Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

حصہ V12/P071

الآية، ثم قال جل ثناؤه: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه أن يتخلفوا خلافه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كل من أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا من أذن له أو أمره بالمقام بعده، فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلف، فعدد جل ثناؤه من تخلف منهم، فأظهر نفاق من كان تخلفه منهم نفاقا وعذر من كان تخلفه لعذر، وتاب على من كان تخلفه تفريطا من غير شك ولا ارتياب في أمر الله إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل. فأما التخلف عنه في حال 12P074 استغنائه فلم يكن محظورا إذا لم يكن عن كراهته منه صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لما لا بد للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم فيلزمهم حينئذ طاعته. وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافية حكم الأخرى من كل وجوهه، ولا جاء خبر يوجه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى وقد بينا معنى المخمصة وأنها المجاعة بشواهده، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضع غير هذا، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا وأما النيل: فهو مصدر من قول القائل. نالني ينالني، ونلت الشيء: فهو منيل، وذلك إذا كنت تناله بيدك. وليس من التناول، وذلك أن التناول من النوال، يقال منه: نلت له أنول له من العطية. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: النيل مصدر من قول القائل: نالني بخير ينولني نوالا. وأنالني خيرا إنالة؛ وقال: كأن النيل من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو. وليس ذلك بمعروف في كلام العرب، بل من شأن العرب أن تصحح الواو من ذوات الواو إذا سكنت وانفتح ما قبلها، كقولهم: القول، والعول، والحول، ولو جاز ما قال لجاز القيل 12P073

حصہ V12/P071

[التوبة: 121] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] يقول تعالى ذكره: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} [التوبة: 120] ، وسائر ما ذكر، ولا ينالون من عدو نيلا، ولا ينفقون نفقة صغيرة في سبيل الله، ولا يقطعون مع رسول الله في غزوه واديا إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاء لهم عليه كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} [التوبة: 121] . . الآية، قال: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا " 12P075

حصہ V12/P071–V12/P075

[التوبة: 122] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] يقول تعالى ذكره: ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعا وقد بينا معنى الكافة بشواهده وأقوال أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية وما النفر الذي كرهه لجميع المؤمنين، فقال بعضهم: هو نفر كان من قوم كانوا بالبادية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] انصرفوا عن البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه وممن عني بالآية. فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] وكره انصراف جميعهم من البادية إلى المدينة. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] قال: ناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يبتغون الخير، {ليتفقهوا} [التوبة: 122] وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، {ولينذروا قومهم} [التوبة: 122] الناس كلهم، {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] " 12P077 حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال في حديثه: فقال الله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] خرج بعض وقعد بعض، يبتغون الخير قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحو حديثه، عن أبي حذيفة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة، غير أنه قال في حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم، وقال: {ليتفقهوا} [التوبة: 122] ليسمعوا ما في الناس وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعا إلى عدوهم ويتركوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وحده. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] قال: ليذهبوا كلهم، فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة وتخلف طائفة ليتفقهوا في الدين، ليتفقه المتخلفون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 12P078 قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده. {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يعني عصبة، يعني السرايا، ولا يتسروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا وقد تعلمناه؛ فيمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: {ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] يقول: يتعلمون ما أنزل الله على نبيه، ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . .

حصہ V12/P075–V12/P078

إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] قال: هذا إذا بعث نبي الله الجيوش أمرهم أن لا يعروا نبيه؛ وتقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم " حدثنا الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . . الآية، كان. نبي الله إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل العذر، وكان إذا أقام فأسرت السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين. وهو قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] يقول: إذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تسرت السرايا وقعد معه معظم الناس " وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم؛ ولكنهم منافقون، ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون لنفر بعض ليتفقه في الدين ولينذر قومه إذا رجع إليهم. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم. وأنزل الله يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين، فرد رسول الله عشائرهم، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم؛ فذلك قوله: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم 12P080 يحذرون} [التوبة: 122] " وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالث، وهو ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . . إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] قال: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدونه من دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم قال فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: إن من أسلم فهو منا وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرف أباه وأمه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرون قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة " وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزروا بأعراب المسلمين وعزروهم في تخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف. ذكر من قال ذلك حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: لما نزلت هذه الآية: " {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من 12P081 الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] . . إلى: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120] قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف فنزلت: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] . .

حصہ V12/P078

إلى: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ونزلت: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة} [الشورى: 16] " الآية حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: سمعته يقول: " لما نزلت: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] و {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب} [التوبة: 120] . . . إلى قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] . . إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ونزلت: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} [الشورى: 16] . . " الآية واختلف الذين قالوا عنى بذلك النهي عن نفر الجميع في السرية وترك النبي عليه الصلاة والسلام وحده في المعنيين بقوله: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فقال بعضهم: عنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد ليتفقه المتخلفون في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم 12P082 وذلك قول قتادة، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبة. وقد حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال. ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] . . الآية، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله. {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن ، وقتادة، " {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] قالا. كافة، ويدعوا النبي صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة وتحذر النافرة المتخلفة. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: " {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] قال: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم " 12P083 وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويله. وما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا، ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة.

حصہ V12/P078

{طائفة} [التوبة: 122] وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال الله جل ثناؤه: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] يقول: فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة، وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدو قبل هذه الآية بقوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] فكان معلوما بذلك إذ كان قد عرفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدو، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم، 12P084 وأما قوله: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] يقول: لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه؛ لأن النفر قد بينا فيما مضى أنه إذا كان مطلقا بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل ثناؤه قال: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] علم أن قوله: «ليتفقهوا» إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته؛ وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببا لجهلهم وترك التفقه؛ وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه. 12P085 وبعد، فإنه قال جل ثناؤه: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] عطفا به على قوله: {ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نفرت، فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك 12P082

حصہ V12/P078–V12/P085

[التوبة: 123] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 123] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله قاتلوا من وليكم من الكفار دون من بعد منهم، يقول لهم: ابدءوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارا دون الأبعد فالأبعد. وكان الذي يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم، لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطروا إليهم لزم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يد على من سواهم. ولصحة كون ذلك، تأول كل من تأول هذه الآية أن معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء. ذكر الرواية بذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي، عن رجل، من بني تميم، قال: سألت ابن عمر عن قتال الديلم، قال: «عليك بالروم» حدثنا ابن بشار، وأحمد بن إسحاق، وسفيان بن وكيع، قالوا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن، " {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] قال: الديلم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن: أنه كان إذا سئل عن قتال الروم، والديلم، تلا هذه الآية: {قاتلوا الذين يلونكم من 12P087 الكفار} [التوبة: 123] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب قال: ثنا عمران أخي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقلت: ما ترى في قتال الديلم؟ فقال: " قاتلوهم ورابطوهم، فإنهم من الذين قال الله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الربيع، عن الحسن أنه سئل عن الشام والديلم، فقال: " {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] الديلم " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا الوليد، قال: سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، يقولان: " يرابط كل قوم ما يليهم من مسالحهم وحصونهم. ويتأولان قول الله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] قال: كان الذين يلونهم من الكفار العرب، فقاتلوهم حتى فرغ منهم. فلما فرغ قال الله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] . . حتى بلغ {وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب أمره بجهاد 12P088 أهل الكتاب، قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند الله " وأما قوله: {وليجدوا فيكم غلظة} [التوبة: 123] فإن معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم {فيكم} [التوبة: 123] أي منكم شدة عليهم {واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] يقول: وأيقنوا عند قتالكم إياهم أن الله معكم وهو ناصركم عليهم، فإن اتقيتم الله وخفتموه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن الله ناصر من اتقاه ومعينه 12P087

حصہ V12/P085–V12/P088

[التوبة: 124] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124] يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله في هذه السورة من يقول: أيها الناس أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ يقول تصديقا بالله وبآياته. يقول الله: فأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، فزادتهم السورة التي أنزلت إيمانا وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين فإن قال قائل: أوليس الإيمان في كلام العرب التصديق والإقرار؟ قيل: بلى. فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقا وإقرارا؟ قيل: زادتهم إيمانا حين نزلت، لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله فحق؛ فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنهم بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} [التوبة: 124] قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها، فزادهم الله إيمانا وتصديقا، وكانوا يستبشرون " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {فزادتهم إيمانا} [التوبة: 124] قال: خشية " 12P089 [التوبة: 125] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 125] يقول تعالى ذكره: وأما الذين في قلوبهم مرض، نفاق وشك في دين الله، فإن السورة التي أنزلت زادتهم رجسا إلى رجسهم؛ وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، فلم يؤمنوا بها ولم يصدقوا، فكان ذلك زيادة شك حادثة في تنزيل الله لزمهم الإيمان به عليهم؛ بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة نتن من أفعالهم إلى ما سلف منهم نظيره من النتن والنفاق، وذلك معنى قوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا} [التوبة: 125] يعني هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا، {وهم كافرون} [التوبة: 55] يعني وهم كافرون بالله وآياته 12P090

حصہ V12/P088–V12/P093

[التوبة: 126] القول في تأويل قوله تعالى : {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} [التوبة: 126] اختلفت القراء في قراءة قوله: {أولا يرون} [التوبة: 126] فقرأته عامة قراء الأمصار: " {أولا يرون} [التوبة: 126] " بالياء، بمعنى أولا يرى هؤلاء الذين في قلوبهم مرض النفاق. وقرأ ذلك حمزة: (أولا ترون) بالتاء، بمعنى أولا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون؟ والصواب عندنا من القراءة في ذلك: الياء، على وجه التوبيخ من الله لهم، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه وصحة معناه: فتأويل الكلام إذا: أولا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كل عام مرة أو مرتين، بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين. {ثم لا يتوبون} [التوبة: 126] يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحل بهم من الله والاختبار الذي يعرض لهم لا يتوبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيتعظوا بها؛ ولكنهم مصرون على نفاقهم، واختلف أهل التأويل في معنى الفتنة التي ذكر الله في هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها، فقال بعضهم: ذلك اختبار الله إياهم بالقحط والشدة. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: بالسنة والجوع " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {يفتنون} [التوبة: 126] قال: يبتلون، {في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: بالسنة والجوع " حدثني المثنى، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: بالسنة والجوع " وقال آخرون: بل معناه أنهم يختبرون بالغزو والجهاد . ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، مثله وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بما يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيفتتن بذلك الذين في قلوبهم مرض. 12P093 ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن أبي الضحى، عن حذيفة، " {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن أبي الضحى، عن حذيفة، قال: «كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان» وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجب عباده المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين في أنفسهم بقلة تذكرهم وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن تكون ما يريهم من نصرة رسوله على أهل الكفر به ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حصہ V12/P093

ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك، دون بعض من الوجه الذي يجب التسليم له، ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله، وهو: أولا يرون أنهم يختبرون في كل عام مرة أو مرتين بما يكون زاجرا لهم ثم لا ينزجرون ولا يتعظون 12P094

حصہ V12/P093–V12/P095

[التوبة: 127] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} [التوبة: 127] يقول تعالى ذكره: وإذا ما أنزلت سورة من القرآن فيها عيب هؤلاء المنافقين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه السورة، وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم إلى بعض، فتناظروا هل يراكم من أحد إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به، ثم قام فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم. ثم ابتدأ جل ثناؤه قوله: {صرف الله قلوبهم} [التوبة: 127] فقال: صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين؛ ذلك {بأنهم قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] يقول: فعل الله بهم هذا الخذلان، وصرف قلوبهم عن الخيرات من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه، استكبارا ونفاقا واختلف أهل العربية في الجالب حرف الاستفهام، فقال بعض نحويي البصرة، قال: نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد؟ كأنه قال: قال بعضهم لبعض؛ لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماء وتنبيها به، والله أعلم. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هو: وإذا ما أنزلت سورة قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ وقال آخر منهم: هذا النظر ليس معناه القول، ولكنه النظر الذي يجلب الاستفهام كقول العرب: تناظروا أيهم أعلم، واجتمعوا أيهم أفقه؛ أي اجتمعوا لينظروا، فهذا الذي يجلب الاستفهام حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: " لا تقولوا: انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن ابن عباس، قال: " لا تقولوا: انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم " قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: " لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن [ص : 96] أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} [التوبة: 127] . . الآية، قال: هم المنافقون " وكان ابن زيد يقول في ذلك، ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} [التوبة: 127] ممن سمع خبركم رآكم أحد أخبره إذا نزل شيء يخبر عن كلامهم، قال: وهم المنافقون. قال: وقرأ: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} [التوبة: 124] . . حتى بلغ: {نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} [التوبة: 127] أخبره بهذا، أكان معكم أحد سمع كلامكم، أحد يخبره بهذا؟ " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إسحاق الهمداني، عمن حدثه عن ابن عباس، قال: " لا تقل انصرفنا من الصلاة، فإن الله عير قوما فقال: {انصرفوا صرف الله قلوبهم} [التوبة: 127] ولكن قل: قد صلينا " 12P096

حصہ V12/P095–V12/P099

[التوبة: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] يقول تعالى ذكره للعرب: {لقد جاءكم} [التوبة: 128] أيها القوم {رسول} [البقرة: 87] الله إليكم {من 12P097 أنفسكم} [التوبة: 128] تعرفونه لا من غيركم، فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم. {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] أي عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى. {حريص عليكم} [التوبة: 128] يقول: حريص على هدى ضلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق {بالمؤمنين رءوف} : أي رفيق {رحيم} [البقرة: 143] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله: " {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من شرك في ولادته " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، في قوله: " {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، بنحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لقد جاءكم 12P098 رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: جعله الله من أنفسهم، ولا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة " وأما قوله: {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما ضللتم. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن ابن عباس، في قوله: " {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] قال: ما ضللتم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيز عليه عنت مؤمنكم. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] عزيز عليه عنت مؤمنهم " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس؛ وذلك أن الله عم بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه، ولم يخصص أهل الإيمان به، فكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله به عزيزا عليه عنت جميعهم فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزا عليه عنت 12P099 جميعهم وهو يقتل كفارهم ويسبي ذراريهم ويسلبهم أموالهم؟ قيل: إن إسلامهم لو كانوا أسلموا كان أحب إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه حتى يستحقوا ذلك من الله، وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم، لأنه كان عزيزا عليه أن يأتوا ما يعنتهم؛ وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي وأما " {ما} [التوبة: 128] " التي في قوله: {ما عنتم} [التوبة: 128] فإنه رفع بقوله: {عزيز عليه} [التوبة: 128] لأن معنى الكلام: ما ذكرت عزيز عليه عنتكم وأما قوله: {حريص عليكم} [التوبة: 128] فإن معناه: ما قد بينت، وهو قول أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {حريص عليكم} [التوبة: 128] حريص على ضالهم أن يهديه الله " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {حريص عليكم} [التوبة: 128] قال: حريص على من لم يسلم أن يسلم " 12P099

حصہ V12/P099–V12/P102

[التوبة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129] يقول تعالى ذكره: فإن تولى يا محمد هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك من قومك، فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله وما دعوتهم إليه من النور والهدى، فقل حسبي الله، يكفيني ربي؛ {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] لا معبود سواه، {عليه توكلت} [التوبة: 129] وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت، فإنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس. {وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129] الذي يملك كل ما دونه، والملوك كلهم مماليكه وعبيده. وإنما عنى بوصفه جل ثناؤه نفسه بأنه رب العرش العظيم، الخبر عن جميع ما دونه أنهم عبيده وفي ملكه وسلطانه؛ لأن العرش العظيم إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه ذو العرش دون سائر خلقه وأنه الملك العظيم دون غيره وأن من دون في سلطانه وملكه جار عليه حكمه وقضاؤه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {فإن تولوا فقل حسبي الله} [التوبة: 129] يعني الكفار تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه في المؤمنين " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عبيد بن عمير، قال: " كان عمر رحمة الله عليه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم 12P101 عزيز عليه} [التوبة: 128] فقال عمر: لا أسألك عليهما بينة أبدا، كذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رحيم يحب كل رحيم، يضع رحمته على كل رحيم» . قالوا: يا رسول الله إنا لنرحم أنفسنا وأموالنا قال: وأراه قال: وأزواجنا. قال: " ليس كذلك، ولكن كونوا كما قال الله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} " أراه قرأ هذه الآية كلها حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: " آخر آية نزلت من القرآن: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] . . إلى آخر الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبي، قال: " آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] . . " الآية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن أبي، قال: " أحدث القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] . . إلى آخر الآيتين " حدثني أبو كريب، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي بن كعب، قال: " أحدث القرآن عهدا بالله الآيتان: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] . . إلى آخر السورة " [010] سورة يونس مكية وآياتها تسع ومائة القول في تفسير السورة التي يذكر فيها يونس بسم الله الرحمن الرحيم

حصہ V12/P102–V12/P105

[يونس: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله أنا الله أرى. ذكر من قال ذلك حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك ، في قوله: " {الر} [يونس: 1] أنا الله، أرى " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قوله: " {الر} [يونس: 1] قال: أنا الله، أرى " وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو الرحمن. ذكر من قال ذلك حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا علي بن الحسين، قال: ثني أبي، 12P103 عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، " {الر} [يونس: 1] ، و {حم} [غافر: 1] ، ونون «حروف الرحمن مقطعة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، عن الحسين بن عثمان، قال: ذكر سالم بن عبد الله: " {الر} [يونس: 1] ، و {حم} [غافر: 1] ونون " فقال: اسم الرحمن مقطع. ثم قال: الرحمن " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبي حماد، قال: ثنا مندل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: " {الر} [يونس: 1] ، و {حم} [غافر: 1] ، ونون هو اسم الرحمن " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر، أنه سئل عن: " {الر} [يونس: 1] ، و {حم} [غافر: 1] ، و {ص} [ص: 1] " قال: هي أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسما من أسماء الله تعالى " وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {الر} [يونس: 1] اسم من أسماء القرآن " 12P105 وقد ذكرنا اختلاف الناس وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه، وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدر الذي ذكرنا لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا قول في {الم} [البقرة: 1] فأما الذين وفقوا بين معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك مكتفيا عن الإعادة ههنا 12P104 [يونس: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] واختلف في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تلك آيات التوراة. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد، " {تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] قال: التوراة والإنجيل " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، " {تلك آيات الكتاب} [يونس: 1] قال: الكتب التي كانت قبل القرآن " وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: هذه آيات القرآن، ووجه 12P106 معنى «تلك» إلى معنى «هذه» ، وقد بينا وجه توجيه تلك إلى هذا المعنى في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته. والآيات الأعلام، والكتاب اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل وإنما قلنا هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجئ للتوراة والإنجيل قبل ذكر ولا تلاوة بعده فيوجه إليه الخبر، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن هذه آيات القرآن الحكيم. ومعنى " {الحكيم} [يونس: 1] " في هذا الموضع: «المحكم» صرف مفعل إلى فعيل، كما قيل عذاب أليم، بمعنى مؤلم، وكما قال الشاعر: أمن ريحانة الداعي السميع وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب فمعناه إذا: تلك آيات الكتاب المحكم الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] 12P105

حصہ V12/P105

[يونس: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} [يونس: 2] يقول تعالى ذكره: أكان عجبا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقاب الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى 12P107 مثله من البشر، فتعجبوا من وحينا إليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] . . وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا} [يوسف: 109] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «عجبت قريش أن بعث، رجل منهم» قال: ومثل ذلك: {وإلى عاد أخاهم هودا} [الأعراف: 65] ، {وإلى ثمود أخاهم صالحا} [الأعراف: 73] قال الله: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} [الأعراف: 63] 12P107

حصہ V12/P105–V12/P109

[يونس: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] 12P108 يقول جل ثناؤه: أكان عجبا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله أن لهم قدم صدق؛ عطف على «أنذر» واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {قدم صدق} [يونس: 2] فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرا حسنا بما قدموا من صالح الأعمال. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: " {أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] قال: ثواب صدق " قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: " {أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] قال: الأعمال الصالحة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] يقول: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن حيان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد، " {أن لهم، قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] 12P109 قال: صلاتهم، وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قدم صدق} [يونس: 2] قال: خير " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قدم صدق} [يونس: 2] مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: " {قدم صدق} [يونس: 2] ثواب صدق عند ربهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وبشر 12P110 الذين آمنوا أن لهم قدم صدق} [يونس: 2] قال: القدم الصدق: الثواب الصدق بما قدموا من الأعمال " وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول " وقال آخرون: معنى ذلك أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قدم صدق.

حصہ V12/P109–V12/P111

ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة، أو الحسن: " {أن لهم، قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] قال: محمد شفيع لهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] أي سلف صدق عند ربهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: " {أن لهم، قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] قال: محمد صلى الله عليه وسلم " قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب؛ وذلك أنه محكي عن العرب: هؤلاء أهل القدم في الإسلام؛ أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا، فكان لهم فيه تقديم، ويقال: له عندي قدم صدق وقدم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: [+البحر الطويل] لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع وقول ذي الرمة: [+البحر الطويل] لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر فتأويل الكلام إذا: وبشر الذين آمنوا أن لهم تقدمة خير من الأعمال الصالحة عند ربهم 12P112

حصہ V12/P111–V12/P113

[يونس: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} [يونس: 2] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: {إن هذا لسحر مبين} [يونس: 76] بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به، يعنون القرآن «لسحر مبين» وقرأ ذلك مسروق وسعيد بن جبير وجماعة من قراء الكوفيين: «إن هذا لسحر مبين» وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك أن كل موصوف بصفة نزل الموصوف على صفته، وصفته عليه، فالقارئ مخير في القراءة في ذلك؛ وذلك نظير هذا الحرف: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} [يونس: 2] و «لسحر مبين» وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه ساحر، ووصفهم ما جاءهم به أنه سحر يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأي ذلك قرأ القارئ لاتفاق معنى القراءتين وفي الكلام محذوف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره وهو: فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي، قال الكافرون إن هذا الذي جاءنا به لسحر مبين فتأويل الكلام إذا: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] ، فلما آتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمد لسحر مبين؛ أي يبين لكم عنه أنه مبطل فيما يدعيه 12P113 [يونس: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} [يونس: 3] يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي له عبادة كل شيء، ولا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مدبرا للأمور وقاضيا في خلقه ما أحب، لا يضاده في قضائه أحد ولا يتعقب تدبيره متعقب ولا يدخل أموره خلل. {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [يونس: 3] يقول: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة. {ذلكم الله ربكم} [الأنعام: 102] يقول جل جلاله: هذا الذي هذه صفته سيدكم ومولاكم لا من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يدبر، ولا يقضي من الآلهة والأوثان. {فاعبدوه} [آل عمران: 51] يقول: فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته، وأخلصوا له العبادة، وأفردوا له الألوهة والربوبية بالذلة منكم له دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة. {أفلا تذكرون} [يونس: 3] يقول: أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج، فتنيبون إلى الإذعان بتوحيد ربكم وإفراده بالعبادة، وتجمعون الأنداد وتبرءون منها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {يدبر الأمر} [يونس: 3] قال: يقضيه وحده " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الأعلى، 12P115 عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " {يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [يونس: 3] قال: يقضيه وحده " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يدبر الأمر} [يونس: 3] قال: يقضيه وحده " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله 12P115

حصہ V12/P113–V12/P117

[يونس: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} [يونس: 4] يقول تعالى ذكره: إلى ربكم الذي صفته ما وصف جل ثناؤه في الآية قبل هذه، معادكم أيها الناس يوم القيامة جميعا. {وعد الله حقا} [النساء: 122] فأخرج وعد الله مصدرا من قوله: {إليه مرجعكم} [الأنعام: 60] لأن فيه معنى الوعد، ومعناه: يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعدا حقا، فلذلك نصب {وعد الله حقا} [النساء: 122] {إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده} . يقول تعالى ذكره: إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده ثم يعيده، فيوجده حيا كهيئته يوم ابتدأه بعد فنائه وبلائه. 12P116 كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] قال: يحييه ثم يميته " قال أبو جعفر: وأحسبه أنه قال: «ثم يحييه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: {يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه ثم يحييه " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه وقرأت قراء الأمصار ذلك: {إنه يبدأ الخلق} [يونس: 4] بكسر الألف من إنه على الاستئناف وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه أنه بفتح الألف من «أنه» كأنه أراد: حقا أن يبدأ الخلق ثم يعيده، ف «أن» حينئذ تكون رفعا، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] أحقا عباد الله أن لست زائرا أبا حبة إلا علي رقيب 12P117 وقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} [يونس: 4] يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره، وقوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] يقول: ليثيب من صدق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال واجتنبوا ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة {بالقسط} [يونس: 4] يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسن من الثواب والصالح من الجزاء في الآخرة، وذلك هو القسط. والقسط العدل والإنصاف؛ كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بالقسط} [يونس: 4] بالعدل " وقوله: {والذين كفروا لهم شراب من حميم} [يونس: 4] فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعد الله للذين كفروا من العذاب. وفيه معنى العطف على الأول، لأنه تعالى ذكره عم بالخبر عن معاد جميعهم كفارهم ومؤمنيهم إليه، ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كل فريق بما عمل، المحسن منهم بالإحسان والمسيء بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنف عما أعد للذين كفروا من العذاب ما يدل سامع ذلك على المراد ابتدأ الخبر والمعنى العطف، فقال: والذين جحدوا الله ورسوله وكذبوا بآيات الله، لهم شراب في جهنم من حميم، وذلك شراب قد أغلي واشتد حره حتى أنه فيما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه، وكما وصفه جل ثناؤه: {كالمهل يشوي الوجوه} [الكهف: 29] وأصله مفعول صرف إلى فعيل، وإنما هو «محموم» : أي مسخن، وكل مسخن عند العرب فهو حميم، ومنه قول المرقش: [+البحر البسيط] في كل يوم لها مقطرة فيها كباء معد وحميم يعني بالحميم: الماء المسخن وقوله: {وعذاب أليم} [يونس: 4] يقول: ولهم مع ذلك عذاب موجع سوى الشراب من الحميم {بما كانوا يكفرون} [يونس: 4] بالله ورسوله 12P118

حصہ V12/P117–V12/P120

[يونس: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} [يونس: 5] يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض {هو الذي جعل الشمس ضياء} [يونس: 5] بالنهار {والقمر نورا} [يونس: 5] بالليل، ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمس وأنار القمر، {وقدره منازل} [يونس: 5] يقول: قضاه فسواه منازل لا يجاوزها، ولا يقصر دونها على حال واحدة أبدا. وقال: {وقدره منازل} [يونس: 5] فوحده، وقد ذكر الشمس والقمر، فإن في ذلك وجهين: أحدهما أن تكون الهاء في قوله: {وقدره} [يونس: 5] للقمر خاصة، لأن بالأهلة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس. والآخر: أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن جول الطوي رماني وقوله: {لتعلموا عدد السنين والحساب} [يونس: 5] يقول: وقدر ذلك منازل لتعلموا أنتم أيها الناس عدد السنين: دخول ما يدخل منها، وانقضاء ما يستقبل منها وحسابها، يقول: وحساب أوقات السنين وعدد أيامها وحساب ساعات أيامها ، {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} [يونس: 5] يقول جل ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق، يقول الحق تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحق وحدي بغير عون ولا شريك. {يفصل الآيات} [يونس: 5] يقول: يبين الحجج والأدلة {لقوم يعلمون} [البقرة: 230] إذا تدبروها، حقيقة وحدانية الله، وصحة ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم من خلع الأنداد والبراءة من الأوثان 12P119 [يونس: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون} يقول تعالى ذكره منبها عباده على موضع الدلالة على ربوبيته وأنه خالق كل ما دونه. إن في اعتقاب الليل والنهار واعتقاب النهار الليل. إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا، وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم وفي الأرض من عجائب الخلق الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء. {لآيات} [البقرة: 164] يقول لأدلة وحججا وأعلاما واضحة لقوم يتقون الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم فإن قال قائل: أولا دلالة فيما خلق الله في السماوات والأرض على صانعه إلا لمن اتقى الله؟ قيل: في ذلك الدلالة الواضحة على صانعه لكل من صحت فطرته، وبرئ من العاهات قلبه، ولم يقصد بذلك الخبر عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعر نفسه تقوى الله، وإنما معناه: إن في ذلك لآيات لمن اتقى عقاب الله فلم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق، لأن ذلك يدل كل ذي فطرة صحيحة على أن له مدبرا يستحق عليه الإذعان له بالعبودية دون ما سواه من الآلهة والأنداد 12P120

سوالات