافة وواحد صوافي صافية وبن مسعود وبن عباس وبن عمر وأبو جعفر محمد بن علي صوافن بالنون جمع صافنة ولا يكون واحدها صافنا لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس عليها وهي فارس وفوارس وهالك وهوالك وخالف وخوالف والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب ومنه قوله تعالى : الصافنات الجياد ص وقال عمرو بن كلثوم : تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا ويروى : تظل جياده نوحا عليه مقلدة أعنتها صفونا وقال آخر : ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا وقال أبو عمرو الجرمي : الصافن عرق في مقدم الرجل فإذا ضرب على الفرس رفع رجله وقال الأعشى : وكل كميت كجذع السحو ق يرنو القناء إذا ما صفن الخامسة قال بن وهب : أخبرني بن أبي ذئب أنه سأل بن شهاب عن الصواف فقال : تقيدها ثم تصفها وقال لي مالك بن أنس مثله وكافة العلماء على استحباب ذلك إلا أبا حنيفة والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة والصحيح ما عليه الجمهور لقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها معناه سقطت بعد نحرها ومنه وجبت الشمس وفي صحيح مسلم عن زياد بن جبير أن بن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال : ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها السادسة قال مالك : فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ينحرها معقولة والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب وكان بن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه ويمسك معه الحربة رجل آخر وآخر بخطامها وتضجع البقر والغنم السابعة ولايجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى وليس عليهم انتظار نحر إمامهم بخلاف الأضحية في سائر البلاد والمنحر منى لكل حاج ومكة لكل معتمر ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما إن شاء الله تعالى الثامنة قوله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها ) يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ووجب الحائط إذا سقط قال قيس بن الخطيم : أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب وقال أوس بن حجر : ألم تكسف الشمس والبدر وال كواكب للجبل الواجب فقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح قال الشاعر : فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم وقال عنترة : وضربت قرني كبشها فتجدلا أي سقط مقتولا إلى الجدالة وهي الأرض ومثله كثير والوجوب للجنب بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها وهو وقت الأكل أي وقت قرب الأكل لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ ولا تسلخ حتى تبرد لأن ذلك من باب التعذيب ولهذا قال عمر رضي الله عنه : لا تعجلوا الأنفس أن تهزق التاسعة قوله تعالى : ( فكلوا منها ) أمر معناه الندب وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم كما تقدم وقال أبو العباس بن شريح : الأكل والإطعام مستحبان وله الإقتصار على أيهما شاء وقال الشافعي : الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه وهذا فيما كان تطوعا فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه العاشرة قوله تعالى : ( وأطعموا القانع والمعتر ) قال مجاهد وإبراهيم والطبري : قوله وأطعموا أمر إباحة والقانع السائل يقال قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل يقنع قناعة فهو قنع إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل مثل حمد يحمد قناعة وقنعا وقنعانا قاله الخليل ومن الأول قول الشماخ : لمال المرء يصلحه فيغنى مفاقره أعف من القنوع وقال بن السكيت : من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة وهي الرضا والتعفف وترك المسألة وروي عن أبي رجاء أنه قرأ وأطعموا القنع ومعنى هذا مخالف للأول يقال : قنع الرجل فهو قنع إذا رضي وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك سائلا كان أو ساكنا وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن : المعتر المعترض من غير سؤال قال زهير : على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل وقال مالك : احسن ما سمعت أن القانع الفقير والعتر الزائر وروي عن الحسن أنه قرأ والمعتري ومعناه كمعنى المعتر يقال : اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه ذكره النحاس < <
الحج : ( 37 ) لن ينال الله . . . . . > > < > ( الحج 37 ) < > وفيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( لن ينال الله لحومها ) قال بن عباس : كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية والنيل لا يتعلق بالبارئ تعالى ولكنه عبر عنه تعبيرا مجازيا عن القبول المعنى : لن يصل إليه وقال بن عباس : لن يصعد إليه بن عيسى : لن يقبل لحومها ولا دماءها ولكن يصل إليه التقوى منكم أي ما أريد به وجهه فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه ومنه الحديث إنما الأعمال بالنيات والقراءة لن ينال الله ويناله بالياء فيهما وعن يعقوب بالتاء فيهما نظرا إلى اللحوم الثانية قوله تعالى : ( كذلك سخرها لكم ) من سبحانه علينا بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم منا أبدانا وأقوى منا أعضاء ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده الثاثلة قوله تعالى : ( لتكبروا الله على ماهداكم ) ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها من الآية قبلها فقال عز من قائل : فاذكروا اسم الله عليها وذكر هنا التكبير وكان بن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول : باسم الله والله أكبر وهذا من فقهه رضي الله عنه وفي الصحيح عن أنس قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين قال : ورأيته يذبحها بيده ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما وسمى وكبر وقد اختلف العلماء في هذا فقال أبو ثور : التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة وكافة العلماء على استحباب ذلك فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من أسماء الله تعالى وأراد به التسمية جاز وكذلك لو قال : الله أكبر فقط أولا إله إلا الله قال بن حبيب فلو لم يرد التسمية لم يجز عن التسمية ولا تؤكل قال الشافعي ومحمد بن الحسن وكره كافة العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذكره وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكره وقالوا لا يذكر هنا إلا الله وحده وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح الرابعة ذهب الجمهور إلى أن قول المضحي : اللهم تقبل مني جائز وكره ذلك أبو حنيفة والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وفيه : ثم قال باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وكره مالك قولهم : اللهم منك وإليك وقال : هذه بدعة وأجاز ذلك بن حبيب من أصحابنا والحسن والحجة لهما ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين موجوءين أملحين فلما وجههما قال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وقرأ إلى قوله : وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح فلعل مالكا لم يبلغه هذا الخبر أو لم يصح عنده أو رأى العمل يخالفه وعلى هذا يدل قوله : إنه بدعة والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( وبشر المحسنين ) روي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تقدم في الآية التي قبلها فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم في كل محسن < < الحج : ( 38 ) إن الله يدافع . . . . . > > < > ( الحج 38 ) <
> روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال فنزلت هذه الآية إلى قوله : كفور فوعد فيها سبحانه بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر وقد مضى في الأنفال التشديد في الغدر وأنه ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان وقيل : المعنى يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم وإن جرى إكراه فيعصمهم حتى لا يرتدوا بقلوبهم وقيل : يدفع عن المؤمنين بإعلائهم بالحجة ثم قتل كافر مؤمنا نادر وإن فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن قبضه إلى رحمته وقرأ نافع يدافع ولولا دفاع وقرأ أبو عمرو وبن كثير يدفع ولولا دفع وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يدافع ولولا دفع الله ويدافع بمعنى يدفع مثل عاقبت اللص وعافاه الله والمصدر دفعا وحكى الزهراوي أن دفاعا مصدر دفع كحسب حسابا < < الحج : ( 39 ) أذن للذين يقاتلون . . . . . > > < > ( الحج 39 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون ) قيل : هذا بيان قوله إن الله يدافع عن الذين آمنوا أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم وفيه إضمار أي أذن للذين يصلحون للقتال في القتال فحذف لدلالة الكلام على المحذوف وقال الضحاك : استأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة فأنزل الله إن الله لا يحب كل خوان كفور فلما هاجر نزلت أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح وهي أول آية نزلت في القتال قال بن عباس وبن جبير : نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وروى النسائي والترمذي عن بن عباس قال : لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكن فأنزل الله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فقال أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون قتال فقال : هذا حديث حسن وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير مرسلا ليس فيه : عن بن عباس الثانية في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع خلافا للمعتزلة لأن قوله : أذن معناه أبيح وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع وقد تقدم هذا المعنى في البقرة وغير موضع وقرئ أذن بفتح الهمزة أي أذن الله يقاتلون بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم وقرئ يقاتلون بفتح التاء أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون ولهذا قال : بأنهم ظلموا أي أخرجوا من ديارهم < < الحج : ( 40 ) الذين أخرجوا من . . . . . > > < > ( الحج 40 ) <
> فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى ( الذين أخرجوا من ديارهم ) هذا أحد ما ظلموا به وإنما أخرجوا لقولهم : ربنا الله وحده فقوله : إلا أن يقولوا ربنا الله استثناء منقطع أي لكن لقولهم ربنا الله قال سيبويه وقال الفراء يجوز أن تكون في موضع خفض يقدرها مردودة على الباء وهو قول أبي إسحاق الزجاج والمعنى عنده : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله أي أخرجوا بتوحيدهم أخرجهم أهل الأوثان والذين أخرجوا في موضع خفض بدلا من قوله : للذين يقاتلون الثانية قال بن العربي : قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام لإقامة حجة الله تعالى عليهم ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم فمنهم من فر إلى أرض الحبشة ومنهم من خرج إلى المدينة ومنهم من صبر على الأذى فلما عتت قريش على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام وعذبوا من آمن به ووحده وعبده وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه أذن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وأنزل أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا إلى قوله الأمور الثالثة في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار لأن الكلام في معنى تقدير الذنب وإلزامه وهذه الآية مثل قوله تعالى : إذ أخرجه الذين كفروا التوبة والكلام فيهما واحد وقد تقدم في براءة والحمد لله الرابعة ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات فكأنه قال : أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله : ولولا دفع الله الناس الآية أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن محمد عليه السلام المساجد ( لهدمت ) من هدمت البناء أي نقضته فانهدم قال بن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق كما تقدم وقال مجاهد : لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول وقالت فرقة : ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة وقال أبو الدرداء : لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد وبمن يغزو عمن لا يغزو لأتاهم العذاب وقالت فرقة : ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية وذلك أن الآية ولا بد تقتضى مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه فتأمله الخامسة قال بن خويزمنداد : تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن ولا يزيدون في البنيان لاسعة ولاارتفاعا ولاينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لأن في ذلك إظهار أسباب الكفر وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم السادسة قرئ لهدمت بتخفيف الدال وتشديدها ( صوامع ) جمع صومعة وزنها فوعلة وهي بناء مرتفع حديد الأعلى يقال : صمع الثريدة أي رفع رأسها وحدده ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة والأصمع من الرجال الحديد القول وقيل : هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين قاله قتادة ثم استعمل في مئذنة المسلمين والبيع جمع بيعة وهي كنيسة النصارى وقال الطبري : قيل هي كنائس اليهود ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك قال الزجاج والحسن هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوتا وقال أبو عبيدة : الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات وفي صلوات تسع قراءات ذكرها بن عطية : صلوات صلوات صلوات صلولي على وزن فعولي صلوب بالباء بواحدة جمع صليب صلوث بالثاء المثلثة على وزن فعول صلوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو صلوثا بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء المثلثة صلويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف وذكر النحاس : وروي عن عاصم الجحدري أنه قرأ وصلوب وروي عن الضحاك وصلوث بالثاء معجمة بثلاث ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها قلت : فعلى هذا تجيء هنا عشر قراءات وقال بن عباس : الصلوات الكنائس أبو العالية : الصلوات مساجد الصابئين بن زيد : هي صلوات المسلمين تنقطع إذا دخل عليهم العدو وتهدم المساجد فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث تعطل أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف وعلى قول بن عباس والزجاج وغيرهم يكون الهدم حقيقة وقال الحسن : هدم الصلوات تركها قطرب : هي الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد وذهب خصيف ألى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم فالصوامع للرهبان والبيع للنصارى والصلوات لليهود والمساجد للمسلمين قال بن عطية : والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلا إلبيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك لأن هولأء ليس لهم ما يجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع وقال النحاس : يذكر فيها أسم الله الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون يذكر فيها أسم الله عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها ويجوز أن يعود على صوامع وما بعدها ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق السابعة فإن قيل : لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين قيل : لأنها أقدم بناء وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر كما أخر السابق في قوله : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات الثامنة قوله تعالى : ( ولينصرن الله من ينصره ) أي من ينصر دينه ونبيه ( إن الله لقوي ) أي قادر قال الخطابي : القوي يكون بمعنى القادر ومن قوي على شيء فقد قدر عليه ( عزيز ) أي جليل شريف قاله الزجاج وقيل الممتنع الذي لا يرام وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى < <
الحج : ( 41 ) الذين إن مكناهم . . . . . > > < > ( الحج 41 ) < > قال الزجاج : ( الذين ) في موضع نصب ردا على من يعني في قوله : ولينصرن الله من ينصره وقال غيره : الذين في موضع خفض ردا على قوله : أذن للذين يقاتلون ويكون الذين إن مكناهم في الأرض أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأرض غيرهم وقال بن عباس : المراد المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان وقال قتادة : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقال عكرمة : هم أصحاب الصلوات الخمس وقال الحسن وأبو العالية : هم هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة وقال بن أبي نجيح : يعني الولاة وقال الضحاك : هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الملك وهذا حسن قال سهل بن عبد الله : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه وليس على الناس أن يأمروا السلطان لأن ذلك لازم له واجب عليه ولا يأمروا العلماء فإن الحجة قد وجبت عليهم < < الحج : ( 42 ) وإن يكذبوك فقد . . . . . > > < > ( الحج 42 : 44 ) < > هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية أي كان قبلك أنبياء كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين فاقتد بهم واصبر ( وكذب موسى ) أي كذبه فرعون وقومه فأما بنو إسرائيل فما كذبوه فلهذا لم يعطفه على ما قبله فيكون وقوم موسى ( فأمليت للكافرين ) أي أخرت عنهم العقوبة ( ثم أخذتهم ) فعاقبتهم ( فكيف كان نكير ) استفهام بمعنى التغيير أي فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش قال الجوهري : النكير والإنكار تغيير المنكر والمنكر واحد المناكير < < الحج : ( 45 ) فكأين من قرية . . . . . > > < > ( الحج 45 ) <
> قوله تعالى : ( فكأين من قرية أهلكناها ) أي أهلكنا أهلها وقد مضى في آل عمران الكلام في كأين ( وهي ظالمة ) أي بالكفر ( فهي خاوية على عروشها ) تقدم في الكهف ( وبئر معطلة وقصر مشيد ) قال الزجاج : وبئر معطلة معطوف على من قرية أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر والفراء يذهب إلى أن وبئر معطوف على عروشها وقال الأصمعي : سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب فقال : إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما والأصل الهمز ومعنى معطلة متروكة قاله الضحاك وقيل : خالية من أهلها لهلاكهم وقيل : غائرة الماء وقيل : معطلة من دلائها وأرشيتها والمعنى متقارب ( وقصر مشيد ) قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل قال عدي بن زيد : شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور أي رفعه وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد : مجصص من الشيد وهو الجص قال الراجز : لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا كحية الماء بين الطين والشيد وقال امرؤ القيس : ولا أطما إلا مشيدا بجندل وقال بن عباس : مشيد أي حصين وقال الكلبي وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع وقال الجوهري : والمشيد المعمول بالشيد والشيد [ بالكسر ] : كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط وبالفتح المصدر تقول : شادة يشيده شيدا جصصه والمشيد [ بالتشديد ] المطول وقال الكسائي : المشيد للواحد من قوله تعالى : وقصر مشيد والمشيد للجمع من قوله تعالى : في بروج مشيدة وفي الكلام مضمر محذوف تقديره : وقصر مشيد مثلها معطل ويقال : إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته وأصحاب القصور ملوك الحضر وأصحاب الآبار ملوك البوادي أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرس وكانت بعدن باليمن بحضرموت في بلد يقال له حضور نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح فمات صالح فسمي المكان حضرموت لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد فيما ذكر الغزنوي الثعلبي : جلهس بن جلاس وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ورجال كثيرون موكلون بها وأبازن [ بالنون ] من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس وآخر للدواب وأخر للبقر وأخر للغنم والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون ولم يكن لهم ماء غيرها وطال عمر الملك الذي أمروه فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى 3 صورته لا تتغير وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد وضجوا جميعا بالبكاء واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة فكلمهم وقال : إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر فأصفقوا على عبادته فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة كان اسمه حنظلة بن صفوان فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له وأن الشيطان قد أضلهم وأن الله لا يتمثل بالخلق وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا يغبهم بالنصيحة حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر فعند ذلك أصابتهم النقمة فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان وضجت البهائم عطشا حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك وخلفتهم في أرضهم السباع وفي منازلهم الثعالب والضباع وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر وشوك العضاه والقتاد فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد نعوذ بالله من سطواته ومن الإصرار على ما يوجب نقماته قال السهيلي وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عامر بن إرم لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس وإقفاره بعد العمران وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادروا وما عدوا فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة وذكرا وتحذيرا من مغبة المعصية وسوء عاقبة المخالفة نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل وقيل : إن الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة الأنبياء في قوله : وكم قصمنا من قرية الأنبياء فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم < <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?