Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bagian V03/P374–V03/P375

قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان الرقي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم -بن زبريق الحمصي -حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر: إلهي، مرني أن أسجد لمن شئت". قال: "فيجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدهم، ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظر إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم". قال "ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا". قال: "فأول خطوة تضعها بأنطاكيا، فتأتي إبليس فتخطمه .. هذا حديث غريب جدا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم. حديث آخر عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم أجمعين: قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر، عن ابن السعدي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل". فقال معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الهجرة خصلتان: إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل". هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم. حديث آخر عن ابن مسعود، رضي الله عنه: قال عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، حدثني أبو عبيدة، عن ابن مسعود؛ أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال: وكان يقول: الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: {يوم يأتي بعض آيات ربك [لا ينفع نفسا إيمانها] } الآية كلها، يعني طلوع الشمس من مغربها . حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب ابن منبه، عن ابن عباس [رضي الله عنه] مرفوعا -فذكر حديثا طويلا غريبا منكرا رفعه، وفيه: "أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ مقرونين وإذا نصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه". وهو حديث غريب جدا بل منكر، بل موضوع، [والله أعلم] إن ادعى أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه -وهو الأشبه -فغير مدفوع والله أعلم. وقال سفيان، عن منصور، عن عامر، عن عائشة [رضي الله عنها] قالت: إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. رواه ابن جرير. فقوله [عز وجل] {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك، فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: {أو كسبت في إيمانها خيرا} أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك.

Bagian V03/P375–V03/P377

وقوله: {قل انتظروا إنا منتظرون} تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك. وإنما كان الحكم هذا عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها كما قال: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد:18] ، وقال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون] } [غافر:84، 85] . {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فتفرقوا. فلما بعث [الله] محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} الآية. وقال ابن جرير: حدثني سعد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد: كتب إلي عباد بن كثير، حدثني ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في هذه الأمة {الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وليسوا منك، هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة، من هذه الأمة" . لكن هذا الإسناد لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه. فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث -وهو ابن أبي سليم -عن طاوس، عن أبي هريرة، في قوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} قال: نزلت في هذه الأمة. وقال أبو غالب، عن أبي أمامة، في قوله: { [إن الذين فرقوا دينهم] وكانوا شيعا } قال: هم الخوارج. وروي عنه مرفوعا، ولا يصح. وقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر [رضي الله عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} قال: "هم أصحاب البدع". وهذا رواه ابن مردويه، وهو غريب أيضا ولا يصح رفعه. والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه {وكانوا شيعا} أي: فرقا كأهل الملل والنحل -وهي الأهواء والضلالات -فالله قد برأ رسوله مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك [وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه] } الآية [الشورى:13] ، وفي الحديث: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد". فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل، من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء، الرسل برآء منها، كما قال: {لست منهم في شيء} وقوله: {إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} كقوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة [إن الله على كل شيء شهيد] } [الحج:17] ، ثم بين فضله يوم القيامة في حكمه وعدله فقال: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى، وهي قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] ، وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله:

Bagian V03/P377–V03/P378

حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، عز وجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن ربكم [عز وجل] رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله، عز وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك". ورواه البخاري، ومسلم، والنسائي، من حديث الجعد بن أبي عثمان، به . وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله، عز وجل: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد. ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر. ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة. ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة". ورواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي معاوية، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، به . ورواه ابن ماجه، عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، به . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا. ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة" . واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله [عز وجل] فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية؛ ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: "فإنما تركها من جرائي" أي: من أجلي. وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا. وتارة يتركها عجزا وكسلا بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" . قال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا علي -وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة -قالا حدثنا إسحاق بن سليمان، كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله ابن أنس، عن جده أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا. ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة. يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي". هذا لفظ حديث مجاهد -يعني ابن موسى .

Bagian V03/P378–V03/P380

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الناس أربعة، والأعمال ستة. فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة. والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف؛ فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار. ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها، كتبت له حسنة. ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه. ومن عمل حسنة كانت عليه بعشرة أمثالها. ومن أنفق نفقة في سبيل الله، عز وجل، كانت له بسبعمائة ضعف" . ورواه الترمذي والنسائي، من حديث الركين بن الربيع، عن أبيه، عن بشير بن عميلة، عن خريم بن فاتك، به ببعضه . والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام؛ وذلك لأن الله يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام؛ وذلك لأن الله تعالى قال: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} . وعن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله". رواه الإمام أحمد -وهذا لفظه -والنسائي، وابن ماجه، والترمذي وزاد: "فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} اليوم بعشرة أيام"، ثم قال: هذا حديث حسن. وقال ابن مسعود: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} من جاء ب"لا إله إلا الله"، {ومن جاء بالسيئة} يقول: بالشرك. وهكذا ورد عن جماعة من السلف. وقد ورد فيه حديث مرفوع -الله أعلم بصحته، لكني لم أره من وجه يثبت -والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا، وفيما ذكر كفاية، إن شاء الله، وبه الثقة. {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } يقول [الله] تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف: {دينا قيما} أي: قائما ثابتا، {ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} كقوله {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ، وقوله {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] ، وقوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 120 _ 123] .

Bagian V03/P380–V03/P381

وليس يلزم من كونه [عليه السلام] أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه، عليه السلام قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال؛ ولهذا كان خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرهب إليه الخلق حتى إبراهيم الخليل، عليه السلام. وقد قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني، يحدث عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: "أصبحنا على ملة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة [أبينا] إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة" . وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه، لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة . أصل الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى. قال مجاهد في قوله: {إن صلاتي ونسكي} قال: النسك: الذبح في الحج والعمرة. وقال الثوري، عن السدي عن سعيد بن جبير: {ونسكي} قال: ذبحي. وكذا قال السدي والضحاك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن زيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد بكبشين وقال حين ذبحهما : " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} . وقوله: {وأنا أول المسلمين} قال قتادة: أي من هذه الأمة.

Bagian V03/P381–V03/P382

وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: 72] ، وقال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين. ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 130 -132] ، وقال يوسف، عليه السلام: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] ، وقال موسى {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} [يونس: 84 -86] ، وقال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار [بما استحفظوا من كتاب الله} الآية [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] . فأخبر [الله] تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضا، إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال عليه [الصلاة و] السلام: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا، بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله ابن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر استفتح، ثم قال: " {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] ، {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد. وقد رواه مسلم في صحيحه . {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } يقول تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه: {أغير الله أبغي ربا} أي: أطلب ربا سواه، وهو رب كل شيء، يربني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر.

Bagian V03/P382–V03/P384

هذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا [في القرآن] كما قال تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، وقوله {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] ، وقوله {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] ، وقوله {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] ، وأشباه ذلك من الآيات. وقوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد. وهذا من عدله تعالى، كما قال: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] ، وقوله {فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] ، قال علماء التفسير : فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته. وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} [المدثر: 38، 39] ، معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذراريهم، كما قال في سورة الطور: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} [الآية: 21] ، أي: ألحقنا بهم ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، {وما ألتناهم} أي: أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم، بفضله ومنته ثم قال: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] ، أي: من شر. وقوله: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كما قال تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 25، 26] . {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } يقول تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، وخلفا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره، كما قال: {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} [الزخرف: 60] ، وكقوله تعالى: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل: 62] ، وقوله {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] ، وقوله {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] . وقوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32] ، وقوله [تعالى] : {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21] . وقوله: {ليبلوكم في ما آتاكم} أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وقد روى مسلم في صحيحه، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" . وقوله: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع ممن عصاه وخالف رسله {وإنه لغفور رحيم} لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب.

Bagian V03/P384–V03/P387

وقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم. رواه ابن أبي حاتم. وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كما قال [تعالى] : وقوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49، 50] ، [وقوله] : {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه. جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون". ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به. وقال: حسن [صحيح] . ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء . [آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة] تفسير سورة الأعراف بسم الله الرحمن الرحيم {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } قد تقدم الكلام في أول "سورة البقرة" على ما يتعلق بالحروف وبسطه، واختلاف الناس فيه. وقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {المص} أنا الله أفصل وكذا قال سعيد بن جبير. [قوله] {كتاب أنزل إليك} أي: هذا كتاب أنزل إليك، أي: من ربك، {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال مجاهد، [وعطاء] وقتادة والسدي: شك منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به [واصبر] كما صبر أولو العزم من الرسل؛ ولهذا قال: {لتنذر به} أي: أنزل إليك لتنذر به الكافرين، {وذكرى للمؤمنين} . ثم قال تعالى مخاطبا للعالم: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، {ولا تتبعوا من دونه أولياء} أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. {قليلا ما تذكرون} كقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وقوله: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] . {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين } يقول تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] . وقال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} [الحج: 45] . وقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين} [القصص: 58] .

Bagian V03/P387–V03/P388

وقوله: {فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته {بياتا} أي: ليلا {أو هم قائلون} من القيلولة، وهي: الاستراحة وسط النهار. وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو كما قال [تعالى] {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقال: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 45-47] . وقوله: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا. كما قال تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة [وأنشأ بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا] خامدين} [الأنبياء: 11-15] . وقال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم". قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} . وقوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} الآية، كقوله [تعالى] {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65] وقوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] فالرب تبارك وتعالى يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته؛ ولهذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر [رضي الله عنهما] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام يسأل عن الرجل والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده". قال الليث: وحدثني ابن طاوس، مثله، ثم قرأ: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة وقال ابن عباس: {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون، {وما كنا غائبين} يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا، من قليل وكثير، وجليل وحقير؛ لأنه تعالى شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون }

Bagian V03/P388–V03/P390

يقول [تبارك و] تعالى: {والوزن} أي: للأعمال يوم القيامة {الحق} أي: لا يظلم تعالى أحدا، كما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] وقال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] وقال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية} [القارعة: 6-11] وقال تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [المؤمنون: 101 -103] . فصل: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما. قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح من أن "البقرة" و "آل عمران" يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو: غيايتان -أو فرقان من طير صواف. من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك وفي حديث البراء، في قصة سؤال القبر: "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح" وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها: "لا إله إلا الله" فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة". رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة" ثم قرأ: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] . وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "أتعجبون من دقة ساقيه، فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم. {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا، وجعل لها رواسي وأنهارا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتا، وأباح منافعها، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابا يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: 34] . وقد قرأ الجميع: {معايش} بلا همز، إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها. والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز؛ لأن معايش جمع معيشة، من عاش يعيش عيشا، ومعيشة أصلها "معيشة" فاستثقلت الكسرة على الياء، فنقلت إلى العين فصارت معيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال، فقيل: معايش. ووزنه مفاعل؛ لأن الياء أصلية في الكلمة. بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من: مدن وصحف وأبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل، وتهمز لذلك، والله أعلم. {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين }

Bagian V03/P390–V03/P391

ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم، ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [فسجدوا] } وهذا كقوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [فسجد الملائكة] } الآية [الحجر: 28 -30] ، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم، عليه السلام، بيده من طين لازب، وصوره بشرا [سويا] ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لشأن الرب تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا، إلا إبليس لم يكن من الساجدين. وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير "سورة البقرة". وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير: أن المراد بذلك كله آدم، عليه السلام. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوروا في أرحام النساء. رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ونقله ابن جرير عن بعض السلف أيضا: أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم: الذرية. وقال الربيع بن أنس، والسدي، وقتادة، والضحاك في هذه الآية: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية. وهذا فيه نظر؛ لأنه قال بعده: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فدل على أن المراد بذلك آدم، وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى} [البقرة: 57] والمراد: آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى [عليه السلام] ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل صار كأنه واقع على الأبناء. وهذا بخلاف قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [ثم جعلناه نطفة في قرار مكين] } [المؤمنون: 12 -13] فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس، لا معينا، والله أعلم. {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: {ما [منعك] ألا تسجد إذ أمرتك} لا هاهنا زائدة. وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فأدخل "إن" وهي للنفي، على "ما" النافية؛ لتأكيد النفي، قالوا: وكذلك هاهنا: {ما منعك ألا تسجد} مع تقدم قوله: {لم يكن من الساجدين} حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن "منعك" تضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك، ونحو ذلك. وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: {أنا خير منه} من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه، بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه، وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} فشذ من بين الملائكة بترك السجود؛ فلهذا أبلس من الرحمة، أي: أيس من الرحمة، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح. والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره في الرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.

Bagian V03/P391–V03/P393

وفي صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" هكذا رواه مسلم . وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم ابن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من [مارج من] نار، وخلق آدم مما وصف لكم". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: "وخلقت الحور العين من الزعفران" . وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن في قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس. إسناده صحيح. وقال: حدثني عمرو بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي عن هشام، عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس إسناد صحيح أيضا. {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين } يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني: {فاهبط منها} أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها. قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى. {فاخرج إنك من الصاغرين} أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، مكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: {أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس {إلى يوم يبعثون} واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني. وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك -الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه -على {صراطك المستقيم} أي: طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. وقال بعض النحاة: الباء هاهنا قسمية، كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. قال مجاهد: {صراطك المستقيم} يعني: الحق. وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة. قال ابن جرير: والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك [كله] . قلت: لما روى الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل-يعني الثقفي عبد الله بن عقيل -حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ ". قال: "فعصاه وأسلم". قال: "وقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟ ". قال: "فعصاه، فجاهد". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله، عز وجل، أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة" .

Bagian V03/P393–V03/P395

وقوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم [وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين] } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} أشككهم في آخرتهم، {ومن خلفهم} أرغبهم في دنياهم {وعن أيمانهم} أشبه عليهم أمر دينهم {وعن شمائلهم} أشهي لهم المعاصي. وقال [علي] بن طلحة -في رواية -والعوفي، كلاهما عن ابن عباس: أما {من بين أيديهم} فمن قبل دنياهم، وأما {من خلفهم} فأمر آخرتهم، وأما {عن أيمانهم} فمن قبل حسناتهم، وأما {عن شمائلهم} فمن قبل سيئاتهم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم {من بين أيديهم} فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار {ومن خلفهم} من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها و {عن أيمانهم} من قبل حسناتهم بطاهم عنها {وعن شمائلهم} زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وكذا روي عن إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة والسدي، وابن جرير إلا أنهم قالوا: {من بين أيديهم} الدنيا {ومن خلفهم} الآخرة. وقال مجاهد: "من بين أيديهم وعن أيمانهم": حيث يبصرون، "ومن خلفهم وعن شمائلهم": حيث لا يبصرون. واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحببه لهم. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} ولم يقل: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} قال: موحدين. وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع، كما قال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} [سبأ: 20، 21] . ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مجمع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم -يعني نافع بن جبير -عن ابن عباس -وحدثنا عمر بن الخطاب -يعني السجستاني -حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب -عن ابن جبير بن مطعم -عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي، وآمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي". تفرد به البزار وحسنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جبير بن أبي سليمان ابن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي". قال وكيع: يعني الخسف. ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث عبادة بن مسلم، به وقال الحاكم: صحيح الإسناد. {قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين } أكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: {اخرج منها مذءوما مدحورا} قال ابن جرير: أما "المذؤوم" فهو المعيب، والذأم غير مشدد: العيب. يقال: "ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم". ويتركون الهمز فيقولون: "ذمته أذيمه ذيما وذاما، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم". قال: "والمدحور": المقصى. وهو المبعد المطرود.

Bagian V03/P395–V03/P397

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذءوم" و "المذموم" إلا واحدا. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {اخرج منها مذءوما مدحورا} قال: مقيتا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: صغيرا مقيتا. وقال السدي: مقيتا مطرودا. وقال قتادة: لعينا مقيتا. وقال مجاهد: منفيا مطرودا. وقال الربيع بن أنس: مذؤوما: منفيا، والمدحور: المصغر . وقوله تعالى: {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} كقوله {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} [الإسراء: 63 -65] . {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } يذكر تعالى أنه أباح لآدم، عليه السلام، ولزوجته [حواء] الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة. وقد تقدم الكلام على ذلك في "سورة البقرة"، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والخديعة والوسوسة ليسلبا ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن، وقال كذبا وافتراء: ما نهاكما ربكما عن أكل الشجرة إلا لتكونا ملكين أي: لئلا تكونا ملكين، أو خالدين هاهنا ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما كقوله: {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] أي: لئلا تكونا ملكين، كقوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] أي: لئلا تضلوا، {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15] أي: لئلا تميد بكم. وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن: {إلا أن تكونا ملكين} بكسر اللام. وقرأه الجمهور بفتحها. {وقاسمهما} أي: حلف لهما بالله: {إني لكما لمن الناصحين} فإني من قبلكما هاهنا، وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير، ابن عم أبي ذؤيب: وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذ ما نشورها أي: حلف لهما بالله [على ذلك] حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول: "من خادعنا بالله خدعنا له". {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، رضي الله عنه، قال: كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس. فلما وقع بما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها. فانطلق هاربا في الجنة فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك. فناداه ربه، عز وجل: يا آدم، أمني تفر؟ قال: رب إني استحييتك. وقد رواه ابن جرير، وابن مردويه من طرق، عن الحسن، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف أصح إسنادا.

Bagian V03/P397–V03/P398

وقال عبد الرزاق: أنبأنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، السنبلة. فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين، يلزقان بعضه إلى بعض. فانطلق آدم، عليه السلام، موليا في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه: يا آدم، أمني تفر؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب. قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة، عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا. قال: وهو قوله، عز وجل {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا. قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان منها رغدا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ وقال الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال: ورق التين. صحيح إليه. وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة كهيئة الثوب. وقال وهب بن منبه في قوله: {ينزع عنهما لباسهما} قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا. فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما. رواه ابن جرير بإسناد صحيح إليه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: قال آدم: أي رب، أرأيت إن تبت واستغفرت؟ قال: إذا أدخلك الجنة. وأما إبليس فلم يسأله التوبة، وسأله النظرة، فأعطي كل واحد منهما الذي سأله. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها. قال: حواء. أمرتني. قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها. قال: فرنت عند ذلك حواء. فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه [عز وجل] {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } قيل: المراد بالخطاب في {اهبطوا} آدم، وحواء، وإبليس، والحية. ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم. والعمدة في العداوة آدم وإبليس؛ ولهذا قال تعالى في سورة "طه" قال: {اهبطا منها جميعا} [الآية: 123] وحواء تبع لآدم. والحية -إن كان ذكرها صحيحا -فهي تبع لإبليس. وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها. ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم، أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول. وقال ابن عباس: {مستقر} القبور. وعنه: وجه الأرض وتحتها. رواهما ابن أبي حاتم. وقوله: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} كقوله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] يخبر تعالى أنه يجعل الأرض دارا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلا بعمله. {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون }

Bagian V03/P398–V03/P400

يمتن تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش فاللباس المذكور هاهنا لستر العورات -وهي السوآت والرياش والريش: هو ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات. قال ابن جرير: "الرياش" في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر من الثياب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -وحكاه البخاري -عنه: الرياش: المال. وكذا قال مجاهد، وعروة بن الزبير، والسدي والضحاك وقال العوفي، عن ابن عباس: "الرياش" اللباس، والعيش، والنعيم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "الرياش": الجمال. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصبغ، عن أبي العلاء الشامي قال: لبس أبو أمامة ثوبا جديدا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي خلق أو: ألقى فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا وميتا، [حيا وميتا، حيا وميتا] " . ورواه الترمذي، وابن ماجه، من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ -هو ابن زيد الجهني -وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه "أبو العلاء الشامي" لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر؛ أنه رأى عليا، رضي الله عنه، أتى غلاما حدثا، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة: "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي " وقوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} قرأ بعضهم: "ولباس التقوى"، بالنصب. وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، {ذلك خير} خبره. واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم. وقال زيد بن علي، والسدي، وقتادة، وابن جريج: {ولباس التقوى} الإيمان. وقال العوفي، عن ابن عباس [رضي الله عنه: {ولباس التقوى} ] العمل الصالح. وقال زياد بن عمرو، عن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه. وعن عروة بن الزبير: {لباس التقوى} خشية الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {لباس التقوى} يتقي الله، فيواري عورته، فذاك لباس التقوى. وكل هذه متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان، رضي الله عنه، على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام. ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية، إن خيرا فخير وإن شرا فشر". ثم تلا هذه الآية: "ورياشا" ولم يقرأ: وريشا - {ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله} قال: "السمت الحسن". هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم وفيه ضعف. وقد روى الأئمة: الشافعي، وأحمد، والبخاري في كتاب "الأدب" من طرق صحيحة، عن الحسن البصري؛ أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام، يوم الجمعة على المنبر. وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدا من وجه آخر، حيث قال: حدثنا ....

Bagian V03/P400–V03/P402

{يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } يقول تعالى محذرا بني آدم من إبليس وقبيله، ومبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم، عليه السلام، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم، إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على فرجها النسعة، أو الشيء وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله [تعالى] {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} الآية. قلت: كانت العرب -ما عدا قريشا -لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش -وهم الحمس -يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا، طاف عريانا. وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئا يستره بعض الشيء وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله وأكثر ما كان النساء يطفن [عراة] بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} فقال تعالى ردا عليهم: {قل} أي: قل يا محمد لمن ادعى ذلك: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله: {قل أمر ربي بالقسط} أي: بالعدل والاستقامة، {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله [تعالى] وما جاءوا به [عنه] من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك. وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون. [فريقا هدى وفريقا حق عليهم] الضلالة} -اختلف في معنى [قوله تعالى] {كما بدأكم تعودون} فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء. وقال قتادة: {كما بدأكم تعودون} قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا. واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، من حديث شعبة، وفي حديث البخاري -أيضا -من حديث الثوري به. وقال وقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} قال: يبعث المسلم مسلما، والكافر كافرا.

Bagian V03/P402–V03/P404

وقال أبو العالية: {كما بدأكم تعودون} ردوا إلى علمه فيهم. وقال سعيد بن جبير: {كما بدأكم تعودون} كما كتب عليكم تكونون -وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، إن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه. وقال السدي: {كما بدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} يقول: {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم، فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال [تعالى] {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنا وكافرا. قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري " فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة" وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار. وإنه ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم" هذا قطعة من حديث رواه البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني، في قصة "قزمان" يوم أحد وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تبعث كل نفس على ما كانت عليه". وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش، به. ولفظه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول -إن كان هو المراد من الآية -وبين قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] وما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث. ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر، في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] وفي الحديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها" وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو {الذي قدر فهدى} [الأعلى: 3] و {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] وفي الصحيحين: "فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة"؛ ولهذا قال تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ثم علل ذلك فقال: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله [ويحسبون أنهم مهتدون] }

Bagian V03/P404–V03/P406

قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد، وفريق الهدى، فرق. وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية [الكريمة] {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة، كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير -واللفظ له -من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء: الرجال بالنهار، والنساء بالليل. وكانت المرأة تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فقال الله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله [تعالى] {خذوا زينتكم عند كل مسجد} الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة -والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع -فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد. وكذا قال مجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومالك عن الزهري، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: أنها أنزلت في طوائف المشركين بالبيت عراة. وقد روى الحافظ بن مردويه، من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعا؛ أنها أنزلت في الصلاة في النعال. ولكن في صحته نظر والله أعلم. ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب البياض، كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر". هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم. ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وللإمام أحمد أيضا، وأهل السنن بإسناد جيد، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" وروى الطبراني بسند صحيح، عن قتادة، عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى رداء بألف، فكان يصلي فيه. وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا [ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين] } الآية. قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سرفا أو مخيلة. إسناده صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده" ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"

Bagian V03/P406–V03/P408

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكناني، حدثنا يحيى بن جابر الطائي سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلا لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه". ورواه النسائي والترمذي، من طرق، عن يحيى بن جابر، به وقال الترمذي: حسن -وفي نسخة: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا بقية، عن يوسف ابن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت". ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية. وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة، يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم؛ فقال الله [تعالى] لهم: {وكلوا واشربوا [ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين] } يقول: لا تسرفوا في التحريم. وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {ولا تسرفوا} يقول: ولا تأكلوا حراما، ذلك الإسراف. وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} في الطعام والشراب. وقال ابن جرير: وقوله: {إنه لا يحب المسرفين} يقول الله: إن الله [تعالى] لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل أو حرم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل، ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به. {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: {قل} يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: {من حرم زينة الله التي أخرج لعباده [والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة] } الآية، أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون. فأنزل الله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} فأمروا بالثياب. {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله". أخرجاه في الصحيحين، من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود وتقدم الكلام في سورة الأنعام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله: {والإثم والبغي بغير الحق} قال السدي: أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق. وقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه. وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس، فحرم الله هذا وهذا.

Pertanyaan