Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Bagian V12/P241–V12/P254

> قوله تعالى : ( وليستعفف الذين لايجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وليستعفف الذين ) الخطاب لمن يملك أمر نفسه لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه كالمحجور قولا واحدا والأمة والعبد على أحد قولي العلماء الثانية واستعفف وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفا فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله فيرزقه ما يتزوج به أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق أو تزول عنه شهوة النساء وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة كلهم حق على الله عز وجل عونهم المجاهد في سبيل الله والناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء ( الثالثة قوله تعالى : ( لايجدون نكاحا ) أي طول نكاح فحذف المضاف وقيل : النكاح ها هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به واللباس اسم لما يلبس فعلى هذا لا حذف في الآية قاله جماعة من المفسرين وحملهم على هذا قوله تعالى : حتى يغنيهم الله من فضله فظنوا أن المأمور به بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف وذلك ضعيف بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر كما قدمناه والله تعالى أعلم الرابعة من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء كما جاء في الخبر الصحيح ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى وفي الخبر ( خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد ( وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في النساء والحمد لله ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين لأنه بنص آخر مباح وهو قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم فجاءت فيه زيادة ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه وقد تقدم هذا في المؤمنين قوله تعالى : ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والذين يبتغون الكتاب ) الذين في موضع رفع وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل لأن بعده أمرا ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد فيكون أعف له قيل : نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبح وقيل صبيح طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها وقتل بحنين في الحرب ذكره القشيري وحكاه النقاش وقال مكي : هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب كل منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا الثانية الكتاب والمكاتبة سواء مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين لأنها معاقدة بين السيد وعبده يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع وقيل : الكتاب ها هنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم الثالثة معنى المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه فإذا أداه فهو حر ولها حالتان : الأولى أن يطلبها العبد ويجيبه السيد فهذا مطلق الآية وظاهرها الثانية أن يطلبها العبد ويأباها السيد وفيها قولان : الأول لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر وافعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وبن عباس واختاره الطبري واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس فرفع عمر عليه الدرة وتلا فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا فكاتبه أنس قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع فكذلك الكتابة لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض وقولهم : مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية وإذا قال العبد : كاتبني وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا وهو أمر باطن فيرجع فيه إليه ويعول عليه وهذا قوي في بابه الرابعة واختلف العلماء في قوله تعالى : ( خيرا ) فقال بن عباس وعطاء : المال مجاهد المال والأداء والحسن والنخعي : الدين والأمانة وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الإكتساب والأداء وعن الليث نحوه وهو قول الشافعي وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ولا يقال : علمت فيه المال وإنما يقال علمت عنده المال قلت وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال على ما يأتي الخامسة اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له فكان بن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس ونحوه عن سلمان الفارسي وروى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد فانه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس وكرهه الأوزاعي وأحمد وإسحاق ورخص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي وروي عن علي رضي الله عنه أن بن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال قال نعم ثم حض الناس على الصدقة علي فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب وقد روي عن مالك كراهة ذلك وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدى إليه من فسادها والحجة في السنة لا فيما خالفها روى الأئمة عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة اوقية فأعينيني الحديث فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا كذلك ذكره بن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا أخرجه البخاري وأبو داود وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب أو مال ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه لأنه بعث مبينا معلما صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى : إن علمتم فيهم خيرا أن المال الخير ليس بالتأويل الجيد وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة والله أعلم السادسة الكتابة تكون بقليل المال وكثيره وتكون على أنجم لحديث بريرة وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد قال الشافعي : لا بد فيها من أجل وأقلها ثلاثة أنجم واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد ولا تجوز حالة البتة وإنما ذلك عتق على صفة كأنه قال : إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة قال بن العربي : اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين واختلف قول علمائنا كاختلافهم والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية وكما فعلت الصحابة ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها فقد استوسق الاسم والأثر وعضده المعنى فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة وقال بن خزيز منداد : إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا على مال ولم تكن كتابة وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها قطاعة وهو القياس لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه وتجوز الكتابة الحالة قاله الكوفيون قلت : لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة والأصحاب يقولون : إنها جائزة ويسمونها قطاعة وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول : لا يجوز على أقل من خمسة نجوم لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بريرة وعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيها فكان بصواب الحجة أولى روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين الحديث كذا قال الليث عن يونس عن بن شهاب عن عروة عن عائشة : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت بريرة فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق الحديث وظاهر الروايتين تعارض غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث يونس لقول البخاري : وقال الليث حدثني يونس ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره والله أعلم السابعة المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء لقوله عليه السلام : ( المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم ( أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وروي عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد ( وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق وابي ثور وداود والطبري وروي ذلك عن بن عمر من وجوه وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وبه قال بن المسيب والقاسم وسالم وعطاء قال مالك : وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم وبه قال النخعي وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه قاله أبو عمر وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أدى وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه وقال بن مسعود : إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم وهذا قول شريح وعن بن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق وهو قول النخعي أيضا وقول سابع إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبدا قاله عطاء بن أبي رباح رواه بن جريج عنه وحكى عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد ولولا ذلك ما بيعت بريرة ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر وكذلك كتابة سلمان وجويرية فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة وهي حجة للجمهور في ان المكاتب عبد ما بقي عليه شيء وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب فقال لعلي : أكنت راجمه لو زنى أو مجيزا شهادته لو شهد فقال علي لا فقال زيد : هو عبد ما بقي عليه شيء وقد روى النسائي عن علي وبن عباس رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه ( وإسناده صحيح وهو حجة لما روي عن علي ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه ( وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته أخذا بالاحتياط والورع في حقهن كما قال لسودة : ( احتجبي منه ( مع أنه قد حكم بأخوتها له وبقوله لعائشة وحفصة : ( أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه ( يعني بن أم مكتوم مع انه قال لفاطمة بنت قيس : ( اعتدي عند بن أم مكتوم ( وقد تقدم هذا المعنى الثامنة أجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين التاسعة قال مالك : ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر وإن لم يظهر له مال فذلك إليه وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم فإذا قال : قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه وقال مالك : إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له كان من كسبه أو من صدقة عليه وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها هذا كله مذهب مالك فيما ذكر بن القاسم وقال أكثر أهل العلم : إن ما قبضه السيد منه من كتابته وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده يطيب له أخذ ذلك كله هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل ورواية عن شريح وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب وهو قول مسروق والنخعي ورواية عن شريح وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه العاشرة حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك وقد ترجم البخاري [ باب بيع المكاتب إذا رضي ] وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا ذهب بن المنذر والداودي وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وبه قال بن شهاب وأبو الزناد وربيعة غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ولا يجوز بيع كتابته بحال وهو قول الشافعي بمصر وكان بالعراق يقول : بيعه جائز وأما بيع كتابته فغير جائزة وأجاز مالك بيع الكتابة فإن أداها عتق وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة ومنع من ذلك أبو حنيفة لأنه بيع غرر واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة وقالت طائفة : يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه ولو عجز فهو عبد له وبه قال النخعي وعطاء والليث وأحمد وأبو ثور وقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق ويكره أن يباع قبل عجزه وهو قول أحمد وإسحاق قال أبو عمر : في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها استدل من منع من بيع المكاتب بأمور : منها ان قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راوضتهم عليها وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها وظاهر الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها وقيل : إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة وحينئذ صح البيع إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه لأن الحق لا يعدوهما وهو المذهب المعروف وقال سحنون : لا بد من السلطان وهذا إنما خاف أن يتواطأ على ترك حق الله تعالى ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به والله اعلم هذه التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه وقال بن المنذر : ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت قال الشافعي : وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه الحادية عشرة المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد وكذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته يعتقون بعتقه ويرقون برقه لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط الثانية عشرة ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم أعني أيدي السادة أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة قال مالك يوضع عن المكاتب من آخر كتابته وقد وضع بن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا واستحسن علي رضي الله عنه أن يكون ذلك ربع الكتابة قال الزهراوي : روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واستحسن بن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها وقال قتادة : عشرها بن جبير : يسقط عنه شيئا ولم يحده وهو قول الشافعي واستحسنه الثوري قال الشافعي : والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة إن مات السيد ورأى مالك رحمه الله تعالى : هذا الأمر على الندب ولم ير لقدر الوضعية حدا احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله وآتوهم ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب كما قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى النحل وما كان مثله قال بن العربي : وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي جعل الشافعي الإيتاء واجبا والكتابة غير واجبة فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا وهذا لا نظير له فصارت دعوى محضة فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه منها المتعة قلنا : عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه في حديث طويل قلت : وقد قال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله وآتوهم للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم وقال زيد بن أسلم : إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى وفي الرقاب وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن مكاتبه ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا الثالثة عشرة إذا قلنا : إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة وهذا قول عبد الله بن عمر وعلي وقال مجاهد : يترك له من كل نجم قال بن العربي : والأقوى عندي أن يكون في آخرها لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في آخريات الديون الرابعة عشرة المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا سواء باعه لعتق أو لغير عتق وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء على ما أمر الله به في كتابه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا وإن كانوا قد باعوها للعتق الخامسة عشرة اختلفوا في صفة عقد الكتابة فقال بن خويزمنداد : صفتها ان يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال في كذا وكذا نجما إذا أديته فأنت حر أو يقول له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت حر فيقول العبد قد قبلت ونحو ذلك من الألفاظ فمتى أداها عتق وكذلك لو قال العبد كاتبني فقال السيد قد فعلت أو قد كاتبتك قال بن العربي : وهذا لا يلزم لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له فإن ذكره فحسن وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة وقد ذكرنا من أصوله جملة فيها لمن اقتصر عليها كفاية والله الموفق للهداية السادسة عشرة في ميراث المكاتب واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته لأن حكمهم كحكمه وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالا ولا يعتقون إلا بعتقه ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم لأنهم يعتقون عليه فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله والقول الثاني أنه يؤدي عنه من ماله جميع كتابته وجعل كأنه قد مات حرا ويرثه جميع ولده وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم روي هذا القول عن علي وبن مسعود ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي وإليه ذهب إسحاق والقول الثالث أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده ولا يرثه أحد من أولاده لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته لأنه لما مات قبل ان يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده فلا يصح عتقه بعد موته لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة ويسقط عنهم منها قدر حصته فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم وإن لم يؤدوا ذلك رقوا هذا قول الشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ) روى عن جابر بن عبد الله وبن عباس رضي الله عنهم أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة وكان يكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله غفور رحيم قوله تعالى : ( إن أردن تحصنا ) راجع إلى الفتيات وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه وإلى هذا المعنى أشار بن العربي فقال : إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه فحصلوه وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله : إن أردن تحصنا راجع إلى الأيامى قال الزجاج والحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير أي وانكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا وقال بعضهم : هذا الشرط في قوله : إن أردن ملغى ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق قوله تعالى : ( لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع وقيل : كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها قوله تعالى : ( ومن يكرهن ) أي يقهرهن ( فإن الله من بعد إكراههن غفور ) لهن ( رحيم ) بهن وقرأ بن مسعود وجابر بن عبد الله وبن جبير لهن غفور بزيادة لهن وقد مضى الكلام في الإكراه في النحل والحمد لله ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه < <

Bagian V12/P254

النور : ( 35 ) الله نور السماوات . . . . . > > < > ( النور 35 ) <

Bagian V12/P254–V12/P263

> النور في كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه : كلام له نور ومنه : الكتاب المنير ومنه قول الشاعر : نسب كأن عليه من شمس الضحا نورا ومن فلق الصباح عمودا والناس يقولون : فلان نور البلد وشمس العصر وقمره وقال فإنك شمس والملوك كواكب وقال آخر : هلا خصصت من البلاد بمقصد قمر القبائل خالد بن يزيد وقال آخر : إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها فيجوز أن يقال : لله تعالى نور من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة : هو نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام ثم إن قولهم متناقض فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور وذلك متناقض وتحقيقه في علم الكلام والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية وقوله عليه السلام إذا قام من الليل يتهجد : ( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ( وقال عليه السلام وقد سئل : هل رأيت ربك فقال ( رأيت نورا ( إلى غير ذلك من الأحاديث واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل : المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها فالكلام على التقريب للذهن كما يقال : الملك نور أهل البلد أي به قوام أمرها وصلاح جملتها لجريان أموره على سنن السداد فهو في الملك مجاز وهو في صفة الله حقيقة محضة إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك وتعالى لا رب غيره قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما قال بن عرفة : أي منور السماوات والأرض وكذا قال الضحاك والقرظي كما يقولون : فلان غياثنا أي مغيثنا وفلان زادي أي مزودي قال جرير : وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريق أي ذو ورق وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين وقال بن عباس وأنس : المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل قوله تعالى : ( مثل نوره ) أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نورا وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : وأنزلنا إليكم نورا مبينا وسمى نبيه نورا فقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين وكذلك الرسول ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر والمشكاة : الكوة في الحائط غير النافذة قاله بن جبير وجمهور المفسرين وهي أجمع للضوء والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة قال الشاعر كأن عينيه مشكاتان في حجر قيضا اقتياضا بأطراف المناقير وقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وقال مجاهد : هي القنديل وقال في زجاجة لأنه جسم شفاف والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج والمصباح : الفتيل بناره ( كأنها كوكب دري ) أي في الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور قال الضحاك : الكوكب الدري هو الزهرة ) أي من زيت شجرة فحذف المضاف والمبارة المنماة والزيتون من أعظم الثمار نماء والرمان كذلك والمعنى يقتضي ذلك وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس : ليت شعري مسافر بن أبي عم رو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما بو رك نبع الرمان والزيتون وقيل : من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها وقال بن عباس : في الزيتونة منافع يسرج بالزيت وهو إدام ودهان ودباغ ووقود يوقد بحطبه وتفله وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم وهي أول شجرة نبتت في الدنيا وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبيا بالبركة منهم إبراهيم ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قال : ( اللهم بارك في الزيت والزيتون ( قاله مرتين ) اختلف العلماء في قوله تعالى لا شرقية ولا غربية فقال بن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم : الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها سترا والغربية عكسها أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية بل هي شرقية غربية وقال الطبري عن بن عباس : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب قال بن عطية : وهذا قول لا يصح عن بن عباس لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها وذلك مشاهد في الوجود وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا لأنها بدل من الشجرة فقال زيتونة وقال بن زيد : إنها من شجر الشام فإن شجر الشام لا شرقي ولا غربي وشجر الشام هو أفضل الشجر وهي الأرض المباركة وشرقية نعت لزيتونة ولا ليست تحول بين النعت والمنعوت ولا غربية عطف عليه قوله تعالى : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) مبالغة في حسنه وصفائه وجودته ( نور على نور ) أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين الله تعالى واضحة وهي برهان بعد برهان وتنبيه بعد تنبيه كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي الله نور بفتح النون والواو المشددة واختلف المتأولون في عود الضمير في نوره على من يعود فقال كعب الأحبار وبن جبير : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم قال بن الأنباري : الله نور السماوات والأرض وقف حسن ثم تبتدئ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم وقال أبي بن كعب وبن جبير أيضا والضحاك : هو عائد على المؤمنين وفي قراءة أبي مثل نور المؤمنين وروي أن في قراءته مثل نور المؤمن وروي أن فيها مثل نور من آمن به وقال الحسن : هو عائد على القرآن والإيمان قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله والأرض قال بن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل فعلى من قال : الممثل به محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول كعب الحبر فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه والزجاجة قلبه والشجرة المباركة هي الوحي والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي ومن قال : الممثل به المؤمن وهو قول أبي فالمشكاة صدره والمصباح الإيمان والعلم والزجاجة قلبه وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها قال أبي : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والإيمان فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان وقالت طائفة : الضمير في نوره عائد على الله تعالى وهذا قول بن عباس فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي وقد تقدم معناه ولا يوقف على هذا القول على الأرض الأرض قال المهدوي : الهاء لله عز وجل والتقدير : الله هادي أهل السماوات والأرض مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة وروي ذلك عن بن عباس وكذلك قال زيد بن أسلم والحسن : إن الهاء لله عز وجل وكان أبي وبن مسعود يقرآنها مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن وتصديقه في آية أخرى يقول أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله عز وجل لأن الله عز وجل لا حد لنوره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من مشكاة وكسر الكاف التي قبلها وقرأ نصر بن عاصم زجاجة بفتح الزاي والزجاجة كذلك وهي لغة وقرأ بن عامر وحفص عن عاصم دري بضم الدال وشد الياء ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه وإما أن يكون أصله دريء مهموز فعيل من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها الدراري بغير همز فلعلهم خففوا الهمزة والأصل من الدرء الذي هو الدفع وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم دريء بالهمز والمد وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا وقرأ الكسائي وأبو عمرو دريء بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع مثل السكير والفسيق قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي تضعيفا شديدا لأنه تأولها من درأت أي دفعت أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور كما يقال : اندرأ الحريق أن اندفع وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجاة ومنه كوكب دريء على فعيل مثل سكير وخمير لشدة توقده وتلألئه وقد درأ الكوكب دروءا قال أبو عمرو بن العلاء : سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه قال : الدريء وكان من أفصح الناس قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فعيل وإنما هو فعول مثل سبوح أبدل من الواو ياء كما قالوا : عتي قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده لأن هذا لا يجوز البتة ولو جاز ما قال لقيل في سبوح سبيح وهذا لا يقوله أحد وليس عتي من هذا والفرق بينهما واضح بين لأنه ليس يخلو عتي من إحدى جهتين : إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما لأن الجمع باب تغيير والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء وإن كان عتي واحدا كان بالواو أولى وجاز قلبها لأنها طرف والواو في فعول ليست طرفا فلا يجوز قلبها قال الجوهري : قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري يكون منسوبا إلى الدر على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فعيل ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولا مثل سبوح فاستثقل فرد بعضه إلى الكسر وحكى الأخفش عن بعضهم دريء من درأته وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول قال وذلك من تلألئه قال الثعلبي : وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء دريء بفتح الدال مهموزا قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل فإن صح عنهما فهما حجة ( يوقد ) قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وبن عامر وأهل الشام وحفص يوقد بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال وقرأ الحسن والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري توقد مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف واختارها أبو حاتم وأبو عبيد قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح وهو أشبه بهذا الوصف لأنه هو الذي ينير ويضيء وإنما الزجاجة وعاء له وتوقد فعل ماض من توقد يتوقد ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد وقرأ نصر بن عاصم توقد والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها وقرا الكوفيون توقد بالتاء يعنون الزجاجة فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة ( من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ) تقدم القول فيه ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ) على تأنيث النار وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن بن عباس أنه قرأ ولو لم يمسسه نار بالياء قال محمد بن يزيد : التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي وكذا سبيل المؤنث عنده وقال بن عمر : المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام وقال محمد بن كعب : المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال : وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يوقد من شجرة مباركة وهي آدم عليه السلام بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء وقيل : هي إبراهيم عليه السلام سماه الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه ( لا شرقية ولا غربية ) أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي فبل المشرق ( يكاد زيتها يضيء ) أي يكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه ( نور على نور ) نبي من نسل نبي وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي صلى الله عليه وسلم بالمصباح كان في قلبهما فورث النبوة من إبراهيم ( من شجرة ) أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان شجرة أصلها نبوة وفرعها مروءة وأغصانها تنزيل وورقها تأويل وخدمها جبريل وميكائيل قال القاضي أبو بكر بن العربي : ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما وكانه كوكب دري وهو المشتري يوقد من شجرة مباركة يعني إرث النبوة من إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة يعني حنيفية لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يقول : يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه نور على نور إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم قال القاضي : وهذا كله عدول عن الظاهر وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده قاله بن العربي قال بن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار فإن مسته النار زاد ضوءه كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : هذا ربي من قبل أن يخبره أحد أن له ربا فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى فقال له ربه : أسلم قال أسلمت لرب العالمين ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه والشجرة المباركة شجرة الوحي ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ ( نور على نور ) يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورا على نور ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : ( يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ) أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام ( والله بكل شيء عليم ) أي بالمهدي والضال وروي عن بن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره < <

Bagian V12/P263

النور : ( 36 ) في بيوت أذن . . . . . > > < > ( النور 36 : 38 ) <

Bagian V12/P263–V12/P280

> قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) فيه اثنتي عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) الباء في بيوت تضم وتكسر وقد تقدم واختلف في الفاء من قوله في فقيل : هي متعلقة بمصباح وقيل : بيسبح له فعلى هذا التأويل يوقف على عليم قال بن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب كأنه قال وهي في بيوت وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي : في بيوت منفصل كأنه يقول : الله في بيوت أذن الله أن ترفع وبذلك جاءت الأخبار أنه ( من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه ( وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة ( أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعلي قراه ولن أرضى له قرى دون الجنة ( قال بن الأنباري : إن جعلت في متعلقة بيسبح أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله والله بكل شيء عليم وقال الرماني : هي متعلقة بيوقد وعليه فلا يوقف على عليم فإن قيل : فما الوجه إذا كان البيوت متعلقة بيوقد في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد قيل : هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق ونحوه وقيل : رجع إلى كل واحد من البيوت وقيل : هو كقوله تعالى : وجعل القمر فيهن نورا نوح وإنما هو في واحدة منها واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال : الأول أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة وأنها تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض قاله بن عباس ومجاهد والحسن الثاني هي بيوت بيت المقدس عن الحسن أيضا الثالث بيوت النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاهد أيضا الرابع هي البيوت كلها قاله عكرمة وقوله يسبح له فيها بالغدو والآصال يقوي أنها المساجد وقول خامس أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبي : الكعبة وبيت أريحا ومسجد المدينة ومسجد قباء قاله بن بريدة وقد تقدم ذلك في التوبة قلت الأظهر القول الأول لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحب الله عز وجل فليحبني ومن أحبني فليحب أصحابي ومن أحب أصحابي فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد فإنها أفنية الله أبنيته أذن الله في رفعها وبارك فيها ميمونة ميمون أهلها محفوظة محفوظ أهلها هم في صلاتهم والله عز وجل في حوائجهم هم في مساجدهم والله من ورائهم ( الثانية قوله تعالى : ( أذن الله أن ترفع ) أذن معناه أمر وقضى وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنقاذ كان أقوى وترفع قيل : معناه تبنى وتعلى قاله مجاهد وعكرمة ومنه قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وقال صلى الله عليه وسلم : ( من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة ( وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد وقال الحسن البصري وغيره : معنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار ففي الحديث ( أن المسجد لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار ( وروى بن ماجة في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة ( وروي عن عائشة قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في الدور وأن تطهر وتطيب الثالثة إذا قلنا : إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش اختلف في ذلك فكرهه قوم وأباحه آخرون فروى حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس وقتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى تتباهى الناس في المساجد ( أخرجه أبو داود وفي البخاري وقال أنس : ( يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا ( وقال بن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم ( احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله في بيوت أذن الله أن ترفع يعني تعظم وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالساج وحسنه قال أبو حنيفة : لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في عمارته وتزيينه وذلك في زمن ولايته قبل خلافته ولم ينكر عليه أحد ذلك وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه الرابعة ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبينه وذلك من تعظيمها وقد صح من حديث بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك : ( من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يأتين المساجد ( وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أكل من هذه البقلة الثوم ( وقال مرة : ( من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ( وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته : ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا خرجه مسلم في صحيحه قال العلماء : وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم إو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث وأخبر أن ذلك مما يتأذى به قال أبو عمر بن عبد البر : وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه وألا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه فذاكرته يوما أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم وقال : هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد قلت وفي الآثار المرسلة أن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك من نتن ريحه فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك يؤذي الخامسة أكثر العلماء على ان المساجد كلها سواء لحديث بن عمر وقال بعضهم : إنما خرج النهي على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه ولقوله في حديث جابر : ( فلا يقربن مسجدنا ( والأول أصح لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية وذكر الصفة في الحكم تعليل وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض قوائها من العنبر وأعناقها من الزعفران ورءوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد الأخضر وقوامها والمؤنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( وفي التنزيل إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله التوبة وهذا عام في كل مسجد وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى يقول إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر التوبة ( وقد تقدم السادسة وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الاشتغال لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر : ( لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له ( أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له ( وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تزرموه دعوه ( فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه خرجه مسلم ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق : ويذكر فيها اسمه وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي : ( إن هذه المساجد لايصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه وحسبك وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا الصوت أتدري أين أنت وكان خلف بن أيوب جالسا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه فقيل له في ذلك فقال : ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا فكرهت أن أتكلم اليوم السابعة روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد وعن البيع والشراء فيه وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة قال : وفي الباب عن بريدة وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمر وحديث حسن قال محمد بن إسماعيل : رأيت محمدا وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد وبه يقول أحمد وإسحاق وروي أن عيسى بن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقا ثم جعل يسعى عليهم ضربا ويقول : يا أبناء الأفاعي اتخذتم مساجد الله أسواقا هذا سوق الآخرة قلت : وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد ورأى أنه من باب البيع وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وتطييبها فقال : ( جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم واجمروها في الجمع واجعلوا على أبوابها المطاهر ( في أسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية وهو ضعيف عندهم ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ وذكر أبو أحمد أيضا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى رجلا خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ويغلق الأبواب ويرش أحيانا فقال عثمان : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( جنبوا صناعكم من مساجدكم ( هذا حديث غير محفوظ في إسناده محمد بن مجيب الثقفي وهو ذاهب الحديث قلت ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه لينا فهو صحيح معنى يدل على صحته ما ذكرناه قبل قال الترمذي : وقد روي عن بعض أهل العالم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد قلت : أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك فمن مانع مطلقا ومن مجيز مطلقا والأولى التفصيل وهو ان ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضى الثناء على الله عز وجل أو على رسوله صلى الله عليه وسلم أو الذب عنهما كما كان شعر حسان أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها فهو حسن في المساجد وغيرها كقول القائل : طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا وذريني لست أبغي غير ربي أحدا فهو أنسي وجليسي ودعي الناس فما أن تجدي من دونه ملتحدا وما لم يكن كذلك لم يجز لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى : قي بيوت أذن الله أن ترفع وقد يجوز إنشاده في المسجد كقول القائل : كفحل العداب القرد يضربه الندى تعلى الندى في متنه وتحدرا وقول الآخر : إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا فهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز لأنه خال عن الفواحش والكذب وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في الشعراء إن شاء الله تعالى وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ذكر الشعراء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ( وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في السنن قلت : وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به غيره وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك والله أعلم الثامنة وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده لحديث بريرة المتقدم وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ( وإلى هذا ذهب مالك وجماعة حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في الخصومة والعلم قالوا : لأنهم لا بد لهم من ذلك وهذا مخالف لظاهر الحديث وقولهم لا بد لهم من ذلك ممنوع بل لهم بد من ذلك لوجهين : أحدهما بملازمة الوقار والحرمة وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه والثاني أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعا يخصه كما فعل عمر حيث بنى رحبة تسمى البطيحاء وقال : من أراد ان يلغط أو ينشد شعرا يعني في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليخرج إلى هذه الرحبة وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد ولذلك بنى البطيحاء خارجه التاسعة وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء ومن لا بيت له فجائز لأن في البخاري وقال أبو قلابة عن أنس : قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في الصفة وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : كان أصحاب الصفة فقراء وفي الصحيحين عن بن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لفظ البخاري وترجم [ باب نوم المرأة في المسجد ] وأدخل حديث عائشة في قصة السوداء التي اتهمها أهلها بالوشاح قالت عائشة : وكان لها خباء في المسجد أو حفش الحديث ويقال : كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة العاشرة روى مسلم عن أحمد أو عن أبي أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك ( خرجه أبو داود كذلك إلا أنه زاد بعد قوله ( إذا دخل أحدكم المسجد : فليسلم وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي ( الحديث وروى بن ماجة عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال ( باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله والصلاة على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك ( وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم ( وخرج أبو داود عن حيوة بن شريح قال : لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال ( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ( قال نعم قال : فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم الحادية عشرة روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ( وعنه قال : دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس قال فجلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس ( فقلت : يا رسول الله رأيتك جالسا والناس جلوس قال : ( فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ( قال العلماء : فجعل صلى الله عليه وسلم للمسجد مزية يتميز بها عن سائر البيوت وهو ألا يجلس حتى يركع وعامة العلماء على أن الأمر بالركوع على الندب والترغيب وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب وهذا باطل ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ ولا قائل به فيما أعلم والله أعلم فإن قيل : فقد روى إبراهيم بن يزيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيرا ( وهذا يقتضي التسوية بين المسجد والبيت قيل : هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها قال ذلك البخاري وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد بن عبد الحميد ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد قاله أبو محمد عبد الحق الثانية عشرة روى سعيد بن زبان حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند رضي الله عنه قال : حمل تميم يعني الداري من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال له أبو البزاد فقام فنشط المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتيل فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو بها تزهر فقال : ( من فعل هذا ( قالوا : تميم الداري يا رسول الله فقال : ( نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها ( قال نوفل بن الحارث : لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت فأنكحه إياها زبان [ بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها ] ينفرد بالتسمي به سعيد وحده فهو أبو عثمان سعيد بن زبان بن قائد بن زبان بن أبي هند وأبو هند هذا مولى بن بياضة حجام النبي صلى الله عليه وسلم والمقط : جمع المقاط وهو الحبل فكأنه مقلوب القماط والله أعلم وروى بن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : أول من أسرج في المساجد تميم الداري وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين ( قال العلماء : ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد الثالثة عشرة قوله تعالى : ( يسبح له بالغدو والآصال رجال ) اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين فقيل : هم المراقبون أمر الله الطالبون رضاءه الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا وقال كثير من الصحابة : نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين اراد الله بقوله لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وروي ذلك عن بن مسعود وقرأ عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه والحسن يسبح له فيها بفتح الباء على ما لم يسم فاعله وكان نافع وبن عمر وأبو عمرو وحمزة يقرؤون يسبح بكسر الباء وكذلك روى أبو عمرو عن عاصم فمن قرأ يسبح بفتح الباء كان على معنيين : أحدهما أن يرتفع رجال بفعل مضمر دل عليه الظاهر بمعنى يسبحه رجال فيوقف على هذا على الآصال وقد ذكر سيبويه مثل هذا وأنشد : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح المعنى : يبكيه ضارع وعلى هذا تقول : ضرب زيد عمرو على معنى ضربه عمرو والوجه الآخر أن يرتفع رجال بالابتداء والخبر في بيوت أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال ويسبح له فيها حال من الضمير في ترفع كأنه قال : أن ترفع مسبحا له فيها ولا يوقف على الآصال على هذا التقدير ومن قرأ يسبح بكسر الباء لم يقف على الآصال لأن يسبح فعل للرجال والفعل مضطر إلى فاعله ولا إضمار فيه وقد تقدم القول في الغدو والآصال في آخر الأعراف والحمد لله وحده الرابعة عشرة قوله تعالى : ( يسبح له فيها ) قيل : معناه يصلي وقال بن عباس : كل تسبيح في القرآن صلاة ويدل عليه قوله بالغدو والآصال أي بالغداة والعشي وقال أكثر المفسرين : أراد الصلاة المفروضة فالغدو صلاة الصبح والآصال صلاة الظهر والعصر والعشائين لأن اسم الآصال يجمعها الثالثة روى أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ومن خرج إلى تسبيح الضحا لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين ( وخرج عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ( في غير الصحيح من الزيادة ( كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ( ذكره الثعلبي وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة ( وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه ( في رواية : ما يحدث قال ( يفسو أو يضرط ( وقال حكيم بن زريق : قيل لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد فقال : من صلى على جنازة فله قيراط ومن شهد دفنها فله قيراطان والجلوس في المسجد أحب إلي لأن الملائكة تقول : اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا وعودوا قلوبكم الرقة وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون ( وقال أبو الدرداء لابنه : ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن المساجد بيوت المتقين ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له الروح والراحة والجواز على الصراط ( وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب : أن عليك بالمساجد فالزمها فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء وقال أبو إدريس الخولاني : المساجد مجالس الكرام من الناس وقال مالك بن دينار : بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول ( إني أهم بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد وجلساء القرآن وولدان الإسلام فيسكن غضبي ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا وحبها فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة ( وقال بن المسيب : من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه فما حقه أن يقول إلا خيرا وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة فقال : من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوسا وإن لم يكن في المسجد أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس وألا يشتري فيه ولا يبيع ولا يسل فيه سهما ولا سيفا ولا يطلب فيه ضالة ولا يرفع فيه صوتا بغير ذكر الله تعالى ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا ولا يتخطى رقاب الناس ولا ينازع في المكان ولا يضيق على أحد في الصف ولا يمر بين يدي مصل ولا يبصق ولا يتنخم ولا يتمخط فيه ولا يفرقع أصابعه ولا يعبث بشيء من جسده وأن ينزه عن النجاسات والصبيان والمجانين وإقامة الحدود وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد وكان المسجد حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم وفي الخبر ( أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا ( وروى الدارقطني عن عامر الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا فيقال لليلتين وأن تتخذ المساجد طرقا وأن يظهر موت الفجأة ( هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن أنس وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا والله أعلم وقال أبو حاتم : عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الأبدال وفي البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما ( وخرج مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ( وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن ( وخرج أبو داود عن الفرج بن فضالة عن أبي سعد الحميري قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ثم مسحه برجله فقيل له : لم فعلت هذا قال : لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله فرج بن فضالة ضعيف وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله اليسرى ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه السادسة عشرة لما قال تعالى رجال وخصهم بالذكر دل على أن النساء لا حظ لهن في المساجد إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل روى أبو داود عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ( السابعة عشرة قوله تعالى : ( لاتلهيهم ) أي لاتشغلهم ( تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة فإن قيل : فلم كرر ذكر البيع والتجارة تشمله قيل له : أراد بالتجارة الشراء لقوله ولا بيع نظيره قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها الجمعة قاله الواقدي وقال الكلبي : التجار هم الجلاب المسافرون والباعة هم المقيمون ( عن ذكر الله ) اختلف في تأويله فقال عطاء : يعني حضور الصلاة وقاله بن عباس وقال : المكتوبة وقيل عن الأذان ذكره يحيى بن سلام وقيل : عن ذكره بأسمائه الحسنى أي يوحدونه ويمجدونه والآية نزلت في أهل الأسواق قاله بن عمر قال سالم : جاز عبد الله بن عمر بالسوق وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال : فيهم نزلت رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع الآية وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقيل : إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بياعا فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعا وإن كان بالأرض لم يرفعه وكان الآخر قينا يعمل السيوف للتجارة فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما الثامنة عشرة قوله تعالى : ( وإقام الصلاة ) هذا يدل على أن المراد بقوله عن ذكر الله غير الصلاة لأنه يكون تكرارا يقال : أقام الصلاة إقامة والأصل إقواما فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وبعدها ألف ساكنة فحذفت إحداهما وأثبتت الهاء لئلا تحذفها فتجحف فلما أضيفت قام المضاف مقام الهاء فجاز حذفها وإن لم تضف لم يجز حذفها ألا ترى أنك تقول : وعد عدة ووزن زنة فلا يجوز حذف الهاء لأنك قد حذفت واوا لأن الأصل وعد وعدة ووزن وزنة فإن أضفت حذفت الهاء وأنشد الفراء : إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا يريد عدة فحذف الهاء لما أضاف وروي من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض قوائمها من العنبر وأعناقها من الزعفران ورءوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد الأخضر وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون أو أنبياء مرسلون فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( وعن علي رضي الله عنه أنه قال : يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب شر أهل ذلك الزمن علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود يعني أنهم يعلمون ولا يعملون بواجبات ما علموا التاسعة عشرة قوله تعالى : ( وإيتاء الزكاة ) قيل : الزكاة المفروضة قاله الحسن وقال بن عباس : الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال ( يخافون يوما ) يعني يوم القيامة ( تتقلب فيه القلوب والأبصار ) يعني من هوله وحذر الهلاك والتقلب التحول والمراد قلوب الكفار وأبصارهم فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا هي ترجع إلى أماكنها إلى الحناجر فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج وأما تقلب الأبصار فالزرق بعد الكحل والعمى بعد البصر وقيل : تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم وإلى أي ناحية يؤخذ بهم وقيل : إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين وذلك مثل قوله تعالى : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ق فما كان يراه في الدنيا غيا يراه رشدا إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة وقيل : تقلب على جمر جهنم كقوله تعالى : يوم تقلب وجوههم في النار ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار وقيل : تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة وقيل إن تقلب القلوب وجيبها وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال ( ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ) فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لأمرين : أحدهما أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة الثاني أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم مغفورة ( ويزيدهم من فضله ) يحتمل على وجهين : أحدهما ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها الثاني ما يتفضل به من غير جزاء ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه إذ لا نهاية لعطائه وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجد قال : ( نعم يا بن رواحة ( قال : وصلى فيها قائما وقاعدا قال : ( نعم يا بن رواحة ( قال : ولم يبت لله إلا ساجدا قال : ( نعم يا بن رواحة كف عن السجع فما أعطي عبد شيئا شرا من طلاقة في لسانه ( ذكره الماوردي < <

Bagian V12/P280–V12/P282

النور : ( 39 ) والذين كفروا أعمالهم . . . . . > > < > ( النور 39 ) < > قوله تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) لما ضرب الله مثل المؤمن ضرب مثل الكافر قال مقاتل : نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس كان يترهب متلمسا للدين فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر أبو سهل : في أهل الكتاب الضحاك : في أعمال الخير للكافر كصلة الرحم ونفع الجيران والسراب : ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض والآل الذي يكون ضحا كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء وسمى السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء ويقال : سرب الفحل أي مضى وسار في الأرض ويسمى الآل أيضا ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان قال الشاعر : فكنت كمهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلد وقال آخر : فلما كففنا الحرب كانت عهودهم لمع سراب بالفلا متألق وقال امرؤ القيس : ألم أنض المطي بكل خرق أمق الطول لماع السراب والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار قاله الهروي وقال أبو عبيدة : قيعة وقاع واحد حكاه النحاس والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت وفيه يكون السراب وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء وجمعه قيعان قال الجوهري : والقاع المستوي من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل القاع وهو أيضا من الواو وبعضهم يقول : هو جمع ( يحسبه الظمآن ) أي العطشان ( ماء ) أي يحسب السراب ماء ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) مما قدره ووجد أرضا لا ماء فيها وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر أي لم يجدوا شيئا كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء فيها فهو يهلك أو يموت ( ووجد الله عنده ) أي وجد الله بالمرصاد ( فوفاه حسابه ) أي جزاء عمله قال امرؤ القيس : فولى مدبرا يهوى حثيثا وأيقن انه لاقى الحسابا وقيل : وجد وعد الله بالجزاء على عمله وقيل : وجد أمر الله عند حشره والمعنى متقارب وقرىء بقيعات المهدوي : ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين ويجوز أن تكون مثل رجل عزه وعزهاة للذي لايقرب النساء ويجوز أن يكون جمع قيعة ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة الظمان بغير همز والمشهور عنهما بالهمز يقال : ظمىء يظمأ ظمأ فهو ظمآن وإن خففت الهمزة قلت الظمان وقوله والذين كفروا ابتداء أعمالهم ابتداء ثان والكاف من كسراب الخبر والجملة خبر عن الذين ويجوز ان تكون أعمالهم بدلا من الذين كفروا أي وأعمال الذين كفروا كسراب فحذف المضاف < < النور : ( 40 ) أو كظلمات في . . . . . > > < > ( النور 40 ) <

Bagian V12/P282–V12/P285

> قوله تعالى : ( أو كظلمات في بحر لجي ) ضرب تعالى مثلا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات قال الزجاج : إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات فأو للإباحة حسبما تقدم من القول في أو كصيب وقال الجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من أعمالهم وقد قال تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من الكفر إلى الإيمان وقال أبو علي : أو كظلمات أو كذي ظلمات ودل على هذا المضاف قوله تعالى : إذا أخرج يده فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف قال القشيري : فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار وعند الجرجاني لكفر الكافر وعند أبي علي للكافر وقال بن عباس في رواية : هذا مثل قلب الكافر ( في بحر لجي ) قيل : هو منسوب إلى اللجة وهو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء والجمع لجج والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة ( والتج الأمر إذا عظم واختلط وقوله تعالى : حسبته لجة النمل أي ما له عمق ولججت السفينة أي خاضت اللجة [ بضم اللام ] فأما اللجة [ بفتح اللام ] فأصوات الناس يقول سمعت لجة الناس أي أصواتهم وصخبهم قال أبو النجم : في لجة أمسك فلانا عن فل والتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت ( يغشاه موج ) أي يعلو ذلك البحر اللجي موج ( من فوقه موج ) أي من فوق الموج موج ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب وقيل : المعنى يغشاه موج من بعده موج فيكون المعنى : الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ومن فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين : أحدهما أنه قد غطى النجوم التي يهتدى بها الثاني الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه ( ظلمات بعضها فوق بعض ) قرأ بن محيصن والبزي عن بن كثير سحاب ظلمات بالإضافة والخفض قنبل سحاب منونا ظلمات بالجر والتنوين الباقون بالرفع والتنوين قال المهدوي : من قرأ من فوقه سحاب ظلمات بالاضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها كما يقال : سحاب رحمة إذا ارتفع في وقت المطر ومن قرأ سحاب ظلمات جر ظلمات على التأكيد لظلمات الأولى أو البدل منها وسحاب ابتداء ومن فوقه الخبر ومن قرأ سحاب ظلمات فظلمات خبر ابتداء محذوف التقدير : هي ظلمات أو هذه ظلمات قال بن الأنباري : من فوقه موج غير تام لأن قوله من فوقه سحاب صلة للموج والوقف على قوله من فوقه سحاب حسن ثم تبتدئ ظلمات بعضها فوق بعض على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا ظلمات على معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب ثم قيل : المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا وقيل : المراد بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض وقيل : أراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة وبالسحاب الرين والختم والطبع على قلبه روى معناه عن بن عباس وغيره أي لا يبصر بقلبه نور الإيمان كما أن صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها وقال أبي بن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلمات : كلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير ( إذا أخرج يده ) يعني الناظر ( لم يكد يراها ) أي من شدة الظلمات قال الزجاج وأبو عبيدة : المعنى لم يرها ولم يكد وهو معنى قول الحسن ومعنى لم يكد لم يطمع أن يراها وقال الفراء : كاد صلة أي لم يرها كما تقول : ما كدت أعرفه وقال المبرد : يعني لم يرها إلا من بعد الجهد كما تقول : ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه بعد يأس وشدة وقيل : معناه قرب من الرؤية ولم ير كما يقال : كاد العروس يكون أميرا وكاد النعام يطير وكاد المنتعل يكون راكبا النحاس : وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة ( ومن لم يجعل الله له نور ) يهتدي به حين أظلمت عليه الأمور وقال بن عباس : أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة كقوله تعالى : ويجعل لكم نورا تمشون به الحديد وقال الزجاج : ذلك في الدنيا والمعنى : من لم يهده الله لم يهتد وقال مقاتل بن سليمان : نزلت في عتبة بن ربيعة كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح ثم كفر في الإسلام الماوردي : في شيبة بن ربيعة وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإسلام قلت : وكلاهما مات كافرا فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما وقد قيل : نزلت في عبد الله بن جحش وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ثم تنصر بعد إسلامه وذكر الثعلبي : وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى خلقني من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة فمن لم يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة فماله من نور ( فنزلت ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور < <

Bagian V12/P285–V12/P286

النور : ( 41 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( النور 41 : 42 ) < > قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ) لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال فله بعثة الرسل وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات وأخبروا بالجنة والنار والخطاب في ألم تر للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه : لم تعلم والمراد الكل ( أن الله يسبح له من في السماوات ) من الملائكة ( والأرض ) من الجن والإنس ( والطير صافات ) قال مجاهد وغيره : الصلاة للإنسان والتسبيح لما سواه من الخلق وقال سفيان : للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود وقيل : إن ضربها بأجنحتها صلاة وإن أصواتها تسبيح حكاه النقاش وقيل : التسبيح ها هنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة ومعنى صافات مصطفات الأجنحة في الهواء وقرأ الجماعة والطير بالرفع عطفا على من وقال الزجاج : ويجوز والطير بمعنى مع الطير قال النحاس : وسمعته يخبر قمت وزيدا بمعنى مع زيد قال : وهو أجود من الرفع قال : فإن قلت قمت أنا وزيد كان الأجود الرفع ويجوز النصب ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) يجوز أن يكون المعنى : كل قد علم الله صلاته وتسبيحه أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح ولهذا قال : ( والله عليم بما يفعلون ) أي لايخفى عليه طاعتهم ولا نسبيحهم ومن هذه الجهة يجوز نصب كل عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده وقد قيل : المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه وقرأ بعض الناس كل قد علم صلاته وتسبيحه غير مسمى الفاعل وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ كل قد علم صلاته وتسبيحه فيجوز أن يكون تقديره : كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه ويجوز أن يكون المعنى : كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه أي صلاة نفسه فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص لأن من الناس من لم يعلم ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل فعبر عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي والصلاة هنا بمعنى التسبيح وكرر تأكيدا كقوله يعلم السر والنجوى والصلاة قد تسمى تسبيحا قاله القشيري ( ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ) تقدم في غير موضع < < النور : ( 43 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( النور 43 : 44 ) <

Bagian V12/P286–V12/P290

> قوله تعالى : ( ألم ترى أن الله يزجي سحابا ) ذكر من حججه شيئا آخر أي ألم تر بعيني قلبك يزجي سحابا أي يسوق إلى حيث يشاء والريح تزجي السحاب والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه ومنه زجا الخراج يزجو زجاء [ ممدودا ] إذا تيسرت جبايته وقال النابغة : إني أتيتك من اهلي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق وقال أيضا : أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد ( ثم يؤلف بينه ) أي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ويكثف والأصل في التأليف الهمز تقول : تألف وقرئ يولف بالواو تخفيفا والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا قال : وينشئ السحاب الرعد وبين لا يقع إلا لاثنين فصاعدا فكيف جاز بينه فالجواب أن بينه هنا لجماعة السحاب كما تقول : الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وذكر الكناية على اللفظ قال معناه الفراء وجواب آخر وهو أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه مشتمل على قطع كثيره كما قال : بين الدخول فحومل فأوقع بين على الدخول وهو واحد لاشتماله على مواضع وكما تقول ما زلت أدور بين الكوفة لأن الكوفة أماكن كثيرة قاله الزجاج وغيره وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز وكان يروي : بين الدخول وحومل ) أي مجتمعا يركب بعضه بعضا كقوله تعالى : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم الطور والركم جمع الشيء يقال منه : ركم الشيء يركمه ركما إذا جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام : الرمل المتراكم وكذلك السحاب وما أشبهه ومرتكم الطريق [ بفتح الكاف ] جادته ( فترى الودق يخرج من خلاله ) في الودق قولان : أحدهما أنه البرق قاله أبو الأشهب العقيلي ومنه قول الشاعر : أثرنا عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلل السحاب الثاني أنه المطر قاله الجمهور ومنه قول الشاعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها وقال امر ؤ القيس : فدمعهما ودق وسح وديمة وسكب وتوكاف وتنهملان يقال : ودقت السحابة فهي وادقة وودق المطر يدق ودقا أي قطر وودقت إليه دنوت منه وفي المثل : ودق العير إلى الماء أي دنا منه يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه والموضع مودق وودقت به ودقا استأنست به ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل : ودقت تدق ودقا وأودقت واستودقت وأتان ودوق وفرس ودوق ووديق أيضا وبها وداق والوديقة : شدة الحر وخلال جمع خلل مثل الجبل والجبال وهي فرجه ومخارج القطر منه وقد تقدم في البقرة أن كعبا قال : إن السحاب غربال المطر لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض وقرأ بن عباس والضحاك وأبو العالية من خلله على التوحيد وتقول : كنت في خلال القوم أي وسطهم ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) قيل : خلق الله في السماء جبالا من برد فهو ينزل منها بردا وفيه إضمار أي ينزل من جبال البرد بردا فالمفعول محذوف ونحو هذا قول الفراء لأن التقدير عنده : من جبال برد فالجبال عنده هي البرد وبرد في موضع خفض ويجب أن يكون على قوله المعنى : من جبال برد فيها بتنوين جبال وقيل : إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد فيكون التقدير : وينزل من السماء من جبال فيها برد ومن صلة وقيل : المعنى وينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض فمن الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البرد وقال الأخفش : إن من في الجبال وبرد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع نصب أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال والله أعلم ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء ) فيكون إصابته نقمة وصرفه نعمة وقد مضى في البقرة والرعد أن من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك من الرعد ( يكاد سنا برقه ) أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب ( يذهب بالابصار ) من شدة بريقه وضوئه قال الشماخ : وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلا البصير وقال امرأ القيس : يضيء سناه أو مصابيح راهب أهان السليط في الذبال المفتل فالسنا [ مقصور ] ضوء البرق والسنا أيضا نبت يتداوى به والسناء من الرفعة ممدود وكذلك قرأ طلحة بن مصرف سناء بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء فأطلق عليه اسم الشرف قال المبرد : السنا [ مقصور ] وهو اللمع فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود وأصلهما واحد وهو الالتماع وقرأ طلحة بن مصرف سناء برقه قال أحمد بن يحيى : وهو جمع برقة قال النحاس : البرقة المقدار من البرق والبرقة المرة الواحدة وقرأ الجحدري وبن القعقاع يذهب بالابصار بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب وتكون الباء في بالأبصار صلة زائدة الباقون يذهب بالأبصار بفتح الياء والهاء والباء للإلصاق والبرق دليل على تكاثف السحاب وبشير بقوة المطر ومحذر من نزول الصواعق ( يقلب الله الليل والنهار ) قيل : تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر وقيل : تقليبهما نقصهما وزيادتهما وقيل : هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى وكذا الليل مرة بظلمة السحاب ومرة بضوء القمر قاله النقاش وقيل : تقليبهما باختلاف ما تقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر ( إن في ذلك ) أي في الذي ذكرناه من تقلب الليل والنهار وأحوال المطر والصيف والشتاء ( لعبرة ) أي اعتبار ( لأولي الأبصار ) أي لأهل البصائر من خلقي قوله تعالى : < <

Bagian V12/P290–V12/P292

النور : ( 45 ) والله خلق كل . . . . . > > < > ( النور 45 : 46 ) < > قوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي والله خالق كل بالإضافة الباقون خلق على الفعل قيل : إن المعنيين في القراءتين صحيحان أخبر الله عز وجل بخبرين ولا ينبغي أن يقال في هذا : إحدى القراءتين أصح من الأخرى وقد قيل : إن خلق لشيء مخصوص وإنما يقال خالق على العموم كما قال الله عز وجل : الخالق البارئ الحشر وفي الخصوص الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وكذا هو الذي خلقكم من نفس واحدة فكذا يجب أن يكون والله خلق كل دابة من ماء والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان يقال : دب يدب فهو داب والهاء للمبالغة وقد تقدم في البقرة ( من ماء ) لم يدخل في هذا الجن والملائكة لأنا لم نشاهدهم ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء بل في الصحيح ( إن الملائكة خلقوا من نور والجن من نار ( وقد تقدم وقال المفسرون : من ماء أي من نطفة قال النقاش : أراد أمنية الذكور وقال جمهور النظرة : أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين وعلى هذا يتخرج قول النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر : ممن انتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نحن من ماء ( الحديث وقال قوم : لا يستثني الجن والملائكة بل كل حيوان خلق من الماء وخلق النار من الماء وخلق الريح من الماء إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء ثم خلق منه كل شيء قلت : ويدل على صحة هذا قوله تعالى : فمنهم من يمشي على بطنه المشي على البطن للحيات والحوت ونحوه من الدود وغيره وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى والأربع لسائر الحيوان وفي مصحف أبي ومنهم من يمشي على أكثر فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش ولكنه قرآن لم يثبته إجماع لكن قال النقاش : إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوام مشيه وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها قال بن عطية : والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان وهي كلها تتحرك في تصرفه وقال بعضهم : ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع إذ لم يقل ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع وقيل فيه إضمار : ومنهم من يمشي على أكثر من أربع كما وقع في مصحف أبي والله أعلم ودابة تشمل من يعقل وما لا يعقل فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل لأنه المخاطب والمتعبد ولذلك قال فمنهم وقال من يمشي فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع أي لولا ان للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا بل كانوا من جنس واحد وهو كقوله : يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات ( يخلق الله مايشاء إن الله على كل شيء مما يريد خلقه ( قدير ) ( لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) تقدم بيانه في غير موضع < < النور : ( 47 ) ويقولون آمنا بالله . . . . . > > < > ( النور 47 ) < > قوله تعالى : ( ويقولون آمنا بالله ورسوله ) يعني المنافقين يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص ( ) أي ويقولون وأطعنا وكذبوا ( ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) < <

Bagian V12/P292–V12/P294

النور : ( 48 ) وإذا دعوا إلى . . . . . > > < > ( النور 48 : 50 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ) قال الطبري وغيره : إن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافق مبطلا فأبى من ذلك وقال : إن محمدا يحيف علينا فلنحكم كعب بن الأشرف فنزلت الآية فيه وقيل : نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية كان بينه وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم عليا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنه يبغضني فنزلت الآية ذكره الماوردي وقال : ليحكم ولم يقل ليحكما لأن المعنى به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما بدأ بذكر الله إعظاما لله واستفتاح كلام الثانية قوله تعالى : ( وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) أي طائعين منقادين لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق يقال : أذعن فلان لحكم فلان يذعن إذعانا وقال النقاش : مذعنين خاضعين مجاهد : مسرعين الأخفش وبن الأعرابي : مقرنين ( أفي قلوبهم مرض ) شك وريب ( أم ارتابوا ) أم حدث لهم شك في نبوته عدله ( أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) أي يجور في الحكم والظلم وأتى بلفظ الاستفهام لأنه أشد في التوبيخ وأبلغ في الذم كقول جرير في المدح : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ( بل أولئك هم الظالمون ) أي المعاندون الكافرون لإعراضهم عن حكم الله تعالى الثالثة القضاء يكون للمسلين إذا كان الحكم بين المعاهد والمسلم ولاحق لأهل الذمة فيه وإذا كان بين ذميين فذلك إليهما فإذا جاء قاضي الإسلام فإن شاء حكم وإن شاء أعرض كما تقدم في المائدة الرابعة هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم فقال : أفي قلوبهم مرض الآية قال بن خويزمنداد : واجد على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب مالم يعلم أن الحاكم فاسق أو عداوة بين المدعي والمدعى عليه وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من دعاه خصمه إلى حاكم من حكان المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ( ذكره الماوردي أيضا قال بن العربي : وهذا حديث باطل فأما قوله ( فهو ظالم ( فكلام صحيح وأما قوله ( فلا حق له ( فلا يصح ويحتمل أنه يريد أنه على غير الحق < < النور : ( 51 ) إنما كان قول . . . . . > > < > ( النور 51 ) < > قوله تعالى : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ) أي إلى كتاب الله وحكم رسوله ( أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) قال بن عباس : أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار وإن كان ذلك فيما يكرهون أي هذا قولهم وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا فالقول نصب على خبر كان واسمها في قوله أن يقولوا نحو وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وقيل : إنما قول المؤمنين وكان صلة في الكلام كقوله تعالى : كيف نكلم من كان في المهد صبيا مريم وقرأ بن القعقاع ليحكم بينهم غير مسمى الفاعل علي بن أبي طالب إنما كان قول بالرفع < < النور : ( 52 ) ومن يطع الله . . . . . > > < > ( النور 52 ) <

Bagian V12/P294–V12/P296

> قوله تعالى : ( ومن يطع الله ورسوله ) فيما أمر به وحكم ( ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون فيما أمر به حكم ) قرأ حفص ويتقه بإسكان القاف على نية الجزم قال الشاعر : ومن يتق فإن الله معه ورزق الله مؤتاب وغادي وكسرها الباقون لأن جزمه بحذف آخر وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والبستي عن أبي عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون ( فأولئك هم الفائزون ) ذكر أسلم أن عمر بينما هو قائم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه وهو يقول أنا : أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقال له عمر : ما شأنك قال : أسلمت لله قال : هل لهذا سبب قال : نعم إني قرأت في التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة فعلمت أنه من عند الله فأسلمت قال : ما هذه الآية قال قوله تعالى : ومن يطع الله في الفرائض ورسوله في السنن ويخش الله فيما مضى من عمره ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة فقال عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت جوامع الكلم < < النور : ( 53 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . > > < > ( النور 53 ) < > قوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) عاد إلى ذكر المنافقين فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي صلى الله عليه وسلم أتوه فقالوا : والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا فخرجنا ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا فنزلت هذه الآية أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون ( جهد أيمانهم ) أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا وقال مقاتل : من حلف بالله فقد أجهد في اليمين وقد مضى في الأنعام بيان هذا وجهد منصوب على مذهب المصدر تقديره إقساما بليغا ( قل لا تقسموا ) وتم الكلام ( طاعة معروفة ) أولى بكم من أيمانكم أو ليكن منكم طاعة معروفة وقول معروف باخلاص القلب ولا حاجة إلى اليمين وقال مجاهد : المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص ( إن الله خبير بما تعملون ) من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل < < النور : ( 54 ) قل أطيعوا الله . . . . . > > < > ( النور 54 ) < > قوله تعالى : ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) بإخلاص الطاعة وترك النفاق ( فإن تولوا ) أي فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين ودل على هذا أن بعده وعليكم ولم يقل وعليهم ( فإنما عليه ماحمل ) أي من تبليغ الرسالة ( وعليكم ما حملتم ) أي من الطاعة له عن بن عباس وغيره ( وإن تطيعوه تهتدوا ) جعل الإهتداء مقرونا بطاعته ( وما على الرسول إلا البلاغ ) أي التبليغ ( المبين < < النور : ( 55 ) وعد الله الذين . . . . . > > < > ( النور 55 ) <

Bagian V12/P296–V12/P300

> نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قاله مالك وقيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت الآية وقال أبو العالية : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه يدعون إلى الله سرا وجهرا ثم امر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح فقال رجل : يا رسول الله أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ( ونزلت هذه الآية وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا قال النحاس : فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد قال الضحاك في كتاب النقاش : هذه تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون ( وإلى هذا القول ذهب بن العربي في أحكامه واختاره وقال قال علماؤنا : هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا فاستقر الأمر لهم وقاموا بسياسة المسلمين وذبوا عن حوزة الدين فنفذ الوعد فيهم وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز وفيهم نفذ وعليهم ورد ففيمن يكون إذا وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ولا يكون فيما بعده رضي الله عنهم وحكى هذا القول القشيري عن بن عباس واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ( قال سفينة : أمسك عليك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشرا وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة وخلافة علي ستا وقال قوم : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام : ( زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ( واختار هذا القول بن عطية في تفسيره حيث قال : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب قال بن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة فنفذ الوعد في كل أحد بقدرة وعلى حاله حتى في المفتين والقضاة والأئمة وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه : فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة وعلي قد نوزع في الخلافة قلنا : ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان وأما على فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره لا كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم قال في آخر كلامه : وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين فهذا نهاية الأمن والعز قلت : هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وهو المراد بقوله : ليستخلفنهم في الأرض وقوله كما استخلف الذين من قبلهم يعني بني إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بمصر وأورثهم أرضهم وديارهم فقال : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه : أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ( خرجه مسلم في صحيحه فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم فالآية معجزة النبوة لأنها إخبار عما سيكون فكان قوله تعالى : ( ليستخلفنهم في الأرض ) فيه قولان : أحدهما يعني أرض مكة لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل قال معناه النقاش الثاني بلاد العرب والعجم قال بن العربي : وهو الصحيح لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائس سعد بن خولة ( يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة وقال في الصحيح أيضا : ( يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ( واللام في ليستخلفهم جواب قسم مضمر لأن الوعد قول مجازها : قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها ( كما استخلف الذين من قبلهم ) يعني بني إسرائيل أهلك الجبابرة بمصر والشأم وأورثهم أرضهم وديارهم وقراءة العامة كما استخلف بفتح التاء واللام لقوله وعد وقوله ليستخلفنهم وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم استخلف بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول ( وليمكنن دينهم الذي ارتضى لهم ) وهو الإسلام كما قال تعالى : ورضيت لكم الإسلام دينا وقد تقدم وروى سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها ( ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم وهو القول الثاني على ما تقدم آنفا ( وليبدلنهم ) قرأ بن محيصن وبن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف من أبدل وهي قراءة الحسن واختيار أبي حاتم الباقون بالتشديد من بدل وهي اختيار أبي عبيد لأنها أكثر ما في القرآن قال الله تعالى : لا تبديل لكلمات الله يونس وقال : وإذا بدلنا آية النحل ونحوه وهما لغتان قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : قرأ عاصم والأعمش وليبدلنهم مشددة وهذا غلط على عاصم وقد ذكر بعده غلطا أشد منه وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا وأنه يقال : بدلته أي غيرته وأبدلته أزلته وجعلت غيره قال النحاس : وهذا القول صحيح كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم أي أزله وأعطني غيره وتقول : قد بدلت بعدنا أي غيرت غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر والذي ذكره أكثر وقد مضى هذا في النساء والحمد لله وذكرنا في سورة إبراهيم الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين فتأمله هناك وقرئ عسى ربنا أن يبدلنا القلم مخففا ومثقلا ( يعبدونني ) هو في موضع الحال أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم ( لايشركون بي شيئا ) فيه أربعة أقوال : أحدها لا يعبدون إلها غيري حكاه النقاش الثاني لا يراءون بعبادتي أحدا الثالث لا يخافون غيري قاله بن عباس الرابع لا يحبون غيري قاله مجاهد ( ومن كفر بعد ذلك ) أي بهذه النعم والمراد كفران النعمة لأنه قال تعالى : ( فأولئك هم الفاسقون ) والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله < <

Bagian V12/P300–V12/P301

النور : ( 56 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . > > < > ( النور 56 ) < > تقدم فأعاد الأمر بالعبادة تأكيدا < < النور : ( 57 ) لا تحسبن الذين . . . . . > > < > ( النور 57 ) < > قوله تعالى : ( لاتحسبن الذين كفروا ) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصرة وقراءة العامة تحسبن بالتاء خطابا وقرأ بن عامر وحمزة وأبو حيوة يحسبن بالياء بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين وهذا قول الزجاج وقال الفراء وأبو علي : يجوز أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض ف الذين مفعول أول ومعجزين مفعول ثان وعلى القول الأول الذين كفروا فاعل أنفسهم مفعول أول وهو محذوف مراد معجزين مفعول ثان قال النحاس : وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة فمنهم من يقول : هي لحن لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن وممن قال هذا أبو حاتم وقال الفراء : هو ضعيف وأجازه على ضعفه على أنه يحذف المفعول الأول وقد بيناه قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة : يكون الذين كفروا في موضع نصب قال : ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض قلت : وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو علي لأن الفاعل هناك النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا القول الكافر ومعجزين معناه فائتين وقد تقدم ( ومأواهم النار ولبئس المصير ) أي المرجع < < النور : ( 58 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النور 58 ) <

Bagian V12/P301–V12/P307

> فيه سبع مسائل : الأولى قال العلماء هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة لأنه قال : يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ثم خص هنا فقال : ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم فخص في هذه الآية بعض المستأذنين وكذلك أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما وخص في هذه الآية بعض الأوقات فلا يدخل فيها عبد ولا أمة وغدا كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان قال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد دخل عليها غلام لها كبير فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه الآية وقيل : سبب نزولها دخول مدلج على عمر وسيأتي الثانية اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى ليستأذنكم على ستة أقوال : الأول أنها منسوخة قاله بن المسيب وبن جبير الثاني أنها ندب غير واجبة قاله أبو قلابة قال : إنما أمروا بهذا نظرا لهم الثالث عنى بها النساء قاله أبو عبد الرحمن السلمي الرابع وقال بن عمر : هي في الرجال دون النساء وهو القول الرابع الخامس كان ذلك واجبا إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي عن بن عباس السادس أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء وهو قول أكثر أهل العلم منهم القاسم وجابر بن زيد والشعبي وأضعفها قول السلمي لأن الذين لا يكون للنساء في كلام العرب إنما يكون للنساء اللاتي واللواتي وقول بن عمر يستحسنه أهل النظر لأن الذين للرجال في كلام العرب وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل والكلام على ظاهره غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم وأما قول بن عباس فروى أبو داود عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع بن عباس يقول : آية لم يؤمر بها أكثر الناس آية الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء عن بن عباس يأمر به وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا بن عباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد قول الله عز وجل يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم قال أبو داود : قرأ القعنبي إلى عليم حكيم قال بن عباس : إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد قلت : هذا متن حسن وهو يرد قول سعيد وبن جبير فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري ونحوها وروى وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال : ليست بمنسوخة قلت : إن الناس لا يعملون بها قال : الله عز وجل المستعان الثالثة قال بعض أهل العلم : إن الاستئذان ثلاثا مأخوذ من قول تعالى : يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات قال يزيد : ثلاث دفعات قال : فورد القرآن في المماليك والصبيان وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع قال بن عبد البر : ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها والذي عليه جمهورهم في قوله ثلاث مرات أي في ثلاث أوقات ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء الرابعة أدب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار ووقت القائلة وقت التجرد أيضا وهي الظهيرة لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم فالتكشف غالب في هذه الأوقات يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه فوجده نائما قد أغلق عليه الباب فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجدا شكرا لله تعالى وهي مكية الخامسة قوله تعالى : ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) أي الذين لم يحتلموا من أحراركم قاله مجاهد وذكر إسماعيل بن إسحاق كان يقول : ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم على التقديم والتأخير وأن الآية في الإماء وقرأ الجمهور بضم اللام وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة وكان أبو عمرو يستحسنها وثلاث مرات نصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثا إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن والظرفية في ثلاث بينة : من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء وقد مضى معناه ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت ( ثلاث عورات لكم ) قرأ جمهور السبعة ثلاث عورات برفع ثلاث وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ثلاث بالنصب على البدل من الظرف في قوله ثلاث مرات قال أبو حاتم : النصب ضعيف مردود وقال الفراء : الرفع أحب إلي قال : وإنما اخترت الرفع لأن المعنى : هذه الخصال ثلاث عورات والرفع عند الكسائي بالابتداء والخبر عنده ما بعده ولم يقل بالعائد وقال نصا بالابتداء قال : والعورات الساعات التي تكون فيها العورة إلا أنه قرأ بالنصب والنصب فيه قولان : أحدهما أنه مردود على قوله ثلاث مرات ولهذا استبعده الفراء وقال الزجاج : المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وعورات جمع عورة وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات بفتح العين كجفنة وجفنات ونحو ذلك وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك فأما قول الشاعر : أبو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح فشاذ السادسة قوله تعالى : ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذلين ( طوافون ) بمعنى هم طوافون قال الفراء : كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم وأجاز الفراء نصب طوافين لأنه نكرة والمضمر في عليكم معرفة ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمرين اللذين في عليكم وفي بعضكم لاختلاف العاملين ولا يجوز مررت يزيد ونزلت على عمرو العاقلين على النعت لهما فمعنى طوافون عليكم أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم ومنه الحديث في الهرة ( إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات ( فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه ومنه قوله إن بيوتنا عورة أي سهلة للمدخل فبين العلة الموجبة للأذن وهي الخلوة في حال العورة فتعين امتثاله وتعذر نسخه ثم رفع الجناح بقوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض أي يطوف بعضكم على بعض ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) الكاف في موضع نصب أي يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه الأشياء ( والله عليم حكيم ) تقدم السابعة قوله تعالى : ( ومن بعد صلاة العشاء ) يريد العتمة وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهو يعتمون بالإبل ( وفي رواية ( فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل ( وفي البخاري عن أبي برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء وقال أنس : أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء وهذا يدل على العشاء الأولى وفي الصحيح : فصلاها يعني العصر بين العشائين المغرب والعشاء وفي الموطأ وغيره : ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو جبوا وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا وكان يخف الصلاة قال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذه أخبار متعارضة لايعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ ونهيه عليه السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عتمة ثابت فلا مرد له من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم وقد كان بن عمر يقول : من قال صلاة العتمة فقد أثم وقال بن القاسم قال مالك : ومن بعد صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى بما سماها الله تعالى به ويعلمها الإنسان أهله وولده ولا يقال عتمة إلا عند خطاب من لايفهم وقد قال حسان : وكانت لايزال بها أنيس خلال مروجه ا نعم وشاء ف دع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء وقد قيل : إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمة إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ قال : ومن بعد صلاة العشاء فكأنه نهي إرشاد إلى ماهو الأولى وليس على جهة التحريم ولا على أن تسميتها العتمة لايجوز ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقيل : إنما نهي عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة ويشهد لهذا قوله : ( فإنها تعتم بحلاب الإبل ( الثامنة روى بن ماجة في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( من صلى في جماعة أربعين ليلة لاتفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقا من النار ( وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قال الليل كله ( وروى الدارقطني في سننه عن سبيع أو تبيع عن كعب قال : من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترئ فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر < <

Bagian V12/P307

النور : ( 59 ) وإذا بلغ الأطفال . . . . . > > < > ( النور 59 ) < > قرأ الحسن الحلم فحذف الضمة لثقلها والمعنى : أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الأمر في غير ذلك كما ذكرنا ثم أمر تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت وهذا بيان من الله عز وجل لأحكامه وإيضاح حلاله وحرامه وقال فليستأذنوا ولم يقل فليستأذنوكم وقال في الأولى ليستأذنكم لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبدين وقال بن جريج : قلت لعطاء وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا قال : واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا أحرارا كانوا أو عبيدا وقال أبو إسحاق الفزاري : قلت للأوزاعي ما حد الطفل الذي يستأذن قال : أربع سنين قال : لا يدخل على امرأة حتى يستأذن وقال الزهري : أي يستأذن الرجل على أمه وفي هذا المعنى نزلت هذه الآية < < النور : ( 60 ) والقواعد من النساء . . . . . > > < > ( النور 60 ) <

Bagian V12/P307–V12/P310

> ) القواعد واحدتها قاعد بلا هاء ليدل حذفها على أنه قعود الكبر كما قالوا : امرأة حامل ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل قال الشاعر : فلو أن ما في بطنه بين نسوة حبلن وإن كن القواعد عقرا وقالوا في غير ذلك : قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها بالهاء والقواعد أيضا : أساس البيت واحدة قاعدة بالهاء الثانية القواعد : العجز اللواتي قعدن عن التصرف من السن وقعدن عن الولد والمحيض هذا قول أكثر العلماء قال ربيعة : هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها وقال أبو عبيدة : اللاتي قعدن عن الولد وليس ذلك بمستقيم لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع قاله المهدوي الثالثة قوله تعالى : ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ) إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن إذ لا يذهب للرجال فيهن فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن وأزيل عنهم كلفة التحفظ المتعب لهن الرابعة قرأ بن مسعود وأبي وبن عباس أن يضعن من ثيابهن بزيادة من قال بن عباس : وهو الجلباب وروي عن بن مسعود أيضا من جلابيبهن والعرب تقول : امرأة واضع للتي كبرت فوضعت خمارها وقال قوم : الكبيرة التي آيست من النكاح لو بدا شعرها فلا بأس فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله بن مسعود وبن جبير وغيرهما الخامسة قوله تعالى : ( غير متبرجات بزينة ) أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق والتبرج : التكشف والظهور للعيون ومنه : بروج مشيدة وبروج السماء والأسوار أي لا حائل دونها يسترها وقيل لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب فقالت : يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرما وقال عطاء : هذا في بيوتهن فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب وعلى هذا غير متبرجات غير خارجات من بيوتهن وعلى هذا يلزم أن يقال : إذا كانت في بيتها فلا بد لها من جلبان فوق الدرع وهذا بعيد إلا إذا دخل عليها أجنبي ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير وقرأ بن مسعود وأن يتعففن بغير سين ثم قيل : من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ( قال بن العربي : وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثواب إذا رق يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام قلت : هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى والثاني أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه : ( ولباس التقوى ذلك خير ( وأنشدوا : إذا المرء لم يلبس ثياب من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ( قالوا : ماذا أولت ذلك يا رسول الله قال : ( الدين ( فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى : ولباس التقوى ذلك خير والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب كما قال شاعرهم ثياب بني عوف طهارى نقية وقد قال صلى الله عليه وسلم لعثمان : ( إن الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه ( فعبر عن الخلافة بالقميص وهي استعارة حسنة معروفة قلت : هذا التأويل أصح التأويلين وهو اللائق بهن في هذه الأزمان وخاصة الشباب فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ظاهرا وباطنا حيث تبدي زينتها ولا تبالي بمن ينظر إليها بل ذلك مقصودهن وذلك مشاهد في الوجود منهن فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك ولم يعلم أحد ما هنالك ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهن في بقية الحديث في قوله : ( رؤوسهن كأسنمة البخت ( والبخت ضرب من الإبل عظام الأجسام عظام الأسنمة شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن وهذا مشاهد معلوم والناظر إليهن ملوم قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ( خرجه البخاري < <

Bagian V12/P310

النور : ( 61 ) ليس على الأعمى . . . . . > > < > ( النور 61 ) <

Bagian V12/P310–V12/P316

> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية أقربها هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة فهذه ثلاثة أقوال : الأول إنها منسوخة من قوله تعالى : ولا على أنفسكم إلى آخر الآية قاله عبد الرحمن بن زيد قال : هذا شيء قد انقطع كانوا في أول الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق وكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ( الحديث خرجه الأئمة الثاني أنها ناسخة قاله جماعة روى علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال : لما أنزل الله عز وجل يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال المسلمون : إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن الطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ذلك فأنزل الله عز وجل ليس على الأعمى حرج إلى أو ما ملكتم مفاتحه قال : هو الرجل يوكل الرجل بضيعته قلت : علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم سكن الشام يكنى أبا الحسن ويقال أبا محمد اسم أبيه أبي طلحة سالم تكلم في تفسيره فقيل : إنه لم ير بن عباس والله اعلم الثالث أنها محكمة قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدى بقولهم منهم سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان المسلمون يوعبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم ويقولون : إذا احتجتم فكلوا فكانوا يقولون إنما أحلوه لنا عن غير طيب نفس فأنزل الله عز وجل ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى آخر الآية قال النحاس : يوعبون أي يخرجون بأجمعهم في المغازي يقال : أوعب بنو فلان لبني فلان إذا جاءوهم بأجمعهم وقال بن السكيت : يقال أوعب بنو فلان جلاء فلم يبق ببلدهم منهم أحد وجاء الفرس بركض وعيب أي بأقصى ما عنده وفي الحديث : ( في الأنف إذا استوعب جدعه الدية ( إذا لم يترك منه شيء واستيعاب الشيء استئصاله ويقال : بيت وعيب إذا كان واسعا يستوعب كل ما جعل فيه والضمنى هم الزمنى واحدهم ضمن زمن قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوفيق أن الآية نزلت في شيء بعينه قال بن العربي : وهذا كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم لكن قوله أو ما ملكتم مفاتحه قد اقتضاه فكان هذا القول بعيدا جدا لكن المختار أن يقال : إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة وأركانها والجهاد ونحو ذلك ثم قال بعد ذلك مبينا : وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم فهذا معنى صحيح وتفسير بين مفيد يعضده الشرع والعقل ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل قلت : وإلى هذا أشار بن عطية فقال : فظاهر الآية وأمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص فالحرج مرفوع عنهم في هذا فأما ما قال الناس في الحرج هنا وهي : الثانية فقال بن زيد : هو الحرج في الغزو أي لا حرج عليهم في تاخرهم وقوله تعالى : ولا على أنفسكم الآية معنى مقطوع من الأول وقالت فرقة : الآية كلها في معنى المطاعم قالت : وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ولرائحة المريض وعلاته وهي أخلاق جاهلية وكبر فنزلت الآية مؤذنة وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الأعذار إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء في الأكل لعدم الرؤية في الأعمى وللعجز عن المزاحمة في الأعرج ولضعف المريض فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم وقال بن عباس في كتاب الزهراوي : إن أهل الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم فنزلت الآية مبيحة لهم وقيل : كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك فنزلت الآية الثالثة قوله تعالى : ( ولاعلى أنفسكم ) هذا ابتداء كلام أي ولا عليكم أيها الناس ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم الكلام وذكر بيوت القربات وسقط منها بيوت الأبناء فقال المفسرون : ذلك لأنها داخلة في قوله في بيوتكم لأن بيت بن الرجل بيته وفي الخبر أنت ومالك لأبيك لأنه ذكر الأقرباء بعد ولم يذكر الأولاد قال النحاس : وعارض بعضهم هذا القول فقال : هذا تحكم على كتاب الله تعالى بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفا لهؤلاء وليس الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنت ومالك لأبيك ( بقوي لوهي هذا الحديث وأنه لو صح لم تكن فيه حجة إذ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه وقد قيل إن المعنى : أنت لأبيك ومالك مبتدأ أي ومالك لك والقاطع لهذا التوارث بين الأب والابن وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم كأنه يقول مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج الرابعة قوله تعالى : ( أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم ) قال بعض العلماء : هذا إذا أذنوا له في ذلك وقال آخرون : أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا بن العربي : أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا فإذا كان محرزا دونهم لم يكن لهم أخذه ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم الخامسة قوله تعالى : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) يعني مما اختزنتم وصار في قبضتكم وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه وذلك هو تأويل الضحاك وقتادة ومجاهد وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء قال بن عباس : عنى وكيل الرجل على ضيعته وخازنه على ماله فيجوز له أن يأكل مما قيم عليه وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير بن العربي : وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا وهذا إذا لم تكن له أجرة فأما إذا كانت له إجرة على الخزن حرم عليه الأكل وقرأ سعيد بن جبير ملكتم بضم الميم وكسر اللام وشدها وقرأ أيضا مفاتيحه بياء بين التاء والحاء جمع مفتاح وقد مضى في الأنعام وقرأ قتادة مفتاحه على الإفراد وقال بن عباس : نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تخرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فأنزل الله تعالى هذه الآية السادسة قوله تعالى : ( أو صديقكم ) الصديق بمعنى الجمع وكذلك العدو قال الله تعالى : ( فإنهم عدو لي وقال جرير : دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداء وهن صديق والصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك ثم قيل : إن هذا منسوخ بقوله لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم وقوله تعالى : فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها الآية وقوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه ( وقيل : هي محكمة وهو أصح ذكر محمد بن ثور عن معمر قال : دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله فقال ما هذا فقلت : أبصرت رطبا في بيتك فأكلت قال : أحسنت قال الله تعالى : أو صديقكم وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله أو صديقكم قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس وقال معمر قلت لقتادة : ألا أشرب من هذا الحب قال : أنت لي صديق فما هذا الاستئذان وكان صلى الله عليه وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه على ما قاله علماؤنا قالوا : والماء متملك لأهله وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته أو لما كان بينهما من المودة ومن هذا المعنى إطعام أم حرام له صلى الله عليه وسلم إذا نام عندها لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل وأن يد زوجته في ذلك عارية وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خبنة ولم يقصد بذلك وقاية ماله وكان تافها يسيرا السابعة قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة لأن قرب المودة لصيق قال بن عباس في كتاب النقاش : الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم قلت : ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في النساء وفي المثل أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك قال : أخي إذا كان صديقي الثامنة قوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر وهم حي من بني كنانة وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله ومنه قول بعض الشعراء : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحدي قال بن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يأكل وحده وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه فنزلت الآية مبينة سنة الأكل ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما نحت به نحو كرم الخلق فأفرطت في إلزامه وإن إحضار الأكيل لحسن ولكن بألا يحرم الانفراد التاسعة قوله تعالى : ( جميعا أو أشتاتا ) جميعا نصب على الحال وأشتاتا جمع شت والشت المصدر بمعنى التفرق يقال : شت القوم أي تفرقوا وقد ترجم البخاري في صحيحه [ باب ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ] الآية و <

Bagian V12/P316

> < > النهد والاجتماع < > <

Pertanyaan