İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر (ح) وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين -قال يحيى بن سعيد: بالمدينة -فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك -وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء -قال يحيى في حديثه: فصلى عليه، وألبسه قميصه، فأنزل الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فأعطاه إياه، ومشى فصلى عليه، وقام على قبره، فأتاه جبريل، عليه السلام، لما ولى قال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وهذا إسناد لا بأس به، وما قبله شاهد له. وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا [أحمد بن إسحاق، حدثنا] أبو أحمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه وقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف. وقال قتادة: أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أهلكك حب يهود". قال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني! ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه، فأعطاه إياه، وصلى عليه، وقام على قبره، فأنزل الله، عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} وقد ذكر بعض السلف أنه إنما ألبسه قميصه؛ لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص، فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي؛ لأنه كان ضخما طويلا ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكافأة له، فالله أعلم، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرا قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها"، ولم يصل عليها وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله، حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان منافقين قد أخبره بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان يقال له: "صاحب السر" الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة. وقال أبو عبيد في كتاب "الغريب"، في حديث عمر أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل، فمرزه حذيفة، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها، ثم حكي عن بعضهم أن "المرز" بلغة أهل اليمامة هو: القرص بأطراف الأصابع. ولما نهى الله، عز وجل، عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين، فشرع ذلك. وفي فعله الأجر الجزيل، لما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد"
وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات فقد قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ -وهو أبو سعيد البربري، مولى عثمان بن عفان -عن عثمان، رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل". انفرد بإخراجه أبو داود، رحمه الله {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } قد تقدم تفسير نظير هذه الآية الكريمة ولله الحمد. {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } يقول تعالى منكرا وذاما للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطول، واستأذنوا الرسول في القعود، وقالوا: {ذرنا نكن مع القاعدين} ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف، بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاما، كما قال [الله] تعالى، عنهم في الآية الأخرى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} [الأحزاب:19] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العوارك وقال تعالى في الآية الأخرى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم [فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض] [الآية] [محمد:20-22] } وقوله: {وطبع على قلوبهم} أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله، {فهم لا يفقهون} أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه. {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم } لما ذكر تعالى ذم المنافقين، بين ثناء المؤمنين، وما لهم في آخرتهم، فقال: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا} إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم. وقوله: {وأولئك لهم الخيرات} أي: في الدار الآخرة، في جنات الفردوس والدرجات العلى. {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد، الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من الضعف، وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك، عن ابن عباس: إنه كان يقرأ: "وجاء المعذرون" بالتخفيف، ويقول: هم أهل العذر. وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء. قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار منهم: خفاف بن إيماء بن رحضة. وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: لم يأتوا فيعتذروا. وقال ابن جريج عن مجاهد: {وجاء المعذرون من الأعراب} قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله. وكذا قال الحسن، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم، فقال: {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}
{ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به. ما هو عارض بسبب مرض عن له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، رضي الله عنه، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران -أو: بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة -بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا. وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر: ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم، إنا نسمعك تقول: {ما على المحسنين من سبيل} اللهم، وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب "براءة" فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذا جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فأنزل الله {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} الآية وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: "والله لا أجد ما أحملكم عليه". فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه، فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} إلى قوله تعالى: {فهم لا يعلمون} . وقال مجاهد في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير -ومن بني واقف: هرمي بن عمرو -ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى -ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر -ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] ومن بني سلمة: عمرو بن عنمة وعبد الله بن عمرو المزني.
وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح، أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني؛ وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله، أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد خلفتم بالمدينة أقواما، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا نلتم من عدو نيلا إلا وقد شركوكم في الأجر"، ثم قرأ: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} الآية. وأصل هذا الحديث في الصحيحين من حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم [مسيرا] إلا وهم معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "نعم، حبسهم العذر" وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض". ورواه مسلم، وابن ماجه، من طرق، عن الأعمش، به ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال، {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} . {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم، {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} أي: لن نصدقكم، {قد نبأنا الله من أخباركم} أي: قد أعلمنا الله أحوالكم، {وسيرى الله عملكم ورسوله} أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا، {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرها وشرها، ويجزيكم عليها. ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم، {فأعرضوا عنهم} احتقارا لهم، {إنهم رجس} أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، {ومأواهم} في آخرتهم {جهنم} {جزاء بما كانوا يكسبون} أي: من الآثام والخطايا. وأخبر أنهم وإن رضوا عنهم بحلفهم لهم، {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة "فويسقة" لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: "فسقت الرطبة": إذا خرجت من أكمامها {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم }
أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر، أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني فقال زيد: ما يريبك من يدي؟ إنها الشمال. فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان صدق الله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن سفيان الثوري، به وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري. ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف:109] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي، قال: "لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي، أو ثقفي أو أنصاري، أو دوسي" ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب: لما في طباع الأعراب من الجفاء. حديث [الأعرابي] في تقبيل الولد: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: ولكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة؟ ". وقال ابن نمير: "من قلبك الرحمة" وقوله: {والله عليم حكيم} أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، {حكيم} فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم {من يتخذ ما ينفق} أي: في سبيل الله {مغرما} أي: غرامة وخسارة، {ويتربص بكم الدوائر} أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، {عليهم دائرة السوء} أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، {والله سميع عليم} أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان. وقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، {ألا إنها قربة لهم} أي: ألا إن ذلك حاصل لهم، {سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية. وقال أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} [الجمعة:3] وفي سورة الحشر: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر:10] وفي الأنفال: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} [الأنفال:75] إلى آخر الآية، رواه ابن جرير قال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع "الأنصار" عطفا على {والسابقون الأولون} فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة، رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون. {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } يخبر تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين، وفي أهل المدينة أيضا منافقون {مردوا على النفاق} أي: مرنوا واستمروا عليه: ومنه يقال: شيطان مريد ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي: عتا وتجبر. وقوله: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} لا ينافي قوله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} الآية [محمد:30] ؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال: لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب وأصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال: "إن في أصحابي منافقين" ومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم. وتقدم في تفسير قوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة:74] أنه عليه السلام أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "أبي عمر البيروتي" من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا بن جابر، حدثني شيخ بيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء؛ أن رجلا يقال له "حرملة" أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان هاهنا -وأشار بيده إلى لسانه -والنفاق هاهنا -وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي، وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير". فقال: يا رسول الله، إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: "من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على دينه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا" قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم، عن أبي بكر الباغندي، عن هشام بن عمار، به. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس؟ فلان في الجنة وفلان في النار. فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري! لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك. قال نبي الله نوح: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} [الشعراء: 112] وقال نبي الله شعيب: {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} [هود: 86] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} . وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان، فإنك منافق، واخرج يا فلان فإنك منافق". فأخرج من المسجد ناسا منهم، فضحهم. فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر، ظنوا أنه قد علم بأمرهم. فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، قد فضح الله المنافقين اليوم. قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر وكذا قال الثوري، عن السدي، عن أبي مالك نحو هذا. وقال مجاهد في قوله: {سنعذبهم مرتين} يعني: القتل والسباء وقال -في رواية -بالجوع، وعذاب القبر، {ثم يردون إلى عذاب عظيم} وقال ابن جريج: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب النار. وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا، وعذاب في القبر وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قول الله {فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا} [التوبة: 85] فهذه المصائب لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار {ثم يردون إلى عذاب عظيم} قال: النار. وقال محمد بن إسحاق: {سنعذبهم مرتين} قال: هو -فيما بلغني -ما هم فيه من أمر الإسلام، وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه، عذاب الآخرة والخلد فيه. وقال سعيد، عن قتادة في قوله: {سنعذبهم مرتين} عذاب الدنيا، وعذاب القبر، {ثم يردون إلى عذاب عظيم} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيكهم الدبيلة: سراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا". وذكر لنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قال: لا. ولا أومن منها أحدا بعدك. {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم }
لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أي: أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية -وإن كانت نزلت في أناس معينين -إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين. وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. وقال ابن عباس: {وآخرون} نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله هذه الآية: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعفا عنهم. وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: "أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتجاوز الله عنهم". هكذا رواه مختصرا، في تفسير هذه الآية. {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم } أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في "أموالهم" إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عقالا -وفي رواية: عناقا -يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه. وقوله: {وصل عليهم} أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك". وقوله: {إن صلاتك} : قرأ بعضهم: "صلواتك" على الجمع، وآخرون قرءوا: {إن صلاتك} على الإفراد. {سكن لهم} قال ابن عباس: رحمة لهم. وقال قتادة: وقار. وقوله: {والله سميع} أي: لدعائك {عليم} أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، عن أبيه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته، وأصابت ولده، وولد ولده. ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة -قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة -: إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده.
وقوله: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها. وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها، حتى تصير التمرة مثل أحد. كما جاء بذلك الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما قال الثوري ووكيع، كلاهما عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد"، وتصديق ذلك في كتاب الله، عز وجل: { [ألم يعلموا أن الله] هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} و [قوله] {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] . وقال الثوري والأعمش كلاهما، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ هذه الآية: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} . وقد روى ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي -وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي -قال: غزا الناس في زمان معاوية، رضي الله عنه، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير، فأبى أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك، حتى تأتي الله بها يوم القيامة فجعل الرجل يستقرئ الصحابة، فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه، فأبى عليه. فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال أمطيعني أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين دينارا، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم ففعل الرجل، فقال معاوية، رضي الله عنه: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه، أحسن الرجل". {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } قال مجاهد: هذا وعيد، يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18] ، وقال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] ، وقال {وحصل ما في الصدور} [العاديات: 10] وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان". . وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: "اللهم، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك". وقال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمن سمع أنسا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا".
وقال البخاري: قالت عائشة، رضي الله عنها: إذا أعجبك حسن عمل امرئ، فقل: {اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} . وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له؟ فإن العامل يعمل زمانا من عمره -أو: برهة من دهره -بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ، لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته". قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله: قال: "يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" تفرد به أحمد من هذا الوجه. {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم } قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا، أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجى هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} الآية [التوبة: 117] ، {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت [وضاقت عليهم أنفسهم] } الآية [التوبة: 118] ، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك. وقوله: {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} أي: هم تحت عفو الله، إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، وهو {عليم حكيم} أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } سبب نزول هذه الآيات الكريمات: أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له: "أبو عامر الراهب"، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله، وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشج رأسه، صلوات الله وسلامه عليه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا، فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول، صلوات الله وسلامه عليه في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل، ملك الروم، يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته، عليه السلام، فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله". فلما قفل، عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [وكفرا وتفريقا بين المؤمنين] } وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر، ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله، عز وجل: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} إلى {والله لا يهدي القوم الظالمين} . وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: من تبوك -حتى نزل بذي أوان -بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار -وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل -أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه". فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي -أو: أخاه عامر بن عدي -أخا بلعجلان فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه". فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. ونزل فيهم من القرآن ما نزل: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا} إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير، من [بني] ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأذعر، من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية، وزيد بن جارية ونبتل [بن] الحارث، وهم من بني ضبيعة، وبحزج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، [ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية] رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.
وقوله: {وليحلفن} أي: الذين بنوه {إن أردنا إلا الحسنى} أي: ما أردناه ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس، قال الله تعالى: {والله يشهد إنهم لكاذبون} أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء، وكفرا بالله، وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الفاسق، الذي يقال له: "الراهب" لعنه الله. وقوله: {لا تقم فيه أبدا} نهي من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، والأمة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبدا. ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى، وهي طاعة الله، وطاعة رسوله، وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله؛ ولهذا قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجد قباء كعمرة". وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة فالله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم الآية. ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث يونس بن الحارث، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ ". فقال: يا رسول الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه -أو قال: مقعدته -فقال النبي صلى الله عليه وسلم. "هو هذا". وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري: أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء، فقال: "إن الله تعالى قد أحسن [عليكم الثناء] في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " فقالوا: والله -يا رسول الله -ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. ورواه ابن خزيمة في صحيحه. وقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة. "ما هذا الذي أثنى الله عليكم: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} قالوا: يا رسول الله، إنا نغسل الأدبار بالماء. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد، حدثنا إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط. حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك -يعني: ابن مغول -سمعت سيارا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: قباء، فقال: "إن الله، عز وجل، قد أثنى عليكم في الطهور خيرا، أفلا تخبروني؟ ". يعني: قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فقالوا: يا رسول الله، إنا نجده مكتوبا علينا في التوراة: الاستنجاء بالماء.
وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير. وقاله عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير، وقتادة. وقد ورد في الحديث الصحيح: أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو في جوف المدينة، هو المسجد الذي أسس على التقوى. وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا". تفرد به أحمد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: "هو مسجدي هذا" تفرد به أحمد أيضا. حديث آخر: قال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو مسجدي هذا" تفرد به أحمد. طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو مسجدي". وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة، عن الليث وصححه الترمذي، ورواه مسلم كما سيأتي. طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان: رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا المسجد" لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "في ذاك [خير كثير] يعني: مسجد قباء. طريق أخرى: قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد -حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال أبي: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا". ثم قال: [فقلت له: هكذا] سمعت أباك يذكره؟. رواه مسلم منفردا به عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، به ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، به. وقد قال بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب. واختاره ابن جرير.
وقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبا أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوهم، فلما انصرف قال: "إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء". ثم رواه من طريقين آخرين، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {والله يحب المطهرين} إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب. وقال الأعمش: التوبة من الذنب، والتطهير من الشرك. وقد ورد في الحديث المروي من طرق، في السنن وغيرها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء: "قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ " فقالوا: نستنجي بالماء. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء. {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، ولم يرو عنه سوى ابنه. قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين، أو كلهم، والله أعلم. {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم } يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم {على شفا جرف هار} أي: طرف حفيرة مثاله {في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج ذكر لنا أن رجالا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه. وكذا قال قتادة. وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة. رواه ابن جرير رحمه الله. وقوله: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} أي: شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حبه. وقوله: {إلا أن تقطع قلوبهم} أي: بموتهم. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف. {والله عليم} أي: بأعمال خلقه، {حكيم} في مجازاتهم عنها، من خير وشر. {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }
يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله، عز وجل، في عنقه بيعة، وفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية. ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قبل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه، لرسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني ليلة العقبة -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت! فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} الآية. وقوله: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} أي: سواء قتلوا أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة؛ ولهذا جاء في الصحيحين: "وتكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة". وقوله: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: {ومن أوفى بعهده من الله} [أي: ولا واحد أعظم وفاء بما عاهد عليه من الله] فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله تعالى: {ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] {ومن أصدق من الله قيلا} [النساء: 122] ؛ ولهذا قال: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم. {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة: {التائبون} من الذنوب كلها، التاركون للفواحش، {العابدون} أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال فمن أخص الأقوال الحمد ؛ فلهذا قال: {الحامدون} ومن أفضل الأعمال الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: {السائحون} كما وصف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى: {سائحات} [التحريم: 5] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود، وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: {الراكعون الساجدون} وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علما وعملا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: {وبشر المؤمنين} لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به. [بيان أن المراد بالسياحة الصيام] : قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: {السائحون} الصائمون. وكذا روي عن سعيد بن جبير، والعوفي عن ابن عباس. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة، هم الصائمون. وكذا قال الضحاك، رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سياحة هذه الأمة الصيام. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك بن مزاحم، وسفيان بن عيينة وغيرهم: أن المراد بالسائحين: الصائمون. وقال الحسن البصري: {السائحون} الصائمون شهر رمضان. وقال أبو عمرو العبدي: {السائحون} الذين يديمون الصيام من المؤمنين.
وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السائحون هم الصائمون" [ثم رواه عن بندار، عن ابن مهدي، عن إسرائيل، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: {السائحون} الصائمون] . وهذا الموقوف أصح. وقال أيضا: حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال: "هم الصائمون". وهذا مرسل جيد. فهذه أصح الأقوال وأشهرها، وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه، من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". وقال ابن المبارك، عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية: أن السياحة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف". وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم. وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن". وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {والحافظون لحدود الله} قال: القائمون بطاعة الله. وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية: {والحافظون لحدود الله} قال: لفرائض الله، وفي رواية: القائمون على أمر الله. {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله. كلمة أحاج لك بها عند الله، عز وجل". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ [قال: فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب] . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} قال: ونزلت فيه: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] أخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، رضي الله عنه، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} إلى قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله} قال: "لما مات"، فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل، أو هو في الحديث "لما مات". قلت هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله، ما لك؟ قال: "إني سألت ربي، عز وجل، في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، لتذكركم زيارتها خيرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء ولا تشربوا مسكرا". وروى ابن جرير، من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رابنا ما صنعت. قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي". فما رئي باكيا أكثر من يومئذ. وقال ابن أبي حاتم، في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب، فدعاه ثم دعانا، فقال: "ما أبكاكم؟ " فقلنا: بكينا لبكائك. قال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي" ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه، وفيه: "وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل علي: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة". حديث آخر في معناه: قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه: أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه، فناجى ربه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيء لا تطيقه. فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم، فقال: "ما يبكيكم؟ ". قالوا: يا نبي الله، بكينا لبكائك، فقلنا: لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: "لا وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي، فرحمتها وهي أمي، فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} فتبرأ أنت من أمك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وألا يلبسهم شيعا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج". وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم.
وهذا حديث غريب وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب "السابق واللاحق" بسند مجهول، عن عائشة في حديث فيه قصة أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت. وكذلك ما رواه السهيلي في "الروض" بسند فيه جماعة مجهولون: أن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به. وقد قال الحافظ ابن دحية: [هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع، قال الله تعالى: {ولا الذين يموتون وهم كفار} [النساء: 18] . وقال أبو عبد الله القرطبي: إن مقتضى هذا الحديث. . . ورد على ابن دحية] في هذا الاستدلال بما حاصله: أن هذه حياة جديدة، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى علي العصر، قال الطحاوي: وهو [حديث] ثابت، يعني: حديث الشمس. قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا، قال: وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب، فآمن به. قلت: وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه والله أعلم. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الآية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه، فنهاه الله عن ذلك فقال: "فإن إبراهيم خليل الله استغفر لأبيه"، فأنزل الله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} الآية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم، حتى نزلت هذه الآية، فلما [نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا] ثم أنزل الله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} الآية. وقال قتادة في هذه الآية: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم؛ أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه". فأنزل الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} حتى بلغ: {الجحيم} ثم عذر الله تعالى إبراهيم، فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} قال: وذكر لنا أن نبي الله قال: "أوحي إلي كلمات، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت ألا أستغفر لمن مات مشركا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف". وقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم، فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} لم يدع. [قلت] وهذا يشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره، عن علي بن أبي طالب قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: "اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني". وذكر تمام الحديث. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: "وصلتك رحم يا عم". وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين، يقول الله، عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} . وروى ابن جرير، عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه؟ قال: لا. قال: إن أبي مات مشركا.
وقوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما مات تبين له أنه عدو لله. وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم، رحمهم الله. وقال عبيد بن عمير، وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه [في] يوم القيامة حين يلقى أباه، وعلى وجه أبيه الغبرة والقترة فيقول: يا إبراهيم، إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك. فيقول: أي ربي، ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون؟ فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ، أي: قد مسخ ضبعانا، ثم يسحب بقوائمه، ويلقى في النار. وقوله: {إن إبراهيم لأواه حليم} قال سفيان الثوري وغير واحد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأواه: الدعاء. وكذا روي من غير وجه، عن ابن مسعود. وقال ابن جرير: حدثني المثنى: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس قال رجل: يا رسول الله، ما الأواه؟ قال: "المتضرع"، قال: {إن إبراهيم لأواه حليم} ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك، عن عبد الحميد بن بهرام، به، قال: المتضرع: الدعاء. وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين عن أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود عن الأواه، فقال: هو الرحيم. وبه قال مجاهد، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، والحسن البصري، وقتادة: أنه الرحيم، أي: بعباد الله. وقال ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الأواه: الموقن بلسان الحبشة. وكذا قال العوفي، عن ابن عباس: أنه الموقن. وكذا قال مجاهد، والضحاك. وقال علي بن أبي طلحة، ومجاهد، عن ابن عباس: الأواه: المؤمن -زاد علي بن أبي طلحة عنه: المؤمن التواب. وقال العوفي عنه: هو المؤمن بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن بلسان الحبشة. وقال أحمد: حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له "ذو البجادين": "إنه أواه"، وذلك أنه رجل كثير الذكر لله في القرآن ويرفع صوته في الدعاء. ورواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير، والشعبي: الأواه: المسبح. وقال ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواه. وقال شفى بن مانع، عن أيوب: الأواه: الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وعن مجاهد: الأواه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سرا، ثم يتوب منه سرا. ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم، رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق: أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنه أواه". وقال أيضا حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا، فقال: "رحمك الله إن كنت لأواها"! يعني: تلاء للقرآن وقال شعبة، عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلا بمكة -وكان أصله روميا، وكان قاصا -يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: "أوه أوه"، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه أواه. قال: فخرجت ذات ليلة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح. هذا حديث غريب رواه ابن جرير ومشاه. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: {إن إبراهيم لأواه} قال: كان إذا ذكر النار قال: "أوه من النار". وقال ابن جريج عن ابن عباس: {إن إبراهيم لأواه} قال: فقيه.
قال الإمام العلم أبو جعفر بن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدعاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليما عمن ظلمه وأناله مكروها؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه في قوله: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 46، 47] ، فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر؛ ولهذا قال تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوما بعد بلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} الآية [فصلت: 17] . وقال مجاهد في قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} قال: بيان الله، عز وجل، للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذروا. وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهيته ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه. وقوله: {إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} قال ابن جرير: هذا تحريض من الله لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السماوات والأرض، ولم يرهبوا من أعدائه فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرمة إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام. {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم } قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء. قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، [ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها] فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?