Taberî — Câmiü'l-Beyân
وإنها أتت عليهما فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، وإنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وإنهما سألاها عن دينها التي هي عليه، فأخرجت لهما صنما وقالت: هذا أعبد. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها. فقالت: لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها، فمر بهما إنسان وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه. فلما أن ذهب عنهما السكر عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، فحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء بينهما وبين أهل السماء. فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الذنب، فعجبوا كل العجب، وعلموا أن من كان في غيب فهو أقل غشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض. وإنهما لما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع انظر طلعت الحمراء. قالها مرتين أو ثلاثا. ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبا ولا أهلا. قلت: سبحان الله نجم مسخر سامع مطيع؟ قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " 02P348 إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال: فلم يألوا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وأما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: عجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما، فحكما فعدلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل ما وجدت؟ قال: نعم، فبعثا إليها أن ائتينا نقض لك. فلما رجعت قالا لها وقضيا لها: ائتينا. فأتتهما، فكشفا لها عن عورتهما. وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا، طارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما 02P349 أمسيا عرجا فردا ولم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما؛ فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوما وغدا يدعو لهما. فدعا لهما فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا: نعلم أن أنواع عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ومع الدنيا سبع مرات مثلها.
فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما " قال أبو جعفر: وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] يعني به رجلين من بني آدم. 02P350 وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال؛ فأما من جهة النقل فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار، وكفى بذلك شاهدا على خطئها وأما قوله {ببابل} [البقرة: 102] فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض، وقد اختلف أهل التأويل فيها، فقال بعضهم: إنها بابل دنباوند حدثني بذلك موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي. وقال بعضهم: «بل ذلك بابل العراق» ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «في قصة ذكرتها عن امرأة، قدمت المدينة، فذكرت أنها صارت في العراق ببابل، فأتت بها هاروت وماروت فتعلمت منهما السحر» واختلف في معنى السحر، فقال بعضهم: هو خدع ومخاريق ومعان يفعلها الساحر، حتى يخيل إلى المسحور الشيء أنه بخلاف ما هو به، نظير الذي يرى السراب من بعيد، فيخيل إليه أنه ماء، ويرى الشيء من بعيد فيثبته بخلاف ما هو على حقيقته، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائر معه. قالوا: فكذلك المسحور ذلك صفته، يحسب بعد الذي وصل إليه من سحر الساحر أن الذي يراه أو يفعله بخلاف الذي هو به على حقيقته كالذي حدثني أحمد بن الوليد، وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب يحدثان: أن يهود بني زريق، عقدوا عقد سحر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوها في بئر حزم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكر بصره ودله الله على ما صنعوا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر حزم التي فيها العقد فانتزعها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سحرتني يهود بني زريق» 02P352 وأنكر قائل هذه المقالة أن يكون الساحر يقدر بسحره على قلب شيء عن حقيقته، واستسخار شيء من خلق الله إلا نظير الذي يقدر عليه من ذلك سائر بني آدم، أو إنشاء شيء من الأجسام سوى المخاريق والخدع المتخيلة لأبصار الناظرين بخلاف حقائقها التي وصفنا. وقالوا: لو كان في وسع السحرة إنشاء الأجسام وقلب الحقائق الأعيان عما هي به من الهيئات، لم يكن بين الحق والباطل فصل، ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها. قالوا: وفي وصف الله جل وعز سحرة فرعون بقوله: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه: 66] . وفي خبر عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سحر يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين: أن الساحر ينشئ أعيان الأشياء بسحره، ويستسخر ما يتعذر استسخاره على غيره من بني آدم، كالموات والجماد والحيوان، وصحة ما قلنا. وقال آخرون: قد يقدر الساحر بسحره أن يحول الإنسان حمارا، وأن يسحر 02P353 الإنسان والحمار وينشيء أعيانا وأجساما.
واعتلوا في ذلك بما حدثنا به الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: " قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها، كانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ قلت: نعم، فقالا: فهل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا، فقالا لي: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري. فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت، فاقشعررت وخفت. ثم رجعت إليهما، فقلت: قد فعلت، 02P354 فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئا، فقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك. فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسا متقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: ما رأيت؟ فقلت: فارسا متقنعا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا وما قالا لي شيئا، فقالت: بلى، لن تريدي شيئا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، فقلت: أطلعي، فأطلعت، وقلت: أحقلي، فأحقلت، ثم قلت: أفركي. فأفركت، ثم قلت: أيبسي، فأيبست، ثم قلت: أطحني. فأطحنت، ثم قلت: أخبزي، فأخبزت. فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين، والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا " قال أهل هذه المقالة بما وصفنا واعتلوا بما ذكرنا، وقالوا: لولا أن الساحر يقدر على فعل ما ادعى أنه يقدر على فعله ما قدر أن يفرق بين المرء وزوجه، قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء 02P355 وزوجه، وذلك لو كان على غير الحقيقة، وكان على وجه التخييل والحسبان، لم يكن تفريقا على صحة، وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يفرقون على صحة. وقال آخرون: بل السحر أخذ بالعين 02P353
[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] وتأويل ذلك: وما يعلم الملكان أحدا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه حتى يقولا له: إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم فلا تكفر بربك كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " إذا أتاهما يعني هاروت وماروت إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له: لا تكفر إنما نحن فتنة. فإن أبى، قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان وقيل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء منه ، فذلك غضب الله، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر. فذلك قول الله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، والحسن: " {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] قال: أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: " كانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال غير قتادة: " أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يتقدما إليه فيقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن، قال: أخذ عليهما أن يقولا ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر، لا يجترئ على السحر إلا كافر " وأما الفتنة في هذا الموضع، فإن معناها الاختبار والابتلاء، من ذلك قول الشاعر: [+البحر المتقارب] وقد فتن الناس في دينهم وخلى ابن عفان شرا طويلا 02P357 ومنه قوله: فتنت الذهب في النار: إذا امتحنتها لتعرف جودتها من رداءتها، أفتنه فتنة وفتونا كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إنما نحن فتنة} [البقرة: 102] أي بلاء " 02P357
[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: {فيتعلمون منهما} [البقرة: 102] خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما، وليس بجواب لقوله: {وما يعلمان من أحد} [البقرة: 102] بل هو خبر مستأنف؛ ولذلك رفع، فقيل: فيتعلمون. فمعنى الكلام إذا: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة. فيأبون قبول ذلك منهما فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وقد قيل: إن قوله: {فيتعلمون} [البقرة: 102] خبر عن اليهود معطوف على قوله: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم. والذي قلنا أشبه بتأويل الآية؛ لأن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام ما كان للتأويل وجه صحيح أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام. والهاء والميم والألف من قوله: {منهما} [البقرة: 102] من ذكر الملكين. ومعنى ذلك: فيتعلم الناس من الملكين الذي يفرقون به بين المرء وزوجه. وما التي مع يفرقون بمعنى الذي. وقيل معنى ذلك: السحر الذي يفرقون به، وقيل: هو معنى غير السحر. وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى قبل. وأما المرء فإنه بمعنى رجل من أسماء بني آدم، والأنثى منه المرأة؛ يوحد ويثنى، ولا تجمع ثلاثته على صورته، يقال منه: هذا امرؤ صالح، وهذان امرآن صالحان، ولا يقال: هؤلاء امرؤ صدق، ولكن يقال: هؤلاء رجال صدق، وقوم صدق. وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها، يقال: هذه امرأة وهاتان امرأتان، ولا يقال: هؤلاء امرآت، ولكن هؤلاء نسوة. وأما الزوج، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: هي زوجه، بمنزلة الزوج الذكر؛ ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: {أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37] وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: هي زوجته، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وإن الذي يمشي يحرش زوجتي كماش إلى أسد الشرى يستبيلها فإن قال قائل: وكيف يفرق الساحر بين المرء وزوجه؟ قيل: قد دللنا فيما مضى على أن معنى السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه. فإن كان ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه، فتفريقه بين المرء وزوجه تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته من حسن وجمال حتى يقبحه عنده فينصرف بوجهه ويعرض عنه، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا، فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذي كان منه فرقة ما بينهما. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه، وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع؛ فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] وتفريقهما أن يؤخذ 02P360 كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه " وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه، فإنهم وجهوا تأويل قوله: {فيتعلمون منهما} [البقرة: 102] إلى «فيتعلمون» مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه، كقول القائل: ليت لنا كذا من كذا، أي مكان كذا. كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] جمعت من الخيرات وطبا وعلبة وصرا لأخلاف المزممة البزل ومن كل أخلاق الكرام نميمة وسعيا على الجار المجاور بالنجل يريد بقوله: «جمعت من الخيرات» مكان خيرات الدنيا هذه الأخلاق الرديئة والأفعال الدنيئة. ومنه قول الآخر: [+البحر الكامل] صلدت صفاتك أن تلين حيودها وورثت من سلف الكرام عقوقا 02P361 يعني ورثت مكان سلف الكرام عقوقا من والديك 02P359
[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] يعني بقوله جل ثناؤه: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] وما المتعلمون من الملكين هاروت وماروت ما يفرقون به بين المرء وزوجه، بضارين بالذي تعلموه منهما من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه من أحد من الناس، إلا من قد قضى الله عليه أن ذلك يضره؛ فأما من دفع الله عنه ضره وحفظه من مكروه السحر والنفث والرقى، فإن ذلك غير ضاره ولا نائله أذاه. وللإذن في كلام العرب أوجه: منها الأمر على غير وجه الإلزام، وغير جائز أن يكون منه قوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر فكيف به على وجه السحر على لسان الأمة. ومنها التخلية بين المأذون له والمخلى بينه وبينه. ومنها العلم بالشيء، يقال منه: قد أذنت بهذا الأمر، إذا علمت به، آذن به إذنا؛ ومنه قول الحطيئة: [+البحر الوافر] ألا يا هند إن جددت وصلا وإلا فأذنيني بانصرام يعني فأعلميني. ومنه قوله جل ثناؤه: {فأذنوا بحرب من الله} [البقرة: 279] وهذا هو معنى الآية، كأنه قال جل ثناؤه: {وما هم بضارين} [البقرة: 102] بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله. يعني بالذي سبق له في علم الله أنه يضره كما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان: " في قوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] قال: بقضاء الله " 02P362 [البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} [البقرة: 102] يعني بذلك جل ثناؤه: {ويتعلمون} [البقرة: 102] أي الناس الذين يتعلمون من الملكين، ما أنزل عليهما من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا 02P362
[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يعني بقوله جل ثناؤه: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] الفريق الذين لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] فقال جل ثناؤه: لقد علم النابذون من يهود بني إسرائيل كتابي وراء ظهورهم تجاهلا منهم، التاركون العمل بما فيه، من اتباعك يا محمد واتباع ما جئت به، بعد إنزالي إليك كتابي مصدقا لما معهم، وبعد إرسالك إليهم بالإقرار بما معهم وما في أيديهم، المؤثرون عليه اتباع السحر الذي تلته الشياطين على عهد سليمان، والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت لمن اشترى السحر بكتابي الذي أنزلته على رسولي فآثره عليه ما له في الآخرة من خلاق كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يقول: قد علم ذلك أهل الكتاب في عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة " حدثنا موسى، قل: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يعني اليهود، يقول: لقد علمت اليهود أن من تعلمه أو اختاره ما له في الآخرة من خلاق " وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] قال: قد علمت يهود أن في كتاب الله في التوراة أن من اشترى السحر وترك دين. الله ما له في الآخرة من خلاق، فالنار مثواه ومأواه " وأما قوله: {لمن اشتراه} [البقرة: 102] فإن من في موضع رفع، وليس قوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] بعامل فيها؛ لأن قوله: {علموا} [البقرة: 102] بمعنى اليمين؛ فلذلك كانت في موضع رفع، لأن الكلام بمعنى: والله لمن اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. ولكون قوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] بمعنى اليمين حققت بلام اليمين، فقيل: {لمن اشتراه} [البقرة: 102] كما يقال: أقسم لمن قام خير ممن قعد، وكما يقال: قد علمت لعمرو خير من أبيك. وأما من فهو حرف جزاء.
وإنما قيل «اشتراه» ولم يقل يشتروه، لدخول لام القسم على «من» ، ومن شأن العرب إذا أحدثت على حرف الجزاء لام القسم أن لا ينطقوا في الفعل معه إلا ب فعل دون يفعل إلا قليلا كراهية أن يحدثوا على الجزاء حادثا؛ وهو مجزوم، كما قال الله جل ثناؤه: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} [الحشر: 12] وقد يجوز إظهار فعله بعده على يفعل مجزوما، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي واسع واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] فقال بعضهم: الخلاق في هذا الموضع: النصيب ذكر من قال ذلك حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يقول: من نصيب " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] من نصيب " حدثني المثنى، قال: حدثني إسحاق، قال: ثنا وكيع، قال سفيان: " سمعنا في: {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] أنه ما له في الآخرة من نصيب " وقال بعضهم: الخلاق ههنا: الحجة ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن 02P366 قتادة: " {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] قال: ليس له في الآخرة حجة " وقال آخرون: الخلاق: الدين ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: " {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] قال: ليس له دين " وقال آخرون: الخلاق ههنا: القوام ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: " {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] قال: قوام " وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الخلاق في هذا الموضع: النصيب؛ وذلك أن ذلك معناه في كلام العرب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم» يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر البسيط] يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلا سرابيل من قطر وأغلال يعني بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ إلا السرابيل والأغلال. فكذلك قوله: {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] ما له في الدار الآخرة حظ من الجنة من أجل أنه لم يكن له إيمان ولا دين ولا عمل صالح يجازى به في الجنة ويثاب عليه، فيكون له حظ ونصيب من الجنة. وإنما قال جل ثناؤه: {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] فوصفه بأنه لا نصيب له في الآخرة، وهو يعني به لا نصيب له من جزاء وثواب وجنة دون نصيبه من النار. إذ كان قد دل ذمه جل ثناؤه أفعالهم التي نفى من أجلها أن يكون لهم في الآخرة نصيب على مراده من الخير، وأنه إنما يعني بذلك أنه لا نصيب لهم فيها من الخيرات، وأما من الشرور فإن لهم فيها نصيبا 02P367
[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] قال أبو جعفر رحمه الله: قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى شروا: باعوا؛ فمعنى الكلام إذا: ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر لو كان يعلم سوء عاقبته كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " { 02P368 ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة: 102] يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم " فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وقد قال قبل: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] فكيف يكونون عالمين بأن من تعلم السحر فلا خلاق لهم، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته من أنهم موصوفون بالجهل بما هم موصوفون بالعلم به، ولكن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما معنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. فقوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] ذم من الله تعالى ذكره فعل المتعلمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم برضاهم بالسحر عوضا عن دينهم الذي به نجاة أنفسهم من الهلكة، جهلا منهم بسوء عاقبة فعلهم وخسارة صفقة بيعهم، إذ كان قد يتعلم ذلك منهما من لا يعرف الله ولا يعرف حلاله وحرامه وأمره ونهيه. ثم عاد إلى الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما أنزل على الملكين. فأخبر عنهم أنهم قد علموا أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من 02P369 خلاق، ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله على علم منهم بها، ويكفرون بالله ورسله، ويؤثرون اتباع الشياطين، والعمل بما أحدثته من السحر على العمل بكتابه ووحيه وتنزيله، عنادا منهم وبغيا على رسله، وتعديا منهم لحدوده، على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب، فذلك تأويل قوله. وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يعني به الشياطين، وأن قوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] يعني به الناس. وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف؛ وذلك أنهم مجمعون على أن قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] معني به اليهود دون الشياطين. ثم هو مع ذلك خلاف ما دل عليه التنزيل، لأن الآيات قبل قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] وبعد قوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] جاءت من الله بذم اليهود، وتوبيخهم على ضلالهم، وذما لهم على نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علمهم بخطأ فعلهم. فقوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] أحد تلك الأخبار عنهم. وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: {ولبئس ما شروا به 02P370 أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] فنفى عنهم العلم هم الذين وصفهم الله بقوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] وإنما نفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] من أجل أنهم لم يعملوا بما علموا، وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه فهو في معاني الجهال.
قال: وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل وإن كان بفعله عالما: لو علمت لأقصرت؛ كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده: [+البحر الطويل] إذا حضراني قلت لو تعلما به ألم تعلما أني من الزاد مرمل فأخبر أنه قال لهما: لو تعلمانه، فنفى عنهما العلم. ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما. قالوا: فكذلك قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] و {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وهذا تأويل وإن كان له مخرج ووجه فإنه خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب. أعني بقوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] وقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وإنما هو استخراج. وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة من الوجه الذي يجب التسليم له بمعنى خلاف دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن، أولى 02P367
[البقرة: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله 02P371 خير لو كانوا يعلمون} [البقرة: 103] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا} [البقرة: 103] لو أن الذين يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه آمنوا، فصدقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم، واتقوا ربهم فخافوه فخافوا عقابه، فأطاعوه بأداء فرائضه وتجنبوا معاصيه؛ لكان جزاء الله إياهم وثوابه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه خيرا لهم من السحر وما اكتسبوا به لو كانوا يعلمون أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوا به. وإنما نفى بقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] العلم عنهم أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله وقدر جزائه على طاعته. والمثوبة في كلام العرب مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة، فأصل ذلك من ثاب إليك الشيء بمعنى رجع، ثم يقال: أثبته إليك: أي رجعته إليك ورددته. فكان معنى إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها: إرجاعه إليها منها بدلا، ورده عليه منها عوضا. ثم جعل كل معوض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه مثيبا له. ومنه ثواب الله عز وجل عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير} [البقرة: 103] مما اكتفى بدلالة الكلام على معناه عن ذكر جوابه، وأن معناه: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا؛ ولكنه استغنى بدلالة الخبر عن المثوبة عن قوله: لأثيبوا. وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك، ويرى أن جواب قوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة} [البقرة: 103] وأن «لو» إنما أجيبت بالمثوبة، وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى «لئن» في أنهما جزاءان، فإنهما جوابان للإيمان، فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها، فأجيبت لو بجواب لئن، ولئن بجواب لو؛ لذلك وإن اختلفت أجوبتهما فكانت لو من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل، وكانت لئن من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل لما وصفنا من تقاربهما، فكان يتأول معنى قوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا} [البقرة: 103] ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير. وبما قلنا في تأويل المثوبة قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {لمثوبة من عند الله} [البقرة: 103] يقول: ثواب من عند الله " حدثني يونس، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله} [البقرة: 103] أما المثوبة ، فهو الثواب " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير} [البقرة: 103] يقول: لثواب من عند الله " 02P373
[البقرة: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] فقال بعضهم: تأويله لا تقولوا خلافا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: " في قوله: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: لا تقولوا خلافا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] لا تقولوا خلافا " وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 02P374 حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: تأويله: أرعنا سمعك: أي اسمع منا ونسمع منك ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " قوله: {راعنا} [البقرة: 104] أي أرعنا سمعك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك " وحدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك: " يقول في قوله: {راعنا} [البقرة: 104] قال: كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك " ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا 02P375 راعنا، فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قول كانت تقوله اليهود استهزاء، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: كان أناس من اليهود يقولوا أرعنا سمعك، حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] كما قالت اليهود والنصارى " حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] قال: كانوا يقولون راعنا سمعك، فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] " وحدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، 02P376 عن ابن عباس: " في قوله: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك.
وإنما راعنا كقولك عاطنا " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] قال: راعنا القول الذي قاله القوم قالوا {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] قال: قال هذا الراعن، والراعن: الخطاء قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا، قال: كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم " وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء: " في قوله: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] ولكن {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] إلى 02P377 آخر الآية " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: " {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: كانت لغة في الأنصار " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك؛ فنهوا عن ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: «راعنا، قول الساخر، فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم» وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه يقال له رفاعة بن زيد، كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يا أيها 02P378 الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب " قال أبو جعفر: هذا خطأ إنما هو ابن التابوت ليس ابن السائب؛ كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع، كقولك اسمع غير صاغر، وهي التي في النساء: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] يقول: إنما يريد بقوله: {وطعنا في الدين} [النساء: 46] ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا. والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه: راعنا، أن يقال إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة) ، و (لا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي) وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.
02P379 فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في العنب أن يقال له كرم، وفي العبد أن يقال له عبد، فما المعنى الذي في قوله: {راعنا} [البقرة: 104] حينئذ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: {انظرنا} [البقرة: 104] قيل: الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل الكرم للعنب، والعبد للمملوك، وذلك أن قول القائل عبد، لجميع عباد الله، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله، بمعنى العبودية إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل، فيقال: فتاي. وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال كرما خوفا من توهم وصفه بالكرم، وإن كانت مسكنة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا «راعنا» ، لما كان قول القائل «راعنا» محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك 02P380 الله بمعنى حفظك الله وكلأك. ومحتملا أن يكون بمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاء. أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بمعنى: فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس: [+البحر البسيط] يرعى إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا يعني بقوله يرعى: يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك. وكأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم، فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: {راعنا} [البقرة: 104] لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بمعنى افعل بنا ونفعل بك، ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له: {اسمع غير مسمع وراعنا} [النساء: 46] . يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله 02P381 : {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين. فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: {راعنا} [البقرة: 104] أنه بمعنى خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب؛ لأن «راعيت» في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى فاعلت من «الرعية» ، وهي الرقبة والكلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى أرعيته سمعي. وأما «راعيت» بمعنى «خالفت» ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك وإن كان مخالفا قراءة القراء معنى مفهوم حينئذ.
وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكى ذلك عنه، أن قوله: {راعنا} [البقرة: 104] كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم؛ فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود 02P382 سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره. وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تقولوا راعنا) بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولا راعنا، من الرعونة وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين. ومن نون (راعنا) نونه بقوله: {لا تقولوا} [البقرة: 104] لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي؛ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {راعنا} [البقرة: 104] بمعنى مسألته؛ إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم على ما قد بينت فيما قد مضى؛ فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة على معنى الأمر في (راعنا) حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في يراعيه. ويدل عليها - أعني على الياء الساقطة - كسرة العين من «راعنا» . 02P383 وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: (لا تقولوا راعونا) بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار 02P377
[البقرة: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] يعني بقوله جل ثناؤه: {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم: انتظرنا وارقبنا نفهم ونتبين ما تقول لنا وتعلمنا كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] فهمنا بين لنا يا محمد " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] فهمنا بين لنا يا محمد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله يقال منه: نظرت الرجل أنظره نظرة بمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول 02P384 الحطيئة: [+البحر البسيط] وقد نظرتكم أعشاء صادرة للخمس طال بها حوزي وتنساسي ومنه قول الله عز وجل: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] يعني به انتظرونا. وقد قرئ (أنظرنا) بقطع الألف في الموضعين جميعا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أخرنا، كما قال الله جل ثناؤه: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36] أي: أخرني. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع منه وإلطاف الخطاب له وخفض الجناح، لا بالتأخر عنه ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: {انظرنا} [البقرة: 104] ولم يقطعها بمعنى انتظرنا. وقد قيل: إن معنى (أنظرنا) بقطع الألف بمعنى أمهلنا حكي عن بعض 02P385 العرب سماعا: أنظرني أكلمك؛ وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه، فأخبره أنه أراد أمهلني. فإن يكن ذلك صحيحا عنهم فانظر وأنظرنا بقطع الألف ووصلها متقاربا المعنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها قراءة من قرأ: {وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] بوصل الألف بمعنى انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات 02P383 [البقرة: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] يعني بقوله جل ثناؤه: {واسمعوا} [البقرة: 93] واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم وعوه وافهموه كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {واسمعوا} [البقرة: 93] اسمعوا ما يقال لكم " فمعنى الآية إذا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول، ولكن قولوا انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا، واسمعوا منه ما يقول لكم فعوه واحفظوه وافهموه. ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته وخالف أمره ونهيه وكذب رسوله العذاب الموجع في الآخرة، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم، يعني بقوله الأليم: الموجع. وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل وما فيه من الآثار 02P385
[البقرة: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] يعني بقوله: {ما يود} [البقرة: 105] ما يحب، أي ليس يحب كثير من أهل الكتاب، يقال منه: ود فلان كذا يود ودا وودا ومودة. وأما «المشركين» فإنهم في موضع خفض بالعطف على أهل الكتاب. ومعنى الكلام: ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم. وأما {أن} [البقرة: 25] في قوله: {أن ينزل} [البقرة: 90] فنصب بقوله: {يود} [البقرة: 96] . وقد دللنا على وجه دخول «من» في قوله: {من خير} [البقرة: 105] وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام: ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزلهم عليكم. فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسدا وبغيا منهم على المؤمنين. وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم وقبول شيء مما يأتونهم به، على وجه النصيحة لهم منهم؛ بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون 02P387 [البقرة: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] يعني بقوله جل ثناؤه: {والله يختص برحمته من يشاء} [البقرة: 105] والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له. واختصاصه إياهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه وهدايته من هدى من عباده رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة واستحقاقه بها ثناءه؛ وكل ذلك رحمة من الله له. وفي قوله: {والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب أن الذي آتى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية تفضلا منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه وأما قوله: {والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] فإنه خبر من الله جل ثناؤه 02P388 عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه وفي قوله: {والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب أن الذي آتى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية تفضلا منه ، وأن نعمه لا تدرك بالأماني ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه 02P387
[البقرة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] يعني جل ثناؤه بقوله: {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] إلى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا، والمباح محظورا والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من «نسخ الكتاب» وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيره. فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أأقر خطها فترك، أو محي أثرها، فعفي ونسي، إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة. والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول والمنقول إليه فرض العباد هو الناسخ، يقال منه: نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، والنسخة الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أنه قال: " في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} [البقرة: 106] قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ثم نسيه فلا يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه " اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ما ننسخ} [البقرة: 106] فقال بعضهم بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن عمار، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] أما نسخها فقبضها " وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] يقول: ما نبدل من آية " وقال آخرون بما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود، أنهم قالوا: " {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] نثبت خطها ونبدل حكمها " وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] نثبت خطها، ونبدل حكمها، حدثت به عن أصحاب ابن مسعود " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود: " {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] نثبت خطها " 02P390
[البقرة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {أو ننسها} [البقرة: 106] اختلفت القراءة في قوله ذلك، فقرأها قراء أهل المدينة والكوفة: {أو ننسها} [البقرة: 106] ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: «ما ننسك من آية أو 02P391 ننسخها نجيء بمثلها» فذلك تأويل النسيان. وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم الآية أو أكثر من ذلك ثم تنسى وترفع " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] قال: كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء وينسخ ما شاء " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان عبيد بن عمير يقول: " {ننسها} [البقرة: 106] نرفعها من عندكم " حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أنه قال: " في قوله: {أو ننسها} [البقرة: 106] قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا، ثم نسيه " وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية إلا أنه كان يقرؤها 02P392 : {أو تنسها} بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد ذكر الأخبار بذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: " (ما ننسخ من آية أو تنسها) قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرؤها: «أو تنسها» قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله: {سنقرئك فلا تنسى} {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشيم، قال: ثنا يعلى بن عطاء، قال: ثنا القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي، قال: سمعت ابن أبي وقاص، يذكر نحوه حدثنا محمد بن المثنى، وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي، يقول: " قلت لسعد بن أبي وقاص: إني سمعت ابن المسيب، 02P393 يقرأ: «ما ننسخ من آية أو تنسها» فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه، إنما هي: (ما ننسخ من آية أو تنسها) يا محمد. ثم قرأ: {سنقرئك فلا تنسى} {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] يقول: ننسها: نرفعها؛ وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها " والوجه الآخر منهما أن يكون بمعنى الترك، من قول الله جل ثناؤه: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] يعني به تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها.
وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " في قوله: {أو ننسها} [البقرة: 106] يقول: أو نتركها لا نبدلها " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " قوله: {أو ننسها} [البقرة: 106] نتركها لا ننسخها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] قال: الناسخ والمنسوخ " قال: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {ننسها} [البقرة: 106] نمحها " وقرأ ذلك آخرون: (أو ننسأها) بفتح النون وهمزة بعد السين بمعنى نؤخرها، من قولك: نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأ ونساء إذا أخرته، وهو من قولهم: بعته بنساء، يعني بتأخير. ومن ذلك قول طرفة بن العبد: [+البحر الطويل] لعمرك إن الموت ما أنسأ الفتى لكالطول المرخى وثنياه باليد يعني بقوله أنسأ: أخر. وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء 02P395 الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء: " في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسأها) قال: نؤخرها " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح: " يقول في قول الله: (أو ننسأها) قال: نرجئها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « (أو ننسأها) نرجئها ونؤخرها» حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا فضيل، عن عطية: " (أو ننسأها) قال: نؤخرها فلا ننسخها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير، « (أو ننسأها) إرجاؤها وتأخيرها» هكذا حدثنا القاسم، عن عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي وإنما هو عن علي الأزدي، حدثني أحمد بن يوسف ، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، " أنه قرأها: (ننسأها) " قال: فتأويل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها؛ نأت بخير منها أو مثلها. وقد قرأ بعضهم ذلك: (ما ننسخ من آية أو تنسها) وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ {أو ننسها} [البقرة: 106] إلا أن معنى «أو تنسها» أنت يا محمد. وقد قرأ بعضهم: (ما ننسخ من آية) بضم النون وكسر السين، بمعنى: ما ننسخك يا محمد نحن من آية، من أنسختك فأنا أنسخك. وذلك خطأ من القراءة عندنا لخروجه عما جاءت به الحجة من القراءة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ «تنسها» (أو تنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة. وأولى القراءات في قوله: {أو ننسها} [البقرة: 106] بالصواب من قرأ: {أو ننسها} [البقرة: 106] بمعنى نتركها؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدل حكما أو غيره أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس.