Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الفاتحة: 1] القول في تأويل {بسم} [الفاتحة: 1] قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، ومقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنة يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، في افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم؛ حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل {بسم 01P112 الله} [الفاتحة: 1] على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. وذلك أن الباء من {بسم الله} [الفاتحة: 1] مقتضية فعلا يكون لها جالبا، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل {بسم الله} [الفاتحة: 1] معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولا، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله أفتتح قيله به. فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظير استغنائه إذا سمع قائلا قيل له: ما أكلت اليوم؟ فقال، طعاما، عن أن يكرر المسؤول مع قوله «طعاما» أكلت؛ لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ثم افتتح تاليا سورة، أن إتباعه {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] تلاوة السورة، ينبئ عن معنى قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] . وكذلك قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبئ عن معنى مراده بقوله {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، وأنه أراد بقيله {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله؛ وكذلك سائر الأفعال. وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك هو معنى قول ابن عباس الذي حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو 01P113 روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " إن أول ما نزل به جبريل على محمد قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال له جبريل: قل: بسم الله يا محمد يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله " قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويل قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما وصفت، والجالب الباء في {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما ذكرت، فكيف قيل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] بمعنى أقرأ بسم الله أو أقوم أو أقعد بسم الله، وقد علمت أن كل قارئ كتاب الله فبعون الله وتوفيقه قراءته، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلا، فبالله قيامه وقعوده وفعله؟ وهلا إذا كان ذلك كذلك قيل: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، ولم يقل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، فإن قول القائل: أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله، أوضح معنى لسامعه من قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، إذ كان قوله: أقوم وأقعد بسم الله، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله. قيل له: إن المقصود إليه من معنى ذلك غير ما توهمته في نفسك. وإنما معنى قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسمية الله، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره؛ لا أنه يعني 01P114 بقيله {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أقوم بالله، أو أقرأ بالله؛ فيكون قول القائل: أقرأ بالله، وأقوم وأقعد بالله، أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله: بسم الله. فإن قال: فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، فكيف قيل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، وقد علمت أن الاسم اسم، وأن التسمية مصدر من قولك سميت؟
قيل: إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامة، وإنما بناء مصدر أفعلت إذا أخرج على فعله: الإفعال، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر فعلت التفعيل، ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الوافر] أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا يريد: إعطائك. ومنه قول الآخر: [+البحر الطويل] وإن كان هذا البخل منك سجية لقد كنت في طولي رجاءك أشعبا يريد: في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر: [+البحر الكامل] 01P115 أظلوم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم يريد إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثر، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر على ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال على غير بناء أفعالها كثيرا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودا فاشيا، تبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي. وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] إنما معناه: أقرأ مبتدئا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية، كما جعل الكلام مكان التكليم، والعطاء مكان الإعطاء. وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، روي الخبر عن عبد الله بن عباس حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال : " أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم 01P116 قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. قال ابن عباس: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، يقول له جبريل: يا محمد اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله " وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] : أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى وفساد قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بالله الرحمن الرحيم في كل شيء، مع أن العباد إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد، وعند المطعم والمشرب، وسائر أفعالهم، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله وصدور رسائلهم وكتبهم. ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام: بالله، ولم يقل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، أنه مخالف بتركه قيل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما سن له عند التذكية من القول. وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، بالله كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، هو الله؛ لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته بالله قائلا ما سن له من القول على 01P117 الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ما سن له من القول على ذبيحته، إذ لم يقل بسم الله دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل {بسم الله} [الفاتحة: 1] وأنه مراد به بالله، وأن اسم الله هو الله. وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أم غيره أم هو صفة له؟ فنطيل الكتاب به، وإنما هو موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ فإن قال قائل: فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة: [+البحر الطويل] إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فقد تأوله مقدم في العلم بلغة العرب، أنه معني به: ثم السلام عليكما، وأن اسم السلام هو السلام.
قيل له: لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأول، لجاز أن يقال: رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد: ثم اسم السلام عليكما، أنه أراد: ثم السلام عليكما، وادعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافته إلى 01P118 السلام إنما جاز، إذا كان اسم المسمى هو المسمى بعينه. ويسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا، فيقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يقال: أكلت اسم العسل، يعني بذلك أكلت العسل، كما جاز عندكم اسم السلام عليك، وأنتم تريدون السلام عليك؟ فإن قالوا: نعم خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا: لا سئلوا الفرق بينهما، فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله. فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبيد هذا عندك؟ قيل له: يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن السلام اسم من أسماء الله؛ فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله: ثم اسم السلام عليكما: ثم الزما اسم الله وذكره بعد ذلك، ودعا ذكري والبكاء علي؛ على وجه الإغراء. فرفع الاسم، إذا أخر الحرف الذي يأتي بمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الرجز] 01P119 يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا فأغرى بدونك، وهي مؤخرة؛ وإنما معناه: دونك دلوي فذلك قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما يعني: عليكما اسم السلام، أي الزما ما ذكر الله، ودعا ذكري، والوجد بي؛ لأن من بكى حولا على امرئ ميت فقد اعتذر، فهذا أحد وجهيه. والوجه الآخر منهما: ثم تسميتي الله عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه: واسم الله عليك. يعوذه بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسم الله عليكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد. ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أن معناه: ثم السلام عليكما: أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا، أو أحدهما، أو غير ما قلت فيه؟ فإن قال: لا أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال: بلى قيل له: فما برهانك على صحة ما ادعيت من التأويل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه محتمله من الوجه الذي يلزمنا تسليمه لك؟ ولا سبيل إلى ذلك. وأما الخبر الذي حدثنا به، إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن 01P120 يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم فقال له عيسى: وما بسم؟ فقال له المعلم: ما أدري فقال عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته " فأخشى أن يكون غلطا من المحدث، وأن يكون أراد: «ب س م» ، على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروف أبي جاد. فغلط بذلك، فوصله فقال: «بسم» ؛ لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تلي {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حمل تأويله على ذلك
[الفاتحة: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الله} [الفاتحة: 1] قال أبو جعفر: وأما تأويل قول الله: «الله» ، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس: هو الذي يألهه كل شيء ، ويعبده كل خلق. وذلك أن أبا كريب حدثنا قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: «الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين» فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في فعل ويفعل أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعا من العرب فلا، ولكن استدلالا. فإن قال: وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلا بعبادة ويطلب مما عند الله جل ذكره: تأله فلان بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي يعني: من تعبدي وطلبي الله بعمل. ولا شك أن التأله التفعل من: أله يأله، وأن معنى أله إذا نطق به: عبد الله. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل بغير زيادة وذلك ما حدثنا به، سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي، عن نافع بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلاهتك) قال: عبادتك، ويقال: إنه كان يعبد ولا يعبد " وحدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس: (ويذرك وإلاهتك) قال: «إنما كان فرعون يعبد ولا يعبد. وكذلك كان عبد الله يقرؤها ومجاهد» وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: (ويذرك وإلاهتك) قال: «وعبادتك» 01P123 ولا شك أن الإلاهة على ما فسره ابن عباس ومجاهد مصدر من قول القائل أله الله فلان إلاهة، كما يقال: عبد الله فلان عبادة، وعبر الرؤيا عبارة. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا أن أله: عبد، وأن الإلاهة مصدره. فإن قال: فإن كان جائزا أن يقال لمن عبد الله: ألهه، على تأويل قول ابن عباس ومجاهد ، فكيف الواجب في ذلك أن يقال، إذا أراد المخبر الخبر عن استيجاب الله ذلك على عبده؟ قيل: أما الرواية فلا رواية عندنا، ولكن الواجب على قياس ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حدثنا به إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب الله، فقال له عيسى: أتدري ما الله؟ الله إله الآلهة " أن يقال: الله جل جلاله أله العبد، والعبد ألهه. وأن يكون قول القائل الله من كلام العرب أصله الإله. 01P124 فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما؟ قال: كما جاز أن يكون قوله: {لكنا هو الله ربي} [الكهف: 38] أصله: ولكن أنا هو الله ربي كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فحذف الهمزة من أنا، فالتقت نون أنا ونون لكن، وهي ساكنة، فأدغمت في نون أنا، فصارتا نونا مشددة، فكذلك الله، أصله الإله، أسقطت الهمزة، التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة، وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى التي هي عين الاسم، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة، كما وصفنا من قول الله: {لكنا هو الله ربي} [الكهف: 38]
[الفاتحة: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] قال أبو جعفر: أما الرحمن، فهو فعلان، من رحم، والرحيم فعيل منه. والعرب كثيرا ما تبني الأسماء من فعل يفعل على فعلان، كقولهم من غضب غضبان، ومن سكر سكران، ومن عطش عطشان، فكذلك قولهم رحمن من رحم، لأن فعل منه: رحم يرحم. وقيل رحيم وإن كانت عين فعل منها مكسورة، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنيه الأسماء إذا كان فيها مدح أو ذم على فعيل، وإن كانت عين فعل منها مكسورة أو مفتوحة، كما قالوا من علم: عالم وعليم، ومن قدر: قادر وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها؛ لأن البناء من فعل يفعل وفعل يفعل فاعل. فلو كان الرحمن والرحيم خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما الراحم. فإن قال قائل: فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة، فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤد عن معنى الآخر؟ . قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها. فإن قال: وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى؟ قيل: أما من جهة العربية، فلا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب أن قول القائل الرحمن عن أبنية الأسماء من فعل يفعل أشد عدولا من قوله الرحيم. ولا خلاف مع ذلك بينهم أن كل اسم كان له أصل في فعل يفعل، ثم كان عن أصله من فعل يفعل أشد عدولا، أن الموصوف به مفضل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من فعل يفعل إذا كانت التسمية به مدحا أو ذما. فهذا ما في قول القائل: الرحمن من زيادة المعنى على قوله: الرحيم في اللغة. وأما من جهة الأثر والخبر، ففيه بين أهل التأويل اختلاف فحدثني السري بن يحيى التميمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العرزمي، يقول: " {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] قال: الرحمن بجميع الخلق. الرحيم قال: بالمؤمنين " وحدثنا إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد يعني الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم: رحيم الآخرة " فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو رحمن، وتسميته باسمه الذي هو رحيم. واختلاف معنى الكلمتين، وإن اختلفا 01P127 في معنى ذلك الفرق، فدل أحدهما على أن ذلك في الدنيا، ودل الآخر على أنه في الآخرة. فإن قال: فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة؟ قيل: لجميعهما عندنا في الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيهما أولى بالصحة. وذلك أن المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم؛ هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال. فلا شك إذا كان ذلك كذلك، أن ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعا.
فإذا كان صحيحا ما قلنا من ذلك وكان الله جل ثناؤه قد خص عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم في توفيقه إياهم لطاعته، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه؛ مما خذل عنه من أشرك به فكفر، وخالف ما أمره به وركب معاصيه، وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين لمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصا دون من أشرك وكفر به كان بينا أن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة، مع ما قد عمهم به والكفار في الدنيا، من الإفضال والإحسان إلى جميعهم، في البسط في الرزق، وتسخير السحاب بالغيث، وإخراج النبات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التي لا تحصى، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه رحمن 01P128 جميع خلقه في الدنيا والآخرة. ورحيم المؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة. فأما الذي عم جميعهم به في الدنيا من رحمته، فكان رحمانا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جل ثناؤه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18] وأما في الآخرة ، فالذي عم جميعهم به فيها من رحمته، فكان لهم رحمانا تسويته بين جميعهم جل ذكره في عدله وقضائه، فلا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما، وتوفى كل نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعهم برحمته الذي كان به رحمانا في الآخرة. وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته الذي كان به رحيما لهم فيها، كما قال جل ذكره: {وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب: 43] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم، فخصهم به دون من خذله من أهل الكفر به. وأما ما خصهم به في الآخرة، فكان به رحيما لهم دون الكافرين. فما وصفنا آنفا مما أعد لهم دون غيرهم من النعيم والكرامة التي تقصر عنها الأماني. وأما القول الآخر في تأويله، فهو ما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب. 01P129 قال: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] : الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه. وكذلك أسماؤه كلها " وهذا التأويل من ابن عباس، يدل على أن الذي به ربنا رحمن هو الذي به رحيم، وإن كان لقوله الرحمن. من المعنى ما ليس لقوله الرحيم؛ لأنه جعل معنى الرحمن بمعنى الرقيق على من رق عليه، ومعنى الرحيم بمعنى الرفيق بمن رفق به. والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرزمي، أشبه بتأويله من هذا القول الذي روينا عن ابن عباس؛ وإن كان هذا القول موافقا معناه معنى ذلك، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم، وأن للرحيم تأويلا غير تأويل الرحمن والقول الثالث في تأويل ذلك، ما حدثني به، عمران بن بكار الكلاعي، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي من أهل فلسطين، قال : سمعت عطاء الخراساني، يقول: «كان الرحمن، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم» والذي أراد إن شاء الله عطاء بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمى بها أحد من خلقه، فلما تسمى به الكذاب مسيلمة وهو اختزاله إياه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه أخبر الله جل ثناؤه أن اسمه الرحيم الرحيم، ليفصل بذلك لعباده اسمه من اسم من قد تسمى بأسمائه، إذ كان لا يسمى أحد الرحمن الرحيم فيجمع له هذان الاسمان غيره جل ذكره؛ وإنما تسمى بعض خلقه إما رحيما، أو يتسمى رحمن، فأما رحمن رحيم، فلم يجتمعا قط لأحد سواه، ولا يجمعان لأحد غيره.
فكأن معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنما فصل بتكرير الرحيم على الرحمن بين اسمه واسم غيره من خلقه، اختلف معناهما أو اتفقا. والذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خص نفسه بالتسمية بهما معا مجتمعين إبانة لها من خلقه، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أنه المقصود بذكرهما دون من سواه من خلقه، مع ما في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما. وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولم يكن ذلك في لغتها؛ ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: {وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا} [الفرقان: 60] إنكارا منهم لهذا الاسم. كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته، أو كأنه لم يتل من كتاب الله قول الله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} [البقرة: 146] يعني محمدا {كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] وهم مع ذلك به مكذبون، ولنبوته جاحدون. فيعلم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستحكمت لديهم معرفته. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء: [+البحر الطويل] ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل الطهوي: [البحر . ] عجلتم علينا عجلتينا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وقد زعم أيضا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أن الرحمن مجازه ذو الرحمة، والرحيم مجازه الراحم. ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظ والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك، فقالوا: ندمان ونديم. ثم استشهد بقول برج بن مسهر الطائي: [+البحر الوافر] وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت وقد تغورت النجوم واستشهد بأبيات نظائر له في النديم والندمان. ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل، لقوله: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم: الراحم، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيهما على صحته. ثم مثل ذلك باللفظين يأتيان بمعنى واحد، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ. ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثبت أن له الرحمة وصح أنها له صفة، وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم، أو قد رحم فانقضى ذلك منه، أو هو فيه. ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة، كالدلالة على أنها له صفة إذا وصفه بأنه ذو الرحمة. فأين معنى الرحمن الرحيم على تأويله من معنى الكلمتين يأتيان مقدرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه كان واضحا عواره. وإن قال لنا قائل: ولم قدم اسم الله الذي هو الله على اسمه الذي هو الرحمن، واسمه الذي هو الرحمن على اسمه الذي هو الرحيم؟ قيل: لأن من شأن العرب إذا أرادوا الخبر عن مخبر عنه أن يقدموا اسمه، ثم يتبعوه صفاته ونعوته. وهذا هو الواجب في الحكم: أن يكون الاسم مقدما قبل نعته وصفته، ليعلم السامع الخبر عمن الخبر فإذا كان ذلك كذلك، وكان لله جل ذكره أسماء قد حرم على خلقه أن يتسموا بها خص بها نفسه دونهم، وذلك مثل الله، والرحمن والخالق؛ وأسماء أباح لهم أن يسمي بعضهم بعضا بها، وذلك كالرحيم، والسميع، والبصير، والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء؛ كان الواجب أن يقدم أسماءه التي هي له خاصة دون جميع خلقه، ليعرف السامع ذلك من توجه إليه الحمد والتمجيد ثم يتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره، بعد علم المخاطب أو السامع من توجه إليه ما يتلو ذلك من المعاني، فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو الله؛ لأن الألوهية ليست لغيره جل ثناؤه بوجه من الوجوه، لا من جهة التسمي به، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينا أن معنى الله هو المعبود، ولا معبود غيره جل جلاله، وأن التسمي به قد حرمه الله جل ثناؤه، وإن قصد المتسمي به ما يقصد المتسمي بسعيد وهو شقي، وبحسن وهو قبيح.
أو لا ترى أن الله جل جلاله قال في غير آية من كتابه: {أإله مع الله} [النمل: 60] فاستكبر ذلك من المقر به، وقال تعالى في خصوصية نفسه بالله وبالرحمن: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى} ثم ثنى باسمه، الذي هو الرحمن، إذ كان قد منع أيضا خلقه التسمي به، وإن كان من خلقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه؛ وذلك أنه قد يجوز وصف كثير ممن هو دون الله من خلقه ببعض صفات الرحمة، وغير جائز أن يستحق بعض الألوهية أحد دونه؛ فلذلك جاء الرحمن ثانيا لاسمه الذي هو الله. وأما اسمه الذي هو الرحيم فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره، فكان إذ كان الأمر على ما وصفنا واقعا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هن توابعها بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو الله على اسمه الذي هو الرحمن، واسمه الذي هو الرحمن على اسمه الذي هو الرحيم. وقد كان الحسن البصري يقول في الرحمن مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله التي منع التسمي بها لعباده حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: «الرحمن اسم ممنوع» مع أن في إجماع الأمة من منع التسمي به جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره 01P134
[الفاتحة: 2] القول في تأويل فاتحة الكتاب {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال أبو جعفر: معنى {الحمد لله} [الفاتحة: 2] الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم لذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم. فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا. وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه: {الحمد لله} [الفاتحة: 2] جاء الخبر عن ابن عباس وغيره حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " قال جبريل لمحمد: قل يا محمد: الحمد لله " قال ابن عباس: " 01P136 الحمد لله: هو الشكر، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك " وحدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت الحمد لله رب العالمين، فقد شكرت الله فزادك» قال وقد قيل إن قول القائل: {الحمد لله} [الفاتحة: 2] ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحسنى، وقوله: «الشكر لله» ثناء عليه بنعمه وأياديه وقد روي عن كعب الأحبار أنه قال: «الحمد لله ثناء على الله» ولم يبين في الرواية عنه من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أخبرني السلولي، عن كعب قال: «من قال الحمد لله فذلك ثناء على الله» وحدثني علي بن الحسن الخراز، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب القرقساني، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس شيء أحب إليه الحمد من الله تعالى، ولذلك أثنى على نفسه فقال: الحمد لله " قال أبو جعفر: ولا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحكم لقول القائل: الحمد لله شكرا بالصحة. فقد تبين إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا، أن الحمد لله قد ينطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد، لأن ذلك لو لم يكن كذلك لما جاز أن يقال الحمد لله شكرا، فيخرج من قول القائل: 01P138 الحمد لله مصدر أشكر، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد، كان خطأ أن يصدر من الحمد غير معناه وغير لفظه. فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد؟ وهلا قيل: حمدا لله رب العالمين قيل: إن لدخول الألف واللام في الحمد معنى لا يؤديه قول القائل حمدا، بإسقاط الألف واللام؛ وذلك أن دخولهما في الحمد منبئ على أن معناه: جميع المحامد والشكر الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دل إلا على أن حمد قائل ذلك لله، دون المحامد كلها. إذ كان معنى قول القائل: حمدا لله أو حمد لله: أحمد الله حمدا، وليس التأويل في قول القائل: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] تاليا سورة أم القرآن أحمد الله، بل التأويل في ذلك ما وصفنا قبل من أن جميع المحامد لله بألوهيته وإنعامه على خلقه، بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كفء لها في الدين والدنيا والعاجل والآجل. ولذلك من المعنى، تتابعت قراءة القراء وعلماء الأمة على رفع الحمد من: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] دون نصبها، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدا.
ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب، لكان عندي محيلا 01P139 معناه ومستحقا العقوبة على قراءته إياه كذلك إذا تعمد قراءته كذلك وهو عالم بخطئه وفساد تأويله. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: الحمد لله؟ أحمد الله نفسه جل ثناؤه فأثنى عليها، ثم علمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجه قوله تعالى ذكره إذا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وهو عز ذكره معبود لا عابد؟ أم ذلك من قيل جبريل أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما. قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه؛ ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهل، ثم علم ذلك عباده وفرض عليهم تلاوته، اختبارا منه لهم وابتلاء، فقال لهم: قولوا: الحمد لله رب العالمين وقولوا: إياك نعبد وإياك نستعين؛ فقوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] مما علمهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بمعناه. وذلك موصول بقوله {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وكأنه قال: قولوا هذا وهذا. فإن قال: وأين قوله: «قولوا» فيكون تأويل ذلك ما ادعيت؟ قيل: قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة ولم تشك أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت حذف ما كفى 01P140 منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولا أو تأويل قول، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] وأعلم أنني لأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم فقال المخبرون لهم وزير قال أبو جعفر: يريد بذلك: فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت، إذ كان قد أتى من الكلام بما يدل على ذلك. وكذلك قول الآخر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا 01P141 وقد علم أن الرمح لا يتقلد، وإنما أراد: وحاملا رمحا. ولكن لما كان معلوما معناه اكتفى بما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودعوه: مصاحبا معافى، يحذفون سر واخرج؛ إذ كان معلوما معناه وإن أسقط ذكره . فكذلك ما حذف من قول الله تعالى ذكره: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] لما علم بقوله جل وعز: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] ما أراد بقوله: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] من معنى أمره عباده، أغنت دلالة ما ظهر عليه من القول عن إبداء ما حذف. وقد روينا الخبر الذي قدمنا ذكره مبتدأ في تفسير قول الله: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] عن ابن عباس، وأنه كان يقول: " إن جبريل قال لمحمد: قل يا محمد: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] " وبينا أن جبريل إنما علم محمدا صلى الله عليه وسلم ما أمر بتعليمه إياه. وهذا الخبر ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك 01P137
[الفاتحة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {رب} [الفاتحة: 2] قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو الله في بسم الله، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع. وأما تأويل قوله {رب} [الفاتحة: 2] ، فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان: فالسيد المطاع فيها يدعى ربا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة: [+البحر الطويل] وأهلكن يوما رب كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر يعني برب كندة: سيد كندة. ومنه قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الطويل] تخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب طريفي وتالدي والرجل المصلح للشيء يدعى ربا. ومنه قول الفرزدق بن غالب: [+البحر البسيط] كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت سلاءها في أديم غير مربوب يعني بذلك: في أديم غير مصلح. ومن ذلك قيل: إن فلانا يرب صنيعته عند فلان، إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها. ومن ذلك قول علقمة بن عبدة: [+البحر الطويل] فكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب يعني بقوله أفضت إليك: أي أوصلت إليك ربابتي، فصرت أنت الذي ترب أمري فتصلحه لما خرجت من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك علي، فضيعوا أمري وتركوا تفقده. وهم الربوب واحدهم رب؛ والمالك للشيء يدعى ربه. وقد يتصرف أيضا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة. فربنا جل ثناؤه السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جل ثناؤه {رب العالمين} [الفاتحة: 2] جاءت الرواية عن ابن عباس حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " قال جبريل لمحمد: يا محمد، قل {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] " قال ابن عباس: " يقول قل الحمد 01P144 لله الذي له الخلق كله، السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن وما بينهن، مما يعلم ومما لا يعلم. يقول: اعلم يا محمد أن ربك هذا لا يشبهه شيء " 01P143 [الفاتحة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {العالمين} [الفاتحة: 2] قال أبو جعفر: والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماع لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان، فالإنس عالم وكل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان. والجن عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كل جنس منها عالم زمانه. ولذلك جمع فقيل: عالمون، وواحده جمع لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج: [+البحر الرجز] فخندف هامة هذا العالم فجعلهم عالم زمانه. 01P145 وهذا القول الذي قلناه قول ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامة المفسرين حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] الحمد لله الذي له الخلق كله، السموات والأرض ومن فيهن وما بينهن، مما يعلم ولا يعلم " وحدثني محمد بن سنان القزاز، قال حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {رب العالمين} [الفاتحة : 2] : الجن والإنس " وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قول الله جل وعز: " {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: رب الجن والإنس " وحدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قوله: " {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: الجن والإنس " وحدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قوله: " {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: ابن آدم، والجن والإنس كل أمة منهم عالم على حدته " وحدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: " {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: الإنس والجن " وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: بمثله وحدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: كل صنف: عالم " وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: «الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر 01P147 ألف عالم، أو أربعة عشر ألف عالم - وهو يشك - من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم، خلقهم لعبادته» وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " {رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال: الجن والإنس " 01P147
[الفاتحة: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، في تأويل {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. ولم يحتج إلى الإبانة عن وجه تكرير الله ذلك في هذا الموضع، إذ كنا لا نرى أن {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] من فاتحة الكتاب آية، فيكون علينا لسائل مسألة بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، وقد مضى وصف الله عز وجل به نفسه في قوله {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى ومجاورتها لصاحبتها؟ بل ذلك لنا حجة على خطأ دعوى من ادعى أن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب آية، إذ لو كان ذلك كذلك لكان ذلك إعادة آية بمعنى واحد ولفظ واحد مرتين من غير فصل يفصل بينهما. وغير موجود في شيء من كتاب الله آيتان متجاورتان مكررتان بلفظ واحد ومعنى واحد، لا فصل بينهما من كلام يخالف معناه معناهما، وإنما يأتي بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة، مع فصول تفصل بين ذلك، وكلام يعترض به بغير معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها، ولا فاصل بين قول الله تبارك وتعالى اسمه {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] من {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، وقول الله: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، من {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] . فإن قال قائل: فإن {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] فاصل بين ذلك. قيل: قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل، وقالوا: إن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما هو: الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين ملك يوم الدين. واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله: (ملك يوم الدين) فقالوا: إن قوله: (ملك يوم الدين) تعليم من الله عبده أن يصفه بالملك في قراءة من قرأ (ملك) ، وبالملك في قراءة من قرأ {مالك} [آل عمران: 26] . قالوا: فالذي هو أولى أن يكون مجاور وصفه بالملك أو الملك ما كان نظير ذلك من الوصف، وذلك هو قوله {رب العالمين} [الفاتحة: 2] ، الذي هو خبر عن ملكه جميع أجناس الخلق، وأن يكون مجاور وصفه بالعظمة والألوهة ما كان له نظيرا في المعني من الثناء عليه، وذلك قوله: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] فزعموا أن ذلك لهم دليل على أن قوله {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] بمعنى التقديم قبل {رب العالمين} [الفاتحة: 2] ، وإن كان في الظاهر مؤخرا. وقالوا: نظائر ذلك من التقديم الذي هو بمعنى التأخير والمؤخر الذي هو بمعنى التقديم في كلام العرب أفشى وفي منطقها أكثر من أن يحصى، من ذلك قول جرير بن عطية: [+البحر الكامل] طاف الخيال وأين منك لماما فارجع لزورك بالسلام سلاما بمعنى طاف الخيال لماما وأين هو منك. وكما قال جل ثناؤه في كتابه: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} [الكهف: 2] المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، وما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهد على صحة قول من أنكر أن تكون {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] من فاتحة الكتاب آية 01P149
[الفاتحة: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {ملك يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال أبو جعفر: القراء مختلفون في تلاوة (ملك يوم الدين) ، فبعضهم يتلوه: (ملك يوم الدين) وبعضهم يتلوه: {مالك يوم الدين} وبعضهم يتلوه: (مالك يوم الدين) بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن روي عنه في ذلك قراءة في كتاب القراءات، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع، إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها. ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب، أن الملك من الملك مشتق، وأن المالك من الملك مأخوذ. فتأويل قراءة من قرأ ذلك: (ملك يوم الدين) أن لله الملك يوم الدين خالصا دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكا جبابرة ينازعونه الملك ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية. فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم الملك والكبرياء والعزة والبهاء، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] فأخبر تعالى، أنه المنفرد يومئذ بالملك دون ملوك الدنيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار، ومن دنياهم في المعاد إلى خسار وأما تأويل قراءة من قرأ: {مالك يوم الدين} فما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: {مالك يوم الدين} يقول: " لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم في الدنيا. ثم قال: {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] وقال: {وخشعت الأصوات للرحمن} [طه: 108] ، 01P151 وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي التأويل الأول وهي قراءة من قرأ «ملك» بمعنى الملك؛ لأن في الإقرار له بالانفراد بالملك إيجابا لانفراده بالملك وفضيلة زيادة الملك على المالك، إذ كان معلوما أن لا ملك إلا وهو مالك، وقد يكون المالك لا ملكا. وبعد: فإن الله جل ذكره قد أخبر عباده في الآية التي قبل قوله: {مالك يوم الدين} أنه مالك جميع العالمين وسيدهم، ومصلحهم والناظر لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة؛ بقوله: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] . فإذا كان جل ذكره قد أنبأهم عن ملكه إياهم كذلك بقوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] فأولى الصفات من صفاته جل ذكره، أن يتبع ذلك ما لم يحوه قوله: {رب العالمين الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] مع قرب ما بين الآيتين من المواصلة والمجاورة، إذ كانت حكمته الحكمة التي لا تشبهها حكمة. وكان في إعادة وصفه جل ذكره بأنه مالك يوم الدين إعادة ما قد مضى من وصفه به في قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] مع تقارب الآيتين وتجاور الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرار ألفاظ مختلفة بمعان متفقة، لا تفيد سامع ما كرر منه فائدة به إليها حاجة. والذي لم يحوه من صفاته جل 01P152 ذكره ما قبل قوله: {مالك يوم الدين} المعنى الذي في قوله: ملك يوم الدين، وهو وصفه بأنه الملك. فبين إذا أن أولى القراءتين بالصواب وأحق التأويلين بالكتاب: قراءة من قرأه: (ملك يوم الدين) ، بمعنى إخلاص الملك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ: {مالك يوم الدين} بمعنى: أنه يملك الحكم بينهم وفصل القضاء متفردا به دون سائر خلقه.
فإن ظن ظان أن قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة يوجب وصله بالنبأ عن نفسه أنه قد ملكهم في الآخرة على نحو ملكه إياهم في الدنيا بقوله: {مالك يوم الدين} فقد أغفل وظن خطأ؛ وذلك أنه لو جاز لظان أن يظن أن قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] محصور معناه على الخبر عن ربوبية عالم الدنيا دون عالم الآخرة مع عدم الدلالة على أن معنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل، أو في خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقول، أو بحجة موجودة في المعقول، لجاز لآخر أن يظن أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] دون سائر ما يحدث بعده في الأزمنة الحادثة من العالمين، إذ كان صحيحا بما قدمنا من البيان أن عالم كل زمان 01P153 غير عالم الزمان الذي بعده. فإن غبي عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا ذو غباء، فإن في قول الله جل ثناؤه: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] دلالة واضحة على أن عالم كل زمان غير عالم الزمان الذي كان قبله وعالم الزمان الذي بعده. إذ كان الله جل ثناؤه قد فضل أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية، وأخبرهم بذلك في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] الآية. فمعلوم بذلك أن بني إسرائيل في عصر نبينا، لم يكونوا مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم أفضل العالمين، بل كان أفضل العالمين في ذلك العصر وبعده إلى قيام الساعة المؤمنون به المتبعون منهاجه، دون من سواهم من الأمم المكذبة الضالة عن منهاجه. فإذ كان بينا فساد تأويل متأول لو تأول قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] أنه معني به : أن الله رب عالمي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون عالمي سائر الأزمنة غيره، كان واضحا فساد قول من زعم أن تأويله: رب عالم الدنيا دون عالم الآخرة، وأن {مالك يوم الدين} استحق الوصل به ليعلم أنه في الآخرة من ملكهم وربوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا. ويسأل زاعم ذلك الفرق بينه وبين متحكم مثله في تأويل قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] تحكم، فقال: أنه إنما عني بذلك أنه رب عالمي زمان محمد دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله والحادثة بعده، كالذي زعم قائل هذا القول 01P154 أنه عنى به عالم الدنيا دون عالم الآخرة من أصل أو دلالة. فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله وأما الزاعم أن تأويل قوله: {مالك يوم الدين} أنه الذي يملك إقامة يوم الدين، فإن الذي ألزمنا قائل هذا القول الذي قبله له لازم، إذ كانت إقامة القيامة إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك في الدار التي أعد الله لهم فيها ما أعد، وهم العالمون الذين قد أخبر جل ذكره عنهم أنه ربهم في قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ: (مالك يوم الدين) فإنه أراد: يا مالك يوم الدين، فنصبه بنية النداء والدعاء، كما قال جل ثناؤه: {يوسف أعرض عن هذا} [يوسف: 29] بتأويل: يا يوسف أعرض عن هذا، وكما قال الشاعر من بني أسد، وهو شعر فيما يقال جاهلي: [+البحر المنسرح] إن كنت أزننتني بها كذبا جزء، فلاقيت مثلها عجلا يريد: يا جزء. وكما قال الآخر: [+البحر الطويل] 01P155 كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب يريد: يا بني شاب قرناها. وإنما أورطه في قراءة ذلك بنصب الكاف من (مالك) على المعنى الذي وصفت حيرته في توجيه قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وجهته مع جر: {مالك يوم الدين} وخفضه، فظن أنه لا يصح معنى ذلك بعد جره: {مالك يوم الدين} فنصب: {مالك يوم الدين} ليكون {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] له خطابا، كأنه أراد: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين.
ولو كان علم تأويل أول السورة وأن {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] ، أمر من الله عبده بقيل ذلك كما ذكرنا قبل من الخبر عن ابن عباس: أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم، عن الله: " قل يا محمد: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] {مالك يوم الدين} وقل أيضا يا محمد: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، وكان عقل عن العرب أن من شأنها إذا حكت أو أمرت بحكاية خبر يتلو القول، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبر عن الغائب ثم تعود إلى الخطاب؛ لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلت لأخيك: لو قمت لقمت، وقد قلت لأخيك: لو قام لقمت؛ 01P156 لسهل عليه مخرج ما استصعب عليه وجهته من جر: {مالك يوم الدين} ومن نظير {مالك يوم الدين} مجرورا، ثم عوده إلى الخطاب ب {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] لما ذكرنا قبل، البيت السائر من شعر أبي كبير الهذلي: [+البحر الكامل] يا لهف نفسي كان جدة خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر فرجع إلى الخطاب بقوله: وبياض وجهك، بعد ما قد قضى الخبر عن خالد على معنى الخبر عن الغائب. ومنه قول لبيد بن ربيعة: [+البحر البسيط] باتت تشكى إلي النفس مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعينا فرجع إلى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب. ومنه قول الله وهو أصدق قيل وأثبت حجة: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22] فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وجرين بكم. والشواهد من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه. 01P157 فقراءة: {مالك يوم الدين} محظورة غير جائزة، لإجماع جميع الحجة من القراء وعلماء الأمة على رفض القراءة بها 01P150
[الفاتحة: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال أبو جعفر : والدين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جعيل: [+البحر الكامل] إذا ما رمونا رميناهم ودناهم مثل ما يقرضونا وكما قال الآخر: [+البحر الكامل] واعلم وأيقن أن ملكك زائل واعلم بأنك ما تدين تدان يعني ما تجزي تجازى. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: {كلا بل تكذبون بالدين} [الانفطار: 9] يعني بالجزاء {وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: 10] يحصون ما تعملون من الأعمال. وقوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] يعني غير مجزيين بأعمالكم ولا محاسبين. 01P157 وللدين معان في كلام العرب غير معنى الحساب والجزاء سنذكرها في أماكنها إن شاء الله. وبما قلنا في تأويل قوله: {يوم الدين} [الفاتحة: 4] جاءت الآثار عن السلف من المفسرين، مع تصحيح الشواهد لتأويلهم الذي تأولوه في ذلك حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: " {يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال: يوم حساب الخلائق هو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إلا من عفا عنه، فالأمر أمره. ثم قال: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] " وحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {مالك يوم الدين} : هو يوم الحساب " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {مالك يوم الدين} قال: يوم يدين الله 01P158 العباد بأعمالهم " وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {مالك يوم الدين} قال: يوم يدان الناس بالحساب " [الفاتحة: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال أبو جعفر: وتأويل قوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] لك اللهم نخشع ونذل ونستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك. كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل يا محمد: إياك نعبد، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك " وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا، وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة؛ لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة: معبدا. ومن ذلك قول طرفة بن العبد: [+البحر الطويل] 01P159 تباري عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد يعني بالمور: الطريق، وبالمعبد: المذلل الموطوء ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، ومنه سمي العبد عبدا لذلته لمولاه. والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى.
[الفاتحة: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال أبو جعفر: ومعنى قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها، لا أحد سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره بمعبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة. كالذي حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثني بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: " {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال: إياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها " 01P161 فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عباده بأن يسألوه المعونة على طاعته؟ أو جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم عليها؟ أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك معان، وذلك هو الطاعة، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه؟ قيل: إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه؛ وإنما الداعي ربه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داع أن يعينه فيما بقي من عمره على ما كلفه من طاعته، دون ما قد تقضى ومضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره. وجازت مسألة العبد ربه ذلك لأن إعطاء الله عبده ذلك مع تمكينه جوارحه لأداء ما كلفه من طاعته وافترض عليه من فرائضه، فضل منه جل ثناؤه تفضل به عليه، ولطف منه لطف له فيه؛ وليس في تركه التفضل على بعض عبيده بالتوفيق مع اشتغال عبده بمعصيته وانصرافه عن محبته، ولا في بسطه فضله على بعضهم مع إجهاد العبد نفسه في محبته ومسارعته إلى طاعته، فساد في تدبير ولا جور في حكم، فيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله، وأمره عبده بمسألته عونه على طاعته. وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر، الذين أحلوا أن يأمر الله أحدا من 01P162 عباده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه. ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا؛ لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته، إذ كان على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك؛ بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكان القائل: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] إنما يسأل ربه أن لا يجور. وفي إجماع أهل الإسلام جميعا على تصويب قول القائل: اللهم إنا نستعينك؛ وتخطئتهم قول القائل: اللهم لا تجر علينا، دليل واضح على خطأ ما قال الذين وصفت قولهم، إن كان تأويل قول القائل عندهم: اللهم إنا نستعينك، اللهم لا تترك معونتنا التي تركها جور منك. فإن قال قائل: وكيف قيل: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فقدم الخبر عن العبادة، وأخرت مسألة المعونة عليها بعدها؟ وإنما تكون العبادة بالمعونة، فمسألة المعونة كانت أحق بالتقديم قبل المعان عليه من العمل والعبادة بها. قيل: لما كان معلوما أن العبادة لا سبيل للعبد إليها إلا بمعونة من الله جل ثناؤه، 01P162 وكان محالا أن يكون العبد عابدا إلا وهو على العبادة معان، وأن يكون معانا عليها إلا وهو لها فاعل؛ كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه، كما سواء قولك للرجل إذا قضى حاجتك فأحسن إليك في قضائها: قضيت حاجتي فأحسنت إلي، فقدمت ذكر قضائه حاجتك. أو قلت: أحسنت إلي فقضيت حاجتي، فقدمت ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة؛ لأنه لا يكون قاضيا حاجتك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنا إليك إلا وهو لحاجتك قاض. فكذلك سواء قول القائل: اللهم إنا إياك نعبد فأعنا على عبادتك، وقوله: اللهم أعنا على عبادتك فإنا إياك نعبد.
قال أبو جعفر: وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، كما قال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال يريد بذلك: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيرا. وذلك من معنى التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس بمعزل؛ من أجل أنه قد يكفيه القليل من المال ويطلب الكثير، فليس وجود ما يكفيه منه بموجب له ترك طلب الكثير. فيكون نظير العبادة التي بوجودها وجود المعونة عليها، وبوجود المعونة عليها وجودها، ويكون ذكر أحدهما دالا على الآخر، فيعتدل في صحة الكلام تقديم ما قدم منهما قبل صاحبه أن يكون موضوعا في درجته ومرتبا في مرتبته. فإن قال: فما وجه تكراره: {إياك} [الفاتحة: 5] مع قوله: {نستعين} [الفاتحة: 5] وقد تقدم ذلك قبل نعبد؟ وهلا قيل: إياك نعبد ونستعين، إذ كان المخبر عنه أنه المعبود هو المخبر عنه أنه المستعان؟ 01P163 قيل له: إن الكاف التي مع إيا، هي الكاف التي كانت تتصل بالفعل، أعني بقوله: {نعبد} [الفاتحة: 5] لو كانت مؤخرة بعد الفعل. وهي كناية اسم المخاطب المنصوب بالفعل، فكثرت بإيا متقدمة، إذ كان الأسماء إذا انفردت بأنفسها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد، فلما كانت الكاف من إياك هي كناية اسم المخاطب التي كانت تكون كافا وحدها متصلة بالفعل إذا كانت بعد الفعل، ثم كان حظها أن تعاد مع كل فعل اتصلت به، فيقال: اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك؛ وكان ذلك أفصح في كلام العرب من أن يقال: اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد؛ كان كذلك إذا قدمت كناية اسم المخاطب قبل الفعل موصولة بإيا، كان الأفصح إعادتها مع كل فعل. كما كان الفصيح من الكلام إعادتها مع كل فعل، إذا كانت بعد الفعل متصلة به، وإن كان ترك إعادتها جائزا. وقد ظن بعض من لم يمعن النظر أن إعادة إياك مع نستعين بعد تقدمها في قوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] بمعنى قول عدي بن زيد العبادي: [+البحر البسيط] وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا 01P164 وكقول أعشى همدان: [+البحر الكامل] بين الأشج وبين قيس باذخ بخ بخ لوالده وللمولود وذلك جهل من قائله؛ من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل لما وصفنا آنفا من العلة، وليس ذلك حكم بين لأنها لا تكون إذا اقتضت اثنين إلا تكريرا إذا أعيدت، إذ كانت لا تنفرد بالواحد. وأنها لو أفردت بأحد الاسمين في حال اقتضائها اثنين كان الكلام كالمستحيل؛ وذلك أن قائلا لو قال: الشمس قد فصلت بين النهار، لكان من الكلام خلفا لنقصان الكلام عما به الحاجة إليه من تمامه الذي يقتضيه بين. ولو قال قائل: اللهم إياك نعبد لكان ذلك كلاما تاما. فكان معلوما بذلك أن حاجة كل كلمة كانت نظيرة {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] إلى إياك كحاجة نعبد إليها، وأن الصواب أن تكرر معها إياك، إذ كانت كل كلمة منها جملة خبر مبتدأ، وبينا حكم مخالفة ذلك حكم بين فيما وفق بينهما الذي وصفنا قوله.
[الفاتحة: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال أبو جعفر: ومعنى قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] في هذا الموضع عندنا: وفقنا للثبات عليه، كما روي ذلك عن ابن عباس حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " قل يا محمد {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، يقول: ألهمنا الطريق الهادي " وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظير معنى قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] في أنه مسألة العبد ربه التوفيق للثبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله وتقضى فيما سلف من عمره، كما في قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] مسألة منه ربه المعونة على أداء ما قد كلفه من طاعته فيما بقي من عمره. فكان معنى الكلام: اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك من السبيل والمنهاج. فإن قال قائل: وأنى وجدت الهداية في كلام العرب بمعنى التوفيق؟ قيل له: ذلك في كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد، فمن ذلك قول الشاعر: [+البحر البسيط] لا تحرمني هداك الله مسألتي ولا أكونن كمن أودى به السفر 01P167 يعني به: وفقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر: [+البحر المتقارب] ولا تعجلني هداك المليك فإن لكل مقام مقالا فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: {والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] في غير آية من تنزيله. وقد علم بذلك أنه لم يعن أنه لا يبين للظالمين الواجب عليهم من فرائضه. وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وقد عم بالبيان جميع المكلفين من خلقه؟ ولكنه عنى جل وعز، أنه لا يوفقهم ، ولا يشرح للحق والإيمان صدورهم. وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله: {اهدنا} [الفاتحة: 6] زدنا هداية. وليس يخلو هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكون قائله قد ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسألة ربه الزيادة في البيان، أو الزيادة في المعونة والتوفيق. فإن كان ظن أنه أمر بمسألة الزيادة في البيان فذلك ما لا وجه له؛ لأن الله جل ثناؤه لا يكلف عبدا فرضا من فرائضه إلا بعد تبيينه له وإقامة الحجة عليه به. ولو كان معنى ذلك معنى مسألته البيان، لكان قد أمر أن يدعو ربه أن يبين له ما فرض عليه، وذلك من الدعاء خلف؛ لأنه لا يفرض فرضا إلا مبينا لمن فرضه عليه، أو يكون أمر أن يدعو ربه 01P168 أن يفرض عليه الفرائض التي لم يفرضها. وفي فساد وجه مسألة العبد ربه ذلك ما يوضح عن أن معنى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] غير معنى بين لنا فرائضك وحدودك، أو يكون ظن أنه أمر بمسألة ربه الزيادة في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تخلو مسألته تلك الزيادة من أن تكون مسألة للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله، أو على ما يحدث. وفي ارتفاع حاجة العبد إلى المعونة على ما قد تقضى من عمله ما يعلم أن معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألته الزيادة لما يحدث من عمله. وإذا كان ذلك كذلك صار الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك من أنه مسألة العبد ربه التوفيق لأداء ما كلف من فرائضه فيما يستقبل من عمره.
وفي صحة ذلك فساد قول أهل القدر الزاعمين أن كل مأمور بأمر أو مكلف فرضا، فقد أعطي من المعونة عليه ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجته إلى ربه؛ لأنه لو كان الأمر على ما قالوا في ذلك لبطل معنى قول الله جل ثناؤه: {إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] وفي صحة معنى ذلك على ما بينا فساد قولهم. وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] : أسلكنا طريق الجنة في المعاد، أي قدمنا له وامض بنا إليه، كما قال جل ثناؤه: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] أي أدخلوهم النار؛ كما تهدى المرأة إلى زوجها، 01P169 يعني بذلك أنها تدخل إليه، وكما تهدى الهدية إلى الرجل، وكما تهدي الساق القدم؛ نظير قول طرفة بن العبد: [+البحر المديد] لعبت بعدي السيول به وجرى في رونق رهمه للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه أي ترد به الموارد. وفي قول الله جل ثناؤه: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل مع شهادة الحجة من المفسرين على تخطئته؛ وذلك أن جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمعون على أن معنى الصراط في هذا الموضع غير المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] مسألة العبد ربه المعونة على عبادته، فكذلك قوله اهدنا، إنما هو مسألة الثبات على الهدى فيما بقي من عمره. والعرب تقول: هديت فلانا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق: إذا أرشدته إليه وسددته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جل ثناؤه: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] وقال في موضع آخر: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121] وقال: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] وكل ذلك فاش في منطقها موجود في كلامها، من ذلك قول الشاعر: [البحر . ] 01P170 أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل يريد: أستغفر الله لذنب، كما قال جل ثناؤه: {واستغفر لذنبك} [غافر: 55] ومنه قول نابغة بني ذبيان: [+البحر السريع] فيصيدنا العير المدل بحضره قبل الونى والأشعب النباحا يريد: فيصيد لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية 01P166