İbn Âbidîn — Reddü'l-Muhtâr (Hanefî)
قوله ( كطهارة ماء ) أي ونجاسته ونحوه حيث يقبل إن عدلا أما الفاسق فخبره في الديانات التي لا يتيسر تلقيها من العدول كرواية الإخبار بخلاف الإخبار بطهارة الماء ونجاسته ونحوه حيث يتحرى في خبره أي الفاسق إذ قد لا يقدر على تلقيها من جهة العدول وقول الطحاوي أو غير عدل محمول على المستور كما هو رواية الحسن سيدي الوالد من الصوم وتمامه في حاشيته قوله ( ورؤية هلال ) أي هلال رمضان قوله ( فهو إخبار لا شهادة ) لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأخبار هداية وأما في المعاملات فيقبل الخبر ولو من كافر أو فاسق أو عبد أو صبي إن غلب على الرأي صدقة كما في الحظر والإباحة من الدرر قوله ( والعدالة لوجوبه ) أي وجوب القاضي على القاضي منح قال العلامة عبد البر أحسن ما قيل في تفسير العدل أنه المجتنب للكبائر غير المصر على الصغائر صلاحه وصوابه أكثر من فساده وخطئه مستعملا للصدق مجتنبا للكذب ديانة ومروءة وهو مروي عن أبي يوسف ا ه ونحوه في الذخيرة قوله ( ومنه ) أي مما يطعن به فيه قوله ( الكذب ) ذكر بعضهم أن الكذب من الصغائر إن لم يترتب عليه ما يصيره كبيرة كأكل مال مسلم أو قذفه ونحو ذلك ط قوله ( لا لصحته ) أي لصحة القضاء أي نفاذه منح واعلم أن صاحب الكنز تبع صاحب الهداية وغيره في اشتراط العدالة كلفظ الشهادة تسوية منهم بينهما وليس كذلك لأن لفظ الشهادة أي أشهد شرط لصحة الأداء بل ركنه كما قدمناه وأما العدالة فليست شرطا في صحة الأداء وإنما ظهورها شرط وجوب القضاء على القضاء كما قدمناه وبه صرح صدر الشريعة وصاحب البدائع والبحر والمنح وتبعهم الشارح تبعا لما في الهداية وأقره ابن الهمام حيث قال في الهداية لو قضى القاضي بشهادة الفاسق صح عندنا زاد في فتح القدير وكان عاصيا قوله ( فلو قضى بشهادة فاسق نفذ ) هذا إذا غلب على ظنه صدقه وهو مما يحفظ درر وظاهر قوله وهو مما يحفظ اعتماده قال في جامع الفتاوى وأما شهادة الفاسق فإن تحرى القاضي الصدق في شهادته تقبل وإلا فلا ا ه قوله ( الإمام ) أي الأعظم وهو السلطان بأن قال لمستنيبه لا تقض بشهادة الفاسق قوله ( فلا ينفذ ) أي القضاء بشهادة الفاسق لمنع الإمام القاضي عن القضاء به قوله ( لما مر ) أي في كتاب القضاء قوله ( يتأقت ) قياس مادته يتوقت بالواو قوله ( وقول معتمد ) وظاهره أنه إذا أطلق أوامره بالقضاء به أن يجوز القضاء به وقد ذكروا أنه لا يجوز العمل بالقول الضعيف إلا للإنسان في خاصة نفسه إذا كان له رأي وبعضهم منع العمل به فحينئذ لا يجوز العمل به عند الإطلاق ولا عند التصريح ويحرر ويحتمل أنه راجع إلى القضاء في ذاته وإن لم يقيد بذلك الإمام ط أقول تحريره مانقل العلامة الشرنبلالي في رسالته ( العقد الفريد في جواز التقليد ) مقتضى مذهب الشافعي كما قاله السبكي منع العمل بالقول المرجوح في القضاء والإفتاء دون العمل لنفسه ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه لكون المرجوح صار منسوخا ا ه فليحفظ وقيده البيري بالعامي أي الذي لا رأي له يعرف به معنى النصوص حيث قال هل يجوز للإنسان العمل بالضعيف من الرواية في حق نفسه نعم إذا كان له رأي أما إذا كان عاميا فلم أره لكن مقتضى تقييده بذي الرأي أنه لا يجوز للعامي ذلك قال في خزانة الروايات العالم الذي يعرف معنى النصوص والأخبار وهو من أهل الدراية يجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفا لمذهبه ا ه قال سيدي الوالد وهذا في غير موضع الضرورة فقد ذكر في حيض البحر في بحث ألوان الدماء أقوالا ضعيفة ثم قال وفي المعراج عن فخر الأئمة لو أفتى مفت بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة كان حسنا ا ه
وكذا قول أبي يوسف في المني إذا خرج بعد فتور الشهوة لا يجب به الغسل ضعيف وأجازوا العمل به للمسافر أو الضيف الذي خاف الريبة وذلك من مواضع الضرورة قوله ( ذي المروءة ) وهي آداب نفسانية تحمل على محاسن الأخلاق وجميل العادات والهمزة وتشديد الواو فيه لغتان والمراد الفاسق ذو المروءة كمكاس قوله ( فقول الثاني بحر ) الذي في البحر أنه رواية عن الثاني قوله ( في مقابلة النص ) وهو قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 أي فلا يقبل وأقره المصنف قال في البحر إن ظاهر النص أنه لا يحل قبول شهادة الفاسق قبل تعرف حاله فإذا ظهر للقاضي من حاله الصدق وقبله يكون موافقا للنص إلا أن يريد بالنص قوله تعالى وأشهدوا الطلاق 2 الآية لكن فيه أن دلالته على عدم قبول العدل إنما هي بالمفهوم وهو غير معتبر عندنا ولا سيما هو مفهوم لقب مع أن الآية الأولى تدل على قبول قوله عند التبيين عن حاله كما قلنا تأمل قوله ( وهي ) أي الشهادة قوله ( على حاضر ) أي خصم حاضر والمراد به جنس الخصم ليشمل المتداعيين قوله ( يحتاج الشاهد ) أي في قبول شهادته قوله ( إلى الإشارة ) أي إشارة الشاهد قوله ( مواضع ) الأولى أشياء قوله ( بأن لا يشاركه في المصر غيره ) لم يشترط هذا في جامع الفصولين شرنبلالية مطلب إذا عرف باللقب واشتهر به لا يلزم ذكر أبيه وجده حيث لم يشتهر بهما قوله ( فالمعتبر التعريف لا تكثير الحروف ) قال في جامع الفصولين والحاصل أن المعتبر حصول المعرفة وارتفاع الالتباس بأي وجه كان وقال في أثناء الفصل السابع في تحديد العقار ودعواه ما نصه كما لو كان الرجل معروفا مشهورا باسمه أو بلقبه لا بأبيه وجده يكتفي بذكر ما اشتهر به وجهالة أبيه وجده لا تضر التعريف بل ذكره وعدمه سواء لعدم معرفة الناس به ا ه ونحوه في نور العين قوله ( أبو بلقبه ) وكذا بصفته كما أفتى به في الحامدية فيمن شهد أن المرأة التي قتلت في سوق كذا يوم كذا وقت كذا قتلها فلان تقبل بلا بيان اسمها وأبيها حيث كانت معروفة لم يشاركها في ذلك غيرها قال في الأشباه وتكفي النسبة إلى الزوج لأن المقصود الإعلام وفي العبد اسمه واسم مولاه وأبي مولاه ولا يكفي الاقتصار على الاسم إلا أن يكون مشهورا قوله ( جامع الفصولين ) أي في الفصل التاسع قوله ( ولا يسأل عن شاهد ) أي عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أي لا يجب على الحاكم أن يسأل عن الشاهد بل يجوز له الاقتصار على ظاهر العدالة في المسلم قوله ( بلا طعن من الخصم ) قال الرملي ولو بالجرح المجرد ولا ينافيه قوله فيما يأتي ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد لأن عدم سماعها لعدم دخوله تحت الحكم وإلا فالخبر عن فسق الشهود يمنع القاضي عن قبول شهادتهم والحكم بها فالطعن به مسموع منه قبل التزكية وسيظهر من مسائل الطعن والله تعالى أعلم ا ه قوله ( إلا في حد وقود ) أي فإنه يسأل عنهم للاحتيال في إسقاطها فيستقصى ولأن الشبهة فيها دارئة والحاصل أنه إن طعن الخصم سأل عنهم في الكل وإلا سأل في الحدود والقصاص وفي غيرها محل الاختلاف وقيل هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى على قولهما في هذا الزمان بحر عن الهداية قوله ( وعندهما يسأل في الكل ) أي وجوبا وليس بشرط للصحة عندهما كما أوضحه في البحر أي فيأثم بتركه ولا يبطل الحكم ا ه حموي قال في المحيط البرهاني لو قضى بالحد ببينة ثم ظهر أنهم فساق بعد ما رجم فإنه لا ضمان على القاضي لأنه لم يظهر الخطأ بيقين ا ه
وهذا يدل على أن القاضي لو قضى في الحدود قبل السؤال بظاهر العدالة فإنه يصح وإن كان آثما فقوله في الهداية يشترط الاستقصاء معناه يجب ومعنى قول الإمام يقتصر الحاكم يجوز اقتصاره لا أنه يجب اقتصاره ا ه فرع في الملتقط صبي احتلم لا أقبل شهادته ما لم أسأل عنه ولا بد أن يتأتى بعد البلوغ بقدر ما يقع في قلوب أهل محلته ومسجده أنه صالح أو غيره ا ه قوله ( إن جهل بحالهم بحر ) وعبارته ومحل السؤال على قولهما عند جهل القاضي بحالهم ولذا قال في الملتقط القاضي إذا عرف الشهود بجرح أو عدالة لا يسأل عنهم ا ه قوله ( سرا ) بأن يبعث الرقعة ويقال لها المستورة لسترها عن أعين الناس إلى المزكي ويكتب في ذلك البياض نسب الشاهد وحليته ومسجده الذي يصلي فيه ثم يكتب المزكي الذي بعث القاضي إليه عدالته بأن يكتب هو عدل جائز الشهادة وإن لم يعرفه بشيء كتب هو مستور ومن عرفه بفسق لم يصرح به بل يسكت تحرزا عن هتك الستر أو يكتب الله تعالى أعلم به إلا إذا عدله غيره وخاف أنه إن لم يصرح به يقضي بشهادته يصرح به كذا في البناية وفائدة السر أن المزكي إذا جرح الشاهد يقول القاضي للمدعي هات شاهدا آخر ولا يقول إنه مجروح وفي هذا صيانة عن هتك حرمة المسلم وصيانة حال المزكي ولو تعارض الجرح والتعديل قال العلامة قاسم إذا جرح واحد وعدل واحد فعندهما الجرح أولى لأن مذهبهما أن الجرح والتعديل بثبت بقول واحد كما لو كان في كل جانب اثنان مطلب لو جرحه واحد وعدله اثنان فالتعديل وإن جرحه اثنان وعدله عشرة فالجرح وعند محمد تتوقف الشهادة حتى يجرحه واحد أو يعدله فيثبت الجرح أو التعديل فإن جرحه واحد وعدله اثنان فالتعديل أولى بالإجماع وإن جرحه اثنان وعدله عشرة فالجرح أولى فلو قال المدعي بعد الجرح أنا أجيء بقوم صالحين يعدلونهم قال في العيون قبل ذلك وفي النوادر أنه لا يقبل وهو اختيار ظهير الدين وعلى قول من يقبل إذا جاء بقوم ثقة يعدلونهم فالقاضي يسأل الجارحين فلعلهم جرحوا بما لا يكون جرحا عند القاضي لا يلتفت إلى جرحهم وهذا ألطف الأقاويل وبه جزم في الخانية وكذا لو عدل المزكي الشهود سرا وطعن الشهود عليه وقال القاضي سل عنهم فلانا وفلانا وسمى قوما يصلحون مطلب لو عدل شاهد وقضي ومضى مدة وشهد في أخرى ولو عدل شاهد في قضية وقضى به ثم شهد في أخرى إن بعدت المدة أعيد التعديل وإلا لا وفي الظهيرية القاضي إذا عرف أحدهما بالعدالة فسأله عن صاحبه فعدله قال نصير لا يقبل ولابن سلمة قولان مطلب إذا ردت الشهادة لعلة ثم زالت تلك العلة وفي البزازية من ردت شهادته في حادثة لعله ثم زالت العلة فشهد لم تقبل إلا في أربعة الصبي والعبد والكافر على المسلم والأعمى إذا شهد وأفردت فزال المانع فشهدوا يقبل وقد جمعها العلامة المقدسي في قوله إن زالت العلة في شهاده ردت فلا تقبل في الإعاده في غير ما أربعة في العد أعمى وكافر صبي عبد مطلب يفرق بين المردود بتهمة أو لشبهة وفي البحر يفرق بين المردود لتهمة وبين المرود لشبهة فالثاني يقبل عند زوالها بخلاف الأول فإنه لا يقبل مطلقا إليه أشار في النوازل وذلك كأجير الوحد لا تقبل شهادته ما دامت الإجارة قائمة فإذا انقضت قبلت قوله ( وعلنا ) بفتح اللام مصدر علن الأمر ظهر وانتشر وفي المصباح علن الأمر علونا من باب قعد ظهر وانتشر فهو عالن وعلن علنا من باب تعب لغة فهو علن وعلين والاسم العلانية بأن يجمع بين المزكي والشاهد الذي زكاه ويقول للمزكي هذا هو الذي زكيته حموي قال في البحر لو زكى من في السر علنا يجوز عندنا والخصاف شرط تغايرهما كذا في البزازية
ولو قال المؤلف ثم علنا ليفيد أنه لا بد من تقديم تزكية السر على العلانية لكان أولى لما في الملتقط عن أبي يوسف لا أقبل تزكية العلانية حتى يزكي في السر ا ه وشمل سؤال القاضي عن الشاهد الأصلي والفرعي فيسأل عن الكل كذا عن أبي يوسف وعن محمد يسأل عن الأولين فإن زكيا سأل عن الآخرين كذا في الملتقط تنبيه لا تجوز التزكية إلا أن تعرفه أنت أو وصف لك أو عرفت أن القاضي زكاه أو زكى عنده وقال محمد كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله يعني أن الشهادة على الظواهر ولا كذلك التعديل كذا في الملتقط مطلب يشترط في التزكية شروط فيشترط لجوازها شروط الأول أن تكون الشهادة عند قاض عدل عالم الثاني أن تعرفه وتختبره بشركة أو معاملة أو سفر الثالث أن تعرف أنه ملازم للجماعة الرابع أن يكون معروفا بصحة المعاملة في الدينار والدرهم الخامس أن يكون مؤديا للأمانة السادس أن يكون صدوق اللسان السابع اجتناب الكبائر الثامن أن تعلم منه اجتناب الإصرار على الصغائر وما يخل بالمروءة والكل في شرح أدب القضاء للخصاب وفي النوازل من قال لا أدري أنا مؤمن أو غير مؤمن لا تعدله ولا تصل خلفه مطلب عرف فسق الشاهد فغاب ثم قدم وفي البزازية عرف فسق الشاهد فغاب غيبة منقطعة ثم قدم ولا يدري منه إلا الصلاح لا يجرحه المعدل ولا يعدله مطلب لو كان معروفا بالصلاح فغاب ثم عاد فهو على عدالته ولو كان معروفا بالصلاح فغاب غيبة منقطعة ثم حضر فهو على العدالة والشاهدان لو عدلا بعد ما تابا يقضى بشهادتهما وكذا لو غابا ثم عدلا ولو خرسا أو عميا لا يقضى تاب الفاسق لا يعدله كما تاب بل لا بد من مضي زمان يقع في القلب صدقه في التوبة ا ه بحر وفيه وشمل إطلاقه ما إذا كان الشاهد غريبا فإن كان ولا يجد معدلا فإنه يكتب إلى قاضي بلده ليخبره عن حاله أو إلى أهل بلدته ليعرف حاله وكذا غريب نزل بين ظهراني قوم لا يعدله حتى تبعد المدة ويظهر حاله للقوم وكان الإمام الثاني يقول إن المدة ستة أشهر ثم رجع إلى سنة ومحمد لم يقدره بل على ما يقع في القلوب الوثوق وعليه الفتوى ا ه ملخصا قوله ( به يفتى ) مرتبط بقوله وعندهما يسأل في الكل قال في البحر والحاصل أنه إن طعن الخصم سأل عنهم في الكل إلى آخر ما قدمناه قريبا فكان ينبغي للمصنف أن يقدمه على قوله سرا وعلنا لئلا يوهم خلاف المراد فإنه سينقل أن الفتوى الاكتفاء بالسر وجزم به ابن الكمال في متنه وذكر في البحر أن ما في الكنز خلاف المفتى به وبه ظهر أن ما يفعل في زماننا من الاكتفاء بالعلانية خلاف المفتى به بل في البحر لا بد من تقديم تزكية السر على العلانية إلى آخر ما قدمناه آنفا فتنبه أقول وعمل قضاة زماننا الآن على تزكية السر والعلانية لورود الأمر السلطاني بذلك قوله ( لأنهما كانا في القرن الرابع ) بعد تغير أحوال الناس فظهرت الخيانة والكذب وأبو حنيفة كان في القرن الثالث وهم ناس شهد لهم رسول الله بالخير والصلاح فقال عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني الذي أنا فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو لكذب حتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف ويشهد قبل أن يستشهد ا ه زيلعي وهذا بناء على أن القرن خمسون سنة كما نقله الأخضري في شرح السلم ا ه ح وقال ابن حجر في شرح البخاري يطلق القرن على مدة من الزمان واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به قائل ا ه مطلب تاريخ وفاة أئمتنا الثلاثة وذكروا أن الإمام مات سنة 150 مائة وخمسين وأبو يوسف سنة 182 مائة واثنتين وثمانين ومحمد سنة 187 مائة وسبع وثمانين
فإن قلت هلا قال الشارح في القرن الثالث عوضا عن قوله في القرن الرابع لأنهم أدركوا أبا حنيفة وهو من التابعين الذين هم أهل القرن الثاني كما أن الصحابة هم أهل القرن الأول فيجاب إن الذين كانوا يتحاكمون إلى الصاحبين هم أهل القرن الرابع وهم ما بعد أتباع التابعين قوله ( سراجية ) عبارتها كما في البحر أو الفتوى على أنه يسأل في السر وقد تركت التزكية في العلانية في زماننا كي لا يخدع المزكي أو يخوف ا ه وقد كانت العلانية وحدها في الصدر الأول ويروى عن محمد تزكية العلانية بلاء وفتنة ا ه قال القهستاني وتزكية السر أحدثها شريح وعليه الفتوى كما في المضمرات وغيره ويشكل ما في الاختيار أنه يسأل سرا وعلانية وعليه الفتوى ا ه قلت يمكن إرجاعه إلى قوله يسأل أي لا يكتفي بالعدالة الظاهرة فهو ترجيح لقولهما تأمل قاله سيدي الوالد قوله ( لثبوت الحرية بالدار درر ) ونحوه في الهداية لكن في البحر واختار السرخسي أنه لا يكتفي بقول هو عدل لأن المحدود في قذف بعد التوبة عدل غير جائز الشهادة وكذا الأب إذا شهد لابنه فلا بد من زيادة جائز الشهادة كما في الظهيرية وينبغي ترجيحه ا ه وفي البزازية ينبغي أن يعدل قطعا ولا يقول هم عندي عدول لإخبار الثقات به ولو قال لا أعلم منهم إلا خيرا فهو تعديل في الأصح قوله ( الحرية ) مخالف لما نقل في بعض الشروح عن الجامع الكبير من أن الناس أحرار إلا في الشهادة والحدود والقصاص كما لا يخفى فليتأمل يعقوبية لكن ذكر في البحر عن الزيلعي أن هذا محمول على ما إذا طعن الخصم بالرق كما قيده القدوري قوله ( فهو ) أي لفظ عدل بعبارته أي بمنطوقه فيه أنه لا يكون كذلك إلا إذا كانت الحرية تفهم منطوقا من العدل ولا يطلق على العبد عدل مع أنه ليس كذلك ط قوله ( بعبارته ) أي بمنطوقه وهو ما سيق الكلام له قوله ( وبدلالته ) هو الحكم الذي يساوي المنطوق لكن لم يسق النص إليه وهو يفيد أن المحدود في القذف لا يكون عدلا وليس كذلك ولذا اختار السرخسي عدم الاكتفاء بقوله هو عدل كما قدمناه آنفا وقد جعل الحلبي مرجع الضمير في قوله ( فهو بعبارته ) إلى الأصل فيمن كان في دار الإسلام الحرية بمفهوم الموافقة المسمى بدلالة النص فإنه بمنطوقه جواب عن النقض بالعبد الوارد على قول المزكي هو عدل فقط وبدلالته الذي هو مفهوم الموافقة جواب عن النقص بالمحدود في القذف الوارد على عبارة المزكي السابقة وإنما دل بمفهوم الموافقة عليه لأن الأصل فيمن كان في دار الإسلام عدم الحد في القذف أيضا فهو مساو ا ه قوله ( والتعديل ) أي التزكية قوله ( من الخصم ) أي المدعى عليه والمدعي بالأولى كتعديل الشاهد نفسه وأطلقه فشمل ماذا عدله المدعى عليه قبل الشهادة أو بعدها كما في البزازية ويحتاج إلى تأمل فإنه قبل الدعوى لم يوجد منه كذب في إنكاره وقت التعديل وكان الفسق الطارىء على المعدل قبل القضاء كالمقارن بحر قوله ( لم يصح ) أي لم يصح مزكيا لأن في زعم المدعي وشهوده أن المدعى عليه كاذب في الإنكار ومبطل في الإصرار وتزكية الكاذب الفاسق لا تصح هذا عند الإمام رحمه الله تعالى وعندهما يصح إن كان من أهله بأن كان عدلا لكن عند محمد لا بد من ضم آخر إليه درر ومفاده أنه لو كان مقرا يصح قال في منية المفتي المشهود عليه إذا كان ساكتا غير جاحد للحق فقال هم عدول يقبل بالاتفاق فإن جحد وقال هم عدول لكن أخطؤوا أو نسوا ففي صحة التعديل ووايتان ا ه وهذا موضوع المسألة وفي شرح أدب القضاء للصدر الشهيد أن يكون مقرا بقوله صدقوا فيما شهدوا به علي وبقوله هم عدول فيما شهدوا به علي أطلقه وقيده في البزازية بما إذا كان المدعى عليه لا يرجع إليه في التعديل فإن كان صح قوله
مطلب جرح الشاهد نفسه مقبول قال في البحر وأما جرح الشاهد نفسه فمقبول لكنه يأثم بذلك حيث كان صادقا في شهادته لما فيه من إبطال حق المدعي مطلب تعديل أحد الشاهدين صاحبه وتعديل أحد الشاهدين صاحبه فيه اختلاف قال في الظهيرية شاهدان شهد الرجل والقاضي يعرف أحدهما بالعدالة ولا يعرف الآخر فعدله الذي عرفه القاضي بالعدالة قال نصير رحمه الله تعالى لا يقبل القاضي تعديله ولابن سلمة فيه قولان وعن أبي بكر البلخي في ثلاثة شهدوا والقاضي يعرف اثنين منهم بالعدالة ولا يعرف الثالث فإن القاضي يقبل تعديلهما لو شهد هذا الثالث شهادة أخرى ولا يقبل تعديلهما في الشهادة الأولى وهو كما قال نصير رحمه الله تعالى قوله ( ولا تنس ما مر عن الأشباه ) أي قبيل التحكيم من أن الإمام لو أمر قضاته بتحليف الشهود وجب على العلماء أن ينصحوه ويقولوا له لا تكلف قضاتك إلى أمر يلزم منه سخطك إن خالفوك أو سخط الخالق إذا وافقوك ا ه ح وأقول وعبارة البحر بعد ما ذكر عبارة القلانسي من أن مختار ابن أبي ليلى استحلاف الشهود قال قلت ولا يضعفه ما في الكتب المعتمدة كالخلاصية والبزازية من أنه لا يمين على الشاهد لأنه عند ظهور عدالته والكلام عند خفائها خصوصا في زماننا أن الشاهد مجهول الحال وكذا المزكي غالبا والمجهول لا يعرف المجهول لكن قال العلامة المقدسي بعد ما ذكر ما في التهذيب للقلانسي لا يخفى أنه مخالف لما في الكتب المعتمدة ولا يقال يجب العمل به لأن الشاهد مجهول كالمزكي غالبا والمجهول لا يعرف المجهول لأنا نقول الأمر كذلك لكن قال الفقيه لو استقصى مثل ذلك لضاق الأمر ولا يوجد مؤمن بغير عيب كما قيل ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه أقول لكن صدر الأمر السلطاني أنه إذا ألح الخصم على القاضي بأن يحلف الشهود قبل الحكم لتقوية الشهادة ورأى الحاكم لزوم ذلك فله إجابته كما في مادة 1727 من المجلة لطيفة في الملتقط عن غسان بن محمد المروزي قال قدمت الكوفة قاضيا فوجدت فيها مائة وعشرين عدلا فطلبت أسرارهم فرددتهم إلى ستة ثم أسقطت أربعة فلما رأيت ذلك استعفيت واعتزلت تنبيه قال إسماعيل بن حماد حفيد أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو من جملة الأئمة أخذ عن أبي يوسف وزاحمه في العلم ولو عمر لفاق المتقدمين والمتأخرين لكنه مات شابا رحمه الله تعالى أربعة من الشهود لا أسأل عنهم شاهد غريب وهو أن يجتمع الخصوم بباب القاضي ومنهم شخص يدعي الغربة والعزم على السفر وفوت الرفاق بالتأخير وطلب تقديمه لذلك أي بلا قرعة كما في البحر فلا يقبل إلا بشاهدين على ذلك ولا يحتاج إلى تزكيتهما لتحقق الفوات بطول المدة بالتزكية الثانية العدوى وهي ما لو سمى شخصا بينه وبين المصر أكثر من يوم وله عليه دعوى لا يرسل القاضي خلفه حتى يقيم بينة بالحق الذي عليه ولا يشترط تعديلها ونقل عن محمد أنه اشترط تعديل هذين لما فيه من الإلزام على الغير وكل ما كان كذلك سبيله التعديل وإليه مال الحلواني وقال إنه روى عن الإمام الثالثة شاهد رد الطينة وهو ما لو ادعى على شخص ليس بحاضر معه بحق وذكر أنه امتنع من الحضور معه أعطاه القاضي طينة أو خاتما وقال أره إياه وادعه إلي وأشهد عليه فإن أراه ذلك وقال لا أحضر وشهد عند القاضي بذلك مستوران لا يسأل عنهما قالوا وفيما نقل عن محمد إشارة إلى تعديلهما حيث قيد بما فيه إلزام على الغير وقال الصدر الشهيد إن عدم التعديل أنظر للناس وبه نأخذ لخوف اختفاء الخصم مخافة العقوبة فإذا شهدا كتب إلى الوالي في إحضاره الرابعة شاهد تعديل العلانية لا يشترط تزكيته ظاهرا بعد يؤال القاضي عن الشهود المطلوب تعديلهم في السر ممن يثق به من أمنائه وأخبره بعدالتهم ولا بد من المغايرة بين شهود السر والعلانية وإنما لم تشترط عدالتهم لأنها للاحتياط إجابة للمدعي إلى ما طلب ا ه
ذكر العلامة عبد البر في شرح الوهبانية ومثله في شرحها لمصنفها وذكر في البحر أن ذلك في شهادة العلانية محمول عن ما إذا تقدمت التزكية سرا ولئن كان ما ذكره العلامة عبد البر عن الإمام إسماعيل مرادا فهو ضعيف لنقل الإجماع على أن تزكية العلانية كالشهادة ا ه قوله ( بما سمع ) أي إن كان من المسموعات وقوله أو رأى أي إن كان من المرئيات وقد يكون الشيء مسموعا ومرئيا باعتبارين وأشار بقوله بما سمع إلى أنه لا بد من علم الشاهد بما يشهد به ولهذا قال في النوازل عن رجل ادعى على ورثة ميت مالا فالأمر بإثبات ذلك فأحضر شاهدين شهدا أن المتوفى قد أخذ من هذا المدعي منديلا فيه دراهم ولم يعلما كم وزنها هل تجوز شهادتهما وهل يجوز للشاهدين أن يشهدا بذلك قال إن كان الشهود وقفوا على تلك الصرة وفهموا أنها دراهم وحرزوها فيما يقع عليه يقينهم من مقدارها شهدوا بذلك وينبغي أن يعتبروا جودتها فإنها قد تكون ستوقة فإذا فعلوا ذلك جازت شهادتهم ا ه وفي خزانة الأكمل رجل في يده درهمان كبير وصغير فأقر بأحدهما لرجل فشهدا أنه أقر بأحدهما ولا ندري بأيهما أقر فإنه يؤمر بتسليم الصغير ا ه قوله ( في مثل البيع ) إن عقداه بإيجاب وقبول كان من المسموعات وإن بتعاط كان من المرئيات وفيه يشهدون بالأخذ والإعطاء ولو شهدوا بالبيع جاز بحر عن البزازية قال في الدرر ويقول أشهد أنه باع أو أقر لأنه عاين السبب فوجب عليه الشهادة كما عاين وهذا إذا كان البيع بالعقد ظاهر وإن كان بالتعاطي فكذلك لأن حقيقة البيع مبادلة المال بالمال وقد وجد وقيل لا يشهدون على البيع بل على الأخذ والإعطاء لأنه بيع حكمي لا حقيقي ا ه في البحر عن الخلاصة رجل حضر بيعا ثم احتيج إلى الشهادة للمشتري يشهد له بالملك بسبب الشراء ولا يشهد له بالملك المطلق لأن الملك المطلق ملك من الأصل والملك بالشراء حادث ا ه وانظر ما قدمناه في شتى القضاء وما سنذكره في باب الاختلاف في الشهادة إن شاء الله تعالى قوله ( والإقرار ) هو باللسان من المسموعات بأن يسمع قول المقر لفلان علي كذا قوله ( ولو بالكتابة ) في البحر عن البزازية ما ملخصه إذا كتب إقراره بين يدي الشهود ولم يقل شيئا لا يكون إقرارا فلا تحل الشهادة به ولو كان مصدرا مرسوما وإن لغائب على وجه الرسالة على ما عليه العلامة لأن الكتابة قد تكون للتجربة وفي حق الأخرس يشترط أن يكون معنونا مصدرا وإن لم يكن الغائب وإن كتب وقرأ عند الشهود مطلقا أو قرأه غيره وقال الكاتب اشهدوا علي به أو كتبه عندهم وقال اشهدوا علي بما فيه وعلموا به كان إقرارا وإلا فلا وبه ظهر أن ما هنا خلاف ما عليه العامة لكن جزم به في الفتح وغيره وأفتى به الشيخ سراج الدين قارىء الهداية إذا كان على رسم الصكوك واعترف بأنه خطه أو شهدوا عليه به وقد شاهدوا كتابته وعرفوا ما كتبه أو قرأه عليهم هذا حاصل ما أجاب به في موضعين من فتاواه وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك قوله ( وحكم الحاكم ) يكون من المسموع إن كان بالقول ويكون من المرئيات إن كان فعلا قوله ( والغصب والقتل ) من المرئيات قوله ( وإن لم يشهد عليه ) لو قال بدله ولو قال لا تشهد علي لكان أفود لما في الخلاصة لو قال المقر لا تشهد علي بما سمعت تسعة الشهادة ا ه فيعلم حكم ما إذا سكت بالأولى بحر وفيه وإذا سكت يشهد بما علم ولا يقول أشهدني لأنه كذب وفي النوازل سئل محمد بن مقاتل عن شريكين يتحاسبان وعندهما قوم فقالا لا تشهدوا علينا بما تسمعونه منا ثم أقر أحدهما لصاحبه بشراء أو باع شيئا فطلب المقر له بعد ذلك منهم الشهادة قال ينبغي لهم أن يشهدوا بذلك وهو قول محمد بن سيرين
وأما الحسن البصري والحسن بن زياد فإنهما يقولان لا يشهدون به قال الفقيه وروي عن أبي حنيفة أنه قال ينبغي لهم أن يشهدوا وبه نأخذ ا ه ثم قال بعده قال الفقيه إن كان يخاف على نفسه أنه إذا أقر بشيء صدق وادعى أن شريكه قبض لا يصدقه يقول للمتوسط اجعل كأن هذا المال على غيري وأنا أعبر عنه ثم يقول قبض كذا وكذا فيبين الجميع من غير أن يضيف إلى نفسه كي لا يصير حجة عليه ا ه قوله ( ولو مختفيا يرى وجه المقر ويفهمه ) وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا يحل لهم الشهادة إلا إذا دخل بيتا فرأى رجلا فيه وحده فخرج وجلس على بابه وليس له مسلك غيره فسمع إقراره وهم يسمعون كلامه ويرونه وهو لا يراهم جازت شهادتهم وإن لم يروه وسمعوا كلامه لا تحل لهم الشهادة ا ه بحر قوله ( لكن لو فسر ) بأن قال إني شاهد على المحتجب قوله ( لا تقبل ) إذ ليس من ضرورة جواز الشهادة القبول عند التفسير فإن الشهادة بالتسامع تقبل في بعض الحوادث لكن إذا صرح لا تقبل ط قوله ( أو يرى شخصها ) في الملتقط إذا سمع صوت المرأة ولم ير شخصها فشهد اثنان عنده أنها فلانة لا يحل له أن يشهد عليها وإن رأى شخصها وأقرت عنده فشهد اثنان أنها فلانة حل له أن يشهد عليها ا ه بحر من أول الشهادات واحترز برؤية شخصها عن رؤية وجهها قال في جامع الفصولين حسرت عن وجهها وقالت أنا فلانة بنت فلان بن فلان وهبت لزوجي مهري فلا يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين أنها فلانة بنت فلان ما دامت حية إذ يمكن الشاهد أن يشير إليها فإن ماتت فحينئذ يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين بنسبها وقال قبله لو أخبر الشاهد عدلان أن هذه المقرة فلانة بنت فلان يكفي هذا للشهادة على الاسم والنسب عندهما وعليه الفتوى ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي بشهادتهما والقضاء فوق الشهادة فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطريق الأولى فإن عرفها باسمهما ونسبها عدلان ينبغي للعدلين أن يشهد الفرع على شهادتهما فيشهد عند القاضي عليها بالاسم والنسب وبالحق أصالة ا ه وفيه ولا يجوز الاعتماد عليهما بإخبار المتعاقدين باسمهما ونسبهما لعلهما تسميا وانتسبا باسم غيرهما ونسبه يريدان أن يزورا على الشهود ليخرجا المبيع من يد مالكه فلو اعتمد على قولهما نفذ تزويرهما وبطل أملاك الناس مطلب ما يغفل الناس عنه كثيرا من الشهادة على المتعاقدين باسمهما ونسبهما بأخبارهما وهذا فصل غفل عنه كثير من الناس فإنهما يسمعون لفظ الشراء والبيع والإقرار والتقابض من رجلين لا يعرفونهما ثم إذا استشهدوا بعد موت صاحب البيع شهدوا على ذلك الاسم والنسب ولا علم لهم بذلك فيجب أن يحترز عن مثل ذلك وطريق علم الشهود بالنسب أن يشهد عندهم جماعة لا يتصرر تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما شهادة رجلين كاف كما في سائر الحقوق أقول يحصل للقاضي العلم بالنسب بشهادة عدلين فينبغي أن يحصل للشهود أيضا بشهادة عدلين كما هو قولهما ا ه وقيد برؤية الشخص لأنه لا يشترط رؤية الوجه لصحة الشهادة على المنتقبة كما قال به بعض مشايخنا عند التعريف شرنبلالية وإلى هذا مال خواهر زاده وبعضهم قال لا يصح التحمل عليها بدون رؤية وجهها ذكره سري الدين قال أبو السعود فتحصل منه أن الفتوى على عدم اشتراط رؤية وجهها ذكره سري الدين قال أبو السعود فتحصل منه أن الفتوى على عدم اشتراط رؤية وجه المرأة أقول ولا يخفى أن هذا كله عند عدم معرفته لها أما إذا عرفها فيشهد عليها بدون رؤية وجهها ولكن هذا ظاهر إذا رأى وجهها ثم تنقبت فشهد على إقرارها مثلا في حال تنقبها فهذا لا شك أنه لا يحتاج إلى تعريف من غيره إذ تعريف غيره حينئذ لا يزيد على معرفته
وأما إذا كانت متنقبة وكان يعرفها قبل فعرفها بصوتها وهيئتها ولم ير وجهها وقت التنقب أو الإقرار فهل يكفي ذلك ظاهر إطلاقهم أنه لا يكفي ففي العمادية قالوا لا يصح التحمل بدون رؤية وجهها وبه يفتي شمس الإسلام الأوزجندي وظهير الدين المرغيناني ا ه ولم يفصل بين ما إذا عرفها بصوتها أو لا وفي البيري على الأشباه لا يجوز أن يشهد على من سمعه من وراء حائط أو من فوق البيت وهو لا يراه وإن عرف كلامه لأن الكلام يشبه بعضه بعضا كما في التاترخانية وفي منية المفتي أقرت من وراء حجاب لا يجوز أن يشهد على إقرارها إلا إذا رأى شخصها ولم يشترط في النوادر رؤية وجهها انتهى وانظر كلام الفتح فإنه يفيد ذلك أيضا قوله ( وعليه الفتوى ) مقابله ما تقدم قريبا من أنه لا بد من شهادة جماعة ذكر الفقيه أبو الليث عن نصير بن يحيى قال كنت عند أبي سليمان فدخل ابن لمحمد بن الحسن فسأله عن الشهادة على المرأة متى تجوز إذا لم يعرفها قال كان أبو حنيفة يقول لا تجوز حتى يشهد عنده جماعة أنها فلانة وكان أبو يوسف وأبوك يقولان يجوز إذا شهد عنده عدلان أنها فلانة وهو المختار للفتوى وعليه الاعتماد لأنه أيسر على الناس انتهى واعلم أنهما كما احتاجا للاسم والنسب للمشهود عليه وقت التحمل يحتاجان عند أداء الشهادة إلى من يشهد أن صاحبة الاسم والنسب هذه وذكر الشيخ خير الدين أنه يصح التعريف ممن لا تقبل شهادته لها سواء كانت الشهادة عليها أو لها سائحاني بزيادة من البحر وغيره قوله ( لأن عند الأداء ) كذا وقع في المنح وفيه حذف اسم إن وهو ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها قوله ( فيضره ) أي يضر المدعى عليه بغضه للفقيه قوله ( ظاهرة ) معنى دالة فعداه بعلى قوله ( على أنهما كخط كاتب واحد ) لفظ على معنى في أو متعلق بمحذوف تقديره تدل والأولى حذف الكاف من كخط كما هو في المنح وهو كذلك في بعض النسخ قوله ( لا يحكم عليه بالمال ) لأنه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكنه ليس علي هذا المال وثمة لا يجب فكذا هنا منح قوله ( خانية ) عبارتها من الشهادات رجل كتب صك وصية وقال للشهود اشهدوا بما فيه ولم يقرأ وصيته عليهم قال علماؤنا لا يجوز للشهود أن يشهدوا بما فيه وقال بعضهم وسعهم أن يشهدوا والصحيح أنه لا يسعهم وإنما يحل لهم أن يشهدوا بأحد معان ثلاثة إما أن يقرأ الكتاب عليهم وكتبه غيره أو قرىء الكتاب عليه بين يدي الشهود فيقول هو لهم اشهدوا علي بما فيه أو يكتب هو بين يدي الشاهد ويعلم بما فيه ويقول اشهدوا علي بما فيه قال أبو علي النسفي هذا إن لم يكن الكتاب مكتوبا على الرسوم فإن كان مكتوبا على الرسم وكتب بين يدي الشهود والشاهد يعلم ما في الكتاب وسعه أن يشهد وإن لم يقل له اشهد علي بما فيه هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في النوادر ا ه وتمامه فيها قوله ( واعتمده في الأشباه ) قال في أحكام الكتابة منها وذكر القاضي ادعى عليه مال وأخرج خطا وقال إنه خط المدعى عليه بهذا المال فأنكر أن يكون خطه فاستكتب فكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كات واحد لا يحكم عليه بالمال في الصحيح لأنه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن ليس علي هذا المال وثمة لا يجب كذا هنا
قوله ( لكن في شرح الوهبانية الخ ) هذا قول القاضي النسفي والعامة على خلافه كما في البحر ونصه قال القاضي النسفي إن كتب مصدرا مرسوما وعلم الشاهد حل له الشهادة على إقراره كما لو أقر كذلك وإن لم يقل اشهد علي به وعلى هذا إذا كتب للغائب على وجه الرسالة أما بعد ذلك فلك علي كذا يكون إقرارا لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر فيكون متكلما والعامة على خلافه لأن الكتابة قد تكون للتجربة ا ه قوله ( وفتاوى قارىء الهداية وعبارتها ) سئل إذا كتب شخص ورقة بخطه إن في ذمته لشخص كذا ثم ادعى عليه فجحد المبلغ واعترف بخطه ولم يشهد عليه أجاب إذا كتب على رسول الصكوك يلزم المال وهو أن يكتب يقول فلان بن فلان الفلاني إن في ذمته لفلان بن فلان الفلاني كذا وكذا فهو إقرار يلزم به وإن لم يكتب على هذا الرسم فالقول قوله مع يمينه ا ه ثم أجاب عن سؤال آخر نحوه بقوله إذا كتب إقراره على الرسم المتعارف بحضرة الشهود فهو معتبر فيسع من شاهد كتابته أن يشهد عليه إذا جحده إذا عرف الشاهد ما كتب أو قرأه عليه أما إذا شهدوا أنه خطه من غير أن يشاهدوا كتابته لا يحكم بذلك ا ه وحاصل الجوابين أن الحق يثبت باعترافه بأنه خطه أو بالشهادة عليه بذلك إذا عاينوا كتابته أو قرأه عليهم وإلا فلا وهذا إذا كان معنونا ثم لا يخفى أن هذا لا يخالف ما في المتن نعم يخالف ما في البحر عن البزازية في تعليل المسألة بقوله لأنه لا يزيد على أن يقول هذا خطي وأنا حررته لكن ليس علي هذا المال وثمة لا يجب كذا هنا وقد يوفق بينهما بحمله على ما إذا لم يكن معنونا لكن هو قول القاضي النسفي كما في البزازية وقد قدمنا أنه خلاف ما عليه العامة قوله ( فراجع ذلك ) أراد بذلك أن يبين أن المسألة التي أفتى بها قارىء الهداية غير مسألة قاضيخان فإن ما في قاضيخان هو الذي ذكره المصنف كما وقفت عليه والذي أفتى به قارىء الهداية هو ما في شرح الوهبانية والملتقط كما علمت أقول والحاصل أنه اضطرب كلامهم في مسألة العمل بالخط ولعله مبني على اختلاف الرواية أو أن فيه قولين كما يشعر به التعبير بلفظ قالوا كما قدمناه والذي قدمناه عن البحر يفيد أن عامة علمائنا على عدم العلم بالخط وأشار العلامة البيري إلى أن قولهم لا يعتمد على الخط ولا يعمل بمكتوب الوقف الذي عليه خطوط القضاة الماضين الخ يستثنى منه ما وجده القاضي في أيدي القضاة الماضين وله رسوم في دواوينهم ويشير إليه ما قاله في الإسعاف من أن ذلك استحسان واستثنى أيضا في الأشباه تبعا لما في قاضيخان والبزازية وغيرهما خط السمسار والبياع والصراف وجزم به في البحر وكذا في الوهبانية وحققه ابن الشحنة وكذا الشرنبلالي في شرحها وأفتى به المصنف ونسبه العلامة البيري إلى غالب الكتب قال حتى المجتبى حيث قال وأما خط البياع والصراف والسمسار فهو حجة وإن لم يكن معنونا ظاهرا بين الناس وكذلك ما يكتب الناس فيما بينهم يجب أن يكون حجة للعرف ا ه وفي خزانة الأكمل صراف كتب على نفسه بمال معلوم وخطه معلوم بين التجار وأهل البلد ثم مات فجاء غريم يطلب المال من الورثة وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه حكم بذلك في تركته إن ثبت أنه خطه وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة ا ه ما قاله البيري ثم قال بعده قال العلامة العيني والبناء على العادة الظاهرة واجب فعلى هذا إذا قال البياع وجدت في يار كاري أي دفتر بخطي أو كتبت يار كاري بيدي أن لفلان علي ألف درهم كان هذا إقرارا ملزما إياه
قلت ويزاد أن العمل في الحقيقة إنما هو بموجب العرف لا بمجرد الخط والله تعالى أعلم وأقره الشارح في باب كتاب القاضي إلى القاضي حيث قال وفي الأشباه لا يعمل بالخط إلا في مسألة كتاب الأمان ويلحق به البراءات ودفتر بياع وصراف وسمسارا الخ مطلب في العمل بالدفاتر السلطانية وكتب سيدي نقلا عن المحقق هبة الله البعلي في شرحه على الأشباه ما نصه تنبيه مثل البراءات السلطانية الدفتر الخاقاني المعنون بالطرة السلطانية فإنه يعمل به وللشارح رسالة في ذلك حاصلها بعد أن نقل ما هنا من أنه يعمل بكتاب الأمان ونقل جزم ابن الشحنة وابن وهبان وبالعمل بدفتر الصراف والبياع والسمسار لعلة أمن التزوير كما جزم به البزازي والسرخسي وقاضيخان وأن هذه العلة في الدفاتر السلطانية أولى كما يعرفه من شاهد أحوال أهاليها حين نقلها إذ لا تحرر أولا إلا بإذن السلطان ثم بعد اتفاق الجم الغفير على نقل ما فيها من غير تساهل بزيادة أو نقصان تعرض على المعين لذلك فيضع خطه عليها ثم تعرض على المتولي لحفظها المسمى بدفتر أميني فيكتب عليها ثم تعاد أصولها إلى أمكنتها المحفوظة بالختم فالأمن من التزوير مقطوع به وبذلك كله يعلم جميع أهل الدولة والكتبة فلو وجد في الدفاتر أن المكان الفلاني وقف على المدرسة الفلانية مثلا يعمل به من غير بينة وبذلك يفتي مشايخ الإسلام كما هو مصرح به في بهجة عبد الله أفندي وغيرها فليحفظ ا ه فالحاصل أن للدار على انتفاء الشبهة ظاهرا وعليه فما يوجد في دفاتر التجار في زماننا إذا مات أحدهم وقد حرر بخطه ما عليه في دفتره الذي يقرب من اليقين أنه لا يكتب فيه على سبيل التجربة والهزل يعمل به والعرف جار بينهم بذلك فلو لم يعمل به لزم ضياع أموال الناس إذ غالب بياعاتهم بلا شهود فلهذه الضرورة جزم به الجماعة المذكورون وأئمة بلخ كما نقله في البزازية وكفى بالإمام السرخسي وقاضيخان قدوة وقد علمت أن هذه المسألة مستثناة من قاعدة أنه لا يعمل بالخط فلا يرد ما مر من أنه تحل الشهادة بالخط على ما عليه العامة ويدل عليه تعليلهم بأن الكتابة قد تكون للجربة فإن هذه العلة في مسألتنا منتفية واحتمال أن التاجر يمكن أن يكون قد دفع المال وأبقى الكتابة في دفتره بعيد جدا على أن ذلك الاحتمال موجود ولو كان بالمال شهود فإنه يحتمل أنه قد أوفى المال ولم يعد به الشهود ثم لا يخفى أنا حيث قلنا بالعمل بما في الدفتر فذاك فيما عليه كما يدل عليه ما قدمناه عن خزانة الأكمل وغيرها أما فيما له على الناس فلا ينبغي القول به فلو ادعى بمال على آخر مستندا لدفتر نفسه لا يقبل لقوة التهمة الكل من التنقيح لسيدي الوالد ملخصا وتمامه فيه وانظر ما قدمه في كتاب القاضي قوله ( ولا يشهد على شهادة غيره ) ولو سمعه يشهد غيره فإنه لا يسعه أن يشهد لأنه حمل غيره ط قوله ( ما لم يشهد عليه ) أي ما لم يقل له الشاهد أشهد على شهادتي قال في البحر ولو قال المؤلف كما في الهداية ما لم يشهد عليها لكان أولى من قوله عليه لما في الخزانة لو قال اشهد علي بكذا أو أشهد على ما شهدت به كان باطلا ولا بد أن يقول اشهد على شهادتي إلى آخره ا ه قوله ( فلو فيه جاز ) لأنها حينئذ ملزمة والتعليل يفيد أن القاضي قضى بها حموي لكن قال سيدي والظاهر أن المراد من كونها ملزمة أي للقاضي الحكم بها إذ لا يجوز له تأخير الحكم إلا في مواضع تقدمت في القضاء كما صرح به في النهاية و فتح القدير وتبعهم الشارح أقول وحينئذ لا يلزم ما أفاده التعليل من قضاء القاضي بها بالفعل قوله ( ويخالفه تصوير صدر الشريعة ) حيث قال سمع رجل أداء الشهادة عند القاضي لم يسع له أن يشهد على شهادته ا ه ح
فإن حمل ذلك على أنه قبل القضاء به ارتفعت المنافاة ط أقول وهو مؤيد لما قلناه آنفا في القولة التي قبل هذه قوله ( وقولهم ) عطف على تصويره أي ويخالفه قولهم ووجه المخالفة الإطلاق وعدم تقييد الاشتراط بما إذا كانت عند غير القاضي قوله ( لا بد من التحميل ) مصدر فعل المضعف في المواضع الثلاثة ح قوله ( وقبول التحميل ) فلو أشهده عليها فقال لا أقبل فإنه لا يصير شاهدا حتى لو شهد بعد ذلك لا تقبل كما في القنية وينبغي أن يكون هذا على قول محمد من أنه توكيل وللوكيل أن لا يقبل وأما على قولهما من أنه تحميل فلا يبطل بالرد لأن من حمل غير شهادة لم تبطل بالرد بحر قوله ( على الأظهر ) وهو قول العامة لما في الخلاصة معزيا إلى الجامع الكبير لو حضر الأصيلان ونهيا الفروع عن الشهادة صح النهي عند عامة المشايخ وقال بعضهم لا يصح والأول أظهر ا ه بحر قال ط وجه المخالفة أن الأولين لم يوجدا لأن الشاهد عند القاضي لم يحمل السامع والسامع لم يقبل وقد يقال إن هذا بمنزلة الشهادة بالحكم نفسه لكونها بعد القضاء بها ويقال في الثاني أيضا إن اشتراطه قول محمد لا قولهما فليتأمل ا ه قوله ( وإن لم يشهدهما القاضي عليه ) أي فتحمل عبارة النهاية السابقة على أنه سمعه في مجلس القاضي وحكم القاضي بشهادته فيشهد بحكم القاضي إلا بشهادة الشاهد لأن الشهادة على الحكم لا تحتاج إلى الإشهاد والشهادة على الشهادة تحتاج إليه بلا قيد كما هو صريح عبارة صدر الشريعة حيث قال سمع رجل أداء الشهادة عند القاضي لا يسعه أن يشهد على شهادته أفاده د قوله ( وقيده أبو يوسف الخ ) فيه تأمل فإن القاضي لا يجوز له قضاء في غير مجلس قضائه إذا كان معينا له فلو كان هذا الخلاف فيما إذا سمعا القاضي يشهد على قضائه لكان أظهر وفي حاشية الشلبي عن الكاكي لو سمع قاضيا يشهد قوما على قضائه كان للسامع أن يشهد على قضائه بغير أمره لأن قضاء القاضي حجة ملزمة ومن عاين حجة حل له الشهادة بها كما لو عاين الإقرار والبيع ا ه لكن قد سبق أن القاضي إذا حكم في غير نوبة القضاء وأجازه فيها صح فتدبر ط قوله ( كفى عدل واحد ) قيد بالعدل لأن خبر المستور لا يقبل في هذه الأشياء وإن كان اثنين وكذا الديانات كطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته ويقبل خبر العدل أو المستورين في عز الوكيل وحجر المأذون وإخبار البكر بإنكاح وليها وإخبار الشفيع بالبيع والمسلم الذي لم يهاجر قوله ( في اثني عشر مسألة ) منها الأحد عشر الآتية في النظم قال فيها وزدت أخرى يقبل قول أمين القاضي إذا أخبره شهادة شهود على عين تعذر حضورها كما في دعوى القنية أشباه قوله ( منها إخبار القاضي ) من إضافة المصدر لمفعوله أي إخبار العدل القاضي والأولى حذفه للاستغناء عنه بما نقله من النظم ومعناه أن القاضي إذا حبس شخصا في مال عوض عن مال وقد ادعى أنه معسر فإنه لا يصدقه ويحبسه مدة يراها فإذا أخبره عدل بعد هذه المدة بإفلاسه فإنه يقبل خبره ويطلقه ط قوله ( بعد المدة ) أي بعد أن حبسه القاضي مدة يعلم من حاله أنه لو كان له مال لقضى دينه ولم يصبر على ذل الحبس كما تقدم مدني قوله ( أي تزكية السر ) عندهما ورتب محمد تزكيته على مراتب الشهادة الأربعة المتقدمة فالمزكي في كل مرتبة مثل الشاهد شرنبلالية أي يشترط في تزكية الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود والقصاص رجلان وفي غيرهما من الحقوق رجلان أو رجل وامرأتان وفيما لا يطلع عليه الرجال امرأة واحدة ترتيبها على ترتيب الشهادة لأنها كالشهادة وبه قالت الثلاثة ومحل الاختلاف ما إذا لم يرض الخصم بتزكية واحد فإن رضي الخصم بتزكية واحد فزكى جاز إجماعا بحر عن الولوالجية
قوله ( وأما تزكية العلانية فشهادة إجماعا ) الأحسن ما في البحر حيث قال وقيدنا بتزكية السر للاحتراز عن تزكية العلانية فإنه يشترط لها جمع ما يشترط في الشهادة من الحرية والبصر وغير ذلك إلا لفظ الشهادة إجماعا لأن معنى الشهادة فيها أظهر فإنها تختص بمجلس القضاء وكذا يشترط العدد فيها على ما قاله الخصاف ا ه ويشترط في المزكي علانية عدم العداوة للمدعى عليه فلو زكى أعداء المدعى عليه الشهود لا تصح التزكية لأنها شهادة كما صرح به في التنقيح وفي البحر أيضا وخرج من كلامه تزكية الشاهد بحد الزنا فلا بد في المزكي فيها من أهلية الشهادة والعدد والأربعة إجماعا ولم أر الآن حكم تزكية الشاهد ببقية الحدود ومقتضى ما قالوه اشتراط رجلين لها ا ه قال الدمياطي أما قوله إجماعا ففيه تأمل لأنه لم يسبقه خلاف يقابل به الإجماع قال في البحر وينبغي للقاضي أن يختار في مزكي الشهود من هو أخبر بأحوال الناس وأكثرهم اختلاطا بالناس مع عدالته عارفا بما يكون جرحا وما لا يكون غير طماع ولا فقير كي لا يخدع بالمال فإن لم يكن في جيرانه ولا أهل سوقه من يثق به اعتبر تواتر الأخبار وخص في البزازية السؤال من الأصدقاء ا ه قوله ( وترجمة الشاهد ) فيشترط أن لا يكون المترجم أعمى عند الإمام وهذا إذا لم يعرف القاضي لغته فإن كان عارفا بلسان الشاهد والخصم لم يجز ترجمة الواحد والأولى أن يقال لا يحتاج القاضي إلى ترجمة وذكر بعضهم أن الأولى كون القاضي عارفا باللغة التركية واتخاذ المترجم وقع في الجاهلية والإسلام ولما جاء سلمان للنبي ترجم يهودي كلامه فخان فيه فنزل جبريل عليه السلام بحديث طويل وأمر رسول الله زيد بن ثابت أن يتعلم العبرانية فكان يترجم بها وفي المصباح ترجم فلان كلامه إذا بينه وأوضحه وترجم كلام غيره إذا عبر عنه بلغة غير لغة المتكلم واسم الفاعل ترجمان بفتح التاء وضم الجيم في الفصيح وقد تضم التاء تبعا للجيم وقد تفتح الجيم تبعا للتاء والجمع تراجم بكسر الجيم والتزكية المدح قال في الصحاح زكى نفسه تزكية مدحها ا ه قوله ( والخصم ) هو أعم من المدعي والمدعى عليه قوله ( من القاضي ) وكذا من المزكي إلى القاضي كما في الفتح أي فيكفي العدل الواحد للتزكية والترجمة والرسالة لأنها خبر وليست بشهادة حقيقة ولذا جوزوا تزكية العبد والمرأة والأعمى والمحدود في القذف إذا تاب وكذا تزكية من لا تقبل شهادته له كتزكية أحد الزوجين للآخر وتزكية الوالد لولده وبالعكس كما في العيني وصدر الشريعة قوله ( وجاز تزكية عبد ) أي لمولاه قوله ( ووالد ) لولده وعكسه وأحد الزوجي للآخر قوله ( في تقوم ) أي تقوم الصيد الذي أتلفه المحرم وكذا في متلف بأن كسر شخص لشخص شيئا فادعى أن قيمته مبلغ كذا فأنكر المدعى عليه أن يكون ذلك القدر فيكفي في إثبات قيمته قول العدل الواحد وذكر في البزازية من خيار العيب أنه يحتاج إلى تقويم عدلين لمعرفة النقصان فيحتاج إلى الفرق بين التقويمين ويستثنى من كلامه تقويم نصاب السرقة فلا بد فيه من اثنين كما في العناية ط قوله ( وأرش يقدر ) أي في نحو الشجاج قوله ( والسلم ) بسكون اللام للضرورة بمعنى المسلم فيه ح أي إذا اختلفا فيه بعد إحضاره بحر قوله ( وإفلاسه ) أي إذا أخبر القاضي عدل بإفلاس المحبوس بعد مضي المدة أطلقه مكتفيا به حموي قوله ( الإرسال ) أي رسول القاضي للمزكي قوله ( والعيب يظهر ) أي إذا اختلف البائع والمشتري في إثبات العيب يكتفي في إثباته بقول عدل ويظهر من الإظهار ضميره إلى العدل والعيب مفعول مقدم قوله ( وصوم على ما مر ) أي من رواية الحسن أنه يقبل العدل الواحد في الصوم بلا علة قوله ( أو عند علة ) من غيم أو غبار ونحوه على ظاهر المذهب قوله ( وموت ) أي موت الغائب
قوله ( إذ للشاهدين يخبر ) أي إذا شهد عدل عند رجلين على موت رجل وسعهما أن يشهدا على موته قوله ( والتزكية للذمي الخ ) وهل يكفي فيه تزكية الكافر الواحد يحرر حموي أقول مقتضى ما مر في تزكية السير أنها تقبل لأن المزكي في كل مرتبة مثل الشاهد وحيث قبل الأصل فالمزكي مثله من باب أولى على ما ظهر لي فتأمله قوله ( بالأمانة في دينه ) بأن يكون محافظ على ما يعتقده شريعة على ما هو الظاهر ط قوله ( ولسانه ) بأن لم يعهد عليه كذب قوله ( ويده ) لعل المراد بها المعاملة أو أن لا يكون سارقا ط قوله ( وأنه صاحب يقظة ) أي ليس بمغفل ولا معتوه قوله ( سألوا عنه عدول المشركين ) قال أبو السعود من هنا يعلم أن العدالة لا تستلزم الإسلام ا ه أي في حق الكافر والأولى أن يقول سأل أي القاضي وفي البحر يسأل أي القاضي عن شهود الذمة عدول المسلمين وإلا سأل عنهم عدول الكفار كذا في المحيط والاختيار قوله ( عدل ) بالبناء للمفعول قوله ( قبلت شهادته ) ولا يحتاج إلى تعديل جديد بع الإسلام بخلاف الصبي الذي احتلم فإنه لا يقبل القاضي شهادته ما لم يسأل عنه أهل محلته ويتأنى بقدر ما يقع في قلوب أهل مسجد كما في الغريب أنه صالح أو غيره كما قدمناه عن البحر والظهيرية قوله ( ولو سكر الذمي لا تقبل ) لأن السكر من المحرمات التي ذكرت في الإنجيل فيكون بذلك فاسقا في دينه قوله ( ولا يشهد من رأى خطه الخ ) أي لا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد حتى يتذكر وكذا القاضي إذا وجد في ديوانه مكتوبا شهادة شهود ولا يتذكر ولا للراوي أن يروي اعتمادا على ما في كتابه ما لم يتذكر وهو قول الإمام فلا بد عنده للشاهد من تذكر الحادثة والتاريخ ومبلغ المال وصفته حتى إذا لم يتذكر شيئا منه وتيقن أنه خطه وخاتمه لا ينبغي له أن يشهد وإن لم يعرف مكان الشهادة ووقتها ا ه وجوز محمد للكل الاعتماد على الكتاب إذا تيقن أنه خطه وإن لم يتذكر توسعة على الناس وجوزه أبو يوسف للراوي والقاضي دون الشاهد وفي الخلاصة أن أبا حنيفة ضيق في الكل حتى قلت روايته الأخبار مع كثرة سماعه فإنه روى أنه سمع من ألف ومائتي رجل غير أنه يشترط الحفظ وقت السماع وفي وقت الرواية ا ه ومحل الخلاف في القاضي إذا وجد قضاءه مكتوبا عنده وأجمعوا أن القاضي لا يعمل بما يجده في ديوان قاض آخر وإن كان مختوما كذا في الخلاصة وقال شمس الأئمة الحلواني ينبغي أن يفتي بقول محمد وهكذا في الأجناس وجزم في البزازية وفي المبتغى من وجد خطه وعرفه ونسي الشهادة وسعه أن يشهد إذا كان في حوزه وبه نأخذ ا ه وعزاه في البزازية إلى النوازل بحر قال سيدي الوالد ناقلا عن الجوهرة من أن عدم حل الشهادة إذا رأى خطه ولم يتذكر الحادثة هو قولهما وقال أبو يوسف يحل له أن يشهد وفي الهداية محمد مع أبي يوسف وقيل لا خلاف بينهم في هذه المسألة أنهم متفقون على أنه لا يحل له أن يشهد في قول أصحابنا جميعا إلا أن يتذكر الشهادة وإنما الخلاف بينهم فيما إذا وجد القاضي شهادة في ديوانه لأن ما في قمطره تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له العلم ولا كذلك الشهادة في الصك لأنها في يد غيره وعلى هذا إذا ذكر المجلس الذي كانت فيه الشهادة أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت كذا في الهداية وفي البزدوي الصغير إذا استيقن أنه خطه وعلم أنه لم يرد فيه شيء بأن كان مخبوءا عنده أو علم بدليل آخر أنه لم يزد فيه لكن لا يحفظ ما سمع فعندهما لا يسعه أن يشهد وعن أبي يوسف يسعه وما قاله أبو يوسف هو المعمول به
وقال في التقويم قولهما هو الصحيح ا ه ما نقله سيدي الوالد رحمه الله تعالى ثم إن الشاهد إذا اعتمد على خطه على القول المفتى به وشهد وقلنا بقبوله فللقاضي أن يسأله هل شهد عن علم أو عن خط إن قال عن علم قبله وإن قال عن الخط لا كما في البحر وظاهر كلام المؤلف كمسكين أن الصاحبين متفقان وقد علمت ما قدمناه ونحوه في العيني والزيلعي قال أبو السعود ويمكن دفع التنافي بأن عن الثاني روايتين قوله ( وجوازه لو في حوزه وبه نأخذ ) تقدم في كتاب القاضي عن الخزانة أنه يشهد وإن لم يكن الصك في يد الشاهد لأن التغير نادر وأثره يظهر فراجعه ورجح في الفتح ما ذكره الشيخ وذكر له حكاية تؤيده قوله ( بما لم يعاينه ) أي بما لم يقطع به جهة المعاينة بالعين أو بالسماع ط عن الكمال ومثال الثاني العقود قوله ( إلا في عشرة ) كلها مذكورة هنا متنا وشرحا آخرها قول المتن ومن في يده شيء الخ ح قلت بل العاشر قوله وشرائطه وفي الطبقات السنية للتميمي في ترجمة إبراهيم بن إسحاق من نظمه فهم مسائل ستة وشهد بها من غير رؤياها وغير وقوف نسب وموت والولاد وناكح وولاية القاضي وأصل وقوف قوله ( منها العتق ) ذكر السرخسي أن الشهادة بالسماع في العتق لا تقبل بالإجماع وذكر شيخه الحلواني أن الخلاف ثابت فيه فعن أبي يوسف الجواز فالمعتمد عدم القبول فيه كالذي بعده وفي البحر شرط الخصاف للقبول في العتق عند أبي يوسف أن يكون مشهورا وللعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام ولم يشترطه محمد في المبسوط وفي شرح العلامة عبد البر التاسعة الشهادة في العتق قالوا لا يحل عندنا خلافا للشافعي ثم نقل عن الحلواني ما تقدم قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في تنقيحه والعبد إذا ادعى حرية الأصل ثم العتق العارض تسمع والتناقض لا يمنع الصحة وفي حرية الأصل لا تشترط الدعوى وفي الإعتاق المبتدأ تشترط الدعوى عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط وأجمعوا على أن دعوى الأمة ليس بشرط خلاصة أي لأنها شهادة بحرية أمة فهي شهادة بحرمة الفرج وتمامه فيه قوله ( والولاء عند الثاني ) أي في القول الأخير له والقول الأول له كالإمام أنها لا تحل ما لم يعاين إعتاق المولى وقول محمد مضطرب والظاهر أن المعتمد قول الإمام لعدم تصحيح قول الثاني على أن بعضهم جعل ذلك رواية عنه لا مذهبا والدليل للإمام كما في الزيلعي أن العتق ينبني على زوال الملك ولا بد فيه من المعاينة فكذا ما ينبني عليه ط قوله ( والمهر على الأصح ) أي من روايتين عن محمد لأنه من توابع النكاح فكان كأصله قال في البحر ومن ذلك المهر فظاهر التقييد أنه لا تقبل فيه به ولكن في البزازية والظهيرية والخزانة أن فيه روايتين والأصح الجواز ا ه ومثله في الخلاصة والشرنبلالية فإن حمل ما في هذه الكتب على أن الروايتين عن محمد فلا منافاة قال في جامع الفصولين الشهادة بالسماع من الخارجين من بين جماعة حاضرين في بيت عقد النكاح بأن المهر كذا تقبل لا ممن سمع من غيرهم ا ه قوله ( والنسب ) سواء جاز بينهما النكاح أو لا بحر فجاز أن يشهد أنه فلان بن فلان الفلاني من سمع من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند الإمام وإن لم يعاين الولادة وعندهما إذا أخبره بذلك عدلان يكفي والفتوى على قولهما كما في شرح الوهبانية عن العمادية وفي التاترخانية عن المحيط وإذا قدم عليه رجل من بلد آخر وانتسب إليه وأقام معه دهرا لم يسعه أن يشهد على نسبه حتى يشهد له رجلان من أهل بلده عدلان أو يكون النسب مشهورا وذكر الخصاف هذه المسألة وشرط لجواز الشهادة شرطين أن يشتهر الخبر
والثاني أن يمكث فيهم سنة فإنه قال لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى يقع معرفة ذلك في قلوبهم وذلك بأن يقيم معهم سنة وإن وقع في قلبه معرفة ذلك قبل مضي السنة لا يجوز أن يشهد روى عن أبي يوسف أنه قدر ذلك بستة أشهر والصحيح أنه إذا سمع من أهل بلده من رجلين عدلين حل له أداء الشهادة وإلا فلا أما إذا سمع ذلك ممن سمع من المدعي لا يحل له أن يشهد وإن اشتهر ذلك فيما بين الناس لكنه إن شهد عنده جماعة حتى تقع الشهرة حقيقة وعرف ووقع عنده أنه ثابت النسب من فلان أو شهد عنده عدلان حتى ثبت الاشتهار شرعا حل له أن يشهد ا ه وفي البحر عن البزازية وفي دعوى العمومة لا بد أن يفسر أن عمه لأمه أو لأبيه أو لهما ويشترط أن يقول هو وارثه لا وارث له غيره فإن برهن على ذلك أو على أنه أخو الميت لأبويه لا يعلمون أن له وارثا غيره يحكم له بالمال ولا يشترط ذكر الأسماء في الأقضية إلى أن قال ادعى على آخر أنه أخوه لأبيه إن ادعى إرثا أو نفقة وبرهن يقبل ويكون قضاء على الغائب أيضا حتى لو حضر الأب وأنكر لا تقبل ولا يحتاج إلى إعادة البينة لأنه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب وإن لم يدع مالا بل ادعى الأخوة المجردة لا يقبل لأن هذا في الحقيقة إثبات البنوة على الأب المدعى عليه والخصم فيه هو الأب لا الأخ وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والأب غائب أو ميت لا يصح ما لم يدع مالا فإن ادعى مالا فالحكم على الحاضر والغائب جميعا بخلاف ما إذا ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه أو على امرأة أنها زوجته أو ادعت عليه أنه زوجها أو ادعى العبد على عربي أنه مولاه عتاقة أو ادعى عربي على آخر أنه معتقه أو ادعت على رجل أنها أمته أو كان الدعوى في ولاء الموالاة وأنكره المدعى عليه فبرهن المدعي على ما قال يقبل ادعى به حقا أو لا بخلاف دعوى الأخوة لأنه دعوى الغير ألا ترى أنه لو أقر أنه أبوه أو ابنه أو زوجه أو زوجته صح أو بأنه أخوه لا لكونه حمل النسب على الغير وتمامه فيها وحاصل ما ينفعنا هنا أن الشهود إذا شهدوا بنسب فإن القاضي لا يقبلهم ولا يحكم به إلا بعد دعوى مال إلا في الأب والابن ا ه وأراد بدعوى المال النفقة أو الإرث أو دعوى الاستحقاق في الوقف والوصية ونحوها سيدي الوالد رحمه الله تعالى وقال في البحر ثم اعلم أن القضاء بالنسب مما لا يقبل النقض لكونه على الكافة كالنكاح والحرية والولاء كما في الصغرى وقد كتبنا في الفوائد أن القضاء عى الكافة في هذه الأربعة لكن يستثنى من النسب ما في المحيط من باب الشهادة بالتسامع شهدا أن فلان بن فلان مات وهذا ابن أخيه ووارثه قضى بالنسب والإرث ثم أقام آخر البينة أنه ابن الميت ووارثه ينقض الأول ويقضي للثاني لأن الابن مقدم على ابن الأخ ولا تنافي بين الأول والثاني لجواز أن يكون له ابن وابن أخ فينقض القضاء في حق الميراث لا في حق النسب حتى يبقى الأول وابن عم له حتى يرث منه إذا مات ولم يترك وارثا آخر أقرب منه فإن أقام آخر البينة أن الميت فلان بن فلان ونسبه إلى أب آخر غير الأب الذي نسبه إلى الأول فإنه ينظر إن ادعى ابن أخيه لا ينقض القضاء الأول لأنه لما أثبت نفسه من الأول خرج عن أن يكون محلا لإثباته في إنسان آخر وليس في البينة الثانية زيادة إثبات إلى آخر ما ذكره والمراد بقوله من يثق به غير الخصم إذ لو أخبره رجل أنه فلان بن فلان لا يسعه أن يعتمد على خبره ويشهد بنفسه لأنه لو جاز له ذلك جاز للقاضي القضاء بقوله كذا في خزانة المفتين
وشرط فيها للقبول في النسب أن يخبره عدلان من غير استشهاد الرجل فإن أقام الرجل شاهدين عنده على نسبه لا يسعه أن يشهد ا ه قوله ( والموت ) فإذا سمع من الناس أن فلانا مات وسعه أن يشهد على ذلك وإن لم يعاين الموت وللزوجة أن تعمل بالسماع قال في البزازية قال رجل لامرأة سمعت أن زوجك مات لها أن تتزوج إن كان المخبر عدلا ا ه ولو شهد رجل بالموت وآخر بالحياة فالمرأة تأخذ بقول من كان عدلا منهما سواء كان العدل أخبر بالحياة أو الموت ولو كان كلاهما عدلين تأخذ بقول من يخبر بالموت إن لم يؤرخا فإن أرخا وتأخر تاريخ شهادة الحياة فهي أولى كما في الظهيرية وغيرها وفي المحيط لو جاء خبر موت إنسان فصنعوا له ما يصنع على الميت لم يسعه أن يخبر بموته حتى يخبره ثقة أنه عاين موته لأن المصائب قد تتقدم على الموت إما خطأ أو غلطا أو حيلة لقسمة المال ا ه ولو قال المخبر إنا دفناه وشهدنا جنازته تقبل لأنها تكون شهادة على الموت لكن قال في جامع الفصولين من الفصل الثاني عشر لو أخبرها عدل أن زوجها مات أو طلقها ثلاثا فلها التزوج ولو أخبرها فاسق تحرت وفي إخبار العبد بموته إنما يعتمد على خبره لو قال عاينته ميتا أو شهدت جنازته لا لو قال أخبرني مخبر به ا ه قال في البزازية ولو أخبر واحد بموت الغائب واثنان بحياته وإن كان المخبر عاين الموت أو شهد جنازته وعدل لها أن تتزوج هذا إذا لم يؤرخا أو أرخا وكان تاريخ الموت آخرا وإن كان تاريخ الحياة آخرا فشاهد الحياة أولى وفي وصايا عصام شهدا بأن زوجها فلانا مات أو قتل وآخر على الحياة فالموت أولى ا ه قال في البحر وظاهر إطلاقه في الموت أنه لا فرق في الموت بين أن يكون مشهورا أو لا وقيده في المعراج معزيا إلى رشيد الدين في فتاواه بأن يكون عالما أو من العمال أما إذا كان تاجرا أو مثله فإنها لا تجوز إلا بالمعاينة ا ه قال العلامة عبد البر ولا نظفر بهذه الرواية في شيء من الكتب في غير فتاواه ا ه ومثله في جامع الفصولين قال ط فكأنه لم يسلم له هذا القيد لأنه لم يستند إلى نص ا ه فتأمل قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في التنقيح عازيا لصور المسائل والنسب والنكاح يخالف الموت فإنه لو أخبره بالموت رجل أو امرأة حل له أن يشهد وفي غيره لا بد من إخبار عدلين وأما في الموت فإنه يكفي فيه العدل ولو أنثى هو المختار إلا أن يكون المخبر منهما كوارث وموصى له كما في شرح الوهبانية شرح الملتقى للعلائي من الشهادة شهد أنه شهد أي حضر دفن زيد أو صلى عليه فهو معاينة حتى لو فسر للقاضي يقبله إذ لا يدفن إلا الميت ولا يصلي إلا عليه درر آخر الشهادات ا ه والقتل كالموت فيترتب عليه أحكامه من جواز اعتداد المرأة إذا أخبرت بقتله كموته للتزوج كما نبه عليه العلامتان صاحب البحر والمقدسي لا من جهة ترتب القصاص قوله ( والنكاح ) فلمن سمع به من جمع عند الإمام وعدلين عندهما أن يشهد به قهستاني وفي القنية نكاح حضره رجلان ثم أخبر أحدهما جماعة أن فلانا تزوج فلانة بإذن وليها والآن يجحد هذا الشاهد يجوز للسامعين أن يشهدوا على ذلك وفي العمادية وكذا تجوز الشهادة بالشهرة والتسامع في النكاح حتى لو رأى رجلا يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانة زوجة فلان وسعه أن يشهد أنها زوجته وإن لم يعاين عقد النكاح ا ه ويشهد من رأى رجلا وامرأة بينهما انبساط الأزواج أنها عرسه ا ه درر وفي الخلاصة إذا شهد تعريسه وزفافه أو أخبره بذلك عدلان حل له أن يشهد أنها امرأته
قال في جامع الفصولين الشهرة الشرعية أن يشهد عنده عدلان أو رجل وامرأتان بلفظ الشهادة من غير استشهاد ويقع في قلبه أن الأمر كذلك ومثله في الظهيرية قوله ( والدخول بزوجته ) فإنها تقبل بالسماع ذكر في الخلاصة خلافا في الدخول ففي فوائد أستاذنا ظهير الدين لا يجوز لهم أن يشهدوا على الدخول بالمنكوحة بالتسامع ولو أراد أن يثبق الدخول يثبت الخلوة الصحيحة ا ه لكن أفاد العلامة عبد البر أنها تقبل بالسماع ويترتب على قبولها أحكام كالعدة والمهر والنسب ا ه قوله ( وولاية القاضي ) أي كونه قاضيا في ناحية كذا فإنه لم سمعه من الناس جاز أن يشهد به قهستاني وإن لم يعاين تقليد الإمام ا ه عبد البر وفي البحر وظاهر ما في المعراج أن الأمير كالقاضي فيزاد الإمرة ا ه وصرح به في البزازية حيث قال وكذا يجوز الشهادة على أنه قاضي بلد كذا أو والي بلد كذا وإن لم يعاين التقليد والمنشور ا ه وصرح به في الخلاصة أيضا قال في البحر وكذا إذا رأى شخصا جالسا مجلس الحكم يفصل الخصومات جاز له أن يشهد على أنه قاض مطلب إذا لم يكن الوقف قديما لا بد من ذكر واقفه في الشهادة عليه قوله ( وأصل الوقف ) بأن يشهد أن هذا وقف على موضع أو جماعة كذا وهل ذكر المصرف شرط في الكافي عن المرغياني نعم وفي الخزانة لا يشترط على المختار إن كان وقفا قائما ينصرف إلى الفقراء وذكر الشيخ ظهير الدين المرغيناني إذا لم يكن الوقف قديما لا بد من ذكر واقفه ط وفي فتاوى قارىء الهداية صورة الشهادة بالتسامع على أصل الوقف أن يشهدوا أن فلانا وقفه على الفقراء أو على القراء أو على أولاده من غير أن يتعرضوا إنه شرط في وقفه كذا وكذا فإن شهدوا على شرط الواقف وأنه قال للجهة الفلانية كذا وللجهة الفلانية كذا فلا تسمع بالتسامع على شروط الواقف لأن الذي يشتهر إنما هو أصل الوقف وأنه على الجهة الفلانية أما الشروط فلا تشتهر فلا تجوز الشهادة على الشروط بالتسامع ا ه وتقدم في الوقف أنه تقبل الشهادة فيه من غير بيان الواقف لو قديما عند أبي يوسف وأن الفتوى عليه فراجعه وهذا بالنسبة لنفس الوقف أما الدعوى به بأن ادعى أن هذه الأرض وقف وقفها فلان علي وذو اليد يجحد ويقول هي ملكي فيشترط بيان الواقف وأنه وقفه وهو يملكه قوله ( قيل وشرائطه على المختار ) قال الطحطاوي ولا وجه لذكر قيل فإنهما قولان مصصحان قال في البحر وفي الفصول العمادية من العاشر المختار أن لا تقبل الشهادة بالشهرة على شرائط الوقف ا ه وفي المجتبى المختار أن تقبل على شرائط الوقف ا ه واعتمده في المعراج وأقره الشرنبلالي وعزاه إلى العلامة قاسم وقواه في الفتح بقوله وأنت إذا عرفت قولهم في الأوقاف الذي انقطع ثبوتها ولم يعرف لها مصارف وشرائط أنه يسلك بها ما كانت في دواوين القضاة لم تتوقف عن تحسين ما في المجتبى لأن ذلك هو معنى الثبوت بالتسامع ا ه أي لأن الشهادة بالتسامع هي أن يشهد بما لم يعاينه والعمل بما في دواوين القضاة عمل بما لم يعاين وأيضا قولهم المجهولة شرائطه ومصارفه يفهم منه أن ما لم يجهل منها يعمل بما علم منها وذلك العلم قد لا يكون بمشاهدة الواقف بل بالتصرف القديم وبه صرح في الذخيرة حيث قال سئل شيخ الإسلام عن وقف مشهور اشتبهت مصارفه وقدر ما يصرف إلى مستحقيه قال ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان من أن قوامه كيف يعملون فيه وإلى من يصرفونه فيبني على ذلك لأن الظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك على موافقة شرط الواقف وهو المظنون بحال المسلمين فيعمل على ذلك ا ه فهذا عين الثبوت بالتسامع
وفي الخيرية إذا كان للوقف كتاب في ديوان القضاة المسمى في عرفنا بالسجل وهو في أيديهم اتبع ما فيه استحسانا إذا تنازع أهله فيه وإلا ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان من أن قوامه كيف كانوا يعملون وإن لم يعلم الحال فيما سبق رجعنا إلى القياس الشرعي وهو أن من أثبت بالبرهان حقا حكم له به اه لكن قولهم المجهولة شرائطه الخ يقتضي أنها لو علمت ولو بالنظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من تصرف القوام لا يرجع إلى ما في سجل القضاة وهذا عكس ما في الخيرية فتنبه لذلك أقول ثم إن المراد من الشرائط والجهات كما وقع في عبارة الإسعاف وأوضحه الرملي أن يقول إن قدرا من الغلة لكذا ثم يصرف الفاضل إلى كذا بعد بيان الجهة وليس معنى الشروط أن يبين الموقوف عليه لأنه لا بد منه في إثبات أصل الوقوف كما تقدم آنفا قال الرملي والمراد بأصل الوقف أن هذه الضيعة وقف على كذا فبيان المصرف داخل في أصل الوقف أما الشرائط فلا يحل فيها الشهادة بالتسامع وهو معنى قوله في فتح القدير وليس في معنى الشروط أن يبين الموقوف عليه ا ه ويأتي تمام الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى تنبيه قال في البحر ومسأل الشهادة بالوقف أصلا وشروطا لم تذكر في ظاهر الرواية وأنها قاسها المشايخ على الموت وقد اختلف فيها المشايخ بعضهم قال يحل وبعضهم قال لا يحل وبعضهم فصل كما سبق ولكن نقل الشلبي عن شرح المجمع للمصنف في كتاب الوقف أن قبول الشهادة بالتسامع في أصل الوقف قول محمد وبه أخذ الفقيه أبو الليث وهو المختار ا ه قوله ( في بابه ) أي باب الوقف في فصل يراعى شرط الواقف وتقدم هناك تحقيقه في الحاشية فراجعه قوله ( هو كل ما تعلق به صحته ) كأن يكون منجزا مسلما مجعولا آخره لجهة لا تنقطع ونحو ذلك مما ذكر في شروط صحته قال المصنف في الوقف وبيان المصرف من أصله أي لتوقف صحة الوقف عليه أي فتقبل شهادة على المصرف بالتسامع كأصله وكونه وقفا على الفقراء أو على مسجد كذا تتوقف عليه صحته بخلاف اشتراط صرف غلته لزيد أو للذرية فهو من الشرائط لا من الأصل قال سيدي الوالد ولعله هذا مبني على قول محمد باشتراط التصريح في الوقف بذكر جهة لا تنقطع وتقدم ترجيح قول أبي يوسف بعدم اشتراط التصريح به فإذا كان ذلك غير لازم في كلام الواقف فينبغي أن لا يلزم في الشهادة بالأولى لعدم توقف الصحة عليه عنده ويؤيد هذا ما في الإسعاف والخانية لا تجوز الشهادة على الشرائط والجهات بالتسامع ا ه ولا يخفى أن الجهات هي بيان المصارف فقد ساوى بينهما وبين الشرائط إلا أن يراد بها الجهات التي لا يتوقف صحة الوقف عليها وفي التاترخانية وعن أبي الليث تجوز الشهادة في الوقف بالاستفاضة من غير الدعوى وتقبل الشهادة الوقف وإن لم يبينوا وجها ويكون للفقراء ا ه وفي جامع الفصولين ولو ذكر الواقف لا المصرف تقبل لو قديما ويصرف إلى الفقراء ا ه وهذا صريح فيما قلنا من عدم لزومه في الشهادة والظاهر أنه مبني على قول أبي يوسف وعليه فلا يكون بيان المصرف من أصله فلا تقبل فيه الشهادة بالتسامع كما سمعت نقله عن الخانية والإسعاف والظاهر أن هذا إذا كان المصرف جهة مسجد أو مقبرة أو نحوهما أما لو كان للفقراء فلا يحتاج إلى إثباته بالتسامع لما علمت من أنه يثبت بالشهادة على مجرد الوقف فإن ثبت الوقف بالتسامع يصرف إلى الفقراء بدون ذكرهم كما علم من عبارة التاترخانية والفصولين
وقد ذكر الخير الرملي توفيقا آخر بين ما ذكره المصنف وبين ما نقلناه عن الإسعاف والخانية بحمل جواز الشهادة على ما إذا لم يكن الوقف ثابتا على جهة بأن ادعى على ذي يد يتصرف بالملك بأنه وقف على جهة كذا فشهدوا بالسماع للضرورة في الأول دون الثاني لأن أصل جواز الشهادة فيه بالسماع للضرورة والحكم يدور مع علته وجازت إذا قدم قال وقد رأيت شيخنا الحانوتي أجاب بذلك ا ه ملخصا قوله ( وإلا ) أي وإلا تتوقف عليه صحته كذكر الجهات من إمام ومؤذن أو تأبيد فإنه لا يشترط فيه في رواية عن الثاني وعليها الإفتاء كما تقدم آنفا قوله ( بذلك ) أي بالتسامع وإنما جازت الشهادة في هذه المواضع مع عدم المعاينة إذا أخبره بها من يثق به استحسانا دفعا للحرج وتعطيل الأحكام إذ لا يحضرها إلا الخواص فالنكاح لا يحضره كل أحد والدخول لا يقف عليه أحد وكذا الموت لا يعاينه كل أحد وسبب النسب الولادة ولا يحضرها إلا القابلة وسبب القضاء التقليد ولا يعاين ذلك إلا الوزير ونحوه من الخواص وكذا الوقف تتعلق به وكذا بما مر أحكام تبقى على مر الدهور فلو لم يقبل فيها التسامع أدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام وتمامه في الحموي ط قوله ( من يثق الشاهد به من خبر جماعة ) قال في الفتاوى الصغرى الشهادة بالشهرة في النسب وغيره بطريق الشهرة الحقيقية أو الحكمية فالحقيقية أن يشتهر ويسمع من قوم كثيرين لا يتصور تواطؤهم على الكذب ولا يشترط في هذا العدالة بل يشترط التواتر والحكمية أن يشهد عنده عدلان من الرجال أو رجل وامرأتان بلفظ الشهادة لكن الشهرة في الثلاثة الأول يعني النسب والنكاح والقضاء لا تثبت إلا بخبر جماعة لا يتوهم تواطؤهم على الكذب أو خبر عدلين بلفظ الشهادة وفي باب الموت بخبر العدل الواحد وإن لم يكن بلفظ الشهادة كذا في باب النسب من شهادات خواهر زاده وكذا ذكر عدالة المخبر في الموت صاحب المختصر شرنبلالية وفي الزيلعي ولا يشترط في الموت لفظ الشهادة لأنه لا يشترط فيه العدد فكذا لفظ الشهادة وفي شهادة الواحد بخبر الموت قولان مصححان ووجه القبول أن الموت قد يتفق في موضع لا يكون فيه إلا واحد فلو قلنا إنه لا تسمع الشهادة إلا بعدد لضاعت الحقوق ط قوله ( لا يتصور تواطؤهم على الكذب ) هذا هو المتواتر عند الأصوليين فإنه كما في المنار الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب قال شارحه ولا يشترط في التواتر عدد معين خلافا للبعض قوله ( بلا شرط عدالة ) أي لا يشترط العدالة والإسلام في المخبرين حتى لو أخبر جمع غير محصورين من كفار بلدة بموت ملكهم حصل لنا اليقين كما في شرح المنار قوله ( أو شهادة عدلين ) بالجر عطف على خبر جاعة يعني ومن في حكمهما وهو عدل وعدلتان كما في الملتقى يعني أن الشهرة لها طريقان حقيقي وهو بالمتواتر وحكمي وهو ما كان بشهادة عدلين فقد ذكر ظهير الدين أن الاشتهار بشهادة عدلين أو رجل وامرأتين بلفظ الشهادة بدون اشتهار ويقع في قلبه أن الأمر كذلك وقد تقدم عن الصغرى قوله ( إلا في الموت ) قال في جامع الفصولين شهد أن أباه مات وتركه ميراثا له إلا أنهما لم يدركا الموت لا تقبل لأنهما شهدا بملك للميت بسماع فلم تجز ا ه قوله ( فيكفي العدل ) أي بالنسبة للشهادة وأما القضاء فلا بد فيه من شهادة اثنين لقولهم وفي الموت مسألة عجيبة هي إذا لم يعاين الموت إلا واحد ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده ماذا يصنع قالوا يخبر بذلك عدلا مثله وإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته فيشهد هو مع ذلك الشاهد فيقضي بشهادتهما ا ه ولا بد أن يذكر ذلك المخبر أنه شهد موته أو جنازته ودفنه حتى يشهد الآخر معه كما قدمناه