Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

حصہ V02/P595–V02/P596

[البقرة: 136] القول في تأويل قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة: 136] يعني تعالى ذكره بذلك: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا: آمنا، أي صدقنا بالله. وقد دللنا فيما مضى أن معنى الإيمان التصديق بما أغنى عن إعادته {وما أنزل إلينا} [البقرة: 136] يقول أيضا: صدقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم إذ كانوا متبعيه ومأمورين منهيين به، فكان وإن كان تنزيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى التنزيل إليهم للذي لهم فيه من 02P596 المعاني التي وصفت ويعني بقوله: {وما أنزل إلى إبراهيم} [البقرة: 136] صدقنا أيضا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وهم الأنبياء من ولد يعقوب وقوله، {وما أوتي موسى وعيسى} [البقرة: 136] يعني: وآمنا أيضا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم، وأقررنا وصدقنا أن ذلك كله حق وهدى ونور من عند الله. وأن جميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى يصدق بعضهم بعضا على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله والعمل بطاعته {لا نفرق بين أحد منهم} [البقرة: 136] يقول: لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض، ونتبرأ من بعض، ونتولى بعضا، كما تبرأت اليهود من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرت بغيرهما من الأنبياء، وكما تبرأت النصارى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرت بغيره من الأنبياء؛ بل نشهد لجميعهم أنهم كانوا رسل الله وأنبياءه، بعثوا بالحق والهدى وأما قوله: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] فإنه يعني تعالى ذكره: ونحن له خاضعون بالطاعة، مذعنون له بالعبودية. فذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لليهود، فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وعازر وخالد وزيد وأزار بن أبي أزار وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى 02P597 إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به.

حصہ V02/P596–V02/P598

فأنزل الله فيهم: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} [المائدة: 59] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، إلا أنه، قال: ونافع بن أبي نافع، مكان رافع بن أبي رافع وقال قتادة: أنزلت هذه الآية أمرا من الله تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رسله كلهم حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم} [البقرة: 136] إلى قوله، {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم " وأما الأسباط الذين ذكرهم فهم اثنا عشر رجلا من ولد يعقوب بن 02P598 إسحاق بن إبراهيم، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطا كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " الأسباط: يوسف وإخوته بنو يعقوب، ولد اثني عشر رجلا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطا " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما الأسباط فهم بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، ودان، وقهاث " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " الأسباط: يوسف وإخوته بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، فولد لكل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: " نكح يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل ابنة خاله ليا ابنة ليان بن توبيل بن إلياس، فولدت له روبيل بن يعقوب، وكان أكبر ولده، وشمعون بن يعقوب، ولاوي بن يعقوب، ويهوذا بن يعقوب، وريالون بن يعقوب، ويشجر بن يعقوب ودينة بنت يعقوب. ثم توفيت ليا بنت ليان، فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس، فولدت له يوسف بن يعقوب وبنيامين، وهو بالعربية أسد، وولد له من سريتين له اسم إحداهما زلفة، واسم الأخرى بلهية أربعة نفر: دان بن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب، وجاد بن يعقوب، وإشرب بن يعقوب. فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا، نشر الله منه اثني عشر سبطا لا يحصى عددهم ولا يعلم أنسابهم إلا الله، يقول الله تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما} [الأعراف: 160] " 02P599

حصہ V02/P598–V02/P600

[البقرة: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] يعني تعالى ذكره بقوله: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} [البقرة: 137] فإن صدق اليهود والنصارى بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، وأقروا بذلك مثل ما صدقتم أنتم به أيها المؤمنون وأقررتم، فقد وفقوا ورشدوا ولزموا طريق الحق واهتدوا، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك. فدل تعالى ذكره بهذه الآية على أنه لم يقبل من أحد عملا إلا بالإيمان بهذه 02P600 المعاني التي عدها قبلها كما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} [البقرة: 137] ونحو هذا، قال: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا تحرم الجنة إلا على من تركه " وقد روي عن ابن عباس في ذلك قراءة جاءت مصاحف المسلمين بخلافها، وأجمعت قراء القرآن على تركها وذلك ما حدثنا به، محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: قال ابن عباس: " لا تقولوا: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} [البقرة: 137] فإنه ليس لله مثل، ولكن قولوا: فإن آمنوا بالذين آمنتم به فقد اهتدوا، أو، قال: فإن آمنوا بما آمنتم به " فكان ابن عباس في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه يوجه تأويل قراءة من قرأ: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} [البقرة: 137] فإن آمنوا بمثل الله، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل؛ وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه شرك لا شك بالله العظيم، لأنه لا مثل لله تعالى ذكره، فنؤمن أو نكفر به. ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وجه إليه تأويله، وإنما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به من جميع ما عددنا عليكم من كتب الله وأنبيائه، فقد اهتدوا. فالتشبيه إنما وقع 02P601 بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء، كقول القائل: مر عمرو بأخيك مثل ما مررت به، يعني بذلك مر عمرو بأخيك مثل مروري به، والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين، لا بين عمرو وبين المتكلم؛ فكذلك قوله: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} [البقرة: 137] إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن به 02P600

حصہ V02/P600–V02/P601

[البقرة: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تولوا فإنما هم في شقاق} [البقرة: 137] يعني تعالى ذكره بقوله: {وإن تولوا} [البقرة: 137] وإن تولى هؤلاء الذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه كونوا هودا أو نصارى، فأعرضوا، فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيها المؤمنون بالله، وبما جاءت به الأنبياء، وابتعثت به الرسل، وفرقوا بين رسل الله، وبين الله ورسله، فصدقوا بعضا وكفروا ببعض، فاعلموا أيها المؤمنون أنهم إنما هم في عصيان وفراق وحرب لله ولرسوله ولكم كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن قتادة: " {فإنما هم في شقاق} [البقرة: 137] أي في فراق " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فإنما هم في شقاق} [البقرة: 137] يعني فراق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {وإن تولوا فإنما 02P602 هم في شقاق} [البقرة: 137] ، قال: الشقاق: الفراق والمحاربة، إذا شاق فقد حارب، وإذا حارب فقد شاق، وهما واحد في كلام العرب. وقرأ: {ومن يشاقق الرسول} [النساء: 115] " وأصل الشقاق عندنا والله أعلم مأخوذ من قول القائل: شق عليه هذا الأمر إذا كربه وآذاه، ثم قيل: شاق فلان فلانا بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كربه وآذاه وأثقلته مساءته، ومنه قول الله تعالى ذكره: {وإن خفتم شقاق بينهما} [النساء: 35] بمعنى فراق بينهما 02P601 [البقرة: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] يعني تعالى ذكره بقوله: {فسيكفيكهم الله} [البقرة: 137] فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] من اليهود والنصارى، إن هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم، وفرقوا بين الله ورسله، إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات، فإن الله هو السميع لما يقولون لك بألسنتهم ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضالة، العليم بما يبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحسد والبغضاء. ففعل الله بهم ذلك عاجلا وأنجز وعده، فكفى نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إياه عليهم حتى قتل بعضهم وأجلى بعضا وأذل بعضا وأخزاه بالجزية والصغار 02P602

حصہ V02/P601–V02/P606

[البقرة: 138] القول في تأويل قوله تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} [البقرة: 138] يعني تعالى ذكره بالصبغة: صبغة الإسلام، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصر أطفالهم جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية، فقال الله تعالى ذكره إذ قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيم صبغة الله التي هي أحسن الصبغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشرك بالله والضلال عن محجة هداه. ونصب الصبغة من قرأها نصبا على الرد على الملة، وكذلك رفع الصبغة من رفع الملة على ردها عليها. وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه، وذلك على الابتداء، بمعنى: هي صبغة الله. وقد يجوز نصبها على غير وجه الرد على الملة، ولكن على قوله: {قولوا آمنا بالله} [البقرة: 136] إلى قوله: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] صبغة الله، بمعنى: آمنا هذا الإيمان، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغة الله. وبمثل الذي قلنا في تأويل الصبغة قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} [البقرة: 138] إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله بعث به نوحا والأنبياء بعده " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء: " {صبغة الله} [البقرة: 138] صبغت اليهود أبناءهم خالفوا الفطرة " واختلفوا أهل التأويل في تأويل قوله {صبغة الله } [البقرة: 138] فقال بعضهم: دين الله ذكر من قال ذلك حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله. {ومن أحسن من الله صبغة} [البقرة: 138] ومن أحسن من الله دينا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 02P605 مجاهد، مثله حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: " قوله: {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله " حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} [البقرة: 138] يقول: دين الله، ومن أحسن من الله دينا " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قول الله: {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله " حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد: عن قول الله: {صبغة الله} [البقرة: 138] فذكر مثله وقال آخرون: {صبغة الله} [البقرة: 138] فطرة الله ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، 02P606 عن مجاهد: " في قول الله: {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن مجاهد: " {ومن أحسن من الله صبغة} [البقرة: 138] ، قال: الصبغة: الفطرة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " {صبغة الله} [البقرة: 138] الإسلام، فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال ابن جريج: قال لي عبد الله بن كثير: " {صبغة الله} [البقرة: 138] ، قال: دين الله ومن أحسن من الله دينا، قال: هي فطرة الله " ومن قال هذا القول، فوجه الصبغة إلى الفطرة، فمعناه: بل نتبع فطرة الله وملته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم.

حصہ V02/P606

من قول الله تعالى ذكره: {فاطر السموات والأرض} معنى خالق السموات والأرض 02P606

حصہ V02/P606–V02/P607

[البقرة: 138] القول في تأويل قوله تعالى: {ونحن له عابدون} [البقرة: 138] وقوله تعالى ذكره: {ونحن له عابدون} [البقرة: 138] أمر من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود والنصارى الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه: {كونوا هودا أو نصارى} [البقرة: 135] فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، صبغة الله، ونحن له عابدون. يعني ملة الخاضعين لله المستكينين له في اتباعنا ملة إبراهيم ودينونتنا له بذلك، غير مستكبرين في اتباع أمره والإقرار برسالته 02P607 رسله، كما استكبرت اليهود والنصارى، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكبارا وبغيا وحسدا [البقرة: 139] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} [البقرة: 139] يعني تعالى ذكره بقوله: {قل أتحاجوننا في الله} [البقرة: 139] قل يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وزعموا أن دينهم خير من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منك: أتحاجوننا في الله، وهو ربنا وربكم، بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقاب، والجزاء على الأعمال الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم بالله أولى منا من أجل أن نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحد، وأن لكل فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها، ويجازى فيثاب أو يعاقب لا على الأنساب وقدم الدين والكتاب ويعني بقوله: {قل أتحاجوننا} [البقرة: 139] قل أتخاصموننا وتجادلوننا كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قل أتحاجوننا في الله} [البقرة: 139] قل أتخاصموننا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {قل أتحاجوننا} [البقرة: 139] أتخاصموننا " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني 02P608 أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {أتحاجوننا} [البقرة: 139] أتجادلوننا " فأما قوله: {ونحن له مخلصون} [البقرة: 139] فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادة والطاعة لا نشرك به شيئا، ولا نعبد غيره أحدا، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثان، وأصحاب العجل معه العجل. وهذا من الله تعالى ذكره توبيخ لليهود واحتجاج لأهل الإيمان، بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: قولوا أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين قالوا لكم: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] : {أتحاجوننا في الله} [البقرة: 139] يعني بقوله: {في الله} [البقرة: 139] في دين الله الذي أمرنا أن ندينه به، وربنا وربكم واحد عدل لا يجور، وإنما يجازى العباد على ما اكتسبوا. وتزعمون أنكم أولى بالله منا لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحن مخلصون له العبادة لم نشرك به شيئا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجل وبعضكم المسيح. فأنى تكونوا خيرا منا، وأولى بالله منا 02P608

حصہ V02/P607–V02/P609

[البقرة: 140] القول في تأويل قوله تعالى: {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 140] قال أبو جعفر: في قراءة ذلك وجهان؛ أحدهما: {أم تقولون} [البقرة: 80] بالتاء، فمن قرأ كذلك فتأويله: قل يا محمد للقائلين لك من اليهود والنصارى {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] أتجادلوننا في الله أم تقولون إن إبراهيم؟ فيكون ذلك معطوفا على قوله: {أتحاجوننا في الله} [البقرة: 139] . والوجه الآخر منهما (أم يقولون) بالياء. ومن قرأ ذلك كذلك وجه قوله: (أم يقولون ) إلى أنه استفهام مستأنف، كقوله: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] وكما يقال: إنها لإبل أم شاء. وإنما جعله استفهاما مستأنفا لمجيء خبر مستأنف، كما يقال: أتقوم أم يقوم أخوك؟ فيصير قوله: أم يقوم أخوك خبرا مستأنفا لجملة ليست من الأول واستفهاما مبتدأ. ولو كان نسقا على الاستفهام الأول لكان خبرا عن الأول، فقيل: أتقوم أم تقعد. وقد زعم بعض أهل العربية أن ذلك إذا قرئ كذلك بالياء، فإن كان الذي بعد أم جملة تامة فهو عطف على الاستفهام الأول؛ لأن معنى الكلام: قيل أي هذين الأمرين كائن، هذا أم هذا؟ . والصواب من القراءة عندنا في ذلك: {أم تقولون} [البقرة: 80] بالتاء دون الياء عطفا على قوله: {قل أتحاجوننا} [البقرة: 139] بمعنى: أي هذين الأمرين تفعلون؟ أتجادلوننا في دين الله، فتزعمون أنكم أولى منا، وأهدى منا سبيلا، وأمرنا وأمركم ما وصفنا على ما قد بيناه آنفا، أم تزعمون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن سمى الله كانوا هودا أو نصارى على ملتكم، فيصح للناس بهتكم وكذبكم؛ لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه، وغير جائزة قراءة ذلك بالياء لشذوذها عن قراءة القراء. وهذه الآية أيضا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى الذين ذكر الله قصصهم. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتحاجوننا في الله، وتزعمون أن دينكم أفضل من ديننا، وأنكم على هدى ونحن على ضلالة ببرهان من الله تعالى ذكره فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه. أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى على دينكم؟ فهاتوا على دعواكم ما ادعيتم من ذلك برهانا فنصدقكم. فإن الله قد جعلهم أئمة يقتدى بهم. ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد إن ادعوا أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى: أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان أم الله ؟ 02P610

حصہ V02/P609–V02/P612

[البقرة: 140] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] يعني: فإن زعمت يا محمد اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك كونوا هودا أو نصارى، أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، فمن أظلم منهم؟ يقول: وأي امرئ أظلم منهم وقد كتموا شهادة عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مسلمين. فكتموا ذلك ونحلوهم اليهودية والنصرانية. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] ، قال: في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما إنهم كانوا يهودا أو نصارى. فيقول الله: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم فيهم. وقد علم أنهم كاذبون " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] في قول اليهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما إنهم كانوا يهودا أو نصارى. فقال الله لهم: لا تكتموا مني الشهادة فيهم إن كانت عندكم فيهم. وقد علم الله أنهم كانوا كاذبين " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني إسحاق، عن أبي الأشهب، عن الحسن: " أنه تلا هذه الآية: {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل. . . } [البقرة: 140] إلى قوله: {قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] قال الحسن: والله لقد كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه برآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عند القوم من الله شهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام، فبم استحلوها؟ " حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل: أنهم لم يكونوا يهود ولا نصارى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان. وأنه عنى تعالى ذكره بذلك أن اليهود والنصارى إن ادعوا أن إبراهيم ومن سمي معه في هذه الآية كانوا هودا أو نصارى، تبين لأهل الشرك الذين هم نصراؤهم كذبهم وادعاؤهم على أنبياء الله الباطل؛ لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعدهم، وإن هم نفوا عنهم اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلموا إلى ما كانوا عليه من الدين، فإنا وأنتم مقرون جميعا بأنهم كانوا على حق، ونحن مختلفون فيما خالف الدين الذي كانوا عليه " وقال آخرون: بل عنى تعالى ذكره بقوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] اليهود في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: « {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى} أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية، وكتموا محمدا وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " قوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] ، قال: الشهادة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم، وهو الذي كتموا " حدثني المثنى قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحو حديث بشر بن معاذ عن يزيد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] ، قال: هم يهود يسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صفته في كتاب الله عندهم، فيكتمون الصفة " وإنما اخترنا القول الذي قلناه في تأويل ذلك؛ لأن قوله تعالى ذكره: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} [البقرة: 140] في أثر قصة من سمى الله من أنبيائه، وأمام قصته لهم.

حصہ V02/P612

فأولى بالذي هو بين ذلك أن يكون من قصصهم دون غيره. فإن قال قائل : وأية شهادة عند اليهود والنصارى من الله في أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؟ قيل: الشهادة التي عندهم من الله في أمرهم، ما أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل، وأمرهم فيها بالاستنان بسنتهم واتباع ملتهم، وأنهم كانوا حنفاء مسلمين. وهي الشهادة التي عندهم من الله التي كتموها حين دعاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا له: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] وقالوا له ولأصحابه: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] . فأنزل الله فيهم هذه الآيات في تكذيبهم وكتمانهم الحق، وافترائهم على أنبياء الله الباطل والزور 02P613

حصہ V02/P612–V02/P614

[البقرة: 140] القول في تأويل قوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 140] يعني تعالى ذكره بذلك: وقل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين يحاجونك يا محمد: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] من كتمانكم الحق فيما ألزمكم في كتابه بيانه للناس، من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب 02P614 والأسباط في أمر الإسلام، وأنهم كانوا مسلمين، وأن الحنيفية المسلمة دين الله الذي على جميع الخلق الدينونة به دون اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل. ولا هو ساه عن عقابكم على فعلكم ذلك، بل هو محص عليكم حتى يجازيكم به من الجزاء ما أنتم له أهل في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فجازاهم عاجلا في الدنيا بقتل بعضهم وإجلائه عن وطنه وداره، وهو مجازيهم في الآخرة العذاب المهين 02P613 [البقرة: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 141] يعني تعالى ذكره بقوله: {تلك أمة} [البقرة: 134] إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت} [البقرة: 134] ، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله وقد بينا فيما مضى أن الأمة: الجماعة. فمعنى الآية إذا: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك في الله من اليهود والنصارى أن كتموا ما عندهم من الشهادة في أمر إبراهيم ومن سمينا معه، وأنهم كانوا مسلمين، وزعموا أنهم كانوا هودا أو نصارى فكذبوا: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط أمة قد خلت؛ أي مضت لسبيلها، فصارت إلى ربها، وخلت بأعمالها وآمالها، لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها، وعليها ما اكتسبت من شر، لا ينفعها غير صالح أعمالها، ولا يضرها إلا سيئها. فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك، فإنكم إن كان هؤلاء هم الذين بهم تفتخرون وتزعمون أن بهم ترجون النجاة من عذاب ربكم مع سيئاتكم، وعظيم خطيئاتكم، لا ينفعهم عند الله غير ما قدموا من صالح الأعمال، ولا يضرهم غير سيئها؛ فأنتم كذلك أحرى أن لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأعمال، ولا يضركم غير سيئها. فاحذروا على أنفسكم وبادروا خروجها بالتوبة والإنابة إلى الله مما أنتم عليه من الكفر والضلالة والفرية على الله وعلى أنبيائه ورسله، ودعوا الأنكال على فضائل الآباء والأجداد، فإنما لكم ما كسبتم، وعليكم ما اكتسبتم، ولا تسألون عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط يعملون من الأعمال، لأن كل نفس قدمت على الله يوم القيامة، فإنما تسأل عما كسبت وأسلفت دون ما أسلف غيرها 02P615

حصہ V02/P614–V02/P617

[البقرة: 142] القول في تأويل قوله تعالى: " {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] يعني بقوله جل ثناؤه {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] سيقول الجهال من الناس وهم اليهود، وأهل النفاق وإنما سماهم الله عز وجل سفهاء، لأنهم سفهوا الحق 02P616 فتجاهلت أحبار اليهود وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحير المنافقون فتبلدوا، وبما قلنا في السفهاء إنهم هم اليهود، أهل نفاق قال أهل التأويل ذكر من قال: هم اليهود حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] من الناس ما ولاهم عن قبلتهم قال: اليهود تقوله حين ترك بيت المقدس " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثت عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، " {سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] قال: اليهود " حدثنا أبو كريب قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، " {سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] قال: اليهود " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله: " {سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] قال: أهل الكتاب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: «اليهود» وقال آخرون: السفهاء: المنافقون ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " نزلت {سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] في المنافقين " 02P617

حصہ V02/P617–V02/P618

[البقرة: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] يعني بقوله جل ثناؤه: {ما ولاهم} [البقرة: 142] أي شيء صرفهم عن قبلهم؟ وهو من قول القائل: ولاني فلان دبره: إذا حول وجهه عنه واستدبره فكذلك قوله: {ما ولاهم} [البقرة: 142] أي شيء حول وجوههم؟ وأما قوله: {عن قبلتهم} [البقرة: 142] فإن قبلة كل شيء ما قابل وجهه، وإنما هي «فعلة» بمنزلة الجلسة والقعدة؛ من قول القائل: قابلت فلانا: إذا صرت قبالته أقابله، فهو لي قبلة، وأنا له قبلة، إذا قابل كل واحد منهما بوجهه وجه صاحبه. قال: فتأويل الكلام إذن إذ كان ذلك معناه سيقول السفهاء من الناس لكم أيها المؤمنون (بالله ورسوله) ، إذا حولتم وجوهكم عن قبلة اليهود التي كانت لكم قبلة قبل أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شطر المسجد الحرام: أي شيء حول وجوه هؤلاء فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟ فأعلم الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم ما اليهود والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشام إلى المسجد الحرام، وعلمه ما ينبغي أن يكون من رده عليهم من الجواب، فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا محمد، فقل لهم {لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] وكان سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس مدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى ثم أراد الله تعالى صرف قبلة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام، فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهه ووجه أصحابه شطره، وما الذي ينبغي أن يكون من رده عليهم من الجواب " - ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سبب صلاته نحوه؟ وما الذي دعا اليهود والمنافقين إلى قيل ما قالوا عند تحويل الله قبلة المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة. فقال بعضهم بما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن 02P619 حميد، قال: ثنا سلمة، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، قال: أخبرني سعيد بن جبير أو عكرمة، شك محمد، عن ابن عباس، قال: " لما صرفت القبلة عن الشام، إلى الكعبة، وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن أبي نافع هكذا قال ابن حميد، وقال أبو كريب، ورافع بن أبي رافع، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون فتنته عن دينه. فأنزل الله فيهم: " {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] إلى قوله: {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال البراء، " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكان يشتهي أن يصرف إلى الكعبة. قال: فبينا نحن نصلي ذات يوم، فمر بنا مار، فقال: ألا هل علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرف إلى الكعبة؟ قال: وقد صلينا ركعتين إلى ها هنا، وصلينا ركعتين إلى ها هنا " 02P620 قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟

حصہ V02/P618–V02/P621

فسكت حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: «صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا» شك سفيان ثم صرفنا إلى الكعبة " حدثني المثنى، قال: حدثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر، ومعه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم ركوع، فقال: أشهد لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة. فداروا كما هم قبل البيت، وكان يعجبه أن يحول قبل البيت. وكان اليهود أعجبهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم 02P621 يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك " حدثني عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجه نحو الكعبة قبل بدر، بشهرين» وقال آخرون بما حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمان بن سعد الكاتب، قال: ثنا أنس بن مالك، قال: " صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة، وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، انصرف بوجهه إلى الكعبة، فقال السفهاء: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] " وقال آخرون بما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا» حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، قال، ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب «أن الأنصار، صلت للقبلة الأولى قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث حجج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا» أو كما قال.

حصہ V02/P621–V02/P623

وكلا الحديثين يحدث قتادة عن سعيد - ذكر السبب الذي كان من أجله يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس قبل أن يفرض عليه التوجه شطر الكعبة اختلف أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: كان ذلك باختيار من النبي صلى الله عليه وسلم - ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح أبو تميلة، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن عكرمة، وعن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: " أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صخرة بيت المقدس وهي قبلة اليهود، فاستقبلها النبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر شهرا ليؤمنوا به ويتبعوه، ويدعوا بذلك الأميين من العرب، فقال الله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] يعنون بيت المقدس " قال الربيع، قال أبو العالية، «إن نبي الله صلى الله عليه وسلم خير أن يوجه وجهه حيث شاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتاب، فكانت قبلته ستة عشر شهرا، وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء ثم وجهه الله إلى البيت الحرام» وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بفرض الله عز ذكره عليهم - ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: " لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] الآية، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] فأنزل الله عز وجل: {قل لله المشرق والمغرب} [البقرة: 142] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن 02P624 جريج «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، فصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه ثلاث حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا، ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة» - ذكر السبب الذي من أجله قال من قال {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] اختلف أهل التأويل في ذلك، فروي عن ابن عباس فيه قولان أحدهما ما حدثنا به ابن حميد ، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " قال ذلك قوم من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك، يريدون فتنته عن دينه " والقول الآخر: ما ذكرت من حديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله: " {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] " قال: " صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام. فقال في ذلك قائلون من الناس: " {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] " لقد اشتاق الرجل إلى مولده.

حصہ V02/P623–V02/P624

فقال الله عز وجل: " {قل لله المشرق 02P625 والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] " وقيل: قائل هذه المقالة المنافقون، وإنما قالوا: ذلك استهزاء بالإسلام " ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ فأنزل الله في المنافقين: {سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] الآية كلها " 02P625

حصہ V02/P624–V02/P625

[البقرة: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] يعني بذلك عز وجل: قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك:: ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس التي كنتم على التوجه إليها إلى التوجه إلى شطر المسجد الحرام: لله ملك المشرق والمغرب؛ يعني بذلك ملك ما بين قطري مشرق الشمس، وقطري مغربها، وما بينهما من العالم، يهدي من يشاء من خلقه فيسدده، ويوفقه إلى الطريق القويم ، وهو الصراط المستقيم. ويعني بذلك إلى قبلة إبراهيم الذي جعله للناس إماما. ويخذل من يشاء منهم فيضله عن سبيل الحق. وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] قل: يا محمد إن الله هدانا بالتوجه شطر المسجد الحرام لقبلة إبراهيم وأضلكم أيها اليهود، والمنافقون، وجماعة الشرك بالله، فخذلكم عما هدانا له من ذلك 02P626

حصہ V02/P625–V02/P627

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] 02P626 يعني جل ثناؤه بقوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا. وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس، والصنف منهم وغيرهم. وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه، وواسط، كما يقال: شاة يابسة اللبن، ويبسة اللبن، وكما قال جل ثناؤه: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا} [طه: 77] وقال زهير بن أبي سلمى، في الوسط: [+البحر الطويل] هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذ نزلت إحدى الليالي بمعظم قال: وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار» محرك الوسط مثقله، غير جائز في سينه التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها. وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم ذكر من قال: الوسط: العدل حدثنا سالم بن جنادة، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: «عدولا» حدثنا مجاهد بن موسى، ومحمد بن بشار قالا: ثنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري: " {وكذلك جعلناكم أمة 02P628 وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثني علي بن عيسى، قال: ثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " {جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قول الله عز وجل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثني المثنى، قال: ثنا حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، 02P629 عن الربيع، في قوله: " {أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: عدولا " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس، " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] يقول: جعلكم أمة عدولا " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن راشد بن سعد، قال: أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: " الوسط: العدل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، ومجاهد، وعبد الله بن كثير، " {أمة وسطا} [البقرة: 143] قالوا: عدولا، قال مجاهد، عدولا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] قال: هم وسط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم " 02P629

حصہ V02/P627

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] والشهداء جمع شهيد. فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولا لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي 02P630 على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي كما حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال له: من يعلم ذاك؟ فيقول: محمد وأمته فهو قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] " حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا جعفر بن عون، قال، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه زاد فيه: «فيدعون ويشهدون أنه قد بلغ» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد: " {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] بأن الرسل قد بلغوا {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] بما عملتم أو فعلتم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عيينة بن النهاس، أن مكاتبا لهم حدثهم عن جابر بن عبد الله، " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني وأمتي لعلى كوم يوم القيامة مشرفين على الخلائق ما أحد من الأمم إلا ود أنه منها أيتها الأمة، وما من نبي كذبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم» قال: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] " حدثني عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني، قال: ثنا أبي قال: 02P632 ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي هريرة، قال: " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما صلى على الميت، قال الناس: نعم الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم. «وجبت» . ثم خرجت معه في جنازة أخرى، فلما صلوا على الميت، قال الناس: بئس الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت» . فقام إليه أبي بن كعب، فقال: يا رسول الله، ما قولك وجبت؟ قال: " قول الله عز وجل: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] " حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني أبو عمرو عن يحيى، قال: حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني، قال: حدثني أبو هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة، فقال الناس: نعم الرجل. ثم ذكر نحو حديث عصام، عن أبيه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر 02P633 عليه بجنازة فأثنى عليها بثناء حسن، فقال: «وجبت» ، ومر عليه بجنازة أخرى، فأثنى عليها دون ذلك، فقال: «وجبت» ، قالوا: يا رسول الله ما وجبت؟ قال: «الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض فما شهدتم عليه وجب» ثم قرأ: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105] .

حصہ V02/P627

الآية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] تكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم اليهود، والنصارى، والمجوس " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، قال: «يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير، مثله. 02P634 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فذكر مثله، ولم يذكر عبيد بن عمير مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] أي إن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: " أن قوم، نوح يقولون يوم القيامة: لم يبلغنا نوح. فيدعى نوح عليه السلام فيسأل: هل بلغتهم؟ فيقول: نعم، فيقال: من شهودك؟ فيقول: أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. فتدعون فتسألون، فتقولون: نعم، قد بلغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام: كيف تشهدون علينا ولم تدركونا؟ قالوا: قد جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم، وأنزل عليه أنه قد بلغكم، فصدقناه. قال: فيصدق نوح عليه السلام ويكذبونهم. قال: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143] لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أن الرسل قد بلغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدا، أن قد بلغ ما أرسل به " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: " أن الأمم، يقولون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلهم لما يرون الله أعطاهم " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك، عن راشد بن سعد، قال: أخبرني ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا جمع الله عباده يوم القيامة، كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رب قد بلغته جبريل عليهما السلام، فيدعى جبريل، فيقال له: هل بلغت إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم رب قد بلغني. فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، قد بلغت الرسل فتدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي " فيقولون: نعم ربنا، فيخلى عن جبريل، ثم يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقول: بلغنا أممنا. فتدعى الأمم فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق، فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك. فيقول: من يشهد لكم؟ فيقول: أمة محمد. فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم ربنا، شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: كيف يشهدون على من لم يدركوا؟ 02P636 فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا.

سوالات