Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

حصہ V14/P181–V14/P187

[النحل: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون} [النحل: 14] يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كل نهر ملحا ماؤه أو عذبا {لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14] وهو السمك الذي يصطاد منه {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} [النحل: 14] وهو اللؤلؤ والمرجان، كما: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14] قال: " منهما جميعا {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} [النحل: 14] قال: «هذا اللؤلؤ» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14] يعني حيتان البحر " حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر، فقال: «هل في حلي النساء صدقة ؟ » قال: " لا، هي كما قال الله تعالى: {حلية تلبسونها وترى الفلك} [النحل: 14] يعني السفن، {مواخر فيه} [النحل: 14] وهي جمع ماخرة ". وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {مواخر} [النحل: 14] ، فقال بعضهم: المواخر: المواقر ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «المواقر» وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن أبي بكر الأصم، عن عكرمة، في قوله: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني 14P187 تشقه» وقال آخرون فيه ما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «تجري فيه متعرضة» وقال آخرون فيه بما: حدثني به محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام» . حدثني الحرث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، غير أن الحرث قال في حديثه: ولا تمخر الرياح من السفن.

حصہ V14/P187–V14/P188

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مواخر} [النحل: 14] قال: «تمخر الريح» وقال آخرون فيه ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة 14P188 : {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] «تجري بريح واحدة، مقبلة ومدبرة» حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: «تجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة» حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن: {وترى الفلك مواخر فيه} [النحل: 14] قال: «مقبلة ومدبرة بريح واحدة» والمخر في كلام العرب: صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرت من أين هبوبها وتسمعت صوت هبوبها، ومنه قول واصل مولى ابن عيينة: كان يقال: إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، يريد بذلك: لينظر من أين مجراها وهبوبها ليستدبرها فلا ترجع عليه البول وترده عليه وقوله: {ولتبتغوا من فضله} [النحل: 14] يقول تعالى ذكره: ولتتصرفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولتبتغوا من فضله} [النحل: 14] قال: «تجارة البر والبحر» وقوله: {ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185] يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عددها في هذه الآيات 14P189

حصہ V14/P188–V14/P192

[النحل: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون} [النحل: 15] يقول تعالى ذكره: ومن نعمه عليكم أيها الناس أيضا، أن ألقى في الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت في الأرض من الجبال وقوله: {أن تميد بكم} [النحل: 15] يعني: أن لا تميد بكم، وذلك كقوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] والمعنى: أن لا تضلوا وذلك أنه جل ثناؤه أرسى الأرض بالجبال لئلا يميد خلقه الذي على ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن ترسى بها، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد: " أن الله تبارك وتعالى لما خلق الأرض جعلت تمور، قالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها رواسيها " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب، قال: " لما خلق الله الأرض قمصت، وقالت: أي رب أتجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا، ويجعلون 14P190 علي الخبث؟ قال: فأرسى الله عليها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللحم يترجرج ". والميد: هو الاضطراب والتكفؤ، يقال: مادت السفينة تميد ميدا: إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أن تميد بكم} [النحل: 15] أن تكفأ بكم ". حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15] قال: «الجبال أن تميد بكم» قال قتادة: سمعت الحسن يقول: " لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال " وقوله: {وأنهارا} [الرعد: 3] يقول: وجعل فيها أنهارا، فعطف بالأنهار على الرواسي، وأعمل فيها ما أعمل في الرواسي، إذ كان مفهوما معنى الكلام والمراد منه، وذلك نظير قول الراجز: [+البحر الرجز] تسمع في أجوافهن صورا وفي اليدين حشة وبورا والحشة: اليبس، فعطف بالحشة على الصوت، والحشة لا تسمع، إذ كان مفهوما المراد منه وأن معناه وترى في اليدين حشة وقوله: {وسبلا} [النحل: 15] وهي جمع سبيل، كما الطرق جمع طريق، ومعنى الكلام: وجعل لكم أيها الناس في الأرض سبلا وفجاجا تسلكونها وتسيرون فيها في حوائجكم وطلب معايشكم رحمة بكم، ونعمة منه بذلك عليكم، ولو عماها عليكم لهلكتم ضلالا وحيرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {سبلا} [طه: 53] أي طرقا " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سبلا} [طه: 53] قال: «طرقا» وقوله {لعلكم تهتدون} [البقرة: 53] يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها 14P192 لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون، والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا وتتحيروا 14P191

حصہ V14/P192–V14/P193

[النحل: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلامات، وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] اختلف أهل التأويل في المعني بالعلامات، فقال بعضهم: عني بها معالم الطرق بالنهار ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وعلامات، وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] " يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل ". وقال آخرون: عني بها النجوم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] قال: «منها ما يكون علامات، ومنها ما يهتدون به» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] قال: «منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به» . 14P193 حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. قال المثنى: قال: ثنا إسحاق، خالف قبيصة وكيعا في الإسناد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] " والعلامات: النجوم، وإن الله تبارك وتعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، فقد رأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وعلامات} [النحل: 16] قال: «النجوم» . وقال آخرون: عني بها الجبال ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي: {وعلامات} [النحل: 16] قال: «الجبال» . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره عدد على عباده من نعمه، إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكل علامة استدل بها الناس على طرقهم وفجاج سبلهم فداخل في قوله: {وعلامات} [النحل: 16] والطرق المسبولة: الموطوءة، علامة للناحية المقصودة، والجبال علامات يهتدي بهن إلى قصد السبيل، وكذلك النجوم بالليل غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة الليل بقوله: {وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] وإذا كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية، فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباس في الخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطرق وأماراتها التي يهتدى بها إلى المستقيم منها نهارا، وأن يكون النجم الذي يهتدى به ليلا هو الجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم، فتأويل الكلام إذن: وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهارا على طرقكم في أسفاركم، ونجوما تهتدون بها ليلا في سبلكم 14P194

حصہ V14/P193–V14/P197

[النحل: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} [النحل: 17_18] يقول تعالى ذكره لعبدة الأوثان والأصنام: أفمن يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم وينعم عليكم هذه النعم العظيمة، كمن لا يخلق شيئا ولا ينعم عليكم نعمة صغيرة ولا كبيرة؟ يقول: أتشركون هذا في عبادة هذا؟ يعرفهم بذلك عظم جهلهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، وقلة شكرهم لمن أنعم عليهم بالنعم التي عددها عليهم، التي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جل ثناؤه موبخهم : {أفلا تذكرون} [يونس: 3] أيها الناس، يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سلطانه وقدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم، وضعفها، ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعا، ولا تدفع عنها ضرا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها، وإقراركم لها بالألوهة؟ كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17] والله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئا، ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا، قال الله: {أفلا تذكرون} [النحل: 17] " وقيل: {كمن لا يخلق} [النحل: 17] هو الوثن والصنم، و «من» لذوي التمييز خاصة، فجعل في هذا الموضع لغيرهم للتمييز، إذ وقع تفصيلا بين من يخلق ومن لا يخلق، ومحكي عن العرب: اشتبه علي الراكب وجمله، فما أدري من ذا ومن ذا، حيث جمعا، وأحدهما إنسان حسنت «من» فيهما جميعا، ومنه قول الله عز وجل: {فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع} [النور: 45] وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18] لا تطيقوا أداء شكرها. {إن الله لغفور رحيم} [النحل: 18] يقول جل ثناؤه: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، 14P196 رحيم بكم أن يعذبكم عليه بعد الإنابة إليه والتوبة 14P195 [النحل: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون. والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [النحل: 20] يقول تعالى ذكره: والله الذي هو إلهكم أيها الناس، يعلم ما تسرون في أنفسكم من ضمائركم، فتخفونه عن غيركم، فما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم، وما تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محض ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به يوم القيامة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته، ومسائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على نعمه التي أنعمها عليكم، فما التي أحصيتم والتي لم تحصوا وقوله: (والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) يقول تعالى ذكره: وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تخلق شيئا وهي تخلق، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعا مدبرا لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا؟ 14P196 [النحل: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 21] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس {أموات غير أحياء} [النحل: 21] وجعلها جل ثناؤه 14P197 أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 21] «وهي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا» . وفي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف وقوله: {وما يشعرون} [البقرة: 9] يقول: وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث. وقيل: إنما عنى بذلك الكفار، أنهم لا يدرون متى يبعثون 14P197

حصہ V14/P197

[النحل: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {إلهكم إله واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون} [النحل: 22] يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحق عليكم العبادة وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء معبود واحد، لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكا سواه {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} [النحل: 22] . يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدقون بوعد الله ووعيده ولا يقرون بالمعاد إليه بعد الممات {قلوبهم منكرة} [النحل: 22] يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من قدرة الله وعظمته وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له، والألوهة ليست لشيء غيره، يقول: وهم مستكبرون عن إفراد الله بالألوهة، والإقرار له بالوحدانية، اتباعا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} [النحل: 22] لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه " 14P197 [النحل: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] يعني تعالى ذكره بقوله: لا جرم حقا أن الله يعلم ما يسر هؤلاء المشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: {إلهكم إله واحد} [النحل: 22] ، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] يقول: إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحدوه، ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد، كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مسعر، عن رجل: أن الحسن بن علي كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول: {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] " 14P198 [النحل: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين: {ماذا أنزل ربكم} [النحل: 24] أي شيء أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزل ما سطره الأولون من قبلنا من الأباطيل. 14P199 وكان ذلك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ماذا أنزل ربكم، قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] يقول: " أحاديث الأولين وباطلهم، قال ذلك قوم من مشركي العرب، كانوا يقعدون بطريق من أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مر بهم أحد من المؤمنين يريد نبي الله صلى الله عليه وسلم، قالوا لهم: أساطير الأولين، يريد: أحاديث الأولين وباطلهم " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أساطير الأولين} [النحل: 24] يقول: أحاديث الأولين " 14P199

حصہ V14/P197–V14/P199

[النحل: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المشركون لمن سألهم ماذا أنزل ربكم: الذي أنزل ربنا فيما يزعم محمد عليه أساطير الأولين، لتكون لهم ذنوبهم التي هم عليها مقيمون من تكذيبهم الله، وكفرهم بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذنوب الذين يصدونهم عن الإيمان بالله يضلون يفتنون منهم بغير علم، وقوله: {ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون، والثقل الذي يتحملون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} [النحل: 25] ومن أوزار من أضلوا احتمالهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا ". حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، إلا أنه، قال: ومن أوزار الذين يضلونهم حملهم ذنوب أنفسهم، وسائر الحديث مثله حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ليحملوا أوزارهم} [النحل: 25] كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم قال: «حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} [النحل: 25] أي ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علم، {ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل: 25] يقول: " يحملون ذنوبهم، وذلك مثل قوله: {وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] يقول: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم " حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» حدثني المثنى، قال: أخبرنا سويد ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رجل، قال: قال زيد بن أسلم: إنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجها وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعا، وكلما تخوف شيئا زاده 14P202 خوفا، فيقول: بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، طأطئ إلي أركبك فطالما ركبتني في الدنيا فيركبه، وهو قوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} [النحل: 25] " 14P201

حصہ V14/P199–V14/P206

[النحل: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [النحل: 26] يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين الذين يصدون عن سبيل الله من أراد اتباع دين الله، فراموا مغالبة الله ببناء بنوه، يريدون بزعمهم الارتفاع إلى السماء لحرب من فيها وكان الذي رام ذلك فيما ذكر لنا جبار من جبابرة النبط، فقال بعضهم: هو نمروذ بن كنعان، وقال بعضهم: هو بختنصر، وقد ذكرت بعض أخبارهما في سورة إبراهيم وقيل: إن الذي ذكر في هذا الموضع هو الذي ذكره الله في سورة إبراهيم ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم فأخرج، يعني من مدينته، قال: فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به، وقال: إني مهاجر إلى ربي، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفراخ من فراخ النسور، فرباهن باللحم والخبز حتى كبرن وغلظن واستعلجن، فربطهن في تابوت، وقعد في ذلك التابوت ثم رفع لهن رجلا من لحم، فطرن، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع، فألقى اللحم، فاتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن، فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قول الله تعالى: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] ، وهي في قراءة ابن مسعود: (وإن كاد مكرهم) فكان طيرورتهن به من بيت المقدس ووقوعهن به في جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى إذا شيده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر، يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث، ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد {فخر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [النحل: 26] يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقض بهم فسقط فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس من قبل ذلك بالسريانية " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] قال: «هو نمرود حين بنى الصرح» حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: " إن أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، أرحم الناس به من جمع يديه 14P205 فضرب رأسه بهما، وكان جبارا أربع مائة سنة، فعذبه الله أربع مائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] " وأما قوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] فإن معناه: هدم الله بنيانهم من أصله والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس وكان بعضهم يقول: هذا مثل للاستئصال، وإنما معناه: إن الله استأصلهم، وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء وقوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فخر عليهم السقف من فوقهم، أعالي بيوتهم من فوقهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] إي والله، لأتاها أمر الله من أصلها {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] والسقف: أعالي البيوت، فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم، {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [النحل: 26] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] قال: «أتى الله بنيانهم من أصوله، فخر عليهم السقف» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] قال: «مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه» .

حصہ V14/P206

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله ". وقال آخرون: عنى بقوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] أن العذاب أتاهم من السماء ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26] يقول: «عذاب من السماء، لما رأوه استسلموا وذلوا» وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت عليهم سقوف 14P207 بيوتهم، إذ أتى أصولها وقواعدها أمر الله، فائتفكت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخر السقف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل. {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [النحل: 26] يقول تعالى ذكره: وأتى هؤلاء الذين مكروا من قبل مشركي قريش، عذاب الله من حيث لا يدرون أنه أتاهم منه 14P206

حصہ V14/P206–V14/P209

[النحل: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} [النحل: 27] يقول تعالى ذكره: فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جل ثناؤه أمرهم ما فعل بهم في الدنيا من تعجيل العذاب لهم والانتقام بكفرهم وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم فمذلهم بعذاب أليم، وقائل لهم عند ورودهم عليه: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} [النحل: 27] أصله: من شاققت فلانا فهو يشاقني، وذلك إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام: أين شركائي؟ يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم؟ ما لهم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم ما أنا محل بكم من العذاب، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا وتتولونهم، والولي ينصر وليه؟ وكانت مشاقتهم الله في أوثانهم مخالفتهم إياه في عبادتهم، كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} [النحل: 27] يقول: تخالفوني " وقوله: {قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} [النحل: 27] يعني: الذلة والهوان، {والسوء} [النحل: 27] يعني: عذاب الله على الكافرين 14P208 [النحل: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء، بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} [النحل: 28] يقول تعالى ذكره: قال الذين أوتوا العلم: إن الخزي اليوم والسوء على من كفر بالله فجحد وحدانيته، {الذين تتوفاهم الملائكة} [النحل: 28] يقول: الذين تقبض أرواحهم الملائكة، {ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] يعني: وهم على كفرهم وشركهم بالله. وقيل: إنه عنى بذلك من قتل من قريش ببدر وقد أخرج إليها كرها حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: ثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: " كان ناس بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا ، فأخرج بهم كرها إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله 14P209 فيهم: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النحل: 28] " وقوله: {فألقوا السلم} [النحل: 28] يقول: فاستسلموا لأمره، وانقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم {ما كنا نعمل من سوء} [النحل: 28] وفي الكلام محذوف استغني بفهم سامعيه ما دل عليه الكلام عن ذكره، وهو: قالوا ما كنا نعمل من سوء يخبر عنهم بذلك أنهم كذبوا وقالوا: ما كنا نعصي الله اعتصاما منهم بالباطل رجاء أن ينجوا بذلك، فكذبهم الله فقال: بل كنتم تعملون السوء وتصدون عن سبيل الله. {إن الله عليم بما كنتم تعملون} [النحل: 28] يقول: إن الله ذو علم بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصيه، وتأتون فيها ما يسخطه 14P209 [النحل: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} [النحل: 29] يقول تعالى ذكره، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم: ما كنا نعمل من سوء: ادخلوا أبواب جهنم، يعني: طبقات جهنم، {خالدين فيها} [البقرة: 162] يعني: ماكثين فيها، {فلبئس مثوى المتكبرين} [النحل: 29] يقول: فلبئس منزل من تكبر على الله، ولم يقر بربوبيته، ويصدق بوحدانيته {جهنم} [البقرة: 206] 14P209

حصہ V14/P209–V14/P211

[النحل: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} [النحل: 30] يقول تعالى ذكره: وقيل للفريق الآخر الذين هم أهل إيمان وتقوى لله: {ماذا أنزل ربكم، قالوا خيرا} [النحل: 30] يقول: قالوا: أنزل خيرا، وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول: إنما اختلف الإعراب في قوله: {قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] وقوله: {خيرا} [البقرة: 158] والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة، وهي قوله: {ماذا أنزل ربكم} [النحل: 24] لأن الكفار جحدوا التنزيل، فقالوا حين سمعوه: أساطير الأولين، أي هذا الذي جئت به أساطير الأولين ولم ينزل الله منه شيئا، وأما المؤمنون فصدقوا التنزيل، فقالوا: خيرا، بمعنى أنه أنزل خيرا، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير، فلهذا افترقا، ثم ابتدأ الخبر، فقال: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} [النحل: 30] وقد بينا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته وقوله: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} [النحل: 30] يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله، وأطاعوه فيها، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به {حسنة} [البقرة: 201] يقول: كرامة من الله، {ولدار الآخرة خير} [يوسف: 109] يقول: ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا، وكرامة الله التي أعدها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا، {ولنعم دار المتقين} [النحل: 30] يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه، وتجنب معاصيه، دار الآخرة. 14P211 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم، قالوا خيرا، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} [النحل: 30] وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم: {ماذا أنزل ربكم} [النحل: 24] فيقولون {خيرا، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} [النحل: 30] أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه " 14P211 [النحل: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين} [النحل: 31] يعني تعالى ذكره بقوله: {جنات عدن} [التوبة: 72] بساتين للمقام، وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته {يدخلونها} [الرعد: 23] يقول: يدخلون جنات عدن وفي رفع «جنات» أوجه ثلاث: أحدها: أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر: بالعائد من الذكر في قوله: «يدخلونها» ، والثالث: على أن يكون خبرا لنعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبرا لنعم: ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون «يدخلونها» في موضع حال، كما يقال: نعم الدار دار تسكنها أنت، وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا 14P212 التأويل «يدخلونها» من صلة «جنات عدن» وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار {لهم فيها ما يشاءون} يقول: للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم. {كذلك يجزي الله المتقين} [النحل: 31] يقول: كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه 14P212

حصہ V14/P211–V14/P215

[النحل: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] يقول تعالى ذكره: كذلك يجزي الله المتقين الذين تقبض أرواحهم ملائكة الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان، وطهر الإسلام، في حال حياتهم وحال مماتهم، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} [النحل: 32] قال: «أحياء وأمواتا، قدر 14P213 الله ذلك لهم» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {يقولون سلام عليكم} [النحل: 32] يعني جل ثناؤه أن الملائكة تقبض أرواح هؤلاء المتقين، وهي تقول لهم: سلام عليكم، صيروا إلى الجنة، بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة، كما: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، أنه سمع محمد بن كعب القرظي، يقول: " إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه الآية: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} [النحل: 32] إلى آخر الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] ، 14P214 قال: «الملائكة يأتونه بالسلام من قبل الله، وتخبره أنه من أصحاب اليمين» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الأشب أبو علي، عن أبي رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء، قال: قوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ، قال: «يسلم عليه عند الموت» وقوله: {بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] يقول: بما كنتم تصيبون في الدنيا أيام حياتكم فيها طاعة الله طلب مرضاته 14P214 [النحل: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي أمر ربك، كذلك فعل الذين من قبلهم، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [النحل: 33] يقول تعالى ذكره: هل ينتظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتي أمر ربك بحشرهم لموقف القيامة {كذلك فعل الذين من قبلهم} [النحل: 33] يقول جل ثناؤه: كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم، أو إتيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بالله، لأن ذلك في كل مشرك بالله {وما ظلمهم الله} [آل عمران: 117] يقول جل ثناؤه: وما ظلمهم الله بإحلال سخطه، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] بمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتى استحقوا عقابه، فعجل لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} [الأنعام: 158] قال: «بالموت» ، وقال في آية أخرى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} [الأنفال: 50] ، وهو ملك الموت وله رسل، قال الله تعالى: {أو يأتي أمر ربك} [النحل: 33] ذاكم يوم القيامة " حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} [الأنعام: 158] يقول: «عند الموت حين تتوفاهم، أو يأتي أمر ربك ذلك يوم القيامة» 14P215 [النحل: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [النحل: 34] يقول تعالى ذكره: فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمم الماضية فعل هؤلاء المشركين من قريش سيئات ما عملوا، يعني عقوبات ذنوبهم، ونقم معاصيه التي اكتسبوها، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: وحل بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه ويسخرون عند إنذارهم ذلك رسل الله، ونزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيمان بالله 14P215

حصہ V14/P215–V14/P217

[النحل: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] يقول تعالى ذكره: وقال الذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام من دون الله: ما نعبد هذه الأصنام إلا لأن الله قد رضي عبادتنا هؤلاء، ولا نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب إلا أن الله شاء منا ومن آبائنا تحريمناها ورضيه، لولا ذلك لقد غير ذلك ببعض عقوباته، أو بهدايته إيانا إلى غيره من الأفعال، يقول تعالى ذكره: كذلك فعل الذين من قبلهم من الأمم المشركة الذين استن هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، وسلكوا سبيلهم في تكذيب رسل الله، واتباع أفعال آبائهم الضلال وقوله: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] يقول جل ثناؤه: فهل أيها القائلون لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا على رسلنا الذين نرسلهم بإنذاركم عقوبتنا على كفركم، إلا البلاغ المبين، يقول: إلا أن تبلغكم ما أرسلنا إليكم من الرسالة ويعني بقوله {المبين} [المائدة: 92] الذي يبين عن معناه لمن أبلغه، ويفهمه من أرسل إليه 14P216 [النحل: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [النحل: 36] يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة، {واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا {فمنهم من هدى الله} [النحل: 36] يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفقه لتصديق رسله والقبول منها والإيمان بالله والعمل بطاعته، ففاز وأفلح ونجا من عذاب الله {ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] يقول: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذبوا رسله واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [آل عمران: 137] يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حل بهم ما حل من بأسنا بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها والبلاد التي كانوا يعمرونها فانظروا إلى آثار الله فيهم وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم فإنكم ترون حقيقة ذلك وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم 14P217

حصہ V14/P217–V14/P219

[النحل: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل، وما لهم من ناصرين} [النحل: 37] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين إلى الإيمان بالله واتباع الحق {فإن الله لا يهدي من يضل} [النحل: 37] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفيين: {فإن الله لا يهدي من يضل} [النحل: 37] بفتح الياء من «يهدي» ، وضمها من «يضل» ، وقد اختلف في معنى ذلك قارئوه كذلك، فكان بعض نحويي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هدي الرجل يريدون قد اهتدى، وهدي واهتدى بمعنى واحد. وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة: (فإن الله لا يهدى) بضم الياء من «يهدى» ومن «يضل» وفتح الدال من «يهدى» بمعنى: من أضله الله فلا هادي له. وهذه القراءة أولى القراءتين عندي بالصواب، لأن يهدي بمعنى يهتدى قليل في كلام العرب غير مستفيض، وأنه لا فائدة في قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مما لا يجهله أحد وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءة بما كان مستفيضا في كلام العرب من اللغة بما فيه الفائدة العظيمة أولى وأحرى، فتأويل الكلام لو كان الأمر على ما وصفنا: إن تحرص يا محمد على هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به، لتتم عليه الحجة {وما لهم من ناصرين} [آل عمران: 22] يقول: وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم، فيحول بين الله وبين ما أراد من عقوبتهم. وفي قوله: {إن تحرص} [النحل: 37] لغتان: فمن العرب من يقول: حرص، يحرص بفتح الراء في فعل وكسرها في يفعل، وحرص يحرص بكسر الراء في فعل وفتحها في يفعل، والقراءة على الفتح في الماضي والكسر في المستقبل، وهي لغة أهل الحجاز 14P219 [النحل: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [النحل: 38] يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله جهد أيمانهم حلفهم، لا يبعث الله من يموت بعد مماته، وكذبوا وأبطلوا في أيمانهم التي حلفوا بها كذلك، بل سيبعثه الله بعد مماته، وعدا عليه أن يبعثهم وعد عباده، والله لا يخلف الميعاد {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] يقول: ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله 14P220 : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} [النحل: 38] " تكذيبا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين: مكذب ومصدق، ذكر لنا أن رجلا قال لابن عباس: إن ناسا بهذا العراق يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأولون هذه الآية فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان علي مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: " إن رجالا يقولون: إن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأولون: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [النحل: 38] قال: «لو كنا نعلم أن عليا مبعوث، ما تزوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه، ولكن هذه للناس عامة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} [النحل: 38] قال: " حلف رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند رجل من المكذبين، فقال: والذي يرسل الروح من بعد الموت، فقال: وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الموت؟ وأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: " كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا فقال 14P221 المشرك: إنك تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [النحل: 38] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عطاء بن أبي رباح، أنه أخبره أنه، سمع أبا هريرة، يقول: " قال الله: سبني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} [النحل: 38] قال: " قلت: {بلى وعدا عليه حقا} [النحل: 38] وأما سبه إياي فقال: {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ، وقلت: {قل هو الله أحد. الله الصمد} [الإخلاص: 2] . لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد " 14P221

حصہ V14/P219

[النحل: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39] يقول تعالى ذكره : بل ليبعثن الله من يموت وعدا عليه حقا، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت ولغيرهم الذي يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم لا يبعث الله من يموت، 14P222 كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} [النحل: 39] قال: «للناس عامة» 14P222

حصہ V14/P219–V14/P224

[النحل: 40_41] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [النحل: 40_41] يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكون ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ولا كلفة علينا. واختلفت القراء في قراءة قوله: {يكون} [البقرة: 150] ، فقرأه أكثر قراء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن} [النحل: 40] كلام تام مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: «فيكون» ، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] يريد أن يعربه فيعجمه وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام وبعض المتأخرين من قراء الكوفيين: «فيكون» نصبا، عطفا على قوله: {أن نقول له} [النحل: 40] وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون وقد حكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا ب «يمنعني» على «آتيك» وقوله: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة} [النحل: 41] يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم {من بعد ما ظلموا} [النحل: 41] يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} [النحل: 41] يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم} [النحل: 41] قال: «هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين» حدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} [النحل: 41] قال: «المدينة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة} [النحل: 41] قال: «هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون» . وقال آخرون: عنى بقوله: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} [النحل: 41] لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {لنبوئنهم} [النحل: 41] لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا ". حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن العوام، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: «خذ، بارك الله 14P225 لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل» ثم تلا هذه الآية: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [النحل: 41] ".

حصہ V14/P224–V14/P225

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى {لنبوئنهم} [النحل: 41] لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوأ في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} [يونس: 93] وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: " نزلت {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} [النحل: 41] إلى قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 42] في أبي جندل بن سهيل " وقوله: {ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [النحل: 41] يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله 14P226 : " {ولأجر الآخرة أكبر} [النحل: 41] أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر {لو كانوا يعلمون} [النحل: 41] " 14P225

حصہ V14/P225–V14/P228

[النحل: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 42] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صبروا في الله على ما نابهم في الدنيا {وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] يقول: وبالله يثقون في أمورهم، وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم 14P226 [النحل: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم، للدعاء إلى توحيدنا والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، إلا رجالا من بني آدم نوحي إليهم وحينا، لا ملائكة، يقول: فلم نرسل إلى قومك إلا مثل الذي كنا نرسل إلى من قبلهم من الأمم من جنسهم وعلى منهاجهم {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] يقول لمشركي قريش: وإن كنتم لا تعلمون أن الذين كنا نرسل إلى من قبلكم من الأمم رجال من بني آدم مثل محمد صلى الله عليه وسلم وقلتم هم ملائكة، أي ظننتم أن الله كلمهم قبلا، {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] وهم الذين قد قرءوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] قال: «أهل التوراة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، قال: سألت الأعمش عن قوله: {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] ، قال: «سمعنا أنه من أسلم من أهل التوراة والإنجيل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] قال: «هم أهل الكتاب» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] قال: " قال 14P228 لمشركي قريش: إن محمدا في التوراة والإنجيل " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما بعث الله محمدا رسولا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، قال: فأنزل الله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر} [النحل: 44] فاسألوا أهل الذكر: يعني أهل الكتب الماضية، أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولا، قال: ثم قال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] ، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم " وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] قال: «نحن أهل الذكر» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاسألوا 14P229 أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] قال: " الذكر: القرآن، وقرأ: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، وقرأ: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} [فصلت: 41] الآية " 14P228

حصہ V14/P228–V14/P231

[النحل: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] يقول تعالى ذكره: أرسلنا بالبينات والزبر رجالا نوحي إليهم. فإن قال قائل: وكيف قيل بالبينات والزبر؟ وما الجالب لهذه الباء في قوله {بالبينات} [البقرة: 92] فإن قلت: جالبها قوله {أرسلنا} [البقرة: 151] وهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة «ما» قبل «إلا» بعدها؟ وإن قلت: جالبها غير ذلك، فما هو؟ وأين الفعل الذي جلبها؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم: الباء التي في قوله: «بالبينات» من صلة «أرسلنا» ، وقال: «إلا» في هذا الموضع، ومع الجحد والاستفهام في كل موضع بمعنى «غير» وقال: معنى الكلام: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم، ويقول على ذلك: ما ضرب إلا أخوك زيدا، وهل كلم إلا أخوك عمرا، بمعنى: ما ضرب زيدا غير أخيك، وهل كلم عمرا إلا أخوك؟ ويحتج في ذلك بقول أوس بن حجر: [+البحر الكامل] أبني لبينى لستم بيد إلا يد ليست لها عضد ويقول: لو كانت «إلا» بغير معنى لفسد الكلام، لأن الذي خفض الباء قبل «إلا» لا يقدر على إعادته بعد «إلا» لخفض اليد الثانية، ولكن معنى «إلا» معنى «غير» ويستشهد أيضا بقول الله عز وجل: {لو كان فيهما آلهة إلا الله} [الأنبياء: 22] ، ويقول: «إلا» بمعنى «غير» في هذا الموضع وكان غيره يقول: إنما هذا على كلامين، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلنا بالبينات والزبر، قال: وكذلك قول القائل: ما ضرب إلا أخوك زيدا معناه: ما ضرب إلا أخوك، ثم يبتدئ ضرب زيدا، وكذلك ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك، ثم يقول: مر بزيد، ويستشهد على ذلك ببيت الأعشى: [+البحر الطويل] وليس مجيرا إن أتى الحي خائف ولا قائلا إلا هو المتعيبا ويقول: لو كان ذلك على كلمة لكان خطأ، لأن «المتعيبا» من صلة القائل، ولكن جاز ذلك على كلامين، وكذلك قول الآخر: [+البحر البسيط] نبئتهم عذبوا بالنار جارهم وهل يعذب إلا الله بالنار فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر، والبينات: هي الأدلة والحجج التي أعطاها الله رسله أدلة على نبوتهم شاهدة لهم على حقيقة ما أتوا به إليهم من عند الله، والزبر: هي الكتب، وهي جمع زبور، من زبرت الكتاب وذبرته: إذا كتبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: {بالبينات والزبر} [النحل: 44] قال: " الزبر: الكتب " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بالبينات والزبر} [النحل: 44] قال: " الآيات، والزبر: الكتب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " الزبر: الكتب " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {والزبر} [النحل: 44] يعني: بالكتب " وقوله: {وأنزلنا إليك الذكر} [النحل: 44] يقول: وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم {لتبين للناس} [النحل: 44] يقول: لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك {ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] يقول: وليتذكروا فيه ويعتبروا به، أي بما أنزلنا إليك، وقد: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا الثوري، قال: قال مجاهد: {ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] قال: «يطيعون» 14P232

حصہ V14/P231

[النحل: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} [النحل: 45] يقول تعالى ذكره: أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراموا أن يفتنوهم عن دينهم من مشركي قريش الذين قالوا إذ قيل لهم ماذا أنزل ربكم: أساطير الأولين، صدا منهم لمن أراد الإيمان بالله عن قصد السبيل، أن يخسف الله بهم الأرض على كفرهم وشركهم، أو يأتيهم عذاب الله من مكان لا يشعر به ولا يدري من أين يأتيه؟ وكان مجاهد يقول: عنى بذلك نمرود بن كنعان حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، 14P233 قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض} [النحل: 45] إلى قوله: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] قال: «هو نمرود بن كنعان وقومه» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وإنما اخترنا القول الذي قلناه في تأويل ذلك، لأن ذلك تهديد من الله أهل الشرك به، وهو عقيب قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] فكان تهديد من لم يقر بحجة الله الذي جرى الكلام بخطابه قبل ذلك أحرى من الخبر عمن انقطع ذكره عنه. وكان قتادة يقول في معنى السيئات في هذا الموضع، ما: حدثنا به بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أفأمن الذين مكروا السيئات} [النحل: 45] أي الشرك " 14P233

سوالات