Taberî — Câmiü'l-Beyân
" قال: بلى يا رسول الله، لا أعود حدثنا أبو كريب قال: ثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو قائم يصلي، فصرخ 11P107 به، فلم يجبه، ثم جاء فقال: " يا أبي ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك، أليس الله يقول {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] " قال أبي: لا جرم يا رسول الله، لا تدعوني إلا أجبت، وإن كنت أصلي ما يبين عن أن المعني بالآية هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم؛ لأن أبيا لا شك أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين 11P106
[الأنفال: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير: " { 11P108 يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر ". حدثنا ابن بشار قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أحمد، قالا: ثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله " قال: ثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، 11P109 وعبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك، في قوله: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته ". حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: «يحول بين المرء وبين أن يكفر، وبين الكافر وبين أن يؤمن» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد الزبيري قال: ثنا ابن أبي رواد، عن الضحاك، نحوه.
وحدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: فذكر نحوه حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج بن منهال قال: ثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين المؤمن ومعصيته " حدثني المثنى قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] يقول: يحول بين 11P110 المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان " قال: ثنا أبي، عن ابن أبي رواد، عن الضحاك: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته " قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان " قال: ثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بينه وبين المعاصي " وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يعمل ذكر من قال ذلك: حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين المرء وعقله " حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] حتى يتركه لا يعقل ". حدثنا المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال : ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: إذا حال بينك وبين قلبك كيف تعمل " قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرا " وقال آخرون: معناه يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {واعلموا أن الله، يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: يحول بين 11P112 الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه " وقال آخرون: معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] قال: هي كقوله {أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] " وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئا، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته.
وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل، وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان، وقول من قال: يحول بينه وبين عقله، وقول من قال: يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه؛ لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما منع إدراكه به على ما بينت. غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] الخبر عن أنه يحول بين العبد 11P113 وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له وأما قوله: {وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] فإن معناه: واعلموا أيها المؤمنون أيضا مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه، أن الله الذي يقدر على قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة، فيوفيكم جزاء أعمالكم، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، فيوجب ذلك سخطه، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه 11P113
[الأنفال: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: اتقوا أيها المؤمنون فتنة يقول: اختبارا من الله يختبركم، وبلاء يبتليكم، لا تصيبن هذه الفتنة التي حذرتكموها الذين ظلموا، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله، إما إجرام أصابوها وذنوب بينهم وبين الله ركبوها، يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية أو يأتوا مأثما يستحقون بذلك منه عقوبة. وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين عنوا بها ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن إبراهيم، قال: ثنا الحسن بن أبي جعفر، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الحسن، في قوله: " {واتقوا فتنة لا تصيبن 11P114 الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير، رضي الله عنهم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [سورة: الأنفال، آية رقم: 25] قال قتادة: قال الزبير بن العوام: «لقد نزلت وما نرى أحدا منا يقع بها، ثم خصتنا في إصابتنا خاصة» حدثني المثنى قال: ثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن، أن الزبير بن العوام قال: " نزلت هذه الآية: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] وما نظننا أهلها، ونحن عنينا بها " قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن الصلت بن دينار، عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: " قرأت هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25] " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، وأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن السدي: " {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25] قال: أصحاب الجمل " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب " قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال: هي أيضا لكم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال: الفتنة: الضلالة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال [ص : 116] عبد الله: " ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله يقول: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] فليستعذ بالله من مضلات الفتن " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: قال الزبير: " لقد خوفنا بها، يعني قوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] " واختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي البصرة: {اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا} [الأنفال: 25] قوله: لا تصيبن، ليس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابا ما دخلت النون. وقال بعض نحويي الكوفة: قوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا} [الأنفال: 25] أمرهم ثم نهاهم، ومنكم ظرف من الجزاء وإن كان نهيا. قال: ومثله قوله: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان} [النمل: 18] أمرهم ثم نهاهم، وفيه تأويل الجزاء.
وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم وأما قوله: {واعلموا أن الله شديد العقاب} [سورة: البقرة، آية رقم: 196] فإنه تحذير من الله ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: {واتقوا فتنة} [سورة: الأنفال، آية رقم: 25] يقول: اعلموا أيها 11P117 المؤمنون أن ربكم شديد عقابه لمن افتتن بظلم نفسه وخالف أمره، فأثم به 11P116
[الأنفال: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [الأنفال: 26] وهذا تذكير من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصحة. يقول: أطيعوا الله ورسوله أيها المؤمنون، واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم ولا تخالفوا أمره، وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة، فإن الله يهونه عليكم بطاعتكم إياه ويعجل لكم منه ما تحبون، كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليل يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم {فآواكم} [الأنفال: 26] يقول: فحمل لكم مأوى تأوون إليه منهم. {وأيدكم بنصره} [الأنفال: 26] يقول: وقواكم بنصره عليهم، حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر. {ورزقكم من الطيبات} [الأنفال: 26] يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبا. {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] يقول: لكي تشكروا على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم. واختلف أهل التأويل في الناس الذين عنوا بقوله: {أن يتخطفكم الناس} [الأنفال: 26] فقال بعضهم: كفار قريش ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: " {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس} [الأنفال: 26] قال: يعني بمكة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي، أو قتادة أو كليهما: " {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون} [الأنفال: 26] أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. وقال آخرون: بل عني به غير قريش ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني أبي قال: سمعت وهب بن منبه، يقول في قوله عز وجل: " {تخافون أن يتخطفكم 11P119 الناس} [الأنفال: 26] قال: فارس " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه يقول، وقرأ: " {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس} [الأنفال: 26] والناس إذ ذاك: فارس، والروم " قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} [الأنفال: 26] قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في الناس، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم منزلا. حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بذلك مشركو قريش؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم؛ لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم، وأشدهم عليهم يومئذ مع كثرة عددهم وقلة عدد 11P120 المسلمين. وأما قوله: {فآواكم} [الأنفال: 26] فإنه يعني: آواكم المدينة، وكذلك قوله: {وأيدكم بنصره} [الأنفال: 26] بالأنصار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فآواكم} [الأنفال: 26] قال: إلى الأنصار بالمدينة. {وأيدكم بنصره} [الأنفال: 26] وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أيدهم بنصره يوم بدر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " {فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات} [الأنفال: 26] يعني بالمدينة " 11P120
[الأنفال: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {لا تخونوا الله} [الأنفال: 27] وخيانتهم الله ورسوله كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الإيمان في الظاهر والنصيحة، وهو يستسر الكفر والغش لهم في الباطن، يدلون المشركين على عورتهم، ويخبرونهم بما خفي عنهم من خبرهم. 11P121 وقد اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية، وفي السبب الذي نزلت فيه، فقال بعضهم: نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سر المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا محمد بن المحرم، قال: لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: ثني جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا» قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمدا يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله عز وجل: {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] " وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة للذي كان من أمره وأمر بني قريظة ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، قوله: " {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] قال: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه أنه الذبح. قال الزهري: فقال أبو لبابة: لا والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا 11P122 يذوق طعاما ولا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك قال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن أنخلع من مالي قال: «يجزيك الثلث أن تصدق به» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة، يقول: " نزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] في أبي لبابة " وقال آخرون: بل نزلت في شأن عثمان رضي الله عنه ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن الحارث الطائفي، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، قال: " نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} [الأنفال: 27] الآية " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته 11P123 وخيانة رسوله وخيانة أمانته. وجائز أن تكون نزلت في أبي لبابة، وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بصحته، فمعنى الآية وتأويلها ما قدمنا ذكره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} [الأنفال: 27] قال: نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {لا تخونوا الله والرسول} [الأنفال: 27] الآية قال: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين " واختلفوا في تأويل قوله: {وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] فقال بعضهم. لا تخونوا الله والرسول، فإن ذلك خيانة لأماناتكم وهلاك لها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] أي: لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم وخيانة لأنفسكم " فعلى هذا التأويل، قوله: {وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] في موضع نصب على الظرف. كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ويروى: «وتأتي مثله» . وقال آخرون: معناه: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله: " {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] يقول: لا تخونوا: يعني لا تنقصوها " فعلى هذا التأويل: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم. 11P125 واختلف أهل التأويل في معنى الأمانة التي ذكرها الله في قوله: {وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] فقال بعضهم: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] والأمانة: الأعمال التي آمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة. يقول: {لا تخونوا} [الأنفال: 27] يعني لا تنقصوها ". حدثنا علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} [الأنفال: 27] يقول: بترك فرائضه {والرسول} [الأنفال: 27] يقول: بترك سننه وارتكاب معصيته. قال: وقال مرة أخرى: {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] والأمانة: الأعمال. ثم ذكر نحو حديث المثنى. وقال آخرون: معنى الأمانات هاهنا: الدين ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وتخونوا أماناتكم} [الأنفال: 27] دينكم. {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] قال: قد فعل ذلك المنافقون وهم يعلمون أنهم كفار، يظهرون الإيمان. وقرأ: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا 11P126 كسالى} [النساء: 142] الآية قال: هؤلاء المنافقون أمنهم الله ورسوله على دينه فخانوا، أظهروا الإيمان وأسروا الكفر " فتأويل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا لا تنقصوا الله حقوقه عليكم من فرائضه ولا رسوله من واجب طاعته عليكم، ولكن أطيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تنقصوهما، وتخونوا أماناتكم، وتنقصوا أديانكم، وواجب أعمالكم، ولازمها لكم، وأنتم تعلمون أنها لازمة عليكم وواجبة بالحجج التي قد ثبتت لله عليكم 11P125
[الأنفال: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم} [الأنفال: 28] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا أيها المؤمنون أنما أموالكم التي خولكموها الله وأولادكم التي وهبها الله لكم اختبار وبلاء أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها {وأن الله عنده أجر عظيم} [الأنفال: 28] يقول: واعلموا أن الله عنده خير وثواب عظيم على طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم في أموالكم وأولادكم التي اختبركم بها في الدنيا، وأطيعوا الله فيما لكم فيها تنالوا به الجزيل من ثوابه في معادكم حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا المسعودي، عن القاسم، عن 11P127 عبد الرحمن، عن ابن مسعود، في قوله: " {أنما أموالكم وأولادكم فتنة} [الأنفال: 28] قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} [الأنفال: 28] قال: فتنة الاختبار، اختبارهم. وقرأ: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] " 11P127
[الأنفال: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} [الأنفال: 29] يقول تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] صدقوا الله ورسوله {إن تتقوا الله} [الأنفال: 29] بطاعته، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وترك خيانته، خيانة رسوله وخيانة أماناتكم {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] يقول: يجعل لكم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين بنصره إياكم عليهم، وإعطائكم الظفر بهم. {ويكفر عنكم سيئاتكم} [الأنفال: 29] يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه. {ويغفر لكم} [آل عمران: 31] يقول: ويغطيها، فيسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها. {والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم، له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله، وإن فعله جزاء منه لعبده على طاعته إياه؛ لأنه الموفق عبده لطاعته التي اكتسبها حتى استحق من ربه الجزاء الذي وعده عليها. وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عن تأويل قوله: {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] فقال بعضهم: مخرجا، وقال بعضهم: نجاة، وقال بعضهم: فصلا. وكل ذلك متقارب المعنى وإن اختلفت العبارات عنها، وقد بينت صحة ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ذكر من قال: معناه المخرج: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور: عن مجاهد: " {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال: مخرجا " قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال: مخرجا " حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد: " {فرقانا} [الأنفال: 29] مخرجا " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فرقانا} [الأنفال: 29] قال: مخرجا في الدنيا والآخرة ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فرقانا} [الأنفال: 29] قال: الفرقان المخرج " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {فرقانا} [الأنفال: 29] يقول: مخرجا " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد: " {فرقانا} [الأنفال: 29] مخرجا ". حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصري قال: ثنا زائدة، عن منصور، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: " {فرقانا} [الأنفال: 29] قال: مخرجا " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: سمعت عبيدا، يقول: سمعت الضحاك، يقول: " {فرقانا} [الأنفال: 29] مخرجا ". 11P130 حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد، عن زهير، عن جابر: عن عكرمة، قال: " الفرقان: المخرج " ذكر من قال: معناه النجاة: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة: " {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال: نجاة " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن رجل، عن عكرمة، ومجاهد، في قوله: " {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال عكرمة: المخرج، وقال مجاهد: النجاة " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال: نجاة.
" حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] يقول: يجعل لكم نجاة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] أي: نجاة " 11P131 ذكر من قال فصلا: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] قال: فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل، حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] أي: فصلا بين الحق الباطل، يظهر به حقكم ويخفي به باطل من خالفكم " والفرقان في كلام العرب مصدر، من قولهم: فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقا وفرقانا 11P131
[الأنفال: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مذكره نعمه عليه: واذكر يا محمد؛ إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ليثبتوك} [الأنفال: 30] فقال بعضهم: معناه: ليقيدوك ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] يعني: ليوثقوك " قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ليثبتوك} [الأنفال: 30] ليوثقوك " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] الآية يقول: ليشدوك وثاقا، وأرادوا بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، ومقسم، قالا: " قالوا: أوثقوه بالوثاق " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ليثبتوك} [الأنفال: 30] قال: الإثبات: هو الحبس والوثاق " وقال آخرون: بل معناه الحبس ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 11P133 سألت عطاء عن قوله: " {ليثبتوك} [الأنفال: 30] قال: يسجنوك. وقالها عبد الله بن كثير " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " قالوا: اسجنوه " وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي قال: ثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وداعة: " أن أبا طالب، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر به قومك؟ قال: «يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني» فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: «ربي» قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي خيرا» . فنزلت: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير، يقول: " لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا لك؟ قال: «نعم» . قال: فأخبره. قال: من أخبرك؟ قال: «ربي» . قال: نعم الرب ربك، استوص به خيرا قال «أنا 11P134 أستوصي به، أو هو يستوصي بي؟ » وكان معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ليثبتوه كما: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثني أبي قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن زاذان، مولى أم هانئ، عن ابن عباس: " أن نفرا، من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره قال: فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي، فقال: والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: فانظروا في غير هذا.
قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه 11P135 واسترحتم وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال: فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] ؛ وأنزل في قولهم: «تربصوا به ريب المنون» حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] وكان يسمى ذلك اليوم: «يوم الزحمة» للذي اجتمعوا عليه من الرأي " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، ومقسم، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] قالا: تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فلما أصبحوا رأوا عليا رضي الله عنه، فرد الله مكرهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرني أبي، عن عكرمة، قال: " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، أمر علي بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هم بعلي، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. قال: فركبوا الصعب والذلول في طلبه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني عثمان الجريري: أن مقسما، مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي رضي الله عنه 11P137 على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا، يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليا رضي الله عنه، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومروا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج على بابه، فمكث فيه ثلاثا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل ، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه.
فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال: أنا رجل من أهل نجد سمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب: هو الموت، والمنون: هو الدهر قال إبليس: بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال، قالوا: صدق الشيخ. قال: أخرجوه من قريتكم قال إبليس: بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش، 11P138 فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح، فيشدون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلا الدية. قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: {ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] والإثبات: هو الحبس والوثاق، وهو قوله: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] يقول: يهلكهم. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقيه عمر، فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخروا بالقتال» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ليثبتوك أو يقتلوك} [الأنفال: 30] قال: كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه حدثني ابن وكيع قال: ثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه؛ إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك} [الأنفال: 30] الآية، هو النبي صلى الله عليه وسلم مكروا به وهو بمكة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] إلى آخر الآية قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: اقتلوا هذا الرجل، فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قتل به، قالوا: خذوه فاسجنوه واجعلوا عليه حديدا، قالوا: فلا يدعكم أهل بيته. قالوا: أخرجوه، قالوا: إذا يستغوي الناس عليكم. قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد. واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستسلم أن يجتمعوا عليه فيغموه ويقتلوه، فإنه لا يدري أهله من قتله، فيرضون بالعقل فنقتله ونستريح ونعقله. فلما أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه، فغموه. فأتى أبو بكر، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلا؛ فلما أن لم يجد مدخلا قال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [غافر: 28] قال: ثم فرجها الله عنه؛ فلما أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام فقال: من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نحن أعلم بهم منك يا محمد، هو ناموس ليل قال: وأخذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام. فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أحدهم إلى جبريل ، فكحله، ثم أرسله، فقال: «ما صورته يا جبريل؟ » قال: كفيته يا نبي الله. ثم قدم آخر فنقر فوق رأسه. بعصا نقرة، ثم أرسله فقال: «ما صورته يا جبريل؟
» فقال: كفيته يا نبي الله، ثم أتي بآخر فنقر في ركبته، فقال: «ما صورته يا جبريل؟ » قال: كفيته. ثم أتي بآخر، فسقاه مذقة، فقال: «ما صورته يا جبريل؟ » قال: كفيته يا نبي الله. وأتي بالخامس. فلما غدا من بيته مر بنبال، فتعلق مشقص بردائه فالتوى، فقطع الأكحل من رجله. وأما الذي كحلت عيناه فأصبح وقد عمي، وأما الذي سقي مذقة فأصبح وقد استسقى بطنه؛ وأما الذي نقر فوق رأسه فأخذته النقدة والنقدة: قرحة عظيمة أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: " {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] أي: فمكرت لهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 11P141 عكرمة، قوله: " {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] قال: هذه مكية. قال ابن جريج: قال مجاهد: هذه مكية " فتأويل الكلام إذن: واذكر يا محمد نعمتي عندك بمكري بمن حاول المكر بك من مشركي قومك، بإثباتك، أو قتلك، أو إخراجك من وطنك، حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين، وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم، ولا يرعبنك كثرة عددهم، فإن ربك خير الماكرين بمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه. وقد بينا معنى المكر فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 11P140
[الأنفال: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنفال: 31] يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب الله الواضحة لمن شرح الله صدره لفهمه قالوا جهلا منهم وعنادا للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] الذي تلي علينا {إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] يعني أنهم يقولون ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين. والأساطير: جمع أسطر، وهو جمع الجمع؛ لأن واحد الأسطر: سطر، ثم يجمع السطر: أسطر وسطور، ثم يجمع الأسطر: أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل العربية يقول: واحد الأساطير: أسطورة وإنما عنى المشركون بقولهم: {إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] إن هذا القرآن الذي تتلوه علينا يا محمد إلا ما سطر الأولون وكتبوه من أخبار الأمم. كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم، وأنه لم يوحه الله إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، قوله: " {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] قال: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرا إلى فارس، فيمر بالعباد وهم يقرءون الإنجيل، ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد محمدا صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه وهو يركع ويسجد، فقال النضر: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا، للذي سمع من العباد. فنزلت: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] قال: فقص ربنا ما كانوا قالوا بمكة، وقص قولهم: {إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] الآية " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان النضر بن الحارث بن علقمة أخو بني عبد الدار يختلف إلى الحيرة، فيسمع سجع أهلها وكلامهم. فلما قدم مكة، سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، فقال: {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنفال: 31] 11P143 يقول: أساجيع أهل الحيرة " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث؛ وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنه كان يقول في كتاب الله ما يقول» . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. فقال المقداد: أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أغن المقداد من فضلك» فقال المقداد: هذا الذي أردت. وفيه نزلت هذه الآية: {وإذا تتلى عليهم آياتنا} [الأنفال: 31] الآية " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبرا المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. قال: فلما أمر بقتل النضر قال المقداد بن الأسود: أسيري يا رسول الله قال: «إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما كان يقول» قال: فقال ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أغن المقداد من فضلك» وكان المقداد أسر النضر 11P143
[الأنفال: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] 11P144 يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد أيضا ما حل بمن قال: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] إذ مكرت لهم، فأتيتهم بعذاب أليم. وكان ذلك العذاب قتلهم بالسيف يوم بدر. وهذه الآية أيضا ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32] قال: نزلت في النضر بن الحارث " حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] قال: قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدار " قال: أخبرنا إسحاق قال: أخبرنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 11P145 مجاهد، في قوله: " {إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: " قال رجل من بني عبد الدار، يقال له النضر بن كلدة: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فقال الله: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16] وقال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] وقال: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين} [المعارج: 2] قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " فقال: يعني النضر بن الحارث اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك {فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] قال الله: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين} [المعارج: 2] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: " {إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] الآية قال: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين} [المعارج: 2] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] الآية قال: قال ذلك سفهة هذه 11P146 الأمة وجهلتها، فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ثم ذكر غيرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم؛ إذ قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] أي: ما جاء به محمد {فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32] كما أمطرتها على قوم لوط {أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] أي: ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا «واختلف أهل العربية في وجه دخول» هو «في الكلام.
فقال بعض البصريين نصب» الحق «؛ لأن» هو «والله أعلم حولت زائدة في الكلام صلة توكيد كزيادة» ما "، ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر، وليس هو بصفة لهذا؛ لأنك لو قلت: «رأيت هذا هو» لم يكن كلاما، ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة، ولكنها تكون من صفة المضمرة، نحو قوله: {ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] {تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا} [المزمل: 20] لأنك تقول: «وجدته هو وإياي» فتكون «هو» صفة. وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة، ولكنها تكون زائدة كما كان في الأول. وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم، فيرفع ما بعدها إن كان بعدها ظاهرا أو 11P147 مضمرا في لغة بني تميم، يقولون في قوله: {إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] {ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] و {تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا} [المزمل: 20] كما تقول: كانوا آباؤهم الظالمون، جعلوا هذا المضمر نحو «هو» و «هما» و «أنت» زائدا في هذا المكان. ولم تجعل مواضع الصفة؛ لأنه فصل أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفة لما قبله، ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر. وكان بعض الكوفيين يقول: لم تدخل «هو» التي هي عماد في الكلام إلا لمعنى صحيح. وقال: كأنه قال: زيد قائم، فقلت أنت: بل عمرو هو القائم؛ فهو لمعهود الاسم، والألف واللام لمعهود الفعل التي هي صلة في الكلام مخالفة لمعنى «هو» ؛ لأن دخولها وخروجها واحد في الكلام، وليست كذلك هو؛ وأما التي تدخل صلة في الكلام، فتوكيد شبيه بقولهم: «وجدته نفسه» تقول ذلك، وليست بصفة كالظريف والعاقل 11P146
[الأنفال: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنفال: 34] 11P148 اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] أي: وأنت مقيم بين أظهرهم. قال: وأنزلت هذه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة. قال: ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، فاستغفر من بها من المسلمين، فأنزل بعد خروجه عليه حين استغفر أولئك بها: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: ثم خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم، فعذب الكفار ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون، يعني بمكة؛ فلما خرجوا أنزل الله عليه: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه} [الأنفال: 34] قال: فأذن الله له في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] يعني النبي صلى الله عليه وسلم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يعني: من بها من المسلمين. {وما لهم 11P149 ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] يعني مكة، وفيها الكفار " حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله: " {وما كان الله ليعذبهم} [الأنفال: 33] يعني: أهل مكة. {وما كان الله معذبهم} [الأنفال: 33] وفيهم المؤمنون، يستغفرون؛ يغفر لمن فيهم من المسلمين " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي وأبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى: " {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: بقية من بقي من المسلمين منهم، فلما خرجوا قال: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] " قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] قال: أهل مكة " وأخبرنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: المؤمنون من أهل مكة. {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] قال: المشركون من أهل مكة " قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: " {وما كان الله 11P150 معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: المؤمنون يستغفرون بين ظهرانيهم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يقول: الذين آمنوا معك يستغفرون بمكة، حتى أخرجك والذين آمنوا معك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال ابن عباس: " لم يعذب قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا معه ويلحقه بحيث أمر. {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يعني المؤمنين. ثم أعاد إلى المشركين، فقال: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] قال: يعني أهل مكة " وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين من قريش بمكة وأنت فيهم يا محمد، حتى أخرجك من بينهم.