Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Bagian V04/P598–V04/P599

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شرط لأخيه شرطا، لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة" . وقوله: {إن الله يعلم ما تفعلون} تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} قال عبد الله بن كثير، والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. وقوله: {أنكاثا} يحتمل أن يكون اسم مصدر: نقضت غزلها أنكاثا، أي: أنقاضا. ويحتمل أن يكون بدلا عن خبر كان، أي: لا تكونوا أنكاثا، جمع نكث من ناكث؛ ولهذا قال بعده: {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي: خديعة ومكرا، {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي: يحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم. فنهى الله عن ذلك، لينبه بالأدنى على الأعلى؛ إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى. وقد قدمنا -ولله الحمد-في سورة "الأنفال" قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل، حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم، أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية، وفاء لا غدرا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقدة حتى ينقضي أمدها". فرجع معاوية بالجيش، رضي الله عنه وأرضاه. قال ابن عباس: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي: أكثر. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز. فنهوا عن ذلك. وقال الضحاك، وقتادة، وابن زيد نحوه. وقوله: {إنما يبلوكم الله به} قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: أي: بأمره إياكم بالوفاء والعهد. {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر. {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون } {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } يقول تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم} أيها الناس {أمة واحدة} ، كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] أي: لوفق بينكم. ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118، 119] ، وهكذا قال هاهنا: {ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء} ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم، فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير. ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها: مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام؛ ولهذا قال: {وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم}

Bagian V04/P599–V04/P601

ثم قال تعالى: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} أي: لا تعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه، وحفظ عهده رجاء موعوده؛ ولهذا قال: {إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد} أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه، {وما عند الله باق} أي: وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول، {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قسم من الرب عز وجل متلقى باللام، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها. {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا -وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله -بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ووهب بن منبه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنها السعادة. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه". ورواه مسلم، من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به وروى الترمذي والنسائي، من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي عن فضالة بن عبيد؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به". وقال الترمذي: هذا حديث صحيح . وقال الإمام أحمد، حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا [ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا] حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا". انفرد بإخراجه مسلم . {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: إذا أرادوا قراءة القرآن، أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهو أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة. والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة، لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني: أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي. والصحيح الأول، لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم. وقوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه.

Bagian V04/P601–V04/P603

وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. وقال آخرون: كقوله: {إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 83] . {إنما سلطانه على الذين يتولونه} قال مجاهد: يطيعونه. وقال آخرون: اتخذوه وليا من دون الله. {والذين هم به مشركون} أي: أشركوا في عبادة الله تعالى. ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد. {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين } يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا للرسول: {إنما أنت مفتر} أي: كذاب وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقال مجاهد: {بدلنا آية مكان آية} أي: رفعناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة: هو كقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة:106] . فقال تعالى مجيبا لهم: {قل نزله روح القدس} أي: جبريل، {من ربك بالحق} أي: بالصدق والعدل، {ليثبت الذين آمنوا} فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا وتخبت له قلوبهم، {وهدى وبشرى للمسلمين} أي: وجعله هاديا [مهديا] وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله. {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت: أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، فربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه؛ فلهذا قال الله تعالى رادا عليهم في افترائهم ذلك: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} يعني: القرآن أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟! لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني-كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، [فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الحضرمي] فأنزل الله: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} وكذا قال عبد الله بن كثير: وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، وكان اسمه بلغام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، قالوا: إنما يعلمه بلغام، فأنزل الله هذه الآية: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} . وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهما ، فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة، قبحه الله!.

Bagian V04/P603–V04/P605

{إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله، ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة. ثم أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب؛ لأنه {إنما يفتري الكذب} على الله وعلى رسوله شرار الخلق، {الذين لا يؤمنون بآيات الله} من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس. والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا، معروفا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان فيما قال له: أو كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال: هرقل فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل. {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غضب عليه، لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئا، فهم غافلون عما يراد بهم. {لا جرم} أي: لا بد ولا عجب أن من هذه صفته، {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي: الذين خسروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة. وأما قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي، وأبو مالك وقتادة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة [بن] محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد" . ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، وأنه قال: يا رسول الله، ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير! قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان. فقال: "إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل الله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} .

Bagian V04/P605–V04/P606

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر، إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة، أن عليا، رضي الله عنه، حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله". وكنت قاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس. رواه البخاري . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال: أحسب-شهرين فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه. فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه-أو قال: من بدل دينه فاقتلوه . وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر . والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة: أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين، ما فعلت! فقال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك! فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر. وفي رواية: ببقرة من نحاس، فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه . {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم قد واتوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر الله تعالى أنه {من بعدها} أي: تلك الفعلة، وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم.

Bagian V04/P606–V04/P608

{يوم تأتي كل نفس تجادل} أي: تحاج {عن نفسها} ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة {وتوفى كل نفس ما عملت} أي: من خير وشر، {وهم لا يظلمون} أي: لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر ولا يظلمون نقيرا. {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون } هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف، كما قال تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57] وهكذا قال هاهنا: {يأتيها رزقها رغدا} أي: هنيئها سهلا {من كل مكان فكفرت بأنعم الله} أي: جحدت آلاء الله عليها وأعظم ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 28، 29] . ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وذلك لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز -وهو: وبر البعير، يجعل بدمه إذا نحروه. وقوله: {والخوف} وذلك بأنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة سراياه وجيوشه، وجعلوا كل ما لهم في سفال ودمار، حتى فتحها الله عليهم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا [يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور] } [الطلاق: 10، 11] الآية وقوله : {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} إلى قوله : {ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152] . وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، بدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم، وسادتهم وقادتهم وأئمتهم. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل مضروب لمكة، قاله العوفي، عن ابن عباس. وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وحكاه مالك عن الزهري، رحمهم الله. وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه، أنه سمع مشرح بن هاعان يقول: سمعت سليم بن عتر يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه: ما فعل؟ حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا قتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده، إنها القرية التي قال الله: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله} قال أبو شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة، عمن حدثه: أنه كان يقول: إنها المدينة . {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم }

Bagian V04/P608–V04/P610

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك، فإنه المنعم المتفضل به ابتداء، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له. ثم ذكر ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم، من الميتة والدم، ولحم الخنزير. {وما أهل لغير الله به} أي: ذبح على غير اسم الله، ومع هذا {فمن اضطر} أي: احتاج في غير بغي ولا عدوان، {فإن الله غفور رحيم} وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة "البقرة" بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد [والمنة] . ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس [له] فيها مستند شرعي، أو حلل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه. و "ما" في قوله: {لما} مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم. ثم توعد على ذلك فقال: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} أي: في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] وقال: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] . {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وأنه أرخص فيه عند الضرورة -وفي ذلك توسعة لهذه الأمة، التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر -ذكر سبحانه وتعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والأغلال والحرج والتضييق، فقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني: في "سورة الأنعام" في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون] } [الأنعام: 146] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وما ظلمناهم} أي: فيما ضيقنا عليهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: فاستحقوا ذلك، كما قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [النساء: 160] . ثم أخبر تعالى تكرما وامتنانا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل. {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات، {إن ربك من بعدها} أي: تلك الفعلة والذلة {لغفور رحيم} {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } يمدح [تبارك و] تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية فقال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} فأما "الأمة"، فهو الإمام الذي يقتدى به. والقانت: هو الخاشع المطيع. والحنيف: المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: {ولم يك من المشركين} قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.

Bagian V04/P610–V04/P611

وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم. وقال الأعمش، [عن الحكم] عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين؛ أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة فقال: الذي يعلم الناس الخير. وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله: {إن إبراهيم كان أمة} فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله [ورسوله] أعلم. قال: الأمة الذي يعلم [الناس] الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله. وكذلك كان معاذ معلم الخير. وكان مطيعا لله ورسوله. وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود؛ حرره ابن جرير . وقال مجاهد: {أمة} أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضا: كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار. وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله. وقوله: {شاكرا لأنعمه} أي: قائما بشكر نعم الله عليه، كما قال: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37] ، أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به. وقوله: {اجتباه} أي: اختاره واصطفاه، كما قال: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51] . ثم قال: {وهداه إلى صراط مستقيم} وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة} أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة، {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} وقال مجاهد في قوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة} أي: لسان صدق. وقوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء: {أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} كما قال: في "الأنعام": {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [الأنعام: 161] ، ثم قال تعالى منكرا على اليهود. {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع، يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت [الناس] فيه وتمت النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه. وأخذه مواثيقهم وعهودهم على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة. ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به، حتى بعث الله عيسى ابن مريم، فيقال: إنه حولهم إلى يوم الأحد. ويقال إنه: لم [يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها وإنه لم] يزل محافظا على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد، مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين، من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد". لفظ البخاري .

Bagian V04/P611–V04/P613

وعن أبي هريرة، وحذيفة، رضي الله عنهما، قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق". رواه مسلم [والله أعلم] . {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله {بالحكمة} قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة {والموعظة الحسنة} أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى. وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون، عليهما السلام، حين بعثهما إلى فرعون فقال: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] . وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: قدم علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] ، و {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] . {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } يأمر تعالى بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين: أنه قال في قوله تعالى: {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إن أخذ منكم رجل شيئا، فخذوا منه مثله. وكذا قال مجاهد، وإبراهيم، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد. وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة "النحل" كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة، رضي الله عنه، ومثل به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فأنزل الله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة . وهذا مرسل، وفيه [رجل] مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري ، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. أو قال: لقلبه [منه] فنظر إليه وقد مثل به فقال: "رحمة الله عليك، إن كنت -لما علمت-لوصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها-أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك . فنزل جبريل، عليه السلام، على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة وقرأ: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر الآية، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: عن يمينه-وأمسك عن ذلك .

Bagian V04/P613–V04/P616

وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحا -هو ابن بشير المري-ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث. وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم. فأنزل الله فيهم ذلك. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هدية بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد، قتل من الأنصار ستون رجلا ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم. فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم. فنادى مناد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا -ناسا سماهم-فأنزل الله تبارك وتعالى: {وإن عاقبتم [فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين] } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصبر ولا نعاقب" . وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ثم قال {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] . وقال {والجروح قصاص} ثم قال {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ثم قال {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} وقوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله} تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك إنما ينال بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته. ثم قال تعالى: {ولا تحزن عليهم} أي: على من خالفك، لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك، {ولا تك في ضيق} أي: غم {مما يمكرون} أي: مما يجهدون [أنفسهم] في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك، ومظهرك ومظفرك بهم. وقوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهذه معية خاصة، كقوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] ، وقوله لموسى وهارون: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 4] ، وكقوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] ، وكما قال تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا [إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين] } [يونس: 61] . ومعنى: {الذين اتقوا} أي: تركوا المحرمات، {والذين هم محسنون} أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا مسعر، عن ابن عون، عن محمد بن حاطب قال: كان عثمان، رضي الله عنه، من الذين آمنوا، والذين اتقوا، والذين هم محسنون. [آخر تفسير سورة النحل ولله الحمد أجمعه والمنة، وبه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل] [بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم] تفسير سورة الإسراء وهي مكية قال الإمام [الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل] البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود، رضي الله عنه، قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي .

Bagian V04/P616–V05/P005

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن مروان، عن أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة " بني إسرائيل "، و " الزمر " . بسم الله الرحمن الرحيم {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره {الذي أسرى بعبده} يعني محمدا، صلوات الله وسلامه عليه {ليلا} أي في جنح الليل {من المسجد الحرام} وهو مسجد مكة {إلى المسجد الأقصى} وهو بيت المقدس الذي هو إيلياء ، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم، فأمهم في محلتهم ، ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله: {الذي باركنا حوله} أي: في الزروع والثمار {لنريه} أي: محمدا {من آياتنا} أي: العظام كما قال تعالى: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم: 18] . وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه. وقوله: {إنه هو السميع البصير} أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة. ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء رواية أنس بن مالك: قال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان -هو ابن بلال-عن شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم. فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه -وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم-فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم، بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده -يعني عروق حلقه-ثم أطبقه. ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به وأهلا به، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم. ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم فقال: مرحبا وأهلا بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: "ما هذان النهران يا جبريل؟ " قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا وأهلا وسهلا.

Bagian V05/P005–V05/P007

ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، قد وعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله. فقال موسى: "رب لم أظن أن يرفع علي أحد" ثم علا به فوق ذلك، بما لا يعلمه إلا الله، عز وجل، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحي: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة. ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: "يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ " قال: "عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة" قال:" إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم". فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم، إن شئت. فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال وهو في مكانه: "يا رب، خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا" فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات. ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: "يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك" كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: "يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا" فقال: الجبار: "يا محمد، قال: "لبيك وسعديك" قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب: "كل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك"، فرجع إلى موسى فقال: "كيف فعلت؟ " فقال: "خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها" قال: موسى: "قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا موسى قد -والله-استحييت من ربي مما أختلف إليه" قال: "فاهبط باسم الله"، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. هكذا ساقه البخاري في "كتاب التوحيد" ، ورواه في "صفة النبي صلى الله عليه وسلم"،عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان بن بلال . ورواه مسلم، عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن سليمان قال: "فزاد ونقص، وقدم وأخر" . وهو كما قاله مسلم، رحمه الله، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه، كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر. ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم. [وقال] البيهقي: في حديث "شريك" زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه، يعني قوله: "ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى" قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل -أصح . وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة، فإن أبا ذر قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه". وفي رواية "رأيت نورا". أخرجه مسلم، رحمه الله . وقوله: {ثم دنا فتدلى} [النجم: 8] ، إنما هو جبريل، عليه السلام، كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا .

Bagian V05/P007–V05/P008

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت. فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. قال جبريل: أصبت الفطرة" قال: "ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ [قال: قد أرسل إليه] . ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ فقال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. ثم قال: يقول الله: {ورفعناه مكانا عليا} [مريم: 57] . ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: [و] من معك؟ فقال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها. قال: "فأوحى الله إلي ما أوحى، وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى". قال: "ما فرض ربك على أمتك؟ قال: "قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة". قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم". قال :" فرجعت إلى ربي، فقلت: أي رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ قلت: قد حط عني خمسا". قال: "إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك" قال: "فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت [له] حسنة، فإن عملها كتبت عشرا. ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت". ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق ، وهو أصح من سياق شريك.

Bagian V05/P008–V05/P009

قال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به، عليه الصلاة والسلام، من مكة إلى بيت المقدس . وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه. قال: فارفض عرقا. ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه . وقال أحمد أيضا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما عرج بي ربي، عز وجل، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم". وأخرجه أبو داود، من حديث صفوان بن عمرو، به . ومن وجه آخر ليس فيه أنس ، فالله أعلم. وقال أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مررت ليلة أسري بي على موسى، عليه السلام، قائما يصلي في قبره" . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني، كلاهما عن أنس . قال النسائي: وهذا أصح من رواية من قال: سليمان عن ثابت، عن أنس. وقال [الحافظ] أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن التيمي، عن أنس قال: أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره . وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر، عن أبيه قال: سمعت أنسا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره -قال أنس: ذكر أنه حمل على البراق-فأوثق الدابة -أو قال: الفرس-قال أبو بكر: صفها لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر كلمة فقال: أشهد أنك رسول الله، وكان أبو بكر، رضي الله عنه، قد رآها . وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل عليه السلام، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير، فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل، عليه السلام، كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه بالله علي، وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي" ثم قال: هذا الحديث لا نعلم رواه إلا أنس، ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة .

Bagian V05/P009–V05/P011

ورواه الحافظ البيهقي في "الدلائل"، عن أبي بكر القاضي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم، عن محمد بن الحسين بن أبي الحنين، عن سعيد بن منصور، فذكر بسنده مثله، ثم قال: وقال غيره في هذا الحديث في آخره: "ولط دوني -أو قال: دون الحجاب-رفرف الدر والياقوت". ثم قال: هكذا رواه الحارث بن عبيد. ورواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن محمد بن عمير بن عطارد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ملإ من أصحابه، فجاءه جبريل، فنكت في ظهره فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير، فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر، فنشأت بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها، فدلي بسبب وهبط النور، فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي. فأوحى إلي: نبيا ملكا أو نبيا عبدا؟ وإلى الجنة ما أنت؟ فأومأ إلي جبريل وهو مضطجع: أن تواضع. قال: قلت: لا. بل نبيا عبدا . قلت: وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء، فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس، ولا الصعود إلى السماء، فهي كائنة غير ما نحن فيه، والله أعلم. وقال البزار أيضا: حدثنا عمرو بن عيسى، حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه، عز وجل، هذا غريب. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها أمرت ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فوالله إن ركبك مثله. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: "ما هذه يا جبريل؟ " قال: سر يا محمد. قال: فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد فقال له جبريل: سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من الخلق فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد. فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى، ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى إلى بيت المقدس. فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك. ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، عليهم السلام، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم الصلاة والسلام. وهكذا رواه الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث ابن وهب ، وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة. طريق أخرى عن أنس بن مالك:

Bagian V05/P011–V05/P012

وفيها غرابة ونكارة جدا، وهي في سنن النسائي المجتبى، ولم أرها في الكبير قال: أخبرنا عمرو بن هشام، حدثنا مخلد -هو ابن الحسين-عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسرت فقال: انزل فصل. فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ [صليت بطيبة وإليها المهاجر، ثم قال: انزل فصل. فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟] صليت بطور سيناء، حيث كلم الله موسى، ثم قال: انزل فصل. فصليت، فقال: أتدري أين صليت. صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى، عليه السلام، ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدمني جبريل حتى أممتهم [ثم صعد بي إلى السماء الدنيا، فإذا فيها آدم، عليه السلام] ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة: عيسى ويحيى، عليهما السلام، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف عليه السلام. ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون، عليه السلام. ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس عليه السلام. ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى، عليه السلام. ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم عليه السلام، ثم صعد بي فوق سبع سموات وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك [فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني، عن شيء. ثم أتيت موسى فقال: كم فرض الله عليك وعلى أمتك؟] قلت: خمسين صلاة. قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها، لا أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا. ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع، فرجعت فخفف عني عشرا، ثم ردت إلى خمس صلوات، قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما. فرجعت إلى ربي، عز وجل، فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعرفت أنها من الله عز وجل صرى فرجعت إلى موسى، عليه السلام فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله صرى -يقول: أي حتم-فلم أرجع" . طريق أخرى: وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها، ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها. فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له: "باب محمد صلى الله عليه وسلم" أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل بأصبعه فثقبه، ثم ربطها. ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد، قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: نعم. فقال: فانطلق إلى أولئك النسوة، فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة، قال: فأتيتهن فسلمت عليهن، فرددن علي السلام، فقلت: من أنتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا". قال: "ثم انصرفت ، فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة". قال: "فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام، فقدمني فصليت بهم. فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد، أتدري من صلى خلفك؟ " قال: "قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل".

Bagian V05/P012–V05/P013

قال: "ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم". قال: "ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك". قال: "فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم، فقال لي جبريل: يا محمد، ألا تسلم على أبيك آدم؟ " قال: "قلت: بلى. فأتيته فسلمت عليه، فرد علي وقال: مرحبا بابني والنبي الصالح". قال: "ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم": "ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى عليهما السلام . قال: "ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم" . ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها يوسف، عليه السلام، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل؟ قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم. ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمن معك. فإذا فيها إدريس عليه السلام". قال: "فعرج بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم. قال: ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها هارون، عليه السلام". قال: "ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم. ففتحوا وقالوا: مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها موسى، عليه السلام. ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقالوا من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتحوا له وقالوا: مرحبا بك وبمن معك، فإذا فيها إبراهيم، عليه السلام. فقال جبريل: يا محمد، ألا تسلم على أبيك إبراهيم؟ قال: قلت: بلى. فأتيته فسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: مرحبا بك يا بني والنبي الصالح. ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد وعليه طير خضر أنعم طير رأيت. فقلت: يا جبريل، إن هذا الطير لناعم قال : يا محمد، آكله أنعم منه ثم قال: يا محمد، أتدري أي نهر هذا؟ قال: "قلت: لا. قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه. فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على رصراض من الياقوت والزمرد، ماؤه، أشد بياضا من اللبن" قال: "فأخذت منه آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك. ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل، وخررت ساجدا لله، عز وجل، فقال الله لي: يا محمد، إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك". قال: "ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل، فانصرفت سريعا فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة. قال: فلن تستطيعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك. فرجعت سريعا حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة، ورفضني جبريل وخررت ساجدا وقلت: رب، إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، ولن أستطيعها أنا ولا أمتي، فخفف عنا. قال: قد وضعت عنكم عشرا. قال: ثم انجلت عني السحابة، وأخذ بيدي جبريل وانصرفت سريعا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا، ثم أتيت على موسى، فقال لي: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: وضع ربي عني عشرا فقال: أربعون صلاة! لن تستطيعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم -فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات، وخمس بخمسين ثم أمره موسى أن يرجع فيسأل التخفيف، فقلت: "إني قد استحييت منه تعالى".

Bagian V05/P013–V05/P015

قال: ثم انحدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما لي لم آت على سماء إلا رحبوا بي وضحكوا إلي، غير رجل واحد، فسلمت عليه فرد علي السلام فرحب بي ولم يضحك إلي. قال: يا محمد، ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك". قال: ثم ركب منصرفا، فبينا هو في بعض طريقه مر بعير لقريش تحمل طعاما، منها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء، وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت، وصرع ذلك البعير وانكسر. ثم إنه مضى فأصبح، فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر، ثم رجع في ليلته. فقال أبو بكر، رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء. فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علامة ما تقول؟ قال: "مررت بعير لقريش، وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت العير منا واستدارت، [وفيها بعير عليه] غرارتان: غرارة سوداء، وغرارة بيضاء، فصرع فانكسر". فلما قدمت العير سألوهم، فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق. وسألوه وقالوا : هل كان معك فيمن حضر موسى وعيسى؟ قال: "نعم". قالوا: فصفهم. قال: "نعم"، أما موسى فرجل آدم، كأنه من رجال أزد عمان، وأما عيسى فرجل ربعة، سبط، تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان" . هذا سياق فيه غرائب عجيبة. رواية أنس، رضي الله عنه، عن مالك بن صعصعة: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك: أن مالك بن صعصعة حدثه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، قال: "بينما أنا في الحطيم -وربما قال قتادة: في الحجر- مضطجعا إذ أتاني آت" فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة، قال: "فأتاني فقد -وسمعت قتادة يقول: فشق-ما بين هذه إلى هذه". وقال قتادة: فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وقد سمعته يقول: من قصته إلى شعرته قال: "فاستخرج قلبي" قال: "فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي، ثم أعيد. ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض" قال: فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم، يقع خطوه عند أقصى طرفه. قال: "فحملت عليه، فانطلق بي جبريل، عليه السلام، حتى أتى بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. فقيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء" قال: "ففتح فلما خلصت، فإذا فيها آدم، عليه السلام، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال : جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل : أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء"، قال: "ففتح، فلما خلصت، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة. قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما. قال: فسلمت فردا السلام ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء". قال: ففتح فلما خلصت، فإذا يوسف ، عليه السلام، قال: هذا يوسف قال: "فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء" قال: "ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه". قال: "فسلمت عليه. فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح".

Bagian V05/P015–V05/P016

قال: "ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء". قال: "ففتح، فلما خلصت، فإذا هارون، عليه السلام، قال: هذا هارون فسلم عليه. قال: فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالأخ والنبي الصالح". قال: "ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت، فإذا أنا بموسى، قال: هذا موسى، عليه السلام، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح". قال: "فلما تجاوزته بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي". قال: "ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء". قال: "ففتح، فلما خلصت، فإذا إبراهيم، عليه السلام. فقال: هذا إبراهيم، فسلم عليه". قال: "فسلمت عليه، فرد السلام ، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح". قال: ثم رفعت إلي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى". قال: "وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". قال: ثم رفع إلي البيت المعمور. قال قتادة: وحدثني الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه. ثم رجع إلى حديث أنس [قال: "ثم] أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل". قال: "فأخذت اللبن، قال: هذه الفطرة وأنت عليها وأمتك". قال: "ثم فرضت الصلاة خمسين صلاة كل يوم". قال: "فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال ما فرض ربك على أمتك؟ " قال: "قلت خمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، عن أمتك ". قال: "فرجعت فوضع عني عشرا، قال: فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: فرجعت فوضع عني عشرا أخر. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بثلاثين صلاة. قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك". قال: "فرجعت فوضع عني عشرا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بعشرين صلاة كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطيع لعشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك". قال: "فرجعت فوضع عني عشرا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر صلوات في كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك". قال: "فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطيع لخمس صلوات كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك". قال: "قلت: لقد سألت ربي [عز وجل] حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. فنفذت، فناداني مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي". وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة، بنحوه . "رواية أنس، عن أبي ذر:

Bagian V05/P016–V05/P017

قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر، رضي الله عنه، يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج [صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه] في صدري، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء [الدنيا] قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا وإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم. وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار. فإذا نظر، عن يمينه ضحك، وإذا نظر، عن شماله بكى. "ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال له الأول، ففتح". قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس: فلما مر جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: "مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: موسى ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: عيسى ابن مريم. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم". قال الزهري: فأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام". قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت [فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها. فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فرجعت فوضع شطرها. فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعته] فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي. فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك. قلت: قد استحييت من ربي. ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك". هذا لفظ البخاري في "كتاب الصلاة" ورواه في ذكر بني إسرائيل، وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخر، عن يونس، به ورواه مسلم في صحيحه في "كتاب الإيمان" منه، عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به نحوه. . وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته. قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه؟ فقال: إني قد سألته فقال: "إني قد رأيته نورا أنى أراه" . هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، [عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: "إني نور أني أراه".

Pertanyaan