İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقة ، ثم قال: يا أبا عثمان، ألا تسألني لم أفعل هذا؟ فقلت: لم تفعله ؟ قال: هكذا فعل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منها يابسا فهزه حتى تحات ورقة، فقال: "يا سلمان، ألا تسألني: لم أفعل هذا؟ ". قلت: ولم تفعله؟ فقال: "إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق. وقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" . وقال الإمام أحمد، رضي الله عنه: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" . وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: "إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها". قال: قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات: لا إله إلا الله؟ قال: "هي أفضل الحسنات" . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري، من ولد سعد بن أبي وقاص، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قال عبد: لا إله إلا الله، في ساعة من ليل أو نهار، إلا طلست ما في الصحيفة من السيئات، حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات" . عثمان بن عبد الرحمن، يقال له: الوقاصي. فيه ضعف. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما تركت من حاجة ولا داجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ". قال: بلى. قال: "فإن هذا يأتي على ذلك" . تفرد به من هذا الوجه مستور. {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض. وقوله: {إلا قليلا} أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل، لم يكونوا كثيرا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غيره، وفجأة نقمه؛ ولهذا أمر تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104] . وفي الحديث: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب"؛ ولهذا قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم} . وقوله: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} أي: استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك، حتى فجأهم العذاب، {وكانوا مجرمين} . ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة [لنفسها] ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} [هود: 101] ، وقال {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] .
{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان أو كفران كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . وقوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. قال عكرمة: {مختلفين} في الهدى . وقال الحسن البصري: {مختلفين} في الرزق، يسخر بعضهم بعضا، والمشهور الصحيح الأول. وقوله: {إلا من رحم ربك} أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين . أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم الأمي خاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه، ونصروه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن، من طرق يشد بعضها بعضا: "إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة". قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة وقال عطاء: {ولا يزالون مختلفين} يعني: اليهود والنصارى والمجوس {إلا من رحم ربك} يعني: الحنيفية. وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم. وقوله: {ولذلك خلقهم} قال الحسن البصري -في رواية عنه -: وللاختلاف خلقهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: {فمنهم شقي وسعيد} [هود:105] . وقيل: للرحمة خلقهم. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس؛ أن رجلين اختصما إليه فأكثرا فقال طاوس: اختلفتما فأكثرتما ! فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة. كما قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة. ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] . وقيل: بل المراد: وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: الناس مختلفون على أديان شتى، {إلا من رحم ربك} فمن رحم ربك غير مختلف. قيل له: فلذلك خلقهم؟ [قال] خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. وكذا قال عطاء بن أبي رباح، والأعمش. وقال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: فريق في الجنة وفريق في السعير. وقد اختار هذا القول ابن جرير، وأبو عبيدة والفراء. وعن مالك فيما رويناه عنه في التفسير: {ولذلك خلقهم} قال: للرحمة، وقال قوم: للاختلاف.
وقوله: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره، لعلمه التام وحكمته النافذة، أن ممن خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة والحكمة التامة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفة الناس وسقطهم؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. فقال الله عز وجل للجنة، أنت رحمتي أرحم بك من أشاء. وقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فلا يزال فيها فضل، حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة، وأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليه رب العزة قدمه، فتقول: قط قط، وعزتك" . {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } يقول تعالى: وكل أخبار نقصها عليك، من أنباء الرسل المتقدمين قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين -كل هذا مما نثبت به فؤادك -يا محمد -أي: قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة. وقوله: {وجاءك في هذه الحق} أي: [في] هذه السورة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وجماعة من السلف. وعن الحسن -في رواية عنه -وقتادة: في هذه الدنيا. والصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف نجاهم الله والمؤمنين بهم، وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق، ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتوقر بها المؤمنون. {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون } يقول تعالى آمرا رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد: {اعملوا على مكانتكم} أي: على طريقتكم ومنهجكم، {إنا عاملون} أي: على طريقتنا ومنهجنا، {وانتظروا إنا منتظرون} أي: فستعلمون من تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون. وقد أنجز الله لرسوله وعده، ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم. {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب، وسيوفى كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر. فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه؛ فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه. وقوله: {وما ربك بغافل عما تعملون} أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد، بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: خاتمة "التوراة" خاتمة "هود" [والله أعلم] تم تفسير سورة هود. تفسير سورة يوسف [وهي مكية] روى الثعلبي وغيره، من طريق سلام بن سليم -ويقال: سليم -المدائني، وهو متروك، عن هارون بن كثير -وقد نص على جهالته أبو حاتم -عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها، أو علمها أهله، أو ما ملكت يمينه، هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه من القوة ألا يحسد مسلما " . وهذا من هذا الوجه لا يصح، لضعف إسناده بالكلية. وقد ساقه له الحافظ ابن عساكر متابعا من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير، به -ومن طريق شبابة، عن مخلد بن عبد الواحد البصري عن علي بن زيد بن جدعان -وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فذكر نحوه وهو منكر من سائر طرقه.
وروى البيهقي في " الدلائل " أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم. وهو من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. بسم الله الرحمن الرحيم {الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة". وقوله: {تلك آيات الكتاب} أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن، {المبين} أي: الواضح الجلي، الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها . {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن. وقد ورد في سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي . حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو -هو ابن قيس الملائي -عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت: {نحن نقص عليك أحسن القصص} . ورواه من وجه آخر، عن عمرو بن قيس مرسلا. وقال أيضا: حدثنا محمد بن سعيد العطار ، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد عن عن سعد قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، قال: فتلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا. فأنزل الله عز وجل: {الر تلك آيات الكتاب المبين} إلى قوله: {لعلكم تعقلون} . ثم تلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا. فأنزل الله عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث} الآية [الزمر: 23] ، وذكر الحديث. ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه، عن عمرو بن محمد القرشي العنقزي، به . وروى ابن جرير بسنده ، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا. [فأنزل الله: {الله نزل أحسن الحديث} ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا] فوق الحديث ودون القرآن -يعنون القصص -فأنزل الله: {الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص . ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة، المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب ما قال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، أخبرنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا، لما وسعه إلا أن يتبعني"
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين" . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسا عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس، قال: نعم. فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس. فجلس، فقرأ عليه: {بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك [أحسن القصص] } إلى قوله: {لمن الغافلين} فقرأها ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال! قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا في يدك يا عمر؟ ". قال: قلت: يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم صلى الله عليه وسلم؟ السلاح السلاح. فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون". قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبك رسولا. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرا، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه.
قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري، عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر: أن جبير بن نفير حدثهم: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر، رضي الله عنه، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين ويقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة. وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا إنا بأرض أهل الكتابين، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئا. قالا لا. قال: سأحدثكما، انطلقت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديا يقول قولا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي ما تقول؟ قال: نعم. فأتيت بأديم، فأخذ يملي علي، حتى كتبت في الأكرع. فلما رجعت قلت: يا نبي الله، وأخبرته، قال: "ائتني به". فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون أتيت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: "اجلس اقرأ علي". فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو يتلون، فتحيرت من الفرق، فما استطعت أجيز منه حرفا، فلما رأى الذي بي دفعه ثم جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه، وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء، فإنهم قد هوكوا وتهوكوا"، حتى محا آخره حرفا حرفا. قال عمر، رضي الله عنه: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمة! قالا والله ما نكتب منه شيئا أبدا. فخرجا بصلاصفتهما فحفرا لها فلم يألوا أن يعمقا، ودفناها فكان آخر العهد منها . وكذا روى الثوري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت الأنصاري، عن عمر بن الخطاب، بنحوه وروى أبو داود في المراسيل، من حديث أبي قلابة، عن عمر نحوه . والله أعلم. {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو: يعقوب، عليه السلام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد، عن عبد الصمد به وقال البخاري أيضا: حدثنا محمد، أخبرنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا". ثم قال: تابعه أبو أسامة، عن عبيد الله . وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا [سواه] والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. روي هذا عن ابن عباس، والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه: {وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} [يوسف: 100] . وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبا -فقال الإمام أبو جعفر بن جرير.
حدثني علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن جابر] قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له: "بستانة اليهودي"، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة فلم يجبه بشيء، ونزل [عليه] جبريل، عليه السلام، فأخبره بأسمائها. قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " فقال: نعم. قال: "خرتان والطارق، والذيال وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور"، فقال اليهودي: إي والله، إنها لأسماؤها . ورواه البيهقي في "الدلائل"، من حديث سعيد بن منصور، عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير، به وزاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد؛ قال: والشمس أبوه، والقمر أمه". تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حسن يوسف. {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين } يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا وإكراما واحتراما فخشي يعقوب، عليه السلام، أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدوه على ذلك، فيبغوا له الغوائل، حسدا منهم له؛ ولهذا قال له: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها. ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره" . وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد، وبعض أهل السنن، من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث: "استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود" {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم } يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك، {وكذلك يجتبيك ربك} أي: يختارك ويصطفيك لنبوته، {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا. {ويتم نعمته عليك} أي: بإرسالك والإيحاء إليك؛ ولهذا قال: {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم} وهو الخليل، {وإسحاق} ولده، وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح، {إن ربك عليم حكيم} أي: [هو] أعلم حيث يجعل رسالاته، كما قال في الآية الأخرى. {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين }
يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك، المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب، يستحق أن يستخبر عنه، {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} أي: حلفوا فيما يظنون: والله ليوسف وأخوه -يعنون بنيامين، وكان شقيقه لأمه - {أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} أي: جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؛ {إن أبانا لفي ضلال مبين} يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا. واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} [البقرة: 136] ، وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم. {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم} يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي -تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامه قوما صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب. {قال قائل منهم} قال قتادة، ومحمد بن إسحاق: كان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون {لا تقتلوا يوسف} أي: لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه، من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب، وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس. {يلتقطه بعض السيارة} أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا بهذا، ولا حاجة إلى قتله. {إن كنتم فاعلين} أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم، من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله، مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين ابنه وحبيبه، على كبر سنه، ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلا صغيرا، وبين أبيه على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما. رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل، عنه. {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون } لما تواطئوا على أخذه وطرحه في البئر، كما أشار عليهم أخوهم الكبير روبيل، جاءوا أباهم يعقوب، عليه السلام، فقالوا: {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} وهذه توطئة وسلف ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له، {أرسله معنا} أي: ابعثه معنا، {غدا نرتع ونلعب} وقرأ بعضهم بالياء {يرتع ويلعب} قال ابن عباس: يسعى وينشط. وكذا قال قتادة، والضحاك والسدي، وغيرهم. {وإنا له لحافظون} يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك. {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون }
يقول تعالى مخبرا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: {إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي: يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: {لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون} يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، ونحن جماعة، إنا إذا لهالكون عاجزون. {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك، {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما له، وبسطا وشرحا لصدره، وإدخالا للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب عليه السلام، لما بعثه معهم ضمه إليه، وقبله ودعا له. وقال السدي وغيره: إنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول، من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه، يقال لها: "الراغوفة" فقام فوقها. قال الله تعال: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق، تطييبا لقلبه، وتثبيتا له: إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم، ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع. وقوله: {وهم لا يشعرون} -قال [مجاهد و] قتادة: {وهم لا يشعرون} بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصواع، فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام: أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له "يوسف"، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب -قال: ثم نقره فطن -فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب -قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: لا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم: {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} . {وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } يقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: أنهم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: {إنا ذهبنا نستبق} أي: نترامى، {وتركنا يوسف عند متاعنا} أي: ثيابنا وأمتعتنا، {فأكله الذئب} وهو الذي كان [قد] جزع منه، وحذر عليه.
وقولهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا -والحالة هذه -لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا. {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي: مكذوب مفترى. وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة -فيما ذكره مجاهد، والسدي، وغير واحد -فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} أي: فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، {والله المستعان على ما تصفون} أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال الثوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وجاءوا على قميصه بدم كذب} قال: لو أكله السبع لخرق القميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه. وروى هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فصبر جميل} فقال: "صبر لا شكوى فيه" وهذا مرسل . وقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: ألا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك . وذكر البخاري هاهنا حديث عائشة، رضي الله عنها، في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ، {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} . {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف، عليه السلام، حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدا وحيدا، فمكث في البئر ثلاثة أيام، فيما قاله أبو بكر بن عياش وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ما يصنع وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريبا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم -وهو الذي يتطلب لهم الماء -فلما جاء تلك البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف، عليه السلام، فيها، فأخرجه واستبشر به، وقال: {يا بشرى هذا غلام} وقرأ بعض القراء: "يا بشرى"، زعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه، معلما له أنه أصاب غلاما. وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم. وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة وهو يريدها، كما تقول العرب: "يا نفس اصبري"، و"يا غلام أقبل"، بحذف حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى {يا بشرى"} والله أعلم. وقوله: {وأسروه بضاعة} أي: وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره. قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير. هذا قول. وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: {وأسروه بضاعة} يعني: إخوة يوسف، أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه: {يا بشرى هذا غلام} يباع، فباعه إخوته. وقوله: {والله عليم بما يعملون} أي: يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضى ما قدره وقضاه، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وإعلامه له بأنني عالم بأذى قومك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته. وقوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل، قاله مجاهد وعكرمة. والبخس: هو النقص، كما قال تعالى: {فلا يخاف بخسا ولا رهقا} [الجن: 13] أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن الضمير في قوله: {وشروه} عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. والأول أقوى؛ لأن قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} إنما أراد إخوته، لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فيرجح من هذا أن الضمير في {وشروه} إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله: {بخس} الحرام. وقيل: الظلم. وهذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد، لأنه نبي ابن نبي، ابن نبي، ابن خليل الرحمن، فهو الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما، أي: إنهم إخوته، وقد باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان؛ ولهذا قال: {دراهم معدودة} فعن ابن مسعود باعوه بعشرين درهما، وكذا قال ابن عباس، ونوف البكالي، والسدي، وقتادة، وعطية العوفي وزاد: اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهما. وقال الضحاك في قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل. وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر، فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك، وكان مسلما. {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } يخبر تعالى بألطافه بيوسف، عليه السلام، أنه قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح، فقال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. [قال] العوفي، عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير. وقال محمد بن إسحاق: اسمه إطفير بن روحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد، رجل من العماليق قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل. وقال غيره: اسمها زليخا. وقال محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم، فالله أعلم. وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: {أكرمي مثواه} والمرأة التي قالت لأبيها [عن موسى] : {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما . يقول تعالى: وكما أنقذنا يوسف من إخوته، {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} يعني: بلاد مصر، {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا، {والله غالب على أمره} أي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: {والله غالب على أمره} أي: فعال لما يشاء. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد .
وقوله: {ولما بلغ} أي: يوسف عليه السلام {أشده} أي: استكمل عقله وتم خلقه. {آتيناه حكما وعلما} يعني: النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، {وكذلك نجزي المحسنين} أي: إنه كان محسنا في عمله، عاملا بطاعة ربه تعالى. وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثمانية عشرة سنة. وقال الإمام مالك، وربيعة، وزيد بن أسلم، والشعبي: الأشد الحلم. وقيل غير ذلك، والله أعلم. {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه [ {وراودته التي هو في بيتها] عن نفسه} أي: حاولته على نفسه، ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها، {وقالت هيت لك} فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و {قال معاذ الله إنه ربي [أحسن مثواي] } وكانوا يطلقون "الرب" على السيد والكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي أي: منزلي وأحسن إلي، فلا أقابله بالفاحشة في أهله، {إنه لا يفلح الظالمون} قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقد اختلف القراء في قراءة: {هيت لك} فقرأه كثيرون بفتح الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: معناه: أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: {هيت لك} تقول: هلم لك. وكذا قال زر بن حبيش، وعكرمة، والحسن وقتادة. قال عمرو بن عبيد، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي: عليك. وقال السدي: {هيت لك} أي: هلم لك، وهي بالقبطية. قال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها. وقال البخاري: وقال عكرمة: {هيت لك} هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقا، وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا قرة بن قيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {هيت لك} قال: هلم لك. قال: هي بالحورانية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة -يعني: {هيت لك} -ويقول: هي لغة، لأهل حوران، وقعت إلى أهل الحجاز، معناها: تعال. وقال أبو عبيد: سألت شيخا عالما من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها. واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه: أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتينا إن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا يقول: فتعال واقترب وقرأ ذلك آخرون: "هئت لك" بكسر الهاء والهمزة، وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك، من قول القائل: هئت للأمر أهى هيئة وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو وائل، وعكرمة، وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة. وقرأ عبد الله بن إسحاق هيت"،" بفتح الهاء وكسر التاء: وهي غريبة. وقرأ آخرون، منهم عامة أهل المدينة "هيت" بفتح الهاء، وضم التاء، وأنشد قول الشاعر: ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة: هيت قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال ابن مسعود: قد سمعت القرأة فسمعتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدكم: "هلم" و"تعال" ثم قرأ عبد الله: {هيت لك} فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسا يقرءونها: "هيت [لك] " ؟ فقال عبد الله: إني أقرأها كما علمت، أحب إلي وقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: {هيت لك} فقال له مسروق: إن ناسا يقرءونها: "هيت لك"؟ فقال: دعوني، فإني أقرأ كما أقرئت، أحب إلي
وقال أيضا: حدثني المثنى، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن شقيق، عن ابن مسعود قال: {هيت لك} بنصب الهاء والتاء ولا بهمز. وقال آخرون: "هيت لك"، بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "هيت" لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: هيت لك، وهيت لك، وهيت لكما، وهيت لكم، وهيت لهن {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة من السلف في ذلك ما ذكره ابن جرير وغيره، والله أعلم. وقال بعضهم: المراد بهمه بها هم خطرات حديث النفس. حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي هاهنا حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها" . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، هذا منها. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} أي: فلم يهم بها. وفي هذا القول نظر من حيث العربية، ذكره ابن جرير وغيره . وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا: فعن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب، عليه السلام، عاضا على أصبعه بفمه . وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي، عن ابن عباس: رأى خيال الملك، يعني: سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق، فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال إطفير سيده، حين دنا من الباب . وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن أبي مودود سمعت من محمد بن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] وكذا رواه أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر قال: سمعت القرظي يقول في: "البرهان" الذي رأى يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله {وإن عليكم لحافظين} الآية [الانفطار: 10] ، وقوله: {وما تكون في شأن} الآية: [يونس: 61] ، وقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] وقال الأوزاعي: رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون [صورة] الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك. ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. قال: وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} أي: كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. {إنه من عبادنا المخلصين} أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه. {واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين }
يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه [من ورائه] فقدته قدا فظيعا، يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هاربا ذاهبا، وهي في إثره، فألفيا سيدها -وهو زوجها -عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} أي: فاحشة، {إلا أن يسجن} أي: يحبس، {أو عذاب أليم} أي: يضرب ضربا شديدا موجعا. فعند ذلك انتصر يوسف، عليه السلام، بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، وقال بارا صادقا {هي راودتني عن نفسي} وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه، {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل} أي: من قدامه، {فصدقت} أي: في قولها إنه أرادها على نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدت قميصه، فيصح ما قالت: {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} وذلك يكون كما وقع لما هرب منها، وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه. وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير، على قولين لعلماء السلف، فقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وشهد شاهد من أهلها} قال: ذو لحية. وقال الثوري، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق: إنه كان رجلا. وقال زيد بن أسلم، والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وشهد شاهد من أهلها} قال: كان صبيا في المهد. وكذا روي عن أبي هريرة، وهلال بن يساف، والحسن، وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم: أنه كان صبيا في الدار. واختاره ابن جرير. وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد -هو ابن سلمة -أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تكلم أربعة وهم صغار"، فذكر فيهم شاهد يوسف . ورواه غيره عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ أنه قال: تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم . وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان من أمر الله، ولم يكن إنسيا. وهذا قول غريب. وقوله: {فلما رأى قميصه قد من دبر} أي: فلما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به، {قال إنه من كيدكن} أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن، {إن كيدكن عظيم} ثم قال آمرا ليوسف، عليه السلام، بكتمان ما وقع: يا {يوسف أعرض عن هذا} أي: اضرب عن هذا [الأمر] صفحا، فلا تذكره لأحد، {واستغفري لذنبك} يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها؛ لأنها رأت ما لا صبر لها عنه، فقال لها: {واستغفري لذنبك} أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه، استغفري من هذا الذي وقع منك، {إنك كنت من الخاطئين} {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين } {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم }
يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة، وهي مصر، حتى تحدث الناس به، {وقال نسوة في المدينة} مثل نساء الأمراء [و] الكبراء، ينكرن على امرأة العزيز، وهو الوزير، ويعبن ذلك عليها: {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، {قد شغفها حبا} أي قد: وصل حبه إلى شغاف قلبها. وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه. {فلما سمعت بمكرهن} قال بعضهم: بقولهن. وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك {أرسلت إليهن} أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن {وأعتدت لهن متكأ} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه. ولهذا قال تعالى: {وآتت كل واحدة منهن سكينا} وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، {وقالت اخرج عليهن} وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر، {فلما} خرج و {رأينه أكبرنه} أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره؛ وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد. وعن مجاهد، وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله أعلم. وقد ذكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن سكينا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع فرجع ليرينه مقبلا ومدبرا، وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هكذا، فكيف ألام أنا؟ فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم، ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبا منه، فإنه، صلوات الله عليه وسلم كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف، عليه السلام، في السماء الثالثة، قال: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن" وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطي يوسف وأمه شطر الحسن" وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. وقال أبو إسحاق أيضا، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به. ورواه الحسن البصري مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين -أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث" وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن. والنصف الآخر بين سائر الخلق. وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه: أن يوسف كان على النصف من حسن آدم، عليه السلام، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه. فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: {حاش لله} قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله، {ما هذا بشرا} وقرأ بعضهم: "ما هذا بشرى" أي: بمشترى. {إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يحب لجماله وكماله.
{ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي: فامتنع. قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر، أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعد {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} فعند ذلك استعاذ يوسف، عليه السلام، من شرهن وكيدهن، وقال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} أي: من الفاحشة، {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} أي: إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي قدرة، ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي. {أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} وذلك أن يوسف، عليه السلام، عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال، والرياسة ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك، خوفا من الله ورجاء ثوابه. ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب، فقال: إني أخاف الله" {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي: إلى مدة، وذلك بعدما عرفوا براءته، وظهرت الآيات -وهي الأدلة -على صدقه في عفته ونزاهته. فكأنهم -والله أعلم -إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاما أن هذا راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض، صلوات الله عليه وسلامه. وذكر السدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها. {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب "نبوا"، والآخر "مجلث". قال السدي: وكان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه. وكان يوسف، عليه السلام، قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن، تآلفا به وأحباه حبا شديدا، وقالا له: والله لقد أحببناك حبا زائدا. قال بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل علي الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا والله ما نستطيع إلا ذلك، ثم إنهما رأيا مناما، فرأى الساقي أنه يعصر خمرا -يعني عنبا -وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: "إني أراني أعصر عنبا". ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود: أنه قرأها: "أعصر عنبا". وقال الضحاك في قوله: {إني أراني أعصر خمرا} يعني: عنبا. قال: وأهل عمان يسمون العنب خمرا. وقال عكرمة: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب، فنبتت. فخرج فيه عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك. قال تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرا. وقال الآخر -وهو الخباز -: {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين}
والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه، وأنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما كانا تحالما ليجربا عليه. {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يخبرهما يوسف، عليه السلام، أنهما مهما رأيا في نومهما من حلم، فإنه عارف بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه؛ ولهذا قال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} قال مجاهد: يقول: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [في نومكما] {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} وكذا قال السدي. وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد -شيخ له -حدثنا رشدين، عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف، عليه السلام، كان يعتاف وهو كذلك، لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} قال: إذا جاء الطعام حلوا أو مرا اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن عباس: إنما علم فعلم. وهذا أثر غريب. ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد. {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلمه، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد. {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} هذا التوحيد -وهو الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، {من فضل الله علينا} أي: أوحاه إلينا، وأمرنا به {وعلى الناس} إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل {بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس؛ أنه كان يجعل الجد أبا، ويقول: والله فمن شاء لاعناه عند الحجر، ما ذكر الله جدا ولا جدة، قال الله تعالى -يعني إخبارا عن يوسف: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ثم إن يوسف، عليه السلام، أقبل على الفتيين بالمخاطبة، والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [أي] الذي ولى كل شيء بعز جلاله، وعظمة سلطانه. ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة، إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله؛ ولهذا قال: {ما أنزل الله بها من سلطان} أي: حجة ولا برهان.
ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة ألا يعبدوا إلا إياه، ثم قال: ذلك الدين القيم أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله، وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين. {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وقد قال ابن جريج: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك، لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه، فأعاد عليهم الموعظة. وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه، والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما، شرع في تعبير رؤياهما، من غير تكرار سؤال فقال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } يقول لهما: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا. ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت. وقال الثوري، عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم، عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا ما رأينا شيئا. فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ورواه محمد بن فضيل عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به، وكذا فسره مجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وحاصله أن من تحلم بباطل وفسره، فإنه يلزم بتأويله، والله أعلم، وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن معاوية بن حيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت" وفي مسند أبي يعلى، من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعا: "الرؤيا لأول عابر" {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } لما ظن يوسف، عليه السلام، نجاة أحدهما -وهو الساقي -قال له يوسف خفية عن الآخر والله أعلم، لئلا يشعره أنه المصلوب قال له: {اذكرني عند ربك} يقول: اذكر قصتي عند ربك -وهو الملك -فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يطلع نبي الله من السجن. هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} عائد على الناجي، كما قال مجاهد، ومحمد بن إسحاق وغير واحد. ويقال: إن الضمير عائد على يوسف، عليه السلام، رواه ابن جرير، عن ابن عباس، ومجاهد أيضا، وعكرمة، وغيرهم. وأسند ابن جرير هاهنا حديثا فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم يقل -يعني: يوسف -الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث. حيث يبتغي الفرج من عند غير الله" . وهذا الحديث ضعيف جدا؛ لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد -هو الخوزي -أضعف منه أيضا. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم. وأما "البضع"، فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعا ويوسف في السجن سبعا، وعذاب بختنصر سبعا. وقال الضحاك، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: فلبث في السجن بضع سنين قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
{وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف، عليه السلام، من السجن معززا مكرما، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة وكبراء دولته وأمراءه وقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأن هذه {أضغاث أحلام} أي: أخلاط اقتضت رؤياك هذه {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أي: ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها. فعند ذلك تذكر ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف، من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر {بعد أمة} أي: مدة -وقرأ بعضهم: "بعد أمة" أي: بعد نسيان، فقال للملك والذين جمعهم لذلك: {أنا أنبئكم بتأويله} أي: بتأويل هذا المنام، {فأرسلون} أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا فجاء. فقال: {يوسف أيها الصديق أفتنا} وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف، عليه السلام، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: {تزرعون سبع سنين دأبا} أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: {فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون} أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: {يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك {عام فيه يغاث الناس} أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضا. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وفيه يعصرون} يحلبون. {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم }
يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه، التي كان رآها، بما أعجبه وأينقه، فعرف فضل يوسف، عليه السلام، وعلمه [وحسن اطلاعه على رؤياه] وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال {ائتوني به} أي: أخرجوه من السجن وأحضروه. فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلما وعدوانا، قال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر" . وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر". هذا حديث مرسل وقوله تعالى: {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطبا لهن كلهن -وهو يريد امرأة وزيره، وهو العزيز -: {ما خطبكن} أي: شأنكن وخبركن {إذ راودتن يوسف عن نفسه} يعني: يوم الضيافة؟ {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} أي: قالت النسوة جوابا للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهما، والله ما علمنا عليه من سوء. فعند ذلك {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: تقول الآن: تبين الحق وظهر وبرز. {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} أي: في قوله: {هي راودتني عن نفسي} {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ذلك ليعلم زوجي أن لم أخنه في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع؛ فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة، {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي} تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء، {إلا ما رحم ربي} أي: إلا من عصمه الله تعالى، {إن ربي غفور رحيم} . وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف، عليه السلام، من قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب} الآيتين أي: إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز {أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب} {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} [الآية] وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه.
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?