İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة: أن امرأة منهم يقال لها: "عنيزة ابنة غنم بن مجلز" وتكنى أم غنم كانت عجوزا كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح، عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها: "صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا" ذات حسب ومال وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود، ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت "صدوف" رجلا يقال له: "الحباب" وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له: "مصدع بن مهرج بن المحيا"، فأجابها إلى ذلك -ودعت "عنيزة بنت غنم" قدار بن سالف بن جندع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا، يزعمون أنه كان ولد زنية، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه، وهو سالف، وإنما هو من رجل يقال له: "صهياد" ولكن ولد على فراش "سالف"، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة! فعند ذلك، انطلق "قدار بن سالف" "ومصدع بن مهرج"، فاستفزا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل:48] وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها "قدار" في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها "مصدع" في أصل أخرى، فمرت على "مصدع" فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها وخرجت "أم غنم عنيزة"، وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها، فسفرت عن وجهها لقدار وذمرته فشد على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها -وهو فصيلها -حتى أتى جبلا منيعا، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا -فروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يا رب أين أمي؟ ويقال: إنه رغا ثلاث مرات. وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال: بل اتبعوه فعقروه مع أمه، فالله أعلم فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، بلغ الخبر صالحا، عليه السلام، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى وقال: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام [ذلك وعد غير مكذوب ] } [هود:65] وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح [عليه السلام] وقالوا: إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته! {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون. ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} الآية. [النمل:49-52]
فلما عزموا على ذلك، وتواطؤوا عليه، وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله صالح، أرسل الله، سبحانه وتعالى، وله العزة ولرسوله، عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح، عليه السلام، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة، ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه، عياذا بالله من ذلك، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب؟ و [قد] أشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة {فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى -قالوا: إلا جارية كانت مقعدة -واسمها "كلبة بنة السلق"، ويقال لها: "الزريقة" -وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح، عليه السلام، فلما رأت ما رأت من العذاب، أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها، ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت، ماتت. قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد، سوى صالح، عليه السلام، ومن اتبعه، رضي الله عنهم، إلا أن رجلا يقال له: "أبو رغال"، كان لما وقعت النقمة بقومه مقيما في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله. وقد تقدم في أول القصة حديث "جابر بن عبد الله" في ذلك، وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف" الذين كانوا يسكنون الطائف قال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: "أتدرون من هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذاب الله. فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه، فاستخرجوا الغصن". وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال: أبو ثقيف هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلا من وجه آخر، كما قال محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر فقال: "هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم فدفع عنه، فلما خرج [منه] أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه. وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشم عنه أصبتموه [معه] فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن". وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، به قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز قلت: تفرد بوصله "بجير بن أبي بجير" هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال يحيى ابن معين: ولم أسمع أحدا روى عنه غير إسماعيل بن أمية. قلت: وعلى هذا، فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج، بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم. وقوله تعالى: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين }
هذا تقريع من صالح، عليه السلام، لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى -قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب، قليب بدر، فجعل يقول: "يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا". فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون". وفي السيرة أنه، عليه السلام قال لهم: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم". وهكذا صالح، عليه السلام، قال لقومه: {لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم} أي: فلم تنتفعوا بذلك، لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحا؛ ولهذا قال: {ولكن لا تحبون الناصحين} وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم، حرم مكة، فالله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر، أي وادي هذا؟ " قال: هذا وادي عسفان. قال: "لقد مر به هود وصالح، عليهما السلام، على بكرات حمر خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق". هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحد منهم {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } يقول تعالى: {و} قد أرسلنا {لوطا} أو تقديره: {و} اذكر {لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، عليهما السلام، وكان قد آمن مع إبراهيم، عليه السلام، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله [تعالى] إلى أهل "سدوم" وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله، عز وجل، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور. وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل "سدوم" عليهم لعائن الله. قال عمرو بن دينار: قوله: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قال: ما نزا ذكر على ذكر، حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، باني جامع دمشق: لولا أن الله، عز وجل، قص علينا خبر لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. ولهذا قال لهم لوط، عليه السلام: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} أي: عدلتم عن النساء، وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محله؛ ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: { [قال] هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} [الحجر:71] فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد} [هود:79] أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء، ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك. وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنى بعضهن ببعض أيضا. {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون }
أي: ما أجابوا لوطا إلا أن هموا بإخراجه ونفيه ومن معه [من المؤمنين] من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى سالما، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين. وقوله تعالى: {إنهم أناس يتطهرون} قال قتادة، عابوهم بغير عيب. وقال مجاهد: {إنهم أناس يتطهرون} من أدبار الرجال وأدبار النساء. وروي مثله عن ابن عباس أيضا. {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } يقول تعالى: فأنجينا لوطا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذريات:35، 36] إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم؛ ولهذا لما أمر لوط، عليه السلام، أن يسري بأهله أمر ألا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد. ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال هاهنا: {إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: الباقين. ومنهم من فسر ذلك {من الغابرين} [من] الهالكين، وهو تفسير باللازم. وقوله: {وأمطرنا عليهم مطرا} مفسر بقوله: {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} [هود 82، 83] ولهذا قال: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} أي: انظر -يا محمد -كيف كان عاقبة من تجهرم على معاصي الله وكذب رسله وقد ذهب الإمام أبو حنيفة، رحمه الله، إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط. وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم سواء كان محصنا أو غير محصن. وهو أحد قولي الشافعي، رحمه الله، والحجة ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وقال آخرون: هو كالزاني، فإن كان محصنا رجم، وإن لم يكن محصنا جلد مائة جلدة. وهو القول الآخر للشافعي. وأما إتيان النساء في الأدبار، فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولا [واحدا] شاذا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } قال محمد بن إسحاق: هم من سلالة "مدين بن إبراهيم". وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر قال: واسمه بالسريانية: "يثرون". قلت: وتطلق مدين على القبيلة، وعلى المدينة، وهي التي بقرب "معان" من طريق الحجاز، قال الله تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} [القصص:23] وهم أصحاب الأيكة، كما سنذكره إن شاء الله، وبه الثقة. {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} هذه دعوة الرسل كلهم، {قد جاءتكم بينة من ربكم} أي: قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به. ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسا، كما قال تعالى: {ويل للمطففين [الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس] لرب العالمين} [المطففين:1-6] وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، نسأل الله العافية منه. ثم قال تعالى إخبارا عن شعيب، الذي يقال له: "خطيب الأنبياء"، لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته.
{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } ينهاهم شعيب، عليه السلام، عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} أي: توعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السدي وغيره: كانوا عشارين. وعن ابن عباس [رضي الله عنه] ومجاهد وغير واحد: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه. والأول أظهر؛ لأنه قال: {بكل صراط} وهي الطرق، وهذا الثاني هو قوله: {وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا} أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة. {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك، {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، ما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله. وقوله: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} أي: [قد] اختلفتم علي {فاصبروا} أي: انتظروا {حتى يحكم الله بيننا} أي: يفصل، {وهو خير الحاكمين} فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } هذا إخبار من الله [تعالى] عما واجهت به الكفار نبي الله شعيبا ومن معه من المؤمنين، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من القرية، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه. وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة. وقوله: {أولو كنا كارهين} يقول: أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه؟ فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا. وهذا تعبير منه عن أتباعه. {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} وهذا رد إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علما، {على الله توكلنا} أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} أي: افصل بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم، {وأنت خير الفاتحين} أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبدا. {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } يخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} فلهذا عقب ذلك بقوله: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة "هود" فقال: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} [هود:94] والمناسبة في ذلك -والله أعلم -أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] فجاءت الصيحة فأسكتتهم.
وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء:189] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: {فأسقط علينا كسفا من السماء [إن كنت من الصادقين ] } [الشعراء:187] فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة،" وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد، {فأصبحوا في دارهم جاثمين} ثم قال تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها. ثم قال مقابلا لقيلهم: {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين } أي: فتولى عنهم "شعيب" عليه السلام بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعا لهم وموبخا: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتم به، ولهذا قال: {فكيف آسى على قوم كافرين} ؟. {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } يقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني {بالبأساء} ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام. {والضراء} ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك، {لعلهم يضرعون} أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم. وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئا من الذي أراد الله منهم، فقلب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} أي: حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك، فما فعلوا. وقوله: {حتى عفوا} أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر، {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} يقول تعالى: ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطنوا لأمر الله فيهم، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين. وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين: "عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من السراء والضراء ؛ ولهذا جاء في الحديث: "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار، لا يدري فيم ربطه أهله، ولا فيم أرسلوه"، أو كما قال. ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي: على بغتة منهم، وعدم شعور منهم، أي: أخذناهم فجأة كما جاء في الحديث: "موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر". {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون }
يقول تعالى مخبرا عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس:98] أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين} [الصافات:147، 148] وقال تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير [إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ] } [سبأ:34] وقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا} أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات، {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي: قطر السماء ونبات الأرض. قال تعالى: {ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} أي: ولكن كذبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم. ثم قال تعالى مخوفا ومحذرا من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره: {أفأمن أهل القرى} أي: الكافرة {أن يأتيهم بأسنا} أي: عذابنا ونكالنا، {بياتا} أي: ليلا {وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} أي: في حال شغلهم وغفلتهم، {أفأمنوا مكر الله} أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ؛ ولهذا قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. {أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } قال ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله: {أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها} أو لم نبين، [وكذا قال مجاهد والسدي، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أو لم نبين] لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها: يقول تعالى: أو لم نبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم: {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، {ونطبع على قلوبهم} يقول: ونختم على قلوبهم {فهم لا يسمعون} موعظة ولا تذكيرا. قلت: وهكذا قال تعالى: {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى} [طه:128] وقال تعالى: {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} [السجدة:29] وقال {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال. وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم [وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال] } [إبراهيم:44، 45] وقال تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم:98] أي: هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا؟ وقال تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} [الأنعام:6] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين. ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} [الأحقاف:25-27] وقال تعالى: {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} [سبأ:45] وقال تعالى: {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} [الملك:18] وقال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد. أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:45، 46] وقال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام:10] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه؛ ولهذا عقب ذلك بقوله، وهو أصدق القائلين ورب العالمين:
{تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب [عليهم الصلاة والسلام] وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: {تلك القرى نقص عليك} أي: يا محمد {من أنبائها} أي: من أخبارها، {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15] وقال تعالى: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} [هود:101، 102] وقوله تعالى: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم. حكاه ابن عطية، رحمه الله، وهو متجه حسن، كقوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم [في طغيانهم يعمهون] } [الأنعام:110، 111] ؛ ولهذا قال هنا: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر الأمم الماضية {من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه [عليهم] هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، فأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك، كما جاء في صحيح مسلم يقول الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وفي الصحيحين: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف:45] وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قيل في تفسير قوله تعالى: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} ما روى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق، أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال السدي: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها. وقال مجاهد في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} هذا كقوله: {ولو ردوا لعادوا [لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون] } [الأنعام:28] {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } يقول تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم} أي: الرسل المتقدم ذكرهم، كنوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين. {موسى بآياتنا} أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى {فرعون} وهو ملك مصر في زمن موسى، {وملئه} أي: قومه، {فظلموا بها} أي: جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا، كقوله تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل:14] أي: الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي: انظر -يا محمد -كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم، بمرأى من موسى وقومه. وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله -موسى وقومه -من المؤمنين به .
{وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين } {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين } . يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون، وإلجامه إياه بالحجة، وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه. {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} فقال بعضهم: معناه: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: جدير بذلك وحري به. وقالوا و"الباء" و"على" يتعاقبان، فيقال رميت بالقوس" و"على القوس"، و"جاء على حال حسنة" و "بحال حسنة". وقال بعض المفسرين: معناه: حريص على ألا أقول على الله إلا الحق. وقرأ آخرون من أهل المدينة: {حقيق علي} بمعنى: واجب وحق علي ذلك ألا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من عز جلاله وعظيم سلطانه. {قد جئتكم ببينة من ربكم} أي: بحجة قاطعة من الله، أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به، {فأرسل معي بني إسرائيل} أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم؛ فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن [عليهم صلوات الرحمن] {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها، إن كنت صادقا فيما ادعيت. {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ثعبان مبين} الحية الذكر. وكذا قال السدي، والضحاك. وفي حديث "الفتون"، من رواية يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال {فألقى عصاه} فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه، اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها [عنه] ففعل. وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة. وقال السدي في قوله: {فإذا هي ثعبان مبين} والثعبان: الذكر من الحيات، فاتحة فاها، واضعة لحيها، الأسفل في الأرض، والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه. فلما رآها ذعر منها، ووثب وأحدث، ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، عليه السلام، فعادت عصا. وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا. وقال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون، قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم، قال: {ألم نربك فينا وليدا} [الشعراء:18] ؟ قال: فرد إليه موسى الذي رد، فقال فرعون: خذوه، فبادره موسى {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا، وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت. رواه ابن جرير، والإمام أحمد في كتابه "الزهد"، وابن أبي حاتم. وفيه غرابة في سياقه والله أعلم. وقوله: {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} أي: نزع يده: أخرجها من درعه بعد ما أدخلها فيه فخرجت بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [النمل:12] وقال ابن عباس في حديث الفتون: [أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء] {من غير سوء} يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كمه، فعادت إلى لونها الأول. وكذا قال مجاهد وغير واحد. {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون }
أي: قال الملأ -وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون -موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه، واستقر على سرير مملكته بعد ذلك، قال للملأ حوله -: {إن هذا لساحر عليم} فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وماذا يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وظهور كذبه وافترائهم، وتخوفوا من [معرفته] أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:6] فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى: {قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم } قال ابن عباس: {أرجه} أخره. وقال قتادة: احبسه. {وأرسل} أي: ابعث {في المدائن} أي: في الأقاليم ومعاملة ملكك، {حاشرين} أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم. وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا. واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم، أن ما جاء موسى، عليه السلام، من قبيل ما تشعبذه سحرتهم؛ فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى. قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى} [طه:57-60] وقال تعالى هاهنا: {وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين } يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى، عليه السلام: إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا. فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا، ويجعلنهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه الله: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم } هذه مبارزة من السحرة لموسى، عليه السلام، في قولهم: {إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} أي: قبلك. كما قال في الآية الأخرى: {وإما أن نكون أول من ألقى} [طه:65] فقال لهم موسى، عليه السلام: {ألقوا} أي: أنتم أولا قبلي. والحكمة في هذا -والله أعلم -ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغ من بهرجهم ومحالهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تطلب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس. وكذا كان. ولهذا قال تعالى: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه:66: 69] . قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا. قال: فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، عليه السلام، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قال السحرة: {يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم} [طه:65، 66] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} يقول: فرقوهم أي: من الفرق.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم ابن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ؛ ولهذا قال تعالى: {وجاءوا بسحر عظيم} {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين } {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى، عليه السلام، في ذلك الموقف العظيم، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه، {فإذا هي تلقف} أي: تأكل {ما يأفكون} أي: ما يلقونه ويوهمون أنه حق، وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، وليس هذا بسحر، فخروا سجدا وقالوا: {آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون} وقال محمد بن إسحاق: جعلت تبتلع تلك الحبال والعصي واحدة، واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا {قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون} لو كان هذا ساحرا ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي بزة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، فألقى عصاه، فإذا هي ثعبان فاغر فاه، يبتلع حبالهم وعصيهم. فألقي السحرة عند ذلك سجدا، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما. {قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } يخبر تعالى عما توعد به فرعون، لعنه الله، السحرة لما آمنوا بموسى، عليه السلام، وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها} أي: إن غلبه لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:70] وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل؛ فإن موسى، عليه السلام، بمجرد ما جاء من "مدين" دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل. وقد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون، وموسى، عليه السلام، لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف:54] فإن قوما صدقوه في قوله: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات:24] من أجهل خلق الله وأضلهم. وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة، في قوله تعالى: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} قاوا: التقى موسى، عليه السلام، وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق. وفرعون ينظر إليهما، قالوا: فلهذا قال ما قال. وقوله: {لتخرجوا منها أهلها} أي: تجتمعوا أنتم وهو، وتكون لكم دولة وصولة، وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم، {فسوف تعلمون} أي: ما أصنع بكم. ثم فسر هذا الوعيد بقوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس. و {لأصلبنكم أجمعين} وقال في الآية الأخرى: {في جذوع النخل} [طه:71] أي: على الجذوع.
قال ابن عباس: وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف، فرعون. وقول السحرة: {إنا إلى ربنا منقلبون} أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله ما تدعونا إليه، وما أكرهتنا عليه من السحر، أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب الله، لما قالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا} أي: عمنا بالصبر على دينك، والثبات عليه، {وتوفنا مسلمين} أي: متابعين لنبيك موسى، عليه السلام. وقالوا لفرعون: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهمالدرجات العلا} [طه:72-75] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة. قال ابن عباس، وعبيد بن عمير، وقتادة، وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخره شهداء. {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أظهروه لموسى، عليه السلام، وقومه من الأذى والبغضة: {وقال الملأ من قوم فرعون} أي: لفرعون {أتذر موسى وقومه} أي: أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي: يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، يالله للعجب! صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون، ولكن لا يشعرون؛ ولهذا قالوا: {ويذرك وآلهتك} قال بعضهم: "الواو" هنا حالية، أي: أتذره وقومه يفسدون وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب: "وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك"، حكاه ابن جرير. وقال آخرون: هي عاطفة، أي: لا تدع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى تركه آلهتك. وقرأ بعضهم: "إلاهتك" أي: عبادتك، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر. وقال في رواية أخرى: كان له جمانة في عنقه معلقة يسجد لها. وقال السدي في قوله تعالى: {ويذرك وآلهتك} وآلهته، فيما زعم ابن عباس، كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلا جسدا. فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم به قبل ولادة موسى، عليه السلام، حذرا من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه [هذا] أيضا، إنما أراد قهر بني إسرائيل وإذلالهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد: نصرهم الله عليه وأذله، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده. ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل، {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} ووعدهم بالعاقبة، وأن الدار ستصير لهم في قوله: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} أي: قد جرى علينا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى، ومن بعد ذلك. فقال منبها لهم على حالهم الحاضرة وما يصيرون إليه في ثاني الحال: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم [ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون] } وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر، عند حلول النعم وزوال النقم. {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون }
يقول تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون} أي: اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم {بالسنين} وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع {ونقص من الثمرات} قال مجاهد: وهو دون ذلك. وقال أبو إسحاق، عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة. {لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة} أي: من الخصب والرزق {قالوا لنا هذه} أي: هذا لنا بما نستحقه:، {وإن تصبهم سيئة} أي: جدب وقحط {يطيروا بموسى ومن معه} أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به. {ألا إنما طائرهم عند الله} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ألا إنما طائرهم عند الله} يقول: مصائبهم عند الله، قال الله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} وقال ابن جريج، عن ابن عباس قال: {ألا إنما طائرهم عند الله} قال: إلا من قبل الله. {وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } هذا إخبار من الله، عز وجل، عن تمرد قوم فرعون وعتوهم، وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم: {مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} يقولون: أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها، رددناها فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك ولا بما جئت به، قال الله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان} اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار. وبه قال الضحاك بن مزاحم. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت. وكذا قال عطاء. وقال مجاهد: {الطوفان} الماء، والطاعون على كل حال. وقال ابن جرير: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطوفان الموت". وكذا رواه ابن مردويه، من حديث يحيى بن يمان، به وهو حديث غريب. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. [فأصبحت كالصريم] } [القلم:19، 20] وأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد وروى الشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال" ورواه أبو القاسم البغوي، عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي تمام الأيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا مثله وروى أبو داود، عن محمد بن الفرج، عن محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: "أكثر جنود الله، لا آكله، ولا أحرمه" وإنما تركه، عليه السلام لأنه كان يعافه، كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب، وأذن فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد، من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي، حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الجراد، ولا الكلوتين، ولا الضب، من غير أن يحرمها. أما الجراد: فرجز وعذاب. وأما الكلوتان: فلقربهما من البول. وأما الضب فقال: "أتخوف أن يكون مسخا"، ثم قال غريب، لم أكتبه إلا من هذا الوجه
وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله وروى ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، سمع أنس بن مالك يقول: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن نمير بن يزيد القيني حدثني أبي، عن صدي بن عجلان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مريم بنت عمران، عليها السلام، سألت ربها [عز وجل] أن يطعمها لحما لا دم له، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع" وقال نمير: "الشياع": الصوت. وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقاتلوا الجراد، فإنه جند الله الأعظم". غريب جدا وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد} قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم، وتدع الخشب. وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي، عن محمد بن كثير، سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء، فإذا أنا برجل من جراد في السماء، وإذا برجل راكب على جرادة منها، وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا، مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل باطل ما فيها، الدنيا باطل باطل ما فيها، الدنيا باطل باطل ما فيها. وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري، حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد، فقال: قبح الله الجرادة. فيها خلقة سبعة جبابرة: رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل. وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب. و [قد] قدمنا عند قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} [المائدة:96] حديث حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربه بالعصي، ونحن محرمون، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [عن ذلك] فقال: "لا بأس بصيد البحر" وروى ابن ماجه، عن هارون الحمال عن هاشم بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أنس وجابر [رضي الله عنهما] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان إذا دعا على الجراد قال: "اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء". فقال له جابر: يا رسول الله، أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: "إنما هو نثرة حوت في البحر" قال هاشم أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت قال: من حقق ذلك إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس، أنه يفقس كله جرادا طيارا. وقدمنا عند قوله: {إلا أمم أمثالكم} [الأنعام:38] حديث عمر، رضي الله عنه: "إن الله خلق ألف أمة، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكا الجراد" وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا يزيد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس، حدثنا سالم بن سالم، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وباء مع السيف، ولا نجاء مع الجراد". حديث غريب
وأما {القمل} فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه أنه الدبى -وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له. وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. وعن الحسن وسعيد بن جبير: {القمل} دواب سود صغار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {القمل} البراغيث. وقال ابن جرير {القمل} جمع واحدتها "قملة"، وهي دابة تشبه القمل، تأكلها الإبل، فيما بلغني، وهي التي عناها الأعشى بقوله: قوم تعالج قملا أبناؤهم وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا قال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب "الحمنان"، واحدتها "حمنانة"، وهي صغار القردان فوق القمقامة. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى، عليه السلام، فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم الطوفان -وهو المطر -فصب عليهم منه شيئا، خافوا أن يكون عذابا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل. فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ فقالوا: هذا ما كنا نتمنى. فأرسل الله عليهم الجراد، فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك ليكشف عنا الجراد فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا. فأرسل الله عليهم القمل-وهو السوس الذي يخرج منه -فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى، فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه، فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا. قال وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فتثب الضفدع في فيه. فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم فلم يؤمنوا. وأرسل الله عليهم الدم، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، وما كان في أوعيتهم، وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم، وليس لنا شراب. فقال: إنه قد سحركم!! فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوه وقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل وقد روي نحو هذا عن ابن عباس، والسدي، وقتادة وغير واحد من علماء السلف
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، فتابع الله عليه الآيات، وأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات. فأرسل الطوفان -وهو الماء -ففاض على وجه الأرض ثم ركد، لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا، حتى جهدوا جوعا، فلما بلغهم ذلك {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} فدعا موسى ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر، فيما بلغني، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد، حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لي أن موسى، عليه السلام، أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها، فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرارة، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا. فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع، قد غلبت عليه. فلما جهدهم ذلك، قالوا له مثل ما قالوا، فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دما، لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء، إلا عاد دما عبيطا وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنبأنا النضر، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا جابر ابن يزيد عن عكرمة، قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفادع، فإنها لما أرسلت على قوم فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار، يطلب بذلك مرضات الله، فأبدلهن الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح. وروي من طريق عكرمة، عن ابن عباس، نحوه وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم: الرعاف. رواه ابن أبي حاتم. {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا، مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة، [أنه] انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم، وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها. وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون -وهم بنو إسرائيل - {مشارق الأرض ومغاربها} كما قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:5، 6] وقال تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين} [الدخان:25-28] وعن الحسن البصري وقتادة، في قوله: {مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} يعني: الشام. وقوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} قال مجاهد وابن جرير: وهي قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} وقوله: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع، {وما كانوا يعرشون} قال ابن عباس ومجاهد: {يعرشون} يبنون. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون }
يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى، عليه السلام، حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، {فأتوا} أي: فمروا {على قوم يعكفون على أصنام لهم} قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين. وقيل: كانوا من لخم. قال ابن جريج: وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا: {يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} أي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. {إن هؤلاء متبر ما هم فيه} أي: هالك {وباطل ما كانوا يعملون} وروى الإمام أبو جعفر بن جرير [رحمه الله] تفسير هذه الآية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل، ومعمر كلهم، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: "ذات أنواط"، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: "قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه "ذات أنواط"، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [قال إنكم قوم تجهلون] } إنكم تركبون سنن من قبلكم" ورواه ابن أبي حاتم، من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده مرفوعا {قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } يذكرهم موسى، عليه السلام، بنعمة الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه، وغرقه ودماره. وقد تقدم تفسيرها في [سورة] البقرة. {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل، بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى، عليه السلام، وإعطائه التوراة، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. قال المفسرون: فصامها موسى، عليه السلام، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين. وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجة. قاله مجاهد، ومسروق، وابن جريج. وروي عن ابن عباس. فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى، عليه السلام، وفيه أكمل الله الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة:3] فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور، كما قال تعالى: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن} الآية [طه: 80] ، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الإفساد. وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون، عليه السلام، نبي شريف كريم على الله، له وجاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء
{ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } يخبر تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه لما جاء لميقات الله تعالى، وحصل له التكليم من الله [تعالى] سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} وقد أشكل حرف "لن" هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة} [القيامة:22، 23] . وقوله تعالى إخبارا عن الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين:15] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعا بين هذه الآية، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة. وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} وقد تقدم ذلك في الأنعام [الآية:103] . وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى، عليه السلام: "يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده"؛ ولهذا قال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى ربه للجبل، أشار بإصبعه فجعله دكا" وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث، عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: "هكذا بإصبعه -ووضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر-فساخ الجبل" هكذا وقع في هذه الرواية "حماد بن سلمة، عن ليث، عن أنس". والمشهور: "حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس"، كما قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: وضع الإبهام قريبا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل -قال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوله أنس وأنا أكتمه؟ وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المثنى، معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل [جعله دكا] } قال: قال هكذا -يعني أنه خرج طرف الخنصر -قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة وقال: من أنت يا حميد؟! وما أنت يا حميد؟! يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول أنت: ما تريد إليه؟! وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد [بن سلمة] به ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق، عن حماد بن سلمة، به. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه
ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه. وقد رواه داود بن المحبر، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعا [وهذا ليس بشيء، لأن داود ابن المحبر كذاب ورواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر] بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعا بنحوه، وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا، ولا يصح أيضا. وقال السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل} قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر {جعله دكا} قال: ترابا {وخر موسى صعقا} قال: مغشيا عليه. رواه ابن جرير. وقال قتادة: {وخر موسى صعقا} قال: ميتا. وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه وقال سنيد، عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة. وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى. ووقع بمكة: حراء، وثبير، وثور". وهذا حديث غريب، بل منكر وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن علاق، عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صما ملسا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف. وقال الربيع بن أنس: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دك من الدكاك. وقال بعضهم: {جعله دكا} أي: فتته. وقال مجاهد في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} فإنه أكبر منك وأشد خلقا، {فلما تجلى ربه للجبل} فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقا. وقال عكرمة: {جعله دكا} قال: نظر الله إلى الجبل، فصار صحراء ترابا. وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع، رواه بن مردويه. والمعروف أن "الصعق" هو الغشي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، لا كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحا في اللغة، كقوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر:68] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: {فلما أفاق} والإفاقة إنما تكون من غشي. {قال سبحانك} تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد من الدنيا إلا مات. وقوله: {تبت إليك} قال مجاهد: أن أسألك الرؤية. {وأنا أول المؤمنين} قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: {وأنا أول المؤمنين} أنه لا يراك أحد. وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. وهذا قول حسن له اتجاه. وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرا طويلا فيه غرائب وعجائب، عن محمد بن إسحاق بن يسار [رحمه الله] وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله [تعالى] أعلم.
وقوله: {وخر موسى صعقا} فيه أبو سعيد وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما حديث أبي سعيد، فأسنده البخاري في صحيحه هاهنا، فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، فقال: يا محمد، إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه" فدعوه، قال: "لم لطمت وجهه؟ " قال: يا رسول الله، إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. قال: قلت: وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، قال: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور". وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب "السنة" من سننه من طرق، عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، به وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: استب رجلان: رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين. وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فأخبره، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترف بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى ممسكا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله، عز وجل". أخرجاه في الصحيحين، من حديث الزهري، به وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، رحمه الله: أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق، رضي الله عنه ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم. والكلام في قوله، عليه السلام: "لا تخيروني على موسى"، كالكلام على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى"، قيل: من باب التواضع. وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب. وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم. وقوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة"، الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صعق موسى من تجلي الرب، عز وجل، ولهذا قال، عليه السلام: "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟ وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه "الشفاء" بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق: حدثنا قتادة، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى الله لموسى، عليه السلام، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء، مسيرة عشرة فراسخ" ثم قال: "ولا يبعد على هذا أن يختص نبيا بما ذكرناه من هذا الباب، بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى. انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم. {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين }
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?