İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } . يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] ، وقال: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] ، وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] ، وقال: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس. والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] ؛ ولهذا قال: {بما صبروا} أي: على اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: "من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا] " . وقوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي: لا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات، وصدقات النفل والقربات. وقوله: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [0الفرقان: 72] . {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: إذا سفه عليهم سفيه، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب. ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.
قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك، من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه -ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة -فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب. بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؛ ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا [لهم] سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا . قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان . قال: ويقال -والله أعلم -إن فيهم نزلت هذه الآيات: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} . قال: وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلن ، قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلهن في النجاشي وأصحابه، رضي الله عنهم، والآيات التي في سورة المائدة: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} إلى قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } . يقول تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه: إنك يا محمد {إنك لا تهدي من أحببت} أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وهذه الآية أخص من هذا كله؛ فإنه قال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية بمن يستحق الغواية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا [شديدا] طبعيا لا شرعيا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، عن أبيه -وهو المسيب بن حزن المخزومي، رضي الله عنه -قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] ، بوأنزل في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} .
أخرجاه من حديث الزهري . وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي، من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة". فقال: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك. فأنزل الله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} . وقال الترمذي: حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان . ورواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه . وهكذا قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "لا إله إلا الله" فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي، ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم قال:"ممن الرجل؟ " قلت: من تنوخ . قال: "هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ " قلت: إني رسول قوم، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه وقال : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . وقوله: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} : [يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} ] أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟. وقوله: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة {رزقا من لدنا} أي: من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} فلهذا قالوا ما قالوا. وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس -ولم يسمعه منه -: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} . {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } . يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي: طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل 112، 113] ولهذا قال: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي: دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله: {وكنا نحن الوارثين} أي: رجعت خرابا ليس فيها أحد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم [هاهنا] عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة -يعني البومة -ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله عز وجل، ثم تلا {وكنا نحن الوارثين} . ثم قال الله مخبرا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدا ظالما له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة {رسولا يتلو عليهم آياتنا} . فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد، صلوات الله وسلامه عليه ، المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عرب وأعجام، كما قال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى: 7] ، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] ، وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وتمام الدليل [قوله] {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود". ولهذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بقوله: {حتى يبعث في أمها} أي: أصلها وعظيمتها، كأمهات الرساتيق والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزي، وغيرهما، وليس ببعيد. {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] ، وقال: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] ، وقال: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] ، وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16، 17] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه" . [وقوله] : {أفلا يعقلون} أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة؟. وقوله: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} : يقول: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل، {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} قال مجاهد، وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} [الصافات: 57] ، وقال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} [الصافات: 158] .
{ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } . يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] . وقوله: {قال الذين حق عليهم القول} يعني: من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر، {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] ، وقال: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال الخليل لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، وقال الله : {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 166، 167] ، ولهذا قال: {وقيل ادعوا شركاءكم} [أي] : ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب} أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة. وقوله: {لو أنهم كانوا يهتدون} أي: فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 52، 53] . وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} : النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه.. هاه. لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} . وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا} أي: في الدنيا، {فعسى أن يكون من المفلحين} أي: يوم القيامة، و"عسى" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه لا محالة. {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } . يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.
وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . وقد اختار ابن جرير أن {ما} هاهنا بمعنى "الذي"، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئا. ثم قال: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {وهو الله لا إله إلا هو} أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه {له الحمد في الأولى والآخرة} أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته {وله الحكم} أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، {وإليه ترجعون} أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال. {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . يقول تعالى ممتنا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قوام لهم بدونهما. وبين أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، {أفلا تسمعون} . ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم. {أفلا تبصرون. ومن رحمته} أي: بكم {جعل لكم الليل والنهار} أي: خلق هذا وهذا {لتسكنوا فيه} أي: في الليل، {ولتبتغوا من فضله} أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62] . والآيات في هذا كثيرة . {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون } . وهذا أيضا نداء [ثان] على سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلها آخر، يناديهم الرب -تبارك وتعالى -على رؤوس الأشهاد فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي: في الدار الدنيا. {ونزعنا من كل أمة شهيدا} : قال مجاهد: يعني رسولا. {فقلنا هاتوا برهانكم} أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، {فعلموا أن الحق لله} أي: لا إله غيره، أي: فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهبوا فلم ينفعوهم. {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } .
قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {إن قارون كان من قوم موسى} ، قال: كان ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وغيرهم: أنه كان ابن عم موسى، عليه السلام . قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار: أن قارون كان عم موسى ، عليه السلام. قال ابن جرير: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه. وقوله: {وآتيناه من الكنوز} أي: [من] الأموال {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش، عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا. وقيل: غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} أي: وعظه فيما هو فيه صالح قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون: لا تبطر بما أنت فيه من الأموال {إن الله لا يحب الفرحين} قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. وقوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه. {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض ، وتسيء إلى خلق الله {إن الله لا يحب المفسدين} . {قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } . يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي: أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} [الزمر: 49] أي: على علم من الله بي، وكقوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} [فصلت: 50] أي: هذا أستحقه.
وقد روي عن بعضهم أنه أراد: {إنما أوتيته على علم عندي} أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء: وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" . وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات، واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري، رحمه الله، أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار [في هذا] كثيرة جدا يطول ذكرها. وقال بعضهم: إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به، فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى -رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} أي: قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي: لكثرة ذنوبهم. قال قتادة: {على علم عندي} : على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك. وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه يقول: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي] . {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون } . يقول تعالى مخبرا عن قارون: إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي: ذو حظ وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. [كما في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] .
وقوله: {ولا يلقاها إلا الصابرون} : قال السدي: وما يلقى الجنة إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: وما يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك. {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح -عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم -أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة". ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه . وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم، خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة". تفرد به أحمد ، وإسناده حسن. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو معلى بن منصور ، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادا النميري يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" . وقد ذكر [الحافظ] محمد بن المنذر -شكر -في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب. وقد ذكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى عليه السلام واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله، فتقول: يا موسى، إنك فعلت بي كذا وكذا. فلما قالت في الملأ ذلك لموسى عليه السلام، أرعد من الفرق، وأقبل عليها وصلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا و [فعل] كذا، لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجدا، وسأل الله في قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك.
وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصبغة ، فمر في جحفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لتخرجن، فلتدعون علي وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه، فقال موسى : تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى : أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مر الأرض أن تطيعني اليوم. فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوى فاستوت بهم الأرض. وعن ابن عباس أنه قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة. وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [غريبة] أضربنا عنها صفحا. وقوله: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} أي: ما أغنى عنه ماله، وما جمعه، ولا خدمه و [لا] حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به] ، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه، فلا ناصر له [لا] من نفسه، ولا من غيره. وقوله تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده] ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" . {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} أي: لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف به، لأنا وددنا أن نكون مثله. {ويكأنه لا يفلح الكافرون} يعنون: أنه كان كافرا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ها هنا] : {ويكأن} ، فقال بعضهم: معناها: "ويلك اعلم أن"، ولكن خففت فقيل: "ويك"، ودل فتح "أن" على حذف "اعلم". وهذا القول ضعفه ابن جرير ، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة "ويكأن". والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم. وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن. قاله قتادة. وقيل: معناها "وي كأن"، ففصلها وجعل حرف "وي" للتعجب أو للتنبيه، و"كأن" بمعنى "أظن وأحسب". قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة: إنها بمعنى: ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر : سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي، وقد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } . يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوا في الأرض، أي: ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم، ولا فسادا فيهم. كما قال عكرمة: العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو: البغي.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلو في الأرض: التكبر بغير حق. والفساد: أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج: {لا يريدون علوا في الأرض} تعظما وتجبرا ، {ولا فسادا} : عملا بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان ، عن أبى سلام الأعرج، عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} . وهذا محمول على ما إذا أراد [بذلك] الفخر [والتطاول] على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه قال] إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" ، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال". وقال : {من جاء بالحسنة} أي: يوم القيامة {فله خير منها} أي: ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافا كثيرة فهذا مقام الفضل. ثم قال: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} ، كما قال في الآية الأخرى: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] وهذا مقام الفصل والعدل. {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } . يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرا له بأنه سيرده إلى معاد، وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة؛ ولهذا قال: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} أي: افترض عليك أداءه إلى الناس، {لرادك إلى معاد} أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] ، وقال {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب] } [المائدة: 109] [وقال] : {وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] . وقال السدي عن أبي صالح، عن ابن عباس: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} ، يقول: لرادك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن. قال السدي: وقال أبو سعيد مثلها. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، [و] عن ابن عباس، رضي الله عنهما: {لرادك إلى معاد} قال: إلى يوم القيامة. ورواه مالك، عن الزهري. وقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : {لرادك إلى معاد} : إلى الموت. ولهذا طرق عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وفي بعضها: لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي قزعة، وأبي مالك، وأبي صالح. وقال الحسن البصري: أي والله، إن له لمعادا ، يبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه : حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس: {لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة. وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى -وهو ابن عبيد الطنافسي -به . وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس: {لرادك إلى معاد} أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها.
وقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: {لرادك إلى معاد} : إلى مولدك بمكة. قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس، ويحيى بن الجزار، وسعيد بن جبير، وعطية، والضحاك، نحو ذلك. [وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة، عن الضحاك] قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إلى مكة. وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {لرادك إلى معاد} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها، وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: {لرادك إلى معاد} قال: إلى بيت المقدس. وهذا -والله أعلم -يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة؛ لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجله، صلوات الله وسلامه عليه ، كما فسره ابن عباس بسورة {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: {لرادك إلى معاد} بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الجن والإنس، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، وأشرف خلق الله على الإطلاق. وقوله: {قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} أي: قل -لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم -قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكرا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك، {إلا رحمة من ربك} أي: إنما نزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة {فلا تكونن ظهيرا} أي: معينا {للكافرين} [أي] : ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم. {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله؛ فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلت به على سائر الأديان؛ ولهذا قال: {وادع إلى ربك} أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له، {ولا تكونن من المشركين} . وقوله: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو} أي: لا تليق العبادة إلا له ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته. وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} : إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26، 27] ، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي: إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر [كلمة] لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وقال مجاهد والثوري في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد، إليه الوجه والعمل
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كل شيء هالك إلا وجهه} . وقوله: {له الحكم} أي: الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه، {وإليه ترجعون} أي: يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم، إن كان خيرا فخير، وإن شرا فشر. [والله أعلم. آخر تفسير سورة "القصص"] تفسير سورة العنكبوت بسم الله الرحمن الرحيم [وهي] مكية. {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } . أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة". وقوله: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء" . وهذه الآية كقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، ومثلها في سورة "براءة" وقال في البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] ؛ ولهذا قال هاهنا: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} أي: الذين صدقوا في دعواهم الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه. والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة؛ ولهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] : إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه [يتعلق] بالمعدوم والموجود. وقوله: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم؛ ولهذا قال: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} أي: يفوتونا، {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما يظنون. {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين } {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } . يقول تعالى: {من كان يرجو لقاء الله} أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفورا ، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات ؛ ولهذا قال: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم} . وقوله: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} ، كقوله: {من عمل صالحا فلنفسه} [فصلت: 46] أي: من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل [واحد] منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئا؛ ولهذا قال: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} .
قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يوما من الدهر بسيف. ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبره بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] ، وقال هاهنا: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين } . يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 23، 24] . ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} . وقال الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد، قال: نزلت في أربع آيات. فذكر قصة، وقالت أم سعد: أليس قد أمرك الله بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فأنزل الله {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك} الآية. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي أيضا ، وقال الترمذي: حسن صحيح. {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } . يقول تعالى مخبرا عن صفات قوم من [المكذبين] الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا قال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} . قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف. وهذه الآية كقوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} [الحج: 11] .
ثم قال: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك -يا محمد -وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي [كنا] إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} [النساء: 141] ، وقال تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] . وقال تعالى مخبرا عنهم هاهنا: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} ، ثم قال تعالى: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي: أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة؟ وقوله: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، ومن يطيع الله في الضراء والسراء، إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] ، وقال تعالى بعد وقعة أحد، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الآية [آل عمران: 179] ، [والله أعلم] . {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } . يقول تعالى مخبرا عن كفار قريش: أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، {ولنحمل خطاياكم} أي: وآثامكم -إن كانت لكم آثام في ذلك -علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: "افعل هذا وخطيئتك في رقبتي". قال الله تكذيبا لهم: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} أي: فيما قالوه: إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] ، وقال تعالى: {ولا يسأل حميم حميما. يبصرونهم} [المعارج: 10، 11] . وقوله: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} : إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارا أخر بسبب من أضلوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا، كما قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] . وفي الصحيح: "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا" وفي الصحيح: "ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل" . وقوله: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي: يكذبون ويختلقون من البهتان.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال: "إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم! ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان ابن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي من كانت له تباعة -أو: ظلامة -عند فلان ابن فلان، فهلم. فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي. فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي. فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه". ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} . وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة الثمالي، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعيه ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك" . {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين } . هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا، وجهارا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارا عن الحق، وإعراضا عنه وتكذيبا له، وما آمن معه منهم إلا قليل؛ ولهذا قال: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت -يا محمد -لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور، {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96،97] ، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوك، ويكبتهم ويجعلهم أسفل السافلين. قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك ، عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس وفشوا. وقال قتادة: يقال إن عمره كله [كان] ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة سنة، ودعاهم ثلثمائة ولبث بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة. وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما. وقال عون بن أبي شداد: إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة. وهذا أيضا غريب، رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم. وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما. قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا. وقوله: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} أي: الذين آمنوا بنوح عليه السلام. وقد تقدم ذكر ذلك مفصلا في سورة "هود"، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته.
وقوله: {وجعلناها آية للعالمين} أي: وجعلنا تلك السفينة باقية، إما عينها كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق، كيف نجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون. وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} [يس: 41-44] ، وقال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ، وقال هاهنا: {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين} ، وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} [الملك: 5] أي: وجعلنا نوعها، فإن التي يرمى بها ليست هي التي زينة للسماء . وقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} [المؤمنون: 12، 13] ، ولهذا نظائر كثيرة. وقال ابن جرير: لو قيل: إن الضمير في قوله: {وجعلناها} ، عائد إلى العقوبة، لكان وجها، والله أعلم. {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء: أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر ، فإنه المشكور على النعم، لا مسد لها غيره، فقال لقومه: {اعبدوا الله واتقوه} أي: أخلصوا له العبادة والخوف، {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة. ثم أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان، لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء، سميتموها آلهة، وإنما هي مخلوقة مثلكم. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، والسدي. وروى الوالبي ، عن ابن عباس: وتصنعون إفكا، أي: تنحتونها أصناما. وبه قال مجاهد -في رواية -وعكرمة، والحسن، وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير، رحمه الله. وهي لا تملك لكم رزقا، {فابتغوا عند الله الرزق} وهذا أبلغ في الحصر، كقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} [التحريم: 11] ، ولهذا قال: {فابتغوا} أي: فاطلبوا {عند الله الرزق} أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئا، {واعبدوه واشكروا له} أي: كلوا من رزقه واعبدوه وحده ، واشكروا له على ما أنعم به عليكم، {إليه ترجعون} أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. وقوله: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} يعني: إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء. وقال قتادة في قوله: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول، واعترض بهذا إلى قوله: {فما كان جواب قومه} . وهكذا نص على ذلك ابن جرير أيضا . والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل، عليه السلام [لقومه] يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: {فما كان جواب قومه} ، والله أعلم.
{أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم } . يقول تعالى مخبرا عن الخليل عليه السلام، أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم، بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته؛ فإنه سهل عليه يسير لديه. ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة: الثوابت، والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبرار وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن، فيكون؛ ولهذا قال: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير} ، كقوله: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} أي: يوم القيامة، {إن الله على كل شيء قدير} . وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] ، وكقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35، 36] . وقوله: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} أي: هو الحاكم المتصرف، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر، مهما فعل فعدل؛ لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم" . ولهذا قال تعالى: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} أي: ترجعون يوم القيامة. وقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه. {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. والذين كفروا بآيات الله ولقائه} أي: جحدوها وكفروا بالمعاد، {أولئك يئسوا من رحمتي} أي: لا نصيب لهم فيها، {وأولئك لهم عذاب أليم} أي: موجع في الدنيا والآخرة. {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } . يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم الحق بالباطل: إنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان، {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} ، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم، {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم. فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: 97، 98] ، وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء: ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوا به فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما. ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما. فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان.
وقوله: {فأنجاه الله من النار} أي: سلمه [الله] منها، بأن جعلها عليه بردا وسلاما، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا} يقول لقومه مقرعا لهم وموبخا على سوء صنيعهم، في عبادتهم الأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا، صداقة وألفة منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا. وهذا على قراءة من نصب {مودة بينكم} ، على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتخاذكم هذا يحصل لكم المودة في الدنيا فقط {ثم يوم القيامة} ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضة وشنآنا، ف {يكفر بعضكم ببعض} أي: تتجاحدون ما كان بينكم، {ويلعن بعضكم بعضا} أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع، {كلما دخلت أمة لعنت أختها} [الأعراف: 38] ، وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] ، وقال هاهنا {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله. وهذا حال الكافرين، فأما المؤمنون فبخلاف ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو عاصم الثقفي [حدثنا] الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي، عن أبيه، عن جده عن أم هانئ -أخت علي بن أبي طالب -قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان " ، فقالت الله ورسوله أعلم. "ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون" قال أبو عاصم: يرفعون رؤوسهم. "ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم" قال: "فيقول الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا -يعني: المظالم -ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب" . {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } . يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم: أنه آمن له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو: لوط بن هاران بن آزر، يعني: ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة [إبراهيم] الخليل. لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح : أن إبراهيم حين مر على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: [هي] أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له: "إنك: أختي"، فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض [أحد] مؤمن غيرك وغيري ، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا -والله أعلم -أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا عليه السلام، آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل "سدوم" وإقليمها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي. وقوله: {وقال إني مهاجر إلى ربي} يحتمل عود الضمير في قوله: {وقال} ، على لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم -قال ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: {فآمن له لوط} أي: من قومه. ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك؛ ولهذا قال: {إنه هو العزيز} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، {الحكيم} في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقال قتادة: هاجرا جميعا من "كوثى"، وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، حتى تلفظهم أرضهم وتقذرهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم".
وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث، فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته؛ إذ جاء رجل، فانتبذ الناس وعليه خميصة، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل منهم من تخلف". قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قطع" حتى عدها زيادة على عشرين مرة "كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم" . ورواه أحمد عن أبي داود، وعبد الصمد، كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة، به وقد رواه أبو داود في سننه، فقال في كتاب الجهاد، باب ما جاء في سكنى الشام: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني [أبي] ، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير" . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن، والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله عز وجل". وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون ، وتبيت حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها". ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم -قال يزيد: لا أعلمه إلا قال -يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. كلما طلع منهم قرن قطعه الله". فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة، أو أكثر، وأنا أسمع . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع -وقال أبو النضر، عمن حدثه، عن نافع -عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة، إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم". غريب من حديث نافع. والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.
Pertanyaan
- Apa saja enam rukun iman dalam Islam?
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?