İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وفي الصحيحين، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن" الحديث . وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه. وقوله: {مثل نوره} في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه عائد إلى الله، عز وجل، أي: مثل هداه في قلب المؤمن، قاله ابن عباس {كمشكاة} . والثاني: أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام: تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه، كمشكاة. فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] ، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل، الذي لا كدر فيه ولا انحراف. فقوله : {كمشكاة} : قال ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور؛ ولهذا قال بعده: {فيها مصباح} ، وهو الذبالة التي تضيء. وقال العوفي، عن ابن عباس [في] قوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} : وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: {الله نور السموات والأرض مثل نوره} . والمشكاة: كوة في البيت -قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته . فسمى الله طاعته نورا، ثم سماها أنواعا شتى. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الكوة بلغة الحبشة. وزاد غيره فقال: المشكاة: الكوة التي لا منفذ لها. وعن مجاهد: المشكاة: الحدائد التي يعلق بها القنديل. والقول الأول أولى، وهو: أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل؛ ولهذا قال: {فيها مصباح} وهو النور الذي في الذبالة. قال أبي بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره. وقال السدي: هو السراج. {المصباح في زجاجة} أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية. قال أبي بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن. {الزجاجة كأنها كوكب دري} : قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة، من الدر، أي: كأنها كوكب من در. وقرأ آخرون: "دريء" و"دريء" بكسر الدال وضمها مع الهمز، من الدرء وهو الدفع؛ وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري. قال أبي بن كعب: كوكب مضيء. وقال قتادة: مضيء مبين ضخم. {يوقد من شجرة مباركة} أي: يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة {زيتونة} بدل أو عطف بيان {لا شرقية ولا غربية} أي: ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربيها فيتقلص عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط، تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجيء زيتها معتدلا صافيا مشرقا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: شجرة بالصحراء، لا يظلها جبل ولا شجر ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها. وقال يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن حدير، عن عكرمة، في قوله: {لا شرقية ولا غربية} قال: هي بصحراء، وذلك أصفى لزينتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ، عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة -وسأله رجل عن: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال تلك [زيتونة] بأرض فلاة، إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها، وإذا غربت غربت عليها فذاك أصفى ما يكون من الزيت.
وقال مجاهد في قوله: { [زيتونة] لا شرقية ولا غربية} قال: ليست بشرقية، لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، [ولكنها شرقية وغربية، تصيبها إذا طلعت] وإذا غربت. وقال سعيد بن جبير في قوله {زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء} قال: هو أجود الزيت. قال: إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. وقال السدي [في] قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق، ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل، أو في صحراء، تصيبها الشمس النهار كله. وقيل: المراد بقوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} أنها في وسط الشجر، وليست بادية للمشرق ولا للمغرب. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله تعالى: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت. قال: فكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فيثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: هي وسط الشجر، لا تصيبها الشمس شرقا ولا غربا. وقال عطية العوفي: {لا شرقية ولا غربية} قال: هي شجرة في موضع من الشجر، يرى ظل ثمرها في ورقها، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية. وقال محمد بن كعب القرظي: {لا شرقية ولا غربية} قال: هي القبلية. وقال زيد بن أسلم: {لا شرقية ولا غربية} قال: الشام. وقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله لنوره. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {توقد من شجرة مباركة} قال: رجل صالح {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: لا يهودي ولا نصراني. وأولى هذه الأقوال القول الأول، وهو أنها في مستوى من الأرض، في مكان فسيح بارز ظاهر ضاح للشمس، تفرعه من أول النهار إلى آخره، ليكون ذلك أصفى لزينتها وألطف، كما قال غير واحد ممن تقدم؛ ولهذا قال: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لضوء إشراق الزيت. وقوله: {نور على نور} قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك إيمان العبد وعمله. وقال مجاهد، والسدي: يعني نور النار ونور الزيت. وقال أبي بن كعب: {نور على نور} فهو يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} قال: يكاد محمد يبين للناس، وإن لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء. وقال السدي في قوله: {نور على نور} قال: نور النار ونور الزيت، حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه [كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه] وقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله [بن] الديلمي، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصاب يومئذ من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل. فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل" طريق أخرى عنه: قال البزار: حدثنا أيوب بن سويد، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم نورا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل. [ورواه البزار، عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر، بلفظه وحروفه] . وقوله تعالى: {ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن، ختم الآية بقوله: {ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر: حدثنا أبو معاوية -يعني شيبان -، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح: فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس فقلب [المنافق] عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه". إسناده جيد ولم يخرجوه. {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال } {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب } لما ضرب الله تعالى [مثل] قلب المؤمن، وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد، التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال: {في بيوت أذن الله أن ترفع} أي: أمر الله تعالى برفعها، أي: بتطهيرها من الدنس واللغو، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: {في بيوت أذن الله أن ترفع} قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها. وكذا قال عكرمة، وأبو صالح، والضحاك، ونافع بن جبير، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين، وغيرهم من علماء المفسرين. وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله، سبحانه، ببنائها ورفعها، وأمر بعمارتها وتطهيرها. وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: إن في التوراة مكتوبا: " ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد، واحترامها وتوقيرها، وتطييبها وتبخيرها. وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة، ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفا من ذلك، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان: فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة". أخرجاه في الصحيحين . وروى ابن ماجه، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتا في الجنة" .
وللنسائي عن عمرو بن عبسة مثله . والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب . رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي. ولأحمد وأبي داود، عن سمرة بن جندب نحوه. وقال البخاري: قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وروى ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم". وفي إسناده ضعف. وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرت بتشييد المساجد". قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد". رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له". رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن ، وقال الترمذي: حسن. وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه سلم: قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا رد الله عليك". رواه الترمذي، وقال: حسن غريب. وقد روى ابن ماجه وغيره، من حديث ابن عمر مرفوعا، قال: "خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء: ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقا" . وعن واثلة بن الأسقع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع". ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف. أما أنه "لا يتخذ طريقا" فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه. وفي الأثر: "إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه". وأما أنه "لا يشهر فيه بسلاح . ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل . فلما يخشى من إصابة بعض الناس به، لكثرة المصلين فيه؛ ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر أحد بسهام أن يقبض على نصالها؛ لئلا يؤذي أحدا، كما ثبت في الصحيح . وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه، فلما يخشى من تقاطر الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث. وأما أنه "لا يضرب فيه حد ولا يقتص"، فلما يخشى من إيجاد نجاسة فيه من المضروب أو المقطوع. وأما أنه "لا يتخذ سوقا"، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها". ثم أمر بسجل من ماء، فأهريق على بوله . وفي الحديث الثاني: "جنبوا مساجدكم صبيانكم"، وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ، ضربهم بالمخفقة -وهي الدرة -وكان يعس المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحدا. "ومجانينكم" يعني: لأجل ضعف عقولهم، وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد، ونحو ذلك. "وبيعكم وشراءكم" كما تقدم.
"وخصوماتكم" يعني: التحاكم والحكم فيه؛ ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد، بل يكون في موضع غيره؛ لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه؛ ولهذا قال بعده: "ورفع أصواتكم". وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين. فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما: ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟ وهذا أيضا صحيح. وقوله: "وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم": تقدما. وقوله: "واتخذوا على أبوابها المطاهر" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون، ويتوضؤون وغير ذلك. وقوله: "وجمروها في الجمع" يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ. وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر؛ أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا. وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" وعند الدارقطني مرفوعا: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" . وفي السنن: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" . والمستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم" [قال: أقط؟ قال: نعم] . قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم . وروى مسلم بسنده عن أبي حميد -أو: أبي أسيد -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". ورواه النسائي عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم [مثله] . وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم". ورواه ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن حسن . عن أمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال:"اللهم، اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال: "اللهم، اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".
ورواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل؛ لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى. فهذا الذي ذكرناه، مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك لحال الطول . كله داخل في قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} . وقوله: {ويذكر فيها اسمه} أي: اسم الله، كقوله: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] ، وقوله {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف: 29] ، وقوله {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] . قال ابن عباس: {ويذكر فيها اسمه} يعني: يتلى فيها كتابه. وقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} أي: في البكرات والعشيات. والآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده. وكذا قال الحسن، والضحاك: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} يعني: الصلاة. ومن قرأ من القرأة " يسبح له فيها بالغدو والآصال" -بفتح الباء من "يسبح" على أنه مبني لما لم يسم فاعله -وقف على قوله: {والآصال} وقفا تاما، وابتدأ بقوله: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} وكأنه مفسر للفاعل المحذوف، كما قال الشاعر . ليبك يزيد، ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه. وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ: {يسبح} -بكسر الباء -فجعله فعلا وفاعله: {رجال} فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام. فقوله: {رجال} فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عمارا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23] . فأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أبو داود، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة -رضي الله عنها، -عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير مساجد النساء [قعر] بيوتهن" . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أم حميد -امرأة أبي حميد الساعدي -أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي". قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله، عز وجل. لم يخرجوه. هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال، بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" . رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: "وبيوتهن خير لهن" وفي رواية: "وليخرجن وهن تفلات" أي: لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم، عن زينب -امرأة ابن مسعود -قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا" .
وفي الصحيحين عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس . وفي الصحيحين أيضا عنها أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل . وقوله: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} ، كقوله {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] ، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الجمعة: 9] يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وريحها، عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق؛ ولهذا قال: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم. قال هشيم: عن سيار : [قال] حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق، حيث نودي بالصلاة، تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد رب قال: قال أبو الدرداء، رضي الله عنه: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: "إن ذلك ليس بحلال" ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} ثم قال: هم هؤلاء. وكذا قال سعيد بن أبي الحسن، والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه، وأقبل إلى الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} يقول: عن الصلاة المكتوبة. وكذا قال الربيع بن أنس ومقاتل بن حيان. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وعن مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها، وما استحفظهم الله فيها. وقوله: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} أي: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدة الفزع وعظمة الأهوال، كما قال تعالى {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر: 18] ، وقال تعالى: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} [الإنسان: 8-12] . وقال هاهنا {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} أي: هؤلاء من الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.
وقوله: {ويزيدهم من فضله} أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم، كما قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] ، وقال تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] ، وقال {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] ، وقال {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] كما قال هاهنا: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} . وعن ابن مسعود: أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا، فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما، فتناوله ابن مسعود وكان مفطرا فشربه، ثم تلا قوله تعالى {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} ، رواه النسائي، وابن أبي حاتم، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه . وقال [ابن أبي حاتم] أيضا: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فيقومون، وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق" . وروى الطبراني، من حديث بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} [فاطر: 30] قال: {أجورهم} يدخلهم الجنة {، ويزيدهم من فضله} ، الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة، لمن صنع لهم المعروف في الدنيا . {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول "البقرة" مثلين ناريا ومائيا، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة "الرعد" مثلين مائيا وناريا، وقد تكلمنا على كل منها في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين: فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام. والقيعة: جمع قاع، كجار وجيرة. والقاع أيضا: واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران. وهي: الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار. وأما الآل فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء، حسبه ماء فقصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه {لم يجده شيئا} ، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل، إما لعدم الإخلاص، وإما لعدم سلوك الشرع، كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] . وقال هاهنا: {ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} . وهكذا روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغير واحد. وفي الصحيحين : أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: أي ربنا، عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فينطلقون فيتهافتون فيها .
وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب. فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر، الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي} : قال قتادة: وهو العميق. {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها} أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب، ولا [هو] يعرف حال من يقوده، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري. وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] ، وكقوله : {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 23] . وقال أبي بن كعب في قوله: {ظلمات بعضها فوق بعض} فهو يتقلب في خمسة من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، إلى النار. وقال الربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك أيضا. وقوله: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له} [الأعراف: 186] وهذا [في] مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: {يهدي الله لنوره من يشاء} فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا، وعن أيماننا نورا، وعن شمائلنا نورا، وأن يعظم لنا نورا. {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير } يخبر تعالى أنه يسبحه من في السموات والأرض، أي: من الملائكة والأناسي، والجان والحيوان، حتى الجماد، كما قال تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44] . وقوله: {والطير صافات} أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة؛ ولهذا قال: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} أي: كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله، عز وجل. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء؛ ولهذا قال: {والله عليم بما يفعلون} . ثم أخبر تعالى: أن له ملك السموات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الذي لا معقب لحكمه، وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له. {وإلى الله المصير} أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء؛ {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] ، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والآخرة؟!. {ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار } {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } يذكر تعالى أنه بقدرته يسوق السحاب أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء {ثم يؤلف بينه} أي: يجمعه بعد تفرقه، {ثم يجعله ركاما} أي: متراكما، أي: يركب بعضه بعضا، {فترى الودق} أي المطر {يخرج من خلاله} أي: من خلله. وكذا قرأها ابن عباس والضحاك. قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث [الله] اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله.
وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} : قال بعض النحاة: "من" الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: للتبعيض، والثالثة: لبيان الجنس. وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى أن قوله: {من جبال فيها من برد} ومعناه: أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد. وأما من جعل الجبال ههنا عبارة عن السحاب، فإن "من" الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضا، لكنها بدل من الأولى، والله أعلم. وقوله: {فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} يحتمل أن يكون المراد بقوله: {فيصيب به} أي: بما ينزل من السماء من نوعي البرد والمطر فيكون قوله: {فيصيب به من يشاء} رحمة لهم، {ويصرفه عن من يشاء} أي: يؤخر عنهم الغيث. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فيصيب به} أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم. ويصرفه عمن يشاء [أي:] رحمة بهم. وقوله: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته. وقوله {يقلب الله الليل والنهار} أي: يتصرف فيهما، فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا. والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه. {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي: لدليلا على عظمته تعالى، كما قال الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] . وما بعدها من الآيات الكريمات. {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير } . يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه أنواع [المخلوقات] . على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، من ماء واحد، {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحية وما شاكلها، {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنسان والطير، {ومنهم من يمشي على أربع} كالأنعام وسائر الحيوانات؛ ولهذا قال: {يخلق الله ما يشاء} أي: بقدرته؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا قال: {إن الله على كل شيء قدير} . {لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } . يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال البينة المحكمة، كثيرا جدا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى؛ ولهذا قال: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولا بألسنتهم: {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك} أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون؛ ولهذا قال تعالى: {وما أولئك بالمؤمنين} . وقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه كقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 60، 61] .
وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا: "من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له" . وقوله: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} ، أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله: {مذعنين} وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ثم. فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه؛ ولهذا لما خالف الحق قصده، عدل عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى: {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم. وأيا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات. وقوله: {بل أولئك هم الظالمون} أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محق أذعن، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق. وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض، وقال: أنطلق إلى فلان. فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان بينه وبين أخيه شيء، فدعي إلى حكم من حكام المسلمين فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له" . وهذا حديث غريب، وهو مرسل. ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} أي: سمعا وطاعة؛ ولهذا وصفهم تعالى بفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال: {وأولئك هم المفلحون} . وقال قتادة في هذه الآية: {أن يقولوا سمعنا وأطعنا} ذكر لنا أن عبادة بن الصامت -وكان عقبيا بدريا، أحد نقباء الأنصار -أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك. وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وألا تنازع الأمر أهله، إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله. وقال قتادة: وذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله، وللخليفة وللمؤمنين عامة. قال: وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين. رواه ابن أبي حاتم، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله [وسنة رسوله، وللخلفاء الراشدين، والأئمة إذا أمروا بطاعة الله] كثيرة جدا، أكثر من أن تحصر في هذا المكان. وقوله {ومن يطع الله ورسوله} أي: فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه، {ويخش الله} فيما مضى من ذنوبه، {ويتقه} فيما يستقبل. وقوله {فأولئك هم الفائزون} يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون } {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق، الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم لئن أمرهم بالخروج [في الغزو] قال الله تعالى: {قل لا تقسموا} أي: لا تحلفوا.
وقوله: {طاعة معروفة} قيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي: قد علمت طاعتكم، إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] ، وقال تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} [المنافقون: 2] ، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} [الحشر: 11، 12] وقيل: المعنى في قوله: {طاعة معروفة} أي: ليكن أمركم طاعة معروفة، أي: بالمعروف من غير حلف ولا إقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم. {إن الله خبير بما تعملون} أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة -والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق -فالخالق، تعالى، يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله. وقوله: {فإن تولوا} أي: تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به، {فإنما عليه ما حمل} أي: إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، {وعليكم ما حملتم} أي: من ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه، {وإن تطيعوه تهتدوا} ، وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم {صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 53] . وقوله: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} كقوله: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، وقوله {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] . وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له: شعياء -أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي. فقام فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنا ويدبر أمرا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار في الصحاري، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميا من الأميين، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه. أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيما من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين بما جاءت به رسلي. رواه ابن أبي حاتم . {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }
هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم . بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك. وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس -وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمة، رحمه الله وأكرمه. ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلم شعث ما وهى عند موته، عليه الصلاة والسلام وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد، رضي الله عنه، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها. وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة، رضي الله عنه، ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص، رضي الله عنه، إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة. ومن على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن استخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء [عليهم السلام] على مثله، في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما كانت الدولة العثمانية، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية. وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا". ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عني فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "كلهم من قريش". ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر
وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، يلون فيعدلون. وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكون متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا، وقد وجد منهم أربعة على الولاء، وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم. ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم ما شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في وقت يعلمه الله. ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن جمهان، عن سفينة -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا عضوضا" . وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} الآية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من أصحابه قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا [فيه] السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة". وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله، عز وجل، قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، فأدخل [الله] عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا، فغير بهم. وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، حق في كتابه، ثم تلا هذه الآية. وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية، ونحن في خوف شديد. وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [الأنفال: 26] . وقوله: {كما استخلف الذين من قبلهم} كما قال تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه قال لقومه: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] ، وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 5، 6] . وقوله: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم، حين وفد عليه: "أتعرف الحيرة؟ " قال : لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب" . وقوله: {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: "يا معاذ"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل "، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. [ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك"] . قال: "هل تدري ما حق الله على العباد"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " [فإن] حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا". قال: ثم سار ساعة. ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم". أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة . وقوله: {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فسق عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبا عظيما. فالصحابة، رضي الله عنهم، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم لله -كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى اليوم القيامة" وفي رواية: "حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك ". وفي رواية: "حتى يقاتلوا الدجال". وفي رواية: "حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون". وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها. {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير } . يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين للرسول، صلوات الله وسلامه عليه، أي: سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك. ولا شك أن من فعل ذلك أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أولئك سيرحمهم الله} [التوبة: 71] . وقوله {لا تحسبن} أي: [لا تظن] يا محمد {الذين كفروا} أي: خالفوك وكذبوك، {معجزين في الأرض} أي: لا يعجزون الله، بل الله قادر عليهم، وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب؛ ولهذا قال: {ومأواهم} أي: في الدار الآخرة {النار ولبئس المصير} أي: بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد. {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم }
هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض. وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض. فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال: الأول من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نياما في فرشهم {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله، {ومن بعد صلاة العشاء} لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال ألا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله، ونحو ذلك من الأعمال؛ ولهذا قال: {ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم {طوافون} عليكم، أي: في الخدمة وغير ذلك، ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم؛ ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: "إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم -أو -والطوافات" . ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلا جدا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم [منكم ثلاث مرات] } إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8] ، والآية التي في الحجرات: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] وروي أيضا من حديث إسماعيل بن مسلم -وهو ضعيف -عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} إلى آخر الآية. وقال أبو داود: حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة -وهذا حديثه -أخبرنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس -آية الإذن -وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء، عن ابن عباس يأمر به . وقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة سألت الشعبي: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ، قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور ، فبسط [الله] عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو به . وقال السدي: كان أناس من الصحابة، رضي الله عنهم، يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن.
وقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم -أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله، ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد، غلامهما بغير إذن! فأنزل الله في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم [ثلاث مرات] } الآية. ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ، قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} . ثم قال تعالى: {. وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله: {كما استأذن الذين من قبلهم} يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه. وقوله: {والقواعد من النساء} قال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وقتادة، والضحاك: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد، {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي: لم يبق لهن تشوف إلى التزويج، {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} أي: ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الآية [النور: 31] فنسخ، واستثنى من ذلك {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} الآية قال ابن مسعود [في قوله] : {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: الجلباب، أو الرداء: وكذا روي عن ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير وغيره، في قراءة عبد الله بن مسعود: "إن يضعن من ثيابهن" وهو الجلباب من فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره، بعد أن يكون عليها خمار صفيق. وقال سعيد بن جبير: {غير متبرجات بزينة} يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب، أن يرى ما عليها من الزينة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن المبارك، [حدثني سوار بن ميمون، حدثتنا طلحة بنت عاصم، عن أم المصاعن، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: دخلت علي] فقلت: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب، والنفاض، والصباغ، والقرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء، قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات. أي: لا يحل لكن أن يروا منكن محرما. وقال السدي: كان شريك لي يقال له: "مسلم"، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يوما إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك، فأخبرني أنه خضب رأس مولاته -وهي امرأة حذيفة -فأنكرت ذلك. فقال: إن شئت أدخلتك عليها؟ فقلت: نعم. فأدخلني عليها، فإذا امرأة جليلة، فقلت: إن مسلما حدثني أنه خضب رأسك؟ فقالت: نعم يا بني، إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا، وقد قال الله في ذلك ما سمعت. وقوله: {وأن يستعففن خير لهن} أي: وترك وضعهن لثيابهن -وإن كان جائزا -خير وأفضل لهن، والله سميع عليم.
{ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون } اختلف المفسرون -رحمهم الله -في المعنى الذي رفع من أجله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض هاهنا، فقال عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في الجهاد. وجعلوا هذه الآية هاهنا كالتي في سورة الفتح وتلك في الجهاد لا محالة، أي: أنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد؛ لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة:91، 92] . وقيل: المراد [هاهنا] أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك. ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك. وهذا قول سعيد بن جبير، ومقسم. وقال الضحاك: كانوا قبل المبعث يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرا وتقززا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} الآية قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته. فكان الزمنى يتحرجون من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم . فنزلت هذه الآية رخصة لهم . وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه، أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بالشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم. فقال الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} إلى قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} . وقوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} ، إنما ذكر هذا -وهو معلوم -ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليستأديه ما بعده في الحكم. وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينص عليهم. ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنت ومالك لأبيك" وقوله: {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم} ، إلى قوله {أو ما ملكتم مفاتحه} ، هذا ظاهر. وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب [الإمام] أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، في المشهور عنهما. وأما قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} فقال سعيد بن جبير، والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه. فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل؛ إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء. فأنزل الله: {أو ما ملكتم مفاتحه} . وقوله: {أو صديقكم} أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها، إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك.
وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه. وقوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} ، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله: {ليس على الأعمى} إلى قوله: {أو صديقكم} ، وكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} . وقال قتادة: وكان هذا الحي من بني كنانة، يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} . فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأبرك، كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع. قال: "فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه". ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث الوليد بن مسلم، به وقد روى ابن ماجه أيضا، من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة". وقوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} قال سعيد بن جبير، والحسن البصري، وقتادة، والزهري: فليسلم بعضكم على بعض. وقال ابن جريج: حدثنا أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته، فليسلم. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي، وما أدعه إلا نابيا وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله. وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وروى الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: بسم الله، والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال قتادة: [إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عوبد بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال، قال: "يا أنس، أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت -يعني: بيتك -فسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك. يا أنس، ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة".
وقوله: {تحية من عند الله مباركة طيبة} قال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} ، فالتشهد في الصلاة: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم يدعو لنفسه ويسلم. هكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن إسحاق. والذي في صحيح مسلم، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف هذا ، والله أعلم. وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} لما ذكر تعالى ما في السورة الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة، نبه تعالى على أنه يبين لعباده الآيات بيانا شافيا، ليتدبروها ويتعقلوها. {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم } . وهذا أيضا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف -لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك -أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته. وإن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين. ثم أمر رسوله -صلوات الله وسلامه عليه -إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له، إن شاء؛ ولهذا قال: {فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} . وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد، قالا حدثنا بشر -هو ابن المفضل -عن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة". وهكذا رواه الترمذي والنسائي، من حديث محمد بن عجلان، به . وقال الترمذي: حسن. {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } . قال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظاما لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود. وقال مقاتل [بن حيان] في قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا بن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله . وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} قال: أمرهم الله أن يشرفوه. هذا قول. وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] ، وقال {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} إلى قوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم} [الحجرات: 2-5] فهذا كله من باب الأدب [في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته]
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?