İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود، عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس، فقال: من يتقبل مني بثلاث: أستخلفه يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل وقال أنا. فاستخلفه، قال: وجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم ذلك ، قال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة -وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة-فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا. وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال : إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك. فانطلق، وراح. فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينتظره ولا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك. وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني. قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم. فلما كان تلك الساعة أتاه فقال له الرجل: وراءك وراءك؟ فقال: إني قد أتيته أمس، فذكرت له أمري، فقال: لا والله لقد أمرنا ألا ندع أحدا يقربه. فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، قال: فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان، ألم آمرك؟ فقال أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أتيت؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه الله ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر فوفى به . وهكذا رواه بن أبي حاتم، من حديث زهير بن إسحاق، عن داود، عن مجاهد، بمثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم، قال: قال ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل، فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على ألا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا. فسمي ذا الكفل. قال: فكان ليله جميعا يصلي، ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس -قال: وله ساعة يقيلها-قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين، له على رجل حق، وقد غلبني عليه. قالوا: كما أنت حتى يستيقظ -قال: وهو فوق نائم-قال: فجعل يصيح عمدا حتى يوقظه ، قال: فسمع، فقال: ما لك؟ قال: إنسان مسكين، له على رجل حق. قال: اذهب فقل له يعطيك. قال: قد أبى. قال: اذهب أنت إليه. قال: فذهب، ثم جاء من الغد، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسا. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك، قال: فذهب، ثم جاء من الغد حين قال، قال: فقال له أصحابه: اخرج، فعل الله بك، تجيء كل يوم حين ينام، لا تدعه ينام؟. فجعل يصيح: من أجل أني إنسان مسكين، لو كنت غنيا؟ قال: فسمع أيضا، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني. قال: امش حتى أجيء معك. قال: فهو ممسك بيده، فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر. وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وابن حجيرة الأكبر، وغيرهم من السلف، نحو من هذه القصة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر ، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن أبي كنانة بن الأخنس قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان -يعني: في بني إسرائيل-رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: "قال أبو موسى الأشعري ... " فذكره منقطعا ، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد حديثا غريبا فقال: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين -حتى عد سبع مرات-ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: "كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا، على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال: اذهبي فالدنانير لك. ثم قال: "والله لا يعصي الله الكفل أبدا. فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: قد غفر الله للكفل" . هكذا وقع في هذه الرواية "الكفل"، من غير إضافة، فالله أعلم. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان "الكفل"، ولم يقل: "ذو الكفل"، فلعله رجل آخر، والله أعلم. {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } . هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة "الصافات" وفي سورة "ن" وذلك أن يونس بن متى، عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفضلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس:98] . وأما يونس، عليه السلام، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا . فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، قال الله تعالى: {فساهم فكان من المدحضين} [الصافات:141] ، أي: وقعت عليه القرعة ، فقام يونس، عليه السلام، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، سبحانه وتعالى، من البحر الأخضر -فيما قاله ابن مسعود-حوتا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحما، ولا تهشم له عظما؛ فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك له يكون سجنا. وقوله: {وذا النون} يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: {إذ ذهب مغاضبا} : قال الضحاك: لقومه، {فظن أن لن نقدر عليه} [أي: نضيق عليه في بطن الحوت. يروى نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه بقوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق:7] .
وقال عطية العوفي: {فظن أن لن نقدر عليه} ، أي: نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدر بمعنى واحد، وقال الشاعر: فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن، فلك الأمر ومنه قوله تعالى: {فالتقى الماء على أمر قد قدر} [القمر: 12] ، أي: قدر. وقوله: {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عباس ، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت ، في ظلمة البحر. قال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: {لا إله إلا أنت سبحانك} وقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب ، اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد. وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يوما. رواهما ابن جبير. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة-سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت، فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع صوتا ضعيفا [بأرض غريبة] قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟. قال: نعم". قال: "فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله عز وجل: {وهو سقيم} [الصافات: 145] . ورواه ابن جرير ، ورواه البزار في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي مرفوعا: لا ينبغي لعبد أن يقول: " أنا خير من يونس بن متى"؛ سبح لله في الظلمات . وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي: حدثني أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن يونس النبي، عليه السلام، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: "اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين". فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش ، فقالت الملائكة: يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: لا يا رب ، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ، ودعوة مجابة؟. [قال: نعم] . قالوا: يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء .
وقوله: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم} أي: أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، {وكذلك ننجي المؤمنين} أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء، قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، -وهو ابن أبي وقاص -قال: مررت بعثمان بن عفان، رضي الله عنه، في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يردد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت. قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا [أول دعوة] ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم، يا رسول الله. قال: "فمه؟ " قلت: لا والله، إلا إنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال: "نعم، دعوة ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له". ورواه الترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة"، من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد ، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد -عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا بدعاء يونس، استجيب له". قال أبو سعيد: يريد به {وكذلك ننجي المؤمنين} . وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص-يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى". قال: قلت : يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله عز وجل: {: فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} . فهو شرط من الله لمن دعاه به" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد، اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي، أما تقرأ القرآن؟ قول الله: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا} إلى قوله: {المؤمنين} ، ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } .
يخبر تعالى عن عبده زكريا، حين طلب أن يهبه الله ولدا، يكون من بعده نبيا. وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة "مريم" وفي سورة "آل عمران" أيضا، وهاهنا أخصر منهما؛ {إذ نادى ربه} أي: خفية عن قومه: {رب لا تذرني فردا} أي: لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس، {وأنت خير الوارثين} دعاء وثناء مناسب للمسألة. قال الله تعالى: {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} أي: امرأته. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: كانت عاقرا لا تلد، فولدت. وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: كان في لسانها طول فأصلحها الله. وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله. وهكذا قال محمد بن كعب، والسدي. والأظهر من السياق الأول. وقوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي: في عمل القربات وفعل الطاعات، {ويدعوننا رغبا ورهبا} قال الثوري: {رغبا} فيما عندنا، {ورهبا} مما عندنا، {وكانوا لنا خاشعين} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد: مؤمنين حقا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبدا. وعن مجاهد أيضا {خاشعين} أي: متواضعين. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: {خاشعين} أي: متذللين لله عز وجل. وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله القرشي، عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر، رضي الله عنه، ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} . {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين } . هكذا قرن تعالى قصة مريم وابنها عيسى، عليه السلام، بقصة زكريا وابنه يحيى، عليهما السلام، فيذكر أولا قصة زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك موطئة لهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر. هكذا وقع في سورة "آل عمران"، وفي سورة "مريم"، وهاهنا ذكر قصة زكريا، ثم أتبعها بقصة مريم، فقوله: {والتي أحصنت فرجها} يعني: مريم، عليها السلام، كما قال في سورة التحريم: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم:12] . وقوله: {وجعلناها وابنها آية للعالمين} أي: دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس:82] . وهذا كقوله: {ولنجعله آية للناس} [مريم:21] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن شبيب -يعني ابن بشر -عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {للعالمين} قال: العالمين: الجن والأنس. {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون } . قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} يقول: دينكم دين واحد.
وقال الحسن البصري؛ في هذه الآية: بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي: سنتكم سنة واحدة. فقوله: {إن هذه} إن واسمها، و {أمتكم} خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: {أمة واحدة} نصب على الحال؛ ولهذا قال: {وأنا ربكم فاعبدون} ، كما قال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون:51، 52] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد"، يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة:48] . وقوله: {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مصدق لهم ومكذب؛ ولهذا قال: {كل إلينا راجعون} أي: يوم القيامة، فيجازى كل بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} أي: قلبه مصدق، وعمل عملا صالحا، {فلا كفران لسعيه} ، كقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف:30] أي: لا يكفر سعيه، وهو عمله، بل يشكر، فلا يظلم مثقال ذرة؛ ولهذا قال: {وإنا له كاتبون} أي: يكتب جميع عمله، فلا يضيع عليه منه شيء. {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } . يقول تعالى: {وحرام على قرية} قال ابن عباس: وجب، يعني: قدرا مقدرا أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة. هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: {أنهم لا يرجعون} أي: لا يتوبون. والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} : قد قدمنا أنهم من سلالة آدم، عليه السلام، بل هم من نسل نوح أيضا من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم، تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين. وقال: {هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا. وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا} [الكهف:98، 99] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم، كأن السامع مشاهد لذلك، {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر:14] : هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض، لا إله إلا هو. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض، يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج . وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية:
فالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون كما قال الله عز وجل": { [وهم] من كل حدب ينسلون} ، فيغشون الناس، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى أن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسا، حتى أن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول : قد كان هاهنا ماء مرة حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء. قال: "ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مختضبة دما؛ للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك إذ بعث الله عز وجل دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو؟ " قال: "فيتجرد رجل منهم محتسبا نفسه، قد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين، ألا أبشروا، إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط. ورواه ابن ماجه، من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، به . الحديث الثاني: قال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي -قاضي حمص-حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، [فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل] . فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم: إنه شاب جعد قطط عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وشمالا يا عباد الله اثبتوا". قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله، فذاك اليوم الذي هو كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: "لا اقدروا له قدره". قلنا: يا رسول الله، فما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح". قال: "فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذرى، وأمده خواصر، وأسبغه ضروعا. ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم، فيصبحون ممحلين، ليس لهم من أموالهم. ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل". قال: "ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه [يتهلل وجهه] . فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله عز وجل المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه، فيقتله عند باب لد الشرقي". قال: "فبينما هم كذلك، إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم: أني قد أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحوز عبادي إلى الطور، فيبعث الله عز وجل يأجوج ومأجوج، وهم كما قال الله: {من كل حدب ينسلون} فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل الله عليهم نغفا في رقابهم، فيصبحون فرسى، كموت نفس واحدة. فيهبط عيسى وأصحابه، فلا يجدون في الأرض بيتا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله".
قال ابن جابر فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي ، عن كعب -أو غيره- قال: فتطرحهم بالمهبل. [قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد، وأين المهبل؟] ، قال: مطلع الشمس. قال: "ويرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوما، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك". قال: "فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت". قال: "فبينما هم على ذلك ، إذ بعث الله عز وجل ريحا طيبة تحت آباطهم، فتقبض روح كل مسلم -أو قال: كل مؤمن-ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم تقوم الساعة". انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، فرواه مع بقية أهل السنن من طرق، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به وقال الترمذي: حسن صحيح. الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، عن ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون: "لا عدو ، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا، حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة" . وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله . الحديث الرابع: قد تقدم في تفسير آخر سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد، عن هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، عليهم السلام، قال: فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها . فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها . فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيها عهد إلي ربي أن الدجال خارج". قال: "ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص" قال: "فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا، فتعال فاقتله". قال: "فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم". قال: "فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه". قال: "ثم يرجع الناس إلي يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر. ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارا". ورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، به ، نحوه وزاد: "قال العوام، ووجد تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} . ورواه ابن جرير هاهنا من حديث جبلة، به . والأحاديث في هذا كثيرة جدا، والآثار عن السلف كذلك.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الصيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجيء غدا فنخرج، فيعيده الله كما كان. فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدا فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا. فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة، فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون : قد كان هاهنا مرة ماء، ويفر الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء. ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء. فيدعو عليهم عيسى ابن مريم، عليه السلام، فيقول: "اللهم، لا طاقة ولا يدين لنا بهم، فاكفناهم بما شئت"، فيسلط الله عليهم دودا يقال له: النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينا يقال لها: "الحياة" يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن". قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت -قال: "فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده. قال: فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة، أو بين السبعمائة والثمانمائة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحا يمانية طيبة، فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينتظرها متى تضع؟ قال كعب: فمن تكلف بعد قولي هذا شيئا -أو بعد علمي هذا شيئا-فهو المتكلف . هذا من أحسن سياقات كعب الأحبار، لما شهد له من صحيح الأخبار. وقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج". انفرد بإخراجه البخاري . وقوله: {واقترب الوعد الحق} يعني: يوم القيامة، إذا وجدت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت، فإذا كانت ووقعت قال الكافرون: {هذا يوم عسر} [القمر:8] . ولهذا قال تعالى: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} أي: من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام: {يا ويلنا} أي: يقولون: {يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا} أي: في الدنيا، {بل كنا ظالمين} ، يعترفون بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك. {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } . {لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون } . يقول تعالى مخاطبا لأهل مكة من مشركي قريش، ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} ، قال ابن عباس: أي وقودها، يعني كقوله: {وقودها الناس والحجارة} [التحريم:6] . وقال ابن عباس أيضا: {حصب جهنم} بمعنى: شجر جهنم. وفي رواية قال: {حصب جهنم} يعني: حطب جهنم، بالزنجية. وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: حطبها. وهي كذلك في قراءة علي وعائشة -رضي الله عنهما. وقال الضحاك: {حصب جهنم} أي: ما يرمى به فيها. وكذا قال غيره. والجميع قريب. وقوله: {أنتم لها واردون} أي: داخلون. {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} يعني: لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهة صحيحة لما وردوا النار، ولما دخلوها، {وكل فيها خالدون} أي: العابدون ومعبوداتهم، كلهم فيها خالدون، {لهم فيها زفير} ، كما قال: {لهم فيها زفير وشهيق} [هود: 106] ، والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم، {وهم فيها لا يسمعون} .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عبد الرحمن -يعني: المسعودي-عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: {لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} . ورواه ابن جرير، من حديث حجاج بن محمد، عن المسعودي، عن يونس بن خباب ، عن ابن مسعود فذكره. وقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} : قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره: السعادة، {أولئك عنها مبعدون} لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله ، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] : وقال {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن:60] ، فكما أحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله مآلهم وثوابهم، فنجاهم من العذاب، وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: {أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها} أي: حريقها في الأجساد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، عن الجريري ، عن أبي عثمان: {لا يسمعون حسيسها} ، قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس حس. وقوله: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال -وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم -أو قال: سعد منهم-قال: وأقيمت الصلاة فقام، وأظنه يجر ثوبه، وهو يقول: {لا يسمعون حسيسها} . وقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا يقول في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال: عثمان وأصحابه. ورواه ابن أبي حاتم أيضا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد -وليس بابن ماهك-عن محمد بن حاطب، عن علي، فذكره ولفظه: عثمان منهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} : فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيا. فهذا مطابق لما ذكرناه، وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} ، ثم استثنى فقال: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} فيقال : هم الملائكة، وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله عز وجل. وكذا قال عكرمة، والحسن، وابن جريج . وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال: نزلت في عيسى ابن مريم وعزير، عليهما السلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن علي في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أولئك عنها مبعدون} ، قال: عيسى، وعزير، والملائكة. وقال الضحاك: عيسى، ومريم، والملائكة، والشمس، والقمر. وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي صالح وغير واحد.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا غريبا جدا، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخاني، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سليم، عن مغيث، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} قال: عيسى، وعزير، والملائكة . وذكر بعضهم قصة ابن الزبعرى ومناظرة المشركين، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم -يعني: ابن أبان-عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} ، فقال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة، وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} ، ثم نزلت: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} . رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه "الأحاديث المختارة". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان -يعني: الثوري-عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} قال المشركون: فالملائكة ،عزير، وعيسى يعبدون من دون الله؟ فنزلت: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} ، الآلهة التي يعبدون، {وكل فيها خالدون} . وروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فنزلت: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} . وقال [الإمام] محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله، في كتاب "السيرة": وجلس رسول الله -فيما بلغني-يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} إلى قوله: {وهم فيها لا يسمعون} ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا ولا قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس، من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته. وأنزل الله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} أي: عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله. ونزل فيما يذكرون، أنهم يعبدون الملائكة، وأنهم بنات الله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} إلى قوله: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء:26 -29] ، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون. وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها} [الزخرف:57 -61] أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: {فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم} [الزخرف:61] . وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعا وتوبيخا لعابديها؛ ولهذا قال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} فكيف يورد على هذا المسيح والعزير ونحوهما، ممن له عمل صالح، ولم يرض بعبادة من عبده. وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن "ما" لما لا يعقل عند العرب. وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين. وكان يهاجي المسلمين أولا ثم قال معتذرا: يا رسول المليك، إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور وقوله: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قيل المراد بذلك الموت. رواه عبد الرزاق، عن يحيى بن ربيعة عن عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور. قاله العوفي عن ابن عباس، وأبو سنان سعيد ابن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره. وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قاله الحسن البصري. وقيل: حين تطبق النار على أهلها. قاله سعيد بن جبير، وابن جريج. وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار. قاله أبو بكر الهذلي ، فيما رواه ابن أبي حاتم، عنه. وقوله: {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} ، يعني: تقول لهم الملائكة، تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} أي: قابلوا ما يسركم. {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } . يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة، {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} كما قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السموات بيمينه" . انفرد به من هذا الوجه البخاري، رحمه الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي الواصل ، عن أبي المليح الأزدي ، عن أبي الجوزاء الأزدي، عن ابن عباس قال: يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة. وقوله: {كطي السجل للكتب} ، قيل: المراد بالسجل [الكتاب. وقيل: المراد بالسجل] هاهنا: ملك من الملائكة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، قال: السجل: ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورا. وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان، به. قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك. وقال السدي في هذه الآية: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه، ورفعه إلى يوم القيامة. وقيل: المراد به اسم رجل صحابي، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: [ {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} ] ، قال: السجل: هو الرجل. قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب -هو العوذي-عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة بن سعيد ، عن نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم . ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي، كما تقدم. ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى السجل وهو قوله: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، قال: كما يطوي السجل الكتاب، كذلك نطوي السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ . وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي، أن حمدان بن سعيد حدثهم، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: السجل: كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم . وهذا منكر جدا من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس، من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود-منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي، فسح الله في عمره، ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة ، ولله الحمد. وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث، ورده أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا، فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره، والله أعلم. والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة والعوفي، عنه. ونص على ذلك مجاهد، وقتادة، وغير واحد. واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} أي: على [هذا] الكتاب، بمعنى المكتوب، كقوله: {فلما أسلما وتله للجبين} [الصافات:103] ، أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم. وقوله: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} يعني: هذا كائن لا محالة، يوم يعيد الله الخلائق خلقا جديدا، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم ، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك. ولهذا قال: {إنا كنا فاعلين} .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر المعنى ، قالا : حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين"؛ وذكر تمام الحديث، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة. ورواه البخاري عند هذه الآية في كتابه . وقد روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو ذلك. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {كما بدأنا أول خلق نعيده} قال: نهلك كل شيء، كما كان أول مرة. {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . يقول تعالى مخبرا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين، من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف:128] . وقال: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51] . وقال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم [وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا] } ،الآية [النور:55] .وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} ، قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} فقال الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن . وقال مجاهد: الزبور: الكتاب. وقال ابن عباس، والشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر: التوراة، وعن ابن عباس: الزبور: القرآن. وقال سعيد بن جبير: الذكر: الذي في السماء. وقال مجاهد: الزبور: الكتب بعد الذكر، والذكر: أم الكتاب عند الله. واختار ذلك ابن جرير رحمه الله ، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول. وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي نزلت على الأنبياء، والذكر: أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. وقال مجاهد، عن ابن عباس: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: أرض الجنة. وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، والسدي، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والثوري [رحمهم الله تعالى] . وقوله: {إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين} أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم لبلاغا: لمنفعة وكفاية لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم. وقوله [تعالى] : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} : يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 28، 29] ، وقال الله تعالى في صفة القرآن: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] . وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن ابن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة". انفرد بإخراجه مسلم .
وفي الحديث الآخر: "إنما أنا رحمة مهداة". رواه عبد الله بن أبي عرابة، وغيره، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا . قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع، فلم يذكر أبا هريرة . وكذا قال البخاري، وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: كان عند حفص بن غياث مرسلا. قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سعير بن الخمس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا . ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مهداة". ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر ، عن سعيد بن خالد، عن رجل، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين" . قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتابا بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن صالح التمار، عن ابن [شهاب] عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم [مكة] منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش، إن محمدا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو تقاربوه ، فإنه كالأسد الضاري؛ إنه حنق عليكم؛ لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم ، والله إن له لسحرة، ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشيطان، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة -يعني: الأوس والخزرج-لهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم، والله ما رأيت أحدا أصدق لسانا، ولا أصدق موعدا، من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه. قال [أبو سفيان] بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه، إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم خير كنابة، أو تخرجوا محمدا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدا مطرودا، وأما [ابنا قيلة فوالله ما هما] وأهل [دهلك] في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم، وقال: سأمنح جانبا مني غليظا على ما كان من قرب وبعد رجال الخزرجية أهل ذل إذا ما كان هزل بعد جد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحي الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" . وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحا. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حذيفة إلى سلمان فقال سلمان: يا حذيفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [كان يغضب فيقول، ويرضى فيقول: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] خطب فقال: "أيما رجل من أمتي سببته [سبة] في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة". ورواه أبو داود، عن أحمد بن يونس، عن زائدة .
فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق، عن المسعودي، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قال: من آمن بالله واليوم الآخر، كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث المسعودي، عن أبي سعد -وهو سعيد بن المرزبان البقال-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم. وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن عيسى بن يونس الرملي، عن أيوب ابن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والقذف . {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } . يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقول للمشركين: {إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له. {فإن تولوا} أي: تركوا ما دعوتهم إليه، {فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] . وقال {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] : ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا هاهنا، {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني؛ لعلمي بذلك. وقوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك، على القليل والجليل. وقوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين. قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم، ومتاع إلى أجل مسمى . وحكاه عون، عن ابن عباس، والله أعلم. {قال رب احكم بالحق} أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كان الأنبياء، عليهم السلام، يقولون: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: {رب احكم بالحق} . وقوله: {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك . تفسير سورة الحج [وهي مكية] . بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } .
يقول تعالى آمرا عباده بتقواه، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها. وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة؟ أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ كما قال تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة: 1، 2] ، وقال تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة} [الحاقة: 14، 15] ، وقال تعالى: {إذا رجت الأرض رجا. وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثا} [الواقعة: 4 -6] . فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ، قال: قبل الساعة. ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره. قال: وروي عن الشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، نحو ذلك. وقال أبو كدينة، عن عطاء، عن عامر الشعبي: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} الآية، قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة. وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل ابن رافع قاضي أهل المدينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: "قرن" قال: فكيف هو؟ قال: "قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع. فيفزع أهل السموات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] فيسير الله الجبال، فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله تعالى: {يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة} [النازعات: 6 -8] ، فتكون الأرض، كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح. فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل. ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: {يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 32، 33] فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك" قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [النمل: 87] ؟ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} . وهذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولا جدا. والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم.
وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال، كائن يوم القيامة في العرصات، بعد القيامة من القبور. واختار ذلك ابن جرير. واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران [ابن] حصين؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشهوا حوله قال: " أتدرون أي يوم ذاك؟ يوم ينادى آدم، عليه السلام، فيناديه ربه عز وجل، فيقول: يا آدم، ابعث بعثك إلى النار فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة". قال فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: "أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس" قال: فسري عنهم، ثم قال: اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة في ذراع الدابة". وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، عن محمد بن بشار، عن يحيى -وهو القطان-عن هشام-وهو الدستوائي-عن قتادة، به بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. طريق أخرى لهذا الحديث: قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} إلى قوله: {ولكن عذاب الله شديد} ، قال: أنزلت عليه هذه، وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية" قال: "فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" فكبروا ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا، قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟ وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة ، ثم قال الترمذي أيضا: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن سعيد بن أبي عروبة عن الحسن، عن عمران بن الحصين. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي، عن عمران بن الحصين ، فذكره. وهكذا روى ابن جرير عن بندار، عن غندر، عن عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} وذكر الحديث ، فذكر نحو سياق ابن جدعان، فالله أعلم. الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع، حدثنا أبو سفيان -[يعني] المعمري-عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: نزلت: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} وذكر -يعني: نحو سياق الحسن عن عمران-غير أنه قال: "ومن هلك من كفرة الجن والإنس". رواه ابن جرير بطوله، من حديث معمر .
الحديث الثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني: ابن العوام-حدثنا هلال بن خباب ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فذكر نحوه، وقال فيه: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" ففرحوا، وزاد أيضا: "وإنما أنتم جزء من ألف جزء" . الحديث الرابع: قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أراه قال-تسعمائة وتسعة وتسعين . فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة". فكبرنا، ثم قال: "ثلث أهل الجنة". فكبرنا، ثم قال: "شطر أهل الجنة" فكبرنا . وقد رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع، ومسلم، والنسائي في تفسيره، من طرق، عن الأعمش، به . الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثنا عمار بن محمد -ابن أخت سفيان الثوري-وعبيدة المعنى، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث يوم القيامة مناديا [ينادي] : يا آدم، إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا رب، من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعين". فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال : "هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير" . انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد. الحديث السادس: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا ابن أبي مليكة؛ أن القاسم بن محمد أخبره، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا". قالت عائشة: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك". أخرجاه في الصحيحين . الحديث السابع: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: "يا عائشة، أما عند ثلاث فلا أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف، فلا. وأما عند تطاير الكتب فإما يعطى بيمينه أو يعطى بشماله، فلا. وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد" قال: "فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب، سلم، سلم. فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه " . والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا، لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} أي: أمر كبير، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب. والزلزال : هو ما يحصل للنفوس من الفزع، والرعب كما قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] .
ثم قال تعالى: {يوم ترونها} : هذا من باب ضمير الشأن؛ ولهذا قال مفسرا له: {تذهل كل مرضعة عما أرضعت} أي: تشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه، تدهش عنه في حال إرضاعها له؛ ولهذا قال: {كل مرضعة} ، ولم يقل: "مرضع" وقال: {عما أرضعت} أي: عن رضيعها قبل فطامه. وقوله: {وتضع كل ذات حمل حملها} أي: قبل تمامه لشدة الهول، {وترى الناس سكارى} وقرئ: "سكرى" أي: من شدة الأمر الذي [قد] صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى، {وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} . {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } . يقول تعالى ذاما لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد، من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} ، أي: علم صحيح، {ويتبع كل شيطان. مريد كتب عليه} قال مجاهد: يعني الشيطان، يعني: كتب عليه كتابة قدرية {أنه من تولاه} أي: اتبعه وقلده، {فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} أي: يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المزعج المقلق. وقد قال السدي، عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث. وكذلك قال ابن جريج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سلم البصري، حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة، حدثنا المعمر ، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة -والقعقعة في كلام العرب: الرعد-فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد، أخبرنا عن ربك: من أي شيء هو؟ من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته. {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } . {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } .
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?