Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

حصہ V09/P415–V09/P419

[الأنعام: 94] القول في تأويل قوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} [الأنعام: 94] يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة: ما نرى معكم شفعاءكم الذين كنتم في الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لقيله: إن اللات والعزى يشفعان له عند الله يوم القيامة. وقيل: إن ذلك كان قول كافة عبدة الأوثان ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} [الأنعام: 94] ، «فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأن هذه الآلهة شركاء لله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: " قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] إلى قوله: {شركاء} [النساء: 12] . 09P417 [الأنعام: 94] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] يقول تعالى مخبرا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] يعني: تواصلهم الذي كان بينهم في الدنيا ذهب ذلك اليوم، فلا تواصل بينهم ولا تواد ولا تناصر، وقد كانوا في الدنيا يتواصلون ويتناصرون فاضمحل ذلك كله في الآخرة، فلا أحد منهم ينصر صاحبه ولا يواصله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] البين: تواصلهم حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] قال: «تواصلهم في الدنيا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] قال: «وصلكم» وحدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] قال: «ما كان بينكم من الوصل» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] يعني: «الأرحام والمنازل» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] يقول: «تقطع ما بينكم» حدثنا أبو كريب، قال: قال أبو بكر بن عياش: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] «التواصل في الدنيا» واختلفت القراء في قوله: {بينكم} [الأنعام: 94] ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة نصبا بمعنى: لقد تقطع ما بينكم. وقرأ ذلك عامة قراء مكة والعراقيين: (لقد تقطع بينكم) رفعا، بمعنى: لقد تقطع وصلكم. والصواب من القول عندي في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، وذلك أن العرب قد تنصب (بين) في موضع الاسم، ذكر سماعا منها: إيابي نحوك ودونك وسواءك، نصبا في موضع الرفع، وقد ذكر عنها سماعا الرفع في (بين) إذا كان الفعل لها وجعلت اسما، وينشد بيت مهلهل: [+البحر الوافر] كأن رماحهم أشطان بئر بعيد بين جاليها جرور برفع (بين) إذ كانت اسما. غير أن الأغلب عليهم في كلامهم النصب فيها في حال كونها صفة، وفي حال كونها اسما وأما قوله: {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] فإنه يقول: وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنه شريك ربكم، وأنه لكم شفيع عند ربكم، فلا يشفع لكم اليوم 09P420

حصہ V09/P419–V09/P421

[الأنعام: 95] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه. يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان، هو الله الذي فلق الحب، يعني: شق الحب من كل ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع والنوى من كل ما يغرس مما له نواة، فأخرج منه الشجر. والحب جمع حبة، والنوى: جمع النواة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] ، أما فالق الحب والنوى: ففالق الحب عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «يفلق الحب والنوى عن النبات» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] ، قال: «الله فالق ذلك، فلقه فأنبت منه ما أنبت، فلق النواة فأخرج منها نبات نخلة، وفلق الحبة فأخرج نبات الذي خلق» وقال آخرون: معنى (فالق) : خالق ذكر من قال ذلك حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «خالق الحب والنوى» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «خالق الحب والنوى» وقال آخرون: معنى ذلك أنه فلق الشق الذي في الحبة والنواة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «الشقان اللذان فيهما» 09P422 حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «الشق الذي يكون في النواة وفي الحنطة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: {فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] قال: «الشقان اللذان فيهما» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثني عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] يقول: " خالق الحب والنوى، يعني: كل حبة " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ما قدمنا القول به، وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت، والميت من الحي، فكان معلوما بذلك أنه إنما عنى بإخباره عن نفسه أنه فالق الحب عن النبات، والنوى عن الغروس والأشجار، كما هو مخرج الحي من الميت، والميت من الحي. وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى فالق أنه خالق، فقول إن لم يكن أراد به أنه خالق منه النبات والغروس بفلقه إياه، لا أعرف له وجها، لأنه لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى: خلق 09P422

حصہ V09/P421–V09/P424

[الأنعام: 95] القول في تأويل قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والشجر ما دام قائما على أصوله لم يجف، والنبات على ساقه لم ييبس، فإن العرب تسميه حيا، فإذا يبس وجف أو قطع من أصله سموه ميتا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما: {يخرج الحي من الميت} [الأنعام: 95] ، «فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} [الأنعام: 95] قال: «النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة» وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: {إن الله فالق الحب 09P424 والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} [الأنعام: 95] قال: «يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشرا حيا» وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك، لأنه عقيب قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] على أن قوله: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} [الأنعام: 95] وإن كان خبرا من الله عن إخراجه من الحب السنبل، ومن السنبل الحب، فإنه داخل في عمومه ما روي عن ابن عباس في تأويل ذلك: وكل ميت أخرجه الله من جسم حي، وكل حي أخرجه الله من جسم ميت. وأما قوله: {ذلكم الله} [الأنعام: 95] ، فإنه يقول: فاعل ذلك كله الله جل جلاله. {فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] يقول: فأي وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون عن الصواب وتصرفون، أفلا تتدبرون فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى، فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعا وحروثا وثمارا تتغذون ببعضه وتفكهون ببعضه، شريك في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر؟ 09P423

حصہ V09/P424–V09/P427

[الأنعام: 96] القول في تأويل قوله تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] يعني بقوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] : شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده. والإصباح: مصدر من قول القائل: أصبحنا إصباحا وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] قال: «إضاءة الصبح» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] قال: «إضاءة الفجر» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] قال: «فالق الصبح» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] " يعني بالإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: فالق الإصباح قال: «فالق الصبح» حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد، عن مجاهد، فقال في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] قال: «إضاءة الصبح» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] قال: «فلق الإصباح عن الليل» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] يقول: «خالق النور، نور النهار» وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا) يقول: «خلق الليل والنهار» وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ في قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] بفتح الألف كأنه تأول ذلك بمعنى جمع صبح، كأنه أراد صبح كل يوم، فجعله أصباحا، ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. 09P427 والقراءة التي لا نستجيز غيرها بكسر الألف {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] ، لإجماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحة ذلك ورفض خلافه وأما قوله: (وجاعل الليل سكنا) فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (وجاعل الليل) بالألف، على لفظ الاسم ورفعه عطفا على (فالق) وخفض (الليل) بإضافة (جاعل) إليه، ونصب (الشمس) و (القمر) عطفا على موضع (الليل) ، لأن (الليل) وإن كان مخفوضا في اللفظ فإنه في موضع النصب، لأنه مفعول (جاعل) ، وحسن عطف ذلك على معنى الليل لا على لفظه، لدخول قوله: {سكنا} [الأنعام: 96] بينه وبين الليل، قال الشاعر: [+البحر الطويل] قعودا لدى الأبواب طلاب حاجة عوان من الحاجات أو حاجة بكرا فنصب الحاجة الثانية عطفا بها على معنى الحاجة الأولى، لا على لفظها، لأن معناها النصب وإن كانت في اللفظ خفضا. وقد يجيء مثل هذا أيضا معطوفا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه، وإن لم يكن بينهما حائل، كما قال بعضهم: [+البحر الوافر] فبينا نحن ننظره أتانا معلق شكوة وزناد راع وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {وجعل الليل سكنا والشمس} [الأنعام: 96] على (فعل) بمعنى الفعل الماضي، ونصب (الليل) . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، متفقتا المعنى غير مختلفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى. وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنا، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه فيستقر في مسكنه ومأواه 09P428

حصہ V09/P427–V09/P429

[الأنعام: 96] القول في تأويل قوله تعالى: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] يعني: «عدد الأيام والشهور والسنين» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 09P429 أبيه، عن ابن عباس: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] قال: «يجريان إلى أجل جعل لهما» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] يقول: «بحساب» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] قال : " الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامهما فذاك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر، {ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] قال: «يدوران في حساب» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] قال: " هو مثل قوله: {كل في فلك يسبحون} [الأنبياء: 33] ، ومثل قوله: و {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] : «أي ضياء» وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب تأويل من تأوله: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جعلا لها. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره ذكر قبله أياديه عند خلقه وعظم سلطانه، بفلقه الإصباح لهم وإخراج النبات والغراس من الحب والنوى، وعقب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر، فكان وصفه إجراء الشمس والقمر لمنافعهم أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما لأنه قد وصف ذلك قبل قوله: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] ، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى. والحسبان في كلام العرب: جمع حساب، كما الشهبان جمع شهاب، وقد قيل: إن الحسبان في هذا الموضع مصدر من قول القائل: حسبت الحساب أحسبه حسابا وحسبانا. وحكي عن العرب: على الله حسبان فلان وحسبته: أي حسابه. وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء، ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: {ويرسل عليها حسبانا من السماء} [الكهف: 40] ، قال: نارا، فوجه تأويل قوله: {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء. 09P431 وأما (الحسبان) بكسر الحاء، فإنه جمع الحسبانة: وهي الوسادة الصغيرة، وليست من الأوليين أيضا في شيء، يقال: حسبته: أجلسته عليها، ونصب قوله: {حسبانا} [الأنعام: 96] بقوله : {وجعل} [الأنعام: 96] . وكان بعض البصريين يقول: معناه: و {والشمس والقمر حسبانا} [الأنعام: 96] أي بحساب، فحذف الباء كما حذفها من قوله: {هو أعلم من يضل عن سبيله} [الأنعام: 117] ، أي أعلم بمن يضل عن سبيله 09P430 [الأنعام: 96] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك تقدير العزير العليم} يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله، وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام من الامتناع منه، العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم، لا تقدير الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع، وإن أريدت بسوء لم تقدر على الامتناع منه ممن أرادها به. يقول جل ثناؤه: وأخلصوا أيها الجهلة عبادتكم لفاعل هذه الأشياء، ولا تشركوا في عبادته شيئا غيره 09P431

حصہ V09/P429–V09/P432

[الأنعام: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} [الأنعام: 97] يقول تعالى ذكره: والله الذي جعل لكم أيها الناس النجوم أدلة في البر والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلون بها على المحجة، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة فتسلكونه، وتنجون بها من ظلمات ذلك، كما قال جل ثناؤه: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] ، أي من ضلال الطريق في البر والبحر، وعنى بالظلمات: ظلمة الليل، وظلمة الخطأ والضلال، وظلمة الأرض أو الماء. وقوله: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} [الأنعام: 97] يقول: قد ميزنا الأدلة وفرقنا الحجج فيكم وبيناها أيها الناس ليتدبرها أولو العلم بالله منكم ويفهمها أولو الحجا منكم، فينيبوا من جهلهم الذي هم عليه مقيمون، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون، ولا يتمادوا عنادا لله مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ في غيهم. وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] قال: «يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق» 09P432

حصہ V09/P432–V09/P436

[الأنعام: 98] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} [الأنعام: 98] يقول تعالى ذكره: وإلهكم أيها العادلون بالله غيره {الذي أنشأكم} [الأنعام: 98] يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئا، {من نفس واحدة} [النساء: 1] يعني: من آدم عليه السلام كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: {من نفس واحدة} [النساء: 1] قال: «آدم عليه السلام» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} [الأنعام: 98] : «من آدم عليه السلام» وأما قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون، فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقر في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنشر القيامة ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله: {يعلم مستقرها} [هود: 6] ومستودعها، قال: «مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله، أنه قال: " المستودع حيث تموت، والمستقر: ما في الرحم " حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: " المستقر الرحم، والمستودع: المكان الذي تموت 09P434 فيه " حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا محمد بن فضيل، وعلي بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم: {يعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] ، قال: «مستقرها في الأرحام، ومستودعها في الأرض حيث تموت فيها» حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مقسم، قال: «مستقرها في الصلب حيث تأويل إليه، ومستودعها حيث تموت» وقال آخرون: المستودع: ما كان في أصلاب الآباء، والمستقر: ما كان في بطون النساء وبطون الأرض أو على ظهورها ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: «مستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال، فإذا قروا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقروا» حدثنا ابن حميد قال: ثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " المستودعون: ما كانوا في أصلاب الرجال، فإذا قروا 09P435 في أرحام النساء أو على ظهر الأرض فقد استقروا " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: {يعلم مستقرها} [هود: 6] ومستودعها، قال: " المستودع في الصلب، والمستقر: ما كان على وجه الأرض، أو في الأرض " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن المغيرة، عن أبي الخير تميم بن حذلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " المستقر: الأرض، والمستودع: عند الرحمن " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " المستقر: الأرض، والمستودع: عند ربك " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: " مستقرها: في الدنيا، 09P436 ومستودعها: في الآخرة، يعني: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: " المستودع: في الصلب، والمستقر: في الآخرة، وعلى وجه الأرض " وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي الحرث، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قال : «مستقر في الرحم، ومستودع في صلب لم يخلق وسيخلق» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن عكرمة: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قال: المستقر: الذي قد استقر في الرحم، والمستودع: الذي قد استودع في الصلب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الخير تميم، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: سل فقلت: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " المستقر: في الرحم، والمستودع: ما استودع في الصلب " حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قال: " المستقر: الرحم، والمستودع: ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {يعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] ، قال: " المستقر: ما كان في الرحم مما هو حي ومما قد مات، والمستودع: ما في الصلب " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس، وذلك قبل أن يخرج وجهي: أتزوجت يا ابن جبير؟

حصہ V09/P436

قال: قلت: لا، وما أريد ذاك يومي هذا، قال: فقال: «أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودعين» حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا، قال: فضرب ظهري وقال: «ما كان من مستودع في ظهرك سيخرج» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " المستقر: في الأرحام، والمستودع: في الصلب لم يخلق وهو خالقه " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قال: " المستقر: في الرحم، والمستودع: ما استودع في أصلاب الرجال والدواب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: " المستقر: ما استقر في الرحم، والمستودع: ما استودع في الصلب " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الخير تميم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهني، عن رجل، عن كريب، قال: دعاني ابن عباس فقال: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس إلى فلان حبر تيماء، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، قال: فقلت: تبدؤه تقول: السلام عليك؟ فقال: إن الله هو السلام، ثم قال: اكتب: سلام عليك، أما بعد، فحدثني عن مستقر ومستودع، قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه، فلما نظر إليه قال: مرحبا بكتاب خليلي من المسلمين، فذهب بي إلى بيته، ففتح أسفاطا له كبيرة، فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها، قال: قلت: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود، حتى أخرج سفر 09P439 موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال: المستقر: الرحم، قال: ثم قرأ: {ونقر في الأرحام ما نشاء} [الحج: 5] ، وقرأ: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع} [البقرة: 36] ، قال: مستقره فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقره تحت الأرض، حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار " حدثنا هناد، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " المستقر: ما استقر في أرحام النساء، والمستودع: ما استودع في أصلاب الرجال " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: " المستقر: الرحم، والمستودع: في أصلاب الرجال " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " المستقر: الرحم، والمستودع: في الأصلاب " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فمستقر} [الأنعام: 98] : " ما استقر في أرحام النساء، {ومستودع} [الأنعام: 98] : ما كان في أصلاب الرجال " حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: " المستقر: ما استقر في الرحم، والمستودع: ما استودع في الصلب " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون، قال: أتينا إبراهيم عند المساء، فأخبرونا أنه، قد مات، فقلنا: هل سأله أحد عن شيء؟

حصہ V09/P436–V09/P442

قالوا: عبد الرحمن بن الأسود عن المستقر والمستودع، فقال: " المستقر: في الرحم، والمستودع: في الصلب " حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن المستقر والمستودع، فقال: المستقر: في الرحم، والمستودع: في الصلب " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون قال: أتينا منزل إبراهيم فسألنا عنه، فقالوا: قد توفي، وسأله عبد الرحمن بن الأسود، فذكر نحوه حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، أنه بلغه أن عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك، فذكر نحوه حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض، فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟ قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن مستقر ومستودع، فقال: " أما المستقر: فما استقر في أرحام النساء، والمستودع: ما في أصلاب الرجال " حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب " حدثني يونس، قال: ثني سفيان، عن رجل، حدثه عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟ ثم قال: أما إني أقول لك هذا وإني لأعلم أن الله مخرج من صلبك ما كان فيه مستودعا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " المستقر: في الرحم، والمستودع: في الصلب " حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " مستقر: في الرحم، ومستودع: في الصلب " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، قال: " مستقر: في الرحم، ومستودع: في الصلب " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، أما (مستقر) : فما استقر في الرحم، وأما (مستودع) : فما استودع في الصلب حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] قال: " مستقر: في الأرحام، ومستودع: في الأصلاب " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وأبي حمزة، عن إبراهيم، قالا: (مستقر ومستودع) ، " المستقر: في الرحم، والمستودع: في الصلب " وقال آخرون: المستقر: في القبر، والمستودع: في الدنيا ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: " مستقر: في القبر، ومستودع: في الدنيا. وأوشك أن يلحق بصاحبه " وأولى التأويلات في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله جل ثناؤه عم بقوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] كل خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة مستقرا ومستودعا، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أن من بني آدم مستقرا في الرحم، ومستودعا في الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقر في القبر مستودع على ظهر الأرض، فكل مستقر أو مستودع بمعنى من هذه المعاني فداخل في عموم قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ومراد به، إلا أن يأتي خبر يجب التسليم له بأنه معني به معنى دون معنى، وخاص دون عام. واختلفت القراء في قراءة قوله: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] ، فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: {فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] بمعنى: فمنهم من استقره الله في مقره فهو مستقر، ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه.

حصہ V09/P442–V09/P443

وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (فمستقر) بكسر القاف، بمعنى: فمنهم من استقر فهو مستودع فيه، في مقره فهو مستقر به. وأولى القراءتين بالصواب عندي وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: {فمستقر} [الأنعام: 98] بمعنى: استقره الله في مستقره، ليأتلف المعنى فيه وفي (المستودع) ، في أن كل واحد منهما لم يسم فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقر هذا والمستودع هذا، وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: {ومستودع} [الأنعام: 98] بفتح الدال على وجه ما لم يسم فاعله، فإجراء الأول، أعني قوله: {فمستقر} [الأنعام: 98] عليه أشبه من عدوله عنه وأما قوله: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} [الأنعام: 98] ، يقول تعالى: قد بينا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} [الأنعام: 98] ، يقول: «قد بينا الآيات لقوم يفقهون» 09P444

حصہ V09/P443–V09/P445

[الأنعام: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شركة فيه لشيء سواه، هو الإله {الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} [الأنعام: 99] ، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش، وأرزاق بني آدم وأقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون. وإنما معنى قوله: {فأخرجنا به نبات كل شيء} [الأنعام: 99] ، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلح. ولو قيل معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون كل شيء هو أصناف النبات، كان مذهبا، وإن كان الوجه الصحيح هو القول الأول. وقوله: {فأخرجنا منه خضرا} [الأنعام: 99] يقول: فأخرجنا منه يعني من الماء الذي أنزلناه من السماء خضرا رطبا من الزرع، والخضر: هو الأخضر، كقول العرب: أرنيها نمرة أركها مطرة، يقال: خضرت الأرض خضرا وخضارة، والخضر: رطب البقول، ويقال: نخلة خضيرة: إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر: إذا مات شابا مصححا، ويقال: هو لك خضرا مضرا: أي هنيئا مريئا. قوله: {نخرج منه حبا متراكبا} [الأنعام: 99] يقول: نخرج من الخضر حبا، يعني: ما في السنبل، سنبل الحنطة والشعير والأرز، وما أشبه ذلك من السنابل التي حبها يركب بعضه بعضا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا} [الأنعام: 99] : «فهذا السنبل» 09P445 [الأنعام: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} [الأنعام: 99] يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوان دانية، ولذلك رفعت (القنوان) . والقنوان: جمع قنو، كما الصنوان: جمع صنو، وهو العذق، يقال للواحد: هو قنو وقنو وقنا: يثنى قنوان، ويجمع قنوان وقنوان، قالوا في جمع قليله: ثلاثة أقناء، والقنوان: من لغة الحجاز، والقنوان: من لغة قيس، وقال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] 09P446 فأثت أعاليه وآدت أصوله ومال بقنوان من البسر أحمرا وقنيان، جميعا، وقال آخر: [+البحر الطويل] لها ذنب كالقنو قد مذلت به وأسحم للتخطار بعد التشذر وتميم تقول: قنيان، بالياء. ويعني بقوله: {دانية} [الأنعام: 99] : قريبة متهدلة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {قنوان دانية} [الأنعام: 99] : " يعني بالقنوان الدانية: قصار النخل لاصقة عذوقها بالأرض " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من طلعها قنوان دانية} [الأنعام: 99] قال: «عذوق متهدلة» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قنوان دانية} [الأنعام: 99] يقول: «متهدلة» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله: {قنوان دانية} [الأنعام: 99] قال: «قريبة» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: {قنوان دانية} [الأنعام: 99] قال: «قريبة» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} [الأنعام: 99] قال: «الدانية لتهدل العذوق من الطلع» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ومن النخل من طلعها قنوان 09P448 دانية} [الأنعام: 99] : يعني: " النخل القصار الملتزقة بالأرض، والقنوان: طلعه " 09P447

حصہ V09/P445–V09/P450

[الأنعام: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} [الأنعام: 99] يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضا جنات من أعناب، يعني: بساتين من أعناب. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة القراء: {وجنات} [آل عمران: 136] نصبا، غير أن التاء كسرت لأنها تاء جمع المؤنث، وهي تخفض في موضع النصب وقد حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم بن سلام، عن الكسائي، قال: أخبرنا حمزة، عن الأعمش، أنه قرأ: (وجنات من أعناب) بالرفع فرفع (جنات) على إتباعها (القنوان) في الإعراب، وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها النصب {وجنات من أعناب} [الأنعام: 99] ، لإجماع الحجة من القراء على تصويبها والقراءة بها ورفضهم ما 09P449 عداها، وبعد معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعا. وقوله: {والزيتون والرمان} [الأنعام: 99] عطف بالزيتون على (الجنات) بمعنى: وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه. وكان قتادة يقول في معنى {مشتبها وغير متشابه} [الأنعام: 99] ما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} [الأنعام: 99] قال: «مشتبها ورقه، مختلفا ثمره» وجائز أن يكون مرادا به: مشتبها في الخلق، مختلفا في الطعم، ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر الشجر بذكر ثمره، كما قيل: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، فاكتفى بذكر القرية من ذكر أهلها، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه 09P449 [الأنعام: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة: {انظروا إلى ثمره} [الأنعام: 99] بفتح الثاء والميم، وقرأه بعض قراء أهل مكة وعامة قراء الكوفيين: (إلى ثمره) بضم الثاء والميم. 09P450 فكأن من فتح الثاء والميم من ذلك وجه معنى الكلام: انظروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمر، وأن الثمر جمع ثمرة، كما القصب جمع قصبة، والخشب جمع خشبة. وكأن من ضم الثاء والميم، وجه ذلك إلى أنه جمع ثمار، كما الحمر جمع حمار، والجرب جمع جراب وقد حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، أنه كان يقرأ: (إلى ثمره) يقول: «هو أصناف المال» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: " الثمر: هو المال، والثمر: ثمر النخل " وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأ: {انظروا إلى ثمره} [الأنعام: 99] بضم الثاء والميم، لأن الله جل ثناؤه وصف أصنافا من المال، كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حب الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعا من الثمر، فجمعت الثمرة ثمرا، ثم جمع الثمر ثمارا، ثم جمع ذلك فقيل: (انظروا إلى ثمره) ، فكان ذلك جمع الثمار، والثمار جمع الثمرة، وإثماره: عقد الثمر وأما قوله: {وينعه} [الأنعام: 99] فإنه: نضجه وبلوغه حين يبلغ. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في 09P451 ينعه: إذا فتحت ياؤه: هو جمع يانع، كما التجر: جمع تاجر، والصحب: جمع صاحب. وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك ويرى أنه مصدر من قولهم: ينع الثمر فهو يينع ينعا، ويحكي في مصدره عن العرب لغات ثلاثا: ينع، وينع، وينع، وكذلك في النضج النضج والنضج. وأما في قراءة من قرأ ذلك: (ويانعه) ، فإنه يعني به: وناضجه وبالغه، وقد يجوز في مصدره ينوعا، ومسموع عند العرب: أينعت الثمرة تونع إيناعا، ومن لغة الذين قالوا ينع قول الشاعر: [+البحر المديد] في قباب عند دسكرة حولها الزيتون قد ينعا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وينعه} [الأنعام: 99] يعني: «إذا نضج» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 09P452 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] قال: " ينعه: نضجه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] : «أي نضجه» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وينعه} [الأنعام: 99] قال: «نضجه» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وينعه} [الأنعام: 99] يقول: «ونضجه» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وينعه} [الأنعام: 99] قال: يعني: «نضجه» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: {وينعه} [الأنعام: 99] قال: «نضجه» 09P452

حصہ V09/P450–V09/P452

[الأنعام: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول تعالى ذكره: إن في إنزال الله تعالى من السماء الماء الذي أخرج به نبات كل شيء، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب، وسائر ما عدد في هذه الآية من صنوف خلقه، {لآيات} [البقرة: 164] يقول: في ذلكم أيها الناس إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه، علمتم أن له مدبرا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول: لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء. وخص بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها، دون من قد طبع على قلبه فلا يعرف حقا من باطل، ولا يتبين هدى من ضلالة 09P453

حصہ V09/P452–V09/P454

[الأنعام: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} [الأنعام: 100] يعني بذلك جل ثناؤه: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهة والأنداد لله {شركاء الجن} [الأنعام: 100] كما قال جل ثناؤه: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158] . وفي الجن وجهان من النصب: أحدهما أن يكون تفسيرا للشركاء، والآخرة: أن يكون معنى الكلام: (وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم) . واختلفوا في قراءة قوله: {وخلقهم} [الأنعام: 100] ، فقرأته قراء الأمصار: {وخلقهم} [الأنعام: 100] على معنى أن الله خلقهم منفردا بخلقه إياهم. وذكر عن يحيى بن يعمر ما حدثني به، أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن واصل، مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، أنه قال: (شركاء الجن وخلقهم) بجزم اللام 09P454 بمعنى أنهم قالوا: إن الجن شركاء لله في خلقه إيانا وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وخلقهم} [الأنعام: 100] ، لإجماع الحجة من القراء عليها وأما قوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] ، فإنه يعني بقوله: {خرقوا} [الأنعام: 100] اختلقوا، يقال: اختلق فلان على فلان كذبا واخترقه: إذا افتعله وافتراه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] والله خلقهم، {وخرقوا له بنين وبنات} [الأنعام: 100] يعني: أنهم تخرصوا حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال: «جعلوا له بنين وبنات بغير علم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال: «كذبوا» 09P455 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] : «كذبوا، سبحانه وتعالى عما يصفون عما يكذبون، أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان، وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال: «خرصوا له بنين وبنات» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] يقول: " قطعوا له بنين وبنات، قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال: " خرقوا: كذبوا، لم يكن لله بنون ولا بنات، قالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، فكل خرقوا الكذب. وخرقوا: اخترقوا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { 09P456 وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] قال: «قول الزنادقة» . {وخرقوا له } [الأنعام: 100] ، قال ابن جريج: قال مجاهد: " خرقوا: كذبوا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك: {وخرقوا له بنين وبنات} [الأنعام: 100] قال: «وصفوا له» حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، عن أبي عمر: {وخرقوا له بنين وبنات} [الأنعام: 100] قال: " تفسيرها: وكذبوا " فتأويل الكلام إذن: وجعلوا لله الجن وشركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير.

حصہ V09/P454

{وخرقوا له بنين وبنات} [الأنعام: 100] يقول: وتخرصوا لله كذبا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته وأنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك 09P456

حصہ V09/P454–V09/P459

[الأنعام: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون} [الأنعام: 100] يقول تعالى ذكره: تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن، واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته، لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة. 09P457 وقوله: {تعالى} [النحل: 3] : تفاعل من العلو والارتفاع. وروي عن قتادة في تأويل قوله: {عما يصفون} [الأنعام: 100] : أنه يكذبون حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سبحانه وتعالى عما يصفون} [الأنعام: 100] : «عما يكذبون» وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك، أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه من ادعائهم له بنين وبنات، لا أنه وجه تأويل الوصف إلى الكذب 09P457 [الأنعام: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101] يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجن شركاء، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، {بديع السموات والأرض} : يعني مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {بديع السموات والأرض} قال: «هو الذي ابتدع خلقهما جل جلاله فخلقهما ولم تكونا شيئا قبله» {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] ، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة فيكون له ولد، وذلك أنه هو الذي 09P458 خلق كل شيء. يقول: فإذا كان لا شيء إلا الله خلقه، فأنى يكون لله ولد ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد؟ 09P457 [الأنعام: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101] يقول تعالى ذكره: والله خلق كل شيء ولا خالق سواه، وكل ما تدعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه خلقه وعبيده، ملكا كان الذي تدعونه ربا وتزعمون أنه له ولد، أو جنيا أو إنسيا. {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] يقول: والله الذي خلق كل شيء، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بعددكم وأعمالكم وأعمال من دعوتموه ربا أو لله ولدا، وهو محصيها عليكم وعليهم حتى يجازي كلا بعمله 09P458 [الأنعام: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل} [الأنعام: 102] يقول تعالى ذكره: الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، هو الله ربكم أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان، والجاعلون له الجن شركاء، وآلهتكم التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تفعل خيرا ولا شرا. {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] : وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله، يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها، فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة. {فاعبدوه} [آل عمران: 51] يقول: فذلوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك. {وهو على كل شيء وكيل} [الأنعام: 102] يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته 09P459

حصہ V09/P459

[الأنعام: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، فقال بعضهم: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] يقول: «لا يحيط بصر أحد بالملك» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، «وهو أعظم من أن تدركه الأبصار» حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، قال: " هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، 09P460 وبصره يحيط بهم، فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] الآية واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: إن الله قال: {إذا أدركه الغرق قال آمنت} [يونس: 90] ، قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئا. قالوا: فمعنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] بمعنى: لا تراه بعيدا، لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جل ثناؤه مخبرا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم حين قرب منهم أصحاب فرعون: {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء: 61] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدركون لقوله: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] . قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه، فكان معلوما بذلك أن قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة. قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم، بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئا يحيط به. قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به، وكما قال جل ثناؤه: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما 09P461 شاء. قالوا: ومعنى العلم في هذا الموضع: المعلوم، قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علما نفي للعلم به، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك: إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] : لا تراه الأبصار؟ قلنا له: أنكرنا ذلك لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إليه ناظرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب.

حصہ V09/P459

قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم أن تأويل قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله، وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا: (كتاب لطيف البيان عن أصول الأحكام) وغيره، علم أن معنى قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] غير معنى قوله: {وجوه يومئذ 09P462 ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها، تصديقا لله في كلا الخبرين، وتسليما لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] : «لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} [الشورى: 51] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله، لقد قف شعري مما قلت، ثم قرأت: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبد الأعلى وابن علية، عن داود، عن الشعبي، عن 09P463 مسروق، عن عائشة، بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: قالت عائشة: " من قال: إن أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال الله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام: 103] فقال قائلو هذه المقالة: معنى الإدراك في هذا الموضع: الرؤية، وأنكروا أن يكون الله يرى بالأبصار في الدنيا والآخرة. وتأولوا قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابه. وتأول بعضهم في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربهم يوم القيامة تأويلات. وأنكر بعضهم مجيئها، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تحيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار، وأتوا في ذلك بضروب من التمويهات، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات. وكان من أجل ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئا إلا ما باينها دون ما لاصقها، فإنها لا ترى ما لاصقها. قالوا: فما كان للأبصار مباينا مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاء وفرجة. قالوا: فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم، فقد وجب أن يكون الصانع محدودا. قالوا: ومن وصفه بذلك فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. قالوا: وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان كما من شأن الأسماع 09P464 أن تدرك الأصوات، ومن شأن المتنسم أن يدرك الأعراف. قالوا: فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزا أن يقضى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتنسم إلا بإدراك الأعراف، فسد أن يكون جائزا القضاء للبصر إلا بإدراك الألوان. قالوا: ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفا بأنه ذو لون، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفا بأنه مرئي. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه.

حصہ V09/P459

وقال أهل هذه المقالة: الإدراك في هذا الموضع: الرؤية. واعتل أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا: الإدراك وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية، فإن الرؤية من أحد معانيه، وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصره شيئا فيراه، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية. قالوا: فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له دون ما لم يره. قالوا: وقد أخبر الله أن وجوها يوم القيامة إليه ناظرة، قالوا: فمحال أن تكون إليه ناظرة، وهي له غير مدركة رؤية. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضاد وتعارض، وجب وصح أن قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] على الخصوص لا على العموم، وأن معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] . وقال آخرون من أهل هذه المقالة: الآية على الخصوص، إلا أنه جائز أن يكون 09P465 معنى الآية: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله. قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة، وأما بالرؤية فبلى. قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة، وجائز أن يكون معناها: لا تدركه أبصار من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصار خلقه، فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه، هو الذي أثبته لنفسه، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قواها جل ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء. قالوا: ولا شك في خصوص قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنا لا ندري أي معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية. واعتلوا بتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة بنحو علل الذين ذكرنا قبل. وقال آخرون: الآية على العموم، ولن يدرك الله بصر أحد في الدنيا والآخرة، ولكن الله يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها. واعتلوا لقولهم هذا، بأن الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه من غير أن يدل فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا: وكذلك أخبر في آية أخرى أن وجوها إليه يوم القيامة ناظرة. قالوا: فأخبار الله لا تتباين ولا تتعارض، وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل. واعتلوا أيضا من جهة العقل بأن قالوا: إن كان جائزا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنى من المعاني، فهي وإن ضعفت كل الضعف فقد تدرك مع 09P466 ضعفها ما خلقت لإدراكه، وإن ضعف إدراكها إياه ما لم تعدم. قالوا: فلو كان في البصر أن يدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا، أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أن وجوها في الآخرة تراه، علم أنها تراه بغير حاسة البصر، إذ كان غير جائز أن يكون خبره إلا حقا. والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب» ، فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون كما قال جل ثناؤه: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] .

حصہ V09/P459–V09/P468

فأما ما اعتل به منكرو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، لما كانت لا ترى إلا ما باينها، وكان بينها وبينه فضاء وفرجة، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك، لأن في ذلك إثبات حد له ونهاية، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه، وأنه يقال لهم: هل علمتم موصوفا بالتدبير سوى صانعكم إلا مماسا لكم أو مباينا؟ فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك كلفوا تبيينه، ولا سبيل إلى ذلك. وإن قالوا : لا نعلم ذلك، 09P467 قيل لهم: أوليس قد علمتموه لا مماسا لكم ولا مباينا، وهو موصوف بالتدبير والفعل، ولم يجب عندكم إذ كنتم لم تعلموا موصوفا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسا لكم أو مباينا أن يكون مستحيلا العلم به وهو موصوف بالتدبير والفعل، لا مماس ولا مباين؟ فإن قالوا: ذلك كذلك، قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها، وكانت بينه وبينها فرجة قد تراه وهو غير مباين لها، ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء، كما لا تعلم القلوب موصوفا بالتدبير إلا مماسا لها أو مباينا وقد علمته عندكم لا كذلك؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفا بالتدبير والفعل معلوما لا مماسا للعالم به أو مباينا، وأجاز أن يكون موصوفا برؤية الأبصار لا مماسا لها ولا مباينا فرق؟ ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله. وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك، إن من شأن الأبصار إدراك الألوان، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات، ومن شأن المتنسم درك الأعراف، فمن الوجه الذي فسد أن يقتضى السمع لغير درك الأصوات فسد أن تقتضى الأبصار لغير درك الألوان. 09P468 فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم موصوفا بالتدبير والفعل إلا ذا لون، وقد علمتموه موصوفا بالتدبير لا ذا لون؟ فإن قالوا نعم، لا يجدوا من الإقرار بذلك بدا، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفا بالتدبير والفعل غير ذي لون، فيكلفوا بيان ذلك، ولا سبيل إليه، فيقال لهم: فإذ كان ذلك كذلك فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفا بالتدبير إلا ذا لون وقد وجدتموها علمته موصوفا بالتدبير غير ذي لون؟ ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في أحدهما شيئا إلا ألزموا في الآخر مثله. ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها ، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصد الكشف عن تمويهاتهم، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان. ولكنا ذكرنا القدر الذي ذكرنا، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة وأما قوله: {وهو اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] ، فإنه يقول: والله تعالى ذكره الميسر له من إدراك الأبصار، والمتأتي له من الإحاطة بها رؤية ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها. {الخبير} [الأنعام: 18] يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه فلطف بقدرته، فهيأ 09P469 أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخبر بعلمه كيف تدبيرها وشئونها وما هو أصلح بخلقه كالذي حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: {اللطيف الخبير} [الأنعام: 103] قال: «اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها» 09P469

سوالات