Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 213] القول في تأويل قوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213] يعني جل ثناؤه بقوله: {فهدى الله} [البقرة: 213] فوفق الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه. وكان اختلافهم الذي خذلهم الله فيه، وهدى له الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فوفقتهم لإصابته: الجمعة، ضلوا عنها وقد فرضت عليهم كالذي فرض علينا، فجعلوها السبت؛ فقال صلى الله عليه وسلم «نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فلليهود غدا وللنصارى بعد غد » حدثنا بذلك أحمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عياض بن 03P631 دينار الليثي، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة: 213] قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ونحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فهذا اليوم الذي هدانا الله له والناس لنا فيه تبع، غدا لليهود، وبعد غد للنصارى» وكان مما اختلفوا فيه أيضا ما قال ابن زيد وهو ما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فهدى الله الذين آمنوا} [البقرة: 213] للإسلام، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا للقبلة؛ واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، وبعضهم بعض ليلة، وهدانا الله له. واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفا مسلما، وما كان من المشركين للذين يدعونه من أهل الشرك. واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدانا الله للحق فيه؛ فهذا الذي قال جل ثناؤه. {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة: 213] " قال: فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد، وبما جاء به لما اختلف هؤلاء الأحزاب من بني إسرائيل الذين أوتوا الكتاب فيه من الحق بإذنه أن وفقهم لإصابة ما كان عليه من الحق من كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية إذ كانوا أمة واحدة، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمن، فصاروا بذلك أمة وسطا، كما وصفهم به ربهم ليكونوا شهداء على الناس " كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة؛ كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم كذبوا رسلهم " وهي في قراءة أبي بن كعب: «ليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» .
فكان أبو العالية، يقول «في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] يقول: اختلف الكفار فيه، فهدى الله الذي آمنوا للحق من ذلك؛ وهي في قراءة ابن مسعود: «فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا، عنه عن الإسلام» وأما قوله: {بإذنه} [البقرة: 213] فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له، وقد بينا معنى الإذن إذ كان بمعنى العلم في غير الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا. وأما قوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213] فإنه يعني به: والله يسدد من يشاء من خلقه ويرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا إعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيا بينهم، فسددهم لإصابة الحق، والصواب فيه. وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحق من أن كل نعمة على العباد في دينهم أو دنياهم، فمن الله عز وجل. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] أهداهم للحق أم هداهم للاختلاف ؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما " أضلهم، وإن كان هداهم للحق فيكف قيل: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] ؟ قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحق فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم، وهم أهل التوراة الذين بدلوها، فهدى الله للحق مما بدلوا وحرفوا الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و «من» إنما هي في كتاب الله في «الحق» واللام في قوله: {لما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] وأنت تحول اللام في «الحق» ، و «من» في الاختلاف في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبا؟ قيل: ذلك في كلام العرب موجود مستفيض، والله تبارك وتعالى إنما خاطبهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر: [+البحر الكامل] كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر: [+البحر الرجز] إن سراجا لكريم مفخره تحلى به العين إذا ما تجهره وإنما سراج الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج. وقد قال بعضهم: إن معنى قوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق} [البقرة: 213] أن أهل الكتب الأول اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها: من عند الله، فهدى الله أهل الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها، وذلك قول غير أن الأول أصح القولين، لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد 03P635
[البقرة: 214] القول في تأويل قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] وأما قوله: {أم حسبتم} [البقرة: 214] كأنه استفهم ب «أم» في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام لسبوق كلام هو به متصل، ولو لم يكن قبله كلام يكون به متصلا، وكان ابتداء لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام؛ لأن قائلا لو كان قال مبتدئا كلاما لآخر: أم عندك أخوك؟ لكان قائلا ما لا معنى له؛ ولكن لو قال: أنت رجل مدل بقوتك أم عندك أخوك ينصرك؟ كان مصيبا. وقد بينا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته. فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة، والفاقة، والضراء، وهي العلل، والأوصاب؛ ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف، والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا. ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معليهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا. وهذه الآية فيما يزعم أهل التأويل نزلت يوم الخندق، حين لقي المؤمنون ما لقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب: 9] إلى قوله: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] ذكر من قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {أم حسبتم أن تدخلوا، الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة: 214] قال: نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله " {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة: 214] قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاء وحصر، فكانوا كما قال الله جل وعز: {وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] " وأما قوله: {ولما يأتكم} [البقرة: 214] فإن عامة أهل العربية يتأولونه بمعنى: ولم يأتكم، ويزعمون أن ما صلة وحشو، وقد بينت القول في «ما» التي يسميها أهل العربية صلة «ما» حكمها في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. وأما معنى قوله: {مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة: 214] فإنه يعني: شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم. 03P638 وقد دللت في غير هذا الموضع على أن المثل الشبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة: 214] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قال: قوله: " {حتى يقول الرسول والذين آمنوا} [البقرة: 214] قال: هو خيرهم وأعلمهم بالله " وفي قوله: {حتى يقول الرسول} [البقرة: 214] وجهان من القراءة: الرفع، والنصب.
ومن رفع فإنه يقول: لما كان يحسن في موضعه «فعل» أبطل عمل «حتى» فيها؛ لأن «حتى» غير عاملة في «فعل» ، وإنما تعمل في «يفعل» ، وإذا تقدمها «فعل» وكان الذي بعدها «يفعل» ، وهو مما قد فعل وفرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في «يفعل» وإبطال عمل «حتى» عنه، وذلك نحو قول القائل: قمت إلى فلان حتى أضربه، والرفع هو الكلام الصحيح في «أضربه» ، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كان وفرغ منه، وكان القيام غير متطاول المدة. فأما إذا كان ما قبل «حتى» من الفعل على لفظ «فعل» متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقض، فالصحيح من الكلام نصب «يفعل» وإعمال «حتى» وذلك نحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك، وجعل ينظر إليك حتى يثبتك؛ فالصحيح من الكلام الذي لا يصح غيره النصب ب «حتى» كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] مطوت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان فنصب تكل والفعل الذي بعد حتى ماض، لأن الذي قبلها من المطو متطاول، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك «وزلزلوا حتى يقول الرسول» ، نصب يقول، إذ كانت الزلزلة فعلا متطاولا، مثل المطو بالإبل. وإنما الزلزلة في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا زلزلة الأرض، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب في «يقول» وإن كان بمعنى «فعل» أفصح وأصح من الرفع فيه 03P639
[البقرة: 215] القول في تأويل قوله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به 03P639عليم} [البقرة: 215] يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به، وعلى من ينفقونه فيما ينفقونه، ويتصدقون به؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به فأنفقوه، وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم، وأمهاتكم، وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو محصيه لكم حتى يوفيكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه. والخبر الذي قال جل ثناؤه في قوله: {قل ما أنفقتم من خير} [البقرة: 215] هو المال الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية. وفي قوله: {ماذا} [البقرة: 26] وجهان من الإعراب: أحدهما أن يكون «ماذا» بمعنى أي شيء، فيكون نصبا بقوله: «ينفقون» ، فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أي شيء ينفقون، ولا ينصب ب «يسألونك» . والآخر منهما الرفع. وللرفع في «ذلك» وجهان: أحدهما أن يكون «ذا» الذي مع «ما» بمعنى «الذي» ، فيرفع «ما» ب «ذا» و «ذا» ب «ما» ، و «ينفقون» من صلة «ذا» ، فإن العرب قد تصل «ذا» . وهذا كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] عدس ما لعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق ف «تحملين» من صلة «هذا» ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : يسألونك ما الذي ينفقون. والآخر من وجهي الرفع أن تكون «ماذا» بمعنى أي شيء، فيرفع «ماذا» وإن كان قوله: {ينفقون} [البقرة: 3] واقعا عليه، إذ كان العامل فيه وهو «ينفقون» لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهام لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل وكما قال الآخر: [+البحر الطويل] وقالوا تعرفها المنازل من منى وما كل من يغشى منى أنا عارف فرفع «كل» ولم ينصبه بعارف. إذ كان معنى قوله: «وما كان من يغشى منى أنا عارف» جحود معرفة من يغشى مني، فصار في معنى ما أحد. وهذه الآية نزلت فيما ذكر قبل أن يفرض الله زكاة الأموال ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 03P642 السدي: " {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} [البقرة: 215] قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟ فنزلت: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} [البقرة: 215] فذلك النفقة في التطوع، والزكاة سوى ذلك كله " قال: وقال مجاهد: " سألوا فأفتاهم في ذلك {ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} [البقرة: 215] وما ذكر معهما " حدثنا محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح، في قول الله: " {يسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 215] قال: سألوه فأفتاهم في ذلك فللوالدين، والأقربين وما ذكر معهما " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله: " {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} [البقرة: 215] قال: هذا من النوافل، قال: يقول: هم أحق بفضلك من غيرهم " وهذا الذي قاله السدي من أنه لم يكن يوم نزلت هذه الآية زكاة، وإنما كانت نفقة ينفقها الرجل على أهله، وصدقة يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة، قول ممكن أن يكون، كما قال: وممكن غيره.
ولا دلالة في الآية على صحة ما قال؛ لأنه ممكن أن يكون قوله: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} [البقرة: 215] الآية، حثا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غير واجبة من الآباء، والأمهات، والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة} [البقرة: 177] وهذا القول الذي قلناه في قول ابن جريج الذي حكيناه. وقد بينا معنى المسكنة، ومعنى ابن السبيل فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته 03P643
[البقرة: 216] القول في تأويل قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] يعني بذلك جل ثناؤه: {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] فرض عليكم القتال، يعني قتال المشركين، {وهو كره لكم} [البقرة: 216] واختلف أهل العلم في الذين عنوا بفرض القتال، فقال بعضهم: عنى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيرهم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء، قلت له: " {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] أواجب الغزو على الناس من أجلها؟ قال: لا، كتب على أولئك حينئذ " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا خالد، عن حسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: " {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] قال نسختها {قالوا سمعنا وأطعنا} [البقرة: 285] وهذا قول لا معنى له، لأن نسخ الأحكام من قبل الله جل وعز لا من قبل العباد، وقوله: {قالوا سمعنا وأطعنا} [البقرة: 285] خبر من الله عن عباده المؤمنين ، وأنهم قالوه لا نسخ منه " حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا معاوية بن عمرو، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، قال: سألت الأوزاعي عن قول الله، عز وجل: " {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] أواجب الغزو على الناس كلهم؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا " وقال آخرون: هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم، وعلى هذا عامة علماء المسلمين وذلك هو الصواب عندنا لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل {فضل الله المجاهدين بأموالهم، وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] فأخبر جل، ثناؤه أن الفضل، للمجاهدين، وأن لهم، وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيعين فرضا لكان لهم السوأى لا الحسنى. وقال آخرون: هو فرض واجب على المسلمين إلى قيام الساعة ذكر من قال ذلك حدثنا حسين بن ميسر، قال: ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: «قد أعلم أن الغزو، واجب، على الناس فسكت. وقد أعلم أن لو أنكر ما قلت لبين لي» وقد بينا فيما مضى معنى قوله «كتب» بما فيه الكفاية 03P645 [البقرة: 216] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو كره لكم} [البقرة: 216] يعني بذلك جل ثناؤه: وهو ذو كره لكم، فترك ذكر «ذو» اكتفاء بدلالة 03P646 قوله: «كره لكم» عليه كما قال: {واسأل القرية} [يوسف: 82] وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن عطاء، في تأويله ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، في قوله: " {وهو كره لكم} [البقرة: 216] قال: كره إليكم حينئذ " والكره بالضم: هو ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه، والكره بفتح الكاف: هو ما حمله غيره، فأدخله عليه كرها وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ بن مسلم، قال: " الكره: المشقة، والكره: الإجبار " وقد كان بعض أهل العربية يقول الكره، والكره لغتان بمعنى واحد، مثل الغسل والغسل، والضعف والضعف، والرهب والرهب. وقال بعضهم: الكره بضم الكاف اسم والكره بفتحها مصدر 03P646
[البقرة: 216] القول في تأويل قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: 216] يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتال، فإنكم لعلكم إن تكرهوه وهو خير لكم، ولا تحبوا ترك الجهاد، فلعلكم إن تحبوه وهو شر لكم كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو 03P647 خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: 216] وذلك لأن المسلمين كانوا يكرهون القتال، فقال: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. يقول: إن لكم في القتال الغنيمة والظهور والشهادة، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين، ولا تستشهدوا، ولا تصيبوا شيئا " حدثني محمد بن إبراهيم السليمي، قال: ثني يحيى بن محمد بن مجاهد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي، قال: أخبرني عامر بن واثلة، قال: قال ابن عباس: " كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، فإنه مثبت في كتاب الله» قلت: يا رسول الله فأين وقد قرأت القرآن؟ قال: في قوله: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] " 03P647 [البقرة: 216] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] يعني بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبت عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أن قتالكم إياهم، هو خير لكم في عاجلكم، ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغبهم في قتال من كفر به 03P647
[البقرة: 217] القول في تأويل قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله 03P648 منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217] يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك يا محمد أصحابك عن الشهر الحرام وذلك رجب عن قتال فيه. وخفض «القتال» على معنى تكرير عن عليه، وكذلك كانت قراءة عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا وقد حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] قال: يقول: يسألونك عن قتال فيه، قال: وكذلك كان يقرؤها: «عن قتال فيه» قال أبو جعفر: قل يا محمد قتال فيه، يعني في الشهر الحرام كبير: أي عظيم عند الله استحلاله، وسفك الدماء فيه. ومعنى قوله: {قتال فيه} [البقرة: 217] قل القتال فيه كبير. وإنما قال: قل قتال فيه كبير؛ لأن العرب كانت لا تقرع فيه الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له، وتسميه مضر «الأصم» لسكون أصوات السلاح، وقعقعته فيه وقد حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، قال: ثنا الزبير، عن جابر، قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم 03P649 يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى، أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ» وقوله جل ثناؤه: {وصد عن سبيل الله} [البقرة: 217] ومعنى الصد عن الشيء: المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل: صد فلان بوجهه عن فلان: إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه وقوله: {وكفر به} [البقرة: 217] يعني: وكفر بالله، والباء في به عائدة على اسم الله الذي في سبيل الله. وتأويل الكلام: وصد عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم أهله وولاته {أكبر عند الله} [البقرة: 217] من القتال في الشهر الحرام. فالصد عن سبيل الله مرفوع بقوله {أكبر عند الله} [البقرة: 217] . وقوله: {وإخراج أهله منه} [البقرة: 217] عطف على الصد ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] يعني: الشرك أعظم وأكبر من القتل، يعني من قتل ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام. وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: {والمسجد الحرام} [البقرة: 217] معطوف على «القتال» وأن معناه: يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه: {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] من القتال في الشهر الحرام. وهذا القول مع خروجه من أقوال أهل العلم، قول لا وجه له؛ لأن القوم لم يكونوا في شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم؟ بل لم يدع ذلك عليهم أحد من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عما ارتابوا بحكمه كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه. فأما إخراج المشركين أهل الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحد شاكا أنه كان ظلما منهم لهم فيسألوا عنه.
ولا خلاف بين أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله ذكر الرواية عمن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري ، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش، من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة بن ربيعة، ومن بني أمية بن 03P651 عبد شمس، ثم من حلفائهم عبد الله بن جحش بن رياب، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص، ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عويم بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحرث بن فهر سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش، يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه: وإذا نظرت إلى كتابي هذا، فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد الله بن جحش، في الكتاب قال: سمعا وطاعة ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى أصحابه معه، فلم يتخلف عنه أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا عليه يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش 03P652 تحمل زبيبا، وأدما، وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه؛ فلما رأوه آمنوا، وقالوا: عمار، لا بأس علينا منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من جمادى، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم؛ فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستؤسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير، والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمس؛ وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم.
فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير، والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال؛ وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه 03P653 الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. فقال: من يرد ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى؛ وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك وبهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله جل وعز على رسوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] أي عن قتال فيه {قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] إلى قوله {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه، إذ أنتم أهله وولاته أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه وذلك أكبر عند الله من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، والأسيرين " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإني موص، وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما، فأتيا بحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي.
فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقتل عمرو بن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا 03P655 من الأموال أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ننظر ما فعل صاحبانا» ؛ فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون، وقالوا: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقيل في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى وأغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب، فأنزل الله جل وعز يعير أهل مكة: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدا وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدا أكبر من القتل عند الله، والفتنة هي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: {وصد عن سبيل الله وكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السوار يحدثه، عن جندب بن عبد الله: " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا، فبعث عليهم أبا عبيدة؛ فلما آخذ لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا، ولا تكرهن أحدا من أصحابك 03P656 على السير معك. فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لأمر الله ورسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب. فرجع رجلان ومضى بقيتهم. فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى؟ فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] والفتنة: هي الشرك " وقال بعض الذين أظنه قال: كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد، فقال: إن يكن خيرا فقد وليت. وإن يكن ذنبا فقد عملت حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] قال: إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمر بابن الحضرمي يحمل خمرا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله وكان بين قريش، ومحمد عقد، فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام ولنا عهد؟ فأنزل الله جل وعز: {قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} من قتل 03P657 ابن الحضرمي، والفتنة كفر بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله " حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وعثمان الجزري، عن مقسم، مولى ابن عباس، قال: " لقي واقد بن عبد الله، عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه من جمادى فقتله، وهو أول قتيل من المشركين، فعير المشركون المسلمين فقالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟
فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام} [البقرة: 217] يقول: وصد عن سبيل الله، وكفر بالله والمسجد الحرام، وصد عن المسجد الحرام {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] من قتل عمرو بن الحضرمي؛ والفتنة: يقول: الشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضا " قال الزهري: وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل بعد حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {يسألونك عن الشهر الحرام، قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله جل وعز: {وصد عن سبيل الله وكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] من القتل فيه، 03P658 وإن محمدا بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب؛ وإن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم واحد. وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله جل وعز: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وغير ذلك أكبر منه صد عن سبيل الله، وكفر به، «والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمد، والشرك بالله أشد» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، قال: " لما نزلت: {يسألونك عن الشهر الحرام، قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] إلى قوله: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] استكبروه، فقال: والفتنة: الشرك الذي أنتم عليه مقيمون أكبر مما استكبرتم " حدثنا عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في جيش، فلقي ناسا من المشركين ببطن نخلة، والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى، وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي، فقال المشركون: 03P659 ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام؟ وقد قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] إلى قوله {أكبر عند الله} [البقرة: 217] من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي، والفتنة التي أنتم عليها مقيمون، يعني الشرك أكبر من القتل " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: وكان يسميها، يقول: «لقي واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة فقتله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] فيمن نزلت؟
قال: لا أدري " قال ابن جريج: قال عكرمة ومجاهد: «في عمرو بن الحضرمي» قال ابن جريج: وأخبرنا ابن أبي حسين، عن الزهري ذلك أيضا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام} [البقرة: 217] قال يقول: صد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة أكبر من القتل كفر بالله وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله: " {يسألونك عن الشهر الحرام، قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فعير المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفر به، وإخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام «وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد، والضحاك ، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع» الصد «به، وأن رافعه» أكبر عند الله "، وهما يؤكدان صحة ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوع على العطف على الكبير. وقول من زعم أن معناه: وكبير صد عن سبيل الله، وزعم أن قوله: «وإخراج أهله منه أكبر عند الله» خبر منقطع عما قبله مبتدأ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، في قوله: " {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] قال: يعني به الكفر " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] من ذلك. ثم عير المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] أي الشرك بالله أكبر من القتل " وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 03P661 أبيه، عن ابن عباس، قال: " لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونه بذلك، فقال: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وغير ذلك أكبر منه: صد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر من الذي أصاب محمد صلى الله عليه وسلم " وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله: {وصد عن سبيل الله} [البقرة: 217] فقال بعض نحويي الكوفيين في رفعه وجهان: أحدهما: أن يكون الصد مردودا على الكبير، يريد: قل القتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به، وإن شئت جعلت الصد كبيرا، يريد به: قل القتال فيه كبير، وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، قال: فأخطأ، يعني الفراء في كلا تأويليه، وذلك أنه إذا رفع الصد عطفا به على كبير، يصير تأويل الكلام: قل القتال في الشهر الحرام كبير، وصد عن سبيل الله، وكفر بالله. وذلك من التأويل خلاف ما عليه أهل الإسلام جميعا، لأنه لم يدع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرا بالله، بل ذلك غير جائز أن يتوهم على عاقل يعقل ما يقول أن يقوله، وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك: {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] ؟
فلو كان الكلام على ما رآه جائزا في تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام كان أعظم عند الله 03P662 من الكفر به، وذلك أنه يقول في أثره: {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظم عند الله من الكفر به، ما يبين عن خطأ هذا القول، وأما إذا رفع الصد بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر، وذلك رفعه بمعنى: وكبير صد عن سبيل الله، ثم قيل: وإخراج أهله منه أكبر عند الله، صار المعنى: إلى أن إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام أعظم عند الله من الكفر بالله، والصد عن سبيله، وعن المسجد الحرام، ومتأول ذلك كذلك داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائل القول الأول من تصييره بعض خلال الكفر أعظم عند الله من الكفر بعينه، وذلك مما لا يخيل على أحد خطؤه وفساده. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: القول الأول في رفع الصد، ويزعم أنه معطوف به على الكبير، ويجعل قوله: {وإخراج أهله} [البقرة: 217] مرفوعا على الابتداء، وقد بينا فساد ذلك وخطأ تأويله. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] هل هو منسوخ أم ثابت الحكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بقول الله جل وعز: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وبقوله: {اقتلوا المشركين} ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: [ص : 663] قال عطاء بن ميسرة: " أحل القتال في الشهر الحرام في براءة، قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] يقول: فيهن وفي غيرهن " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد» وقال آخرون: بل ذلك حكم ثابت لا يحل القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قلت لعطاء: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] قلت: ما لهم وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه، فحلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب، قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتلوا، ولا إلى الجزية تركوا ذلك " والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة، من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها 03P664 أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} وإنما قلنا ذلك ناسخ لقوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر، إلى أوطاس لحرب من بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم» فكان معلوما بذلك أنه لو كان القتال فيهن حراما وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم وأخرى: أن جميع أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القوم الحرب ويحاربهم حتى رجع عثمان بالرسالة، وجرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكف عن حربهم حينئذ وقتالهم، وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم فإذا كان ذلك كذلك فبين صحة ما قلنا في قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال كبير} وأنه منسوخ.
فإذا ظن ظان أن النهي عن القتال في الأشهر الحرم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه. فقد ظن جهلا؛ وذلك أن هذه الآية، أعني قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه 03P665 الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهجرته إليها، وكانت وقعة حنين، والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها. وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد 03P663
[البقرة: 217] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217] يعني تعالى ذكره: ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك كما حدثنا ابن حميد، قال، ثنا سلمة، قال، ثني ابن إسحاق، قال: ثني الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: " {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217] أي هم مقيمون على أخبث ذلك، وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، يعني على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217] قال: كفار قريش " 03P665 [البقرة: 217] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك 03P666 أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217] يعني بقوله جل ثناؤه: {ومن يرتدد منكم عن دينه} [البقرة: 217] من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: {فارتدا على آثارهما قصصا} [الكهف: 64] يعني بقوله: فارتدا: رجعا ومن ذلك قيل: استرد فلان حقه من فلان، إذا استرجعه منه. وإنما أظهر التضعيف في قوله: {يرتدد} [البقرة: 217] لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا سكنت فالقياس ترك التضعيف، وقد تضعف وتدغم وهي ساكنة بناء على التثنية والجمع. وقوله: {فيمت وهو كافر} [البقرة: 217] يقول: من يرجع عن دينه دين الإسلام، فيمت وهو كافر، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبطت أعمالهم يعني بقوله: {حبطت أعمالهم} [البقرة: 217] بطلت وذهبت، وبطولها: ذهاب ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة وقوله: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217] يعني الذين ارتدوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلدون فيها. وإنما جعلهم أهلها لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال: هؤلاء أهل محلة كذا، يعني سكانها المقيمون فيها ويعني بقوله: {هم فيها خالدون} [البقرة: 39] هم فيها لابثون لبثا من غير أمد ولا نهاية 03P666 [البقرة: 218] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} [البقرة: 218] يعني بذلك جل ذكره: إن الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به وبقوله 03P667 : {والذين هاجروا} [البقرة: 218] الذين هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها، هجرة. . لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة المفاعلة، من هجرة الرجل الرجل للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئا لأمر كرهه منه . وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لما وصفنا من هجرتهم دورهم ومنازلهم كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم إلى الموضع الذي يأمنون ذلك وأما قوله: {وجاهدوا} [البقرة: 218] فإنه يعني: وقاتلوا، وحاربوا وأصل المجاهدة المفاعلة، من قول الرجل: قد جهد فلان فلانا على كذا، إذا كربه وشق عليه يجهده جهدا. فإذا كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة، ومشقة، قيل: فلان يجاهد فلانا، يعني أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه، فهو يجاهده مجاهدة وجهادا وأما سبيل الله: فطريقه ودينه. فمعنى قوله إذا {والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} [البقرة: 218] والذين تحولوا من سلطان أهل الشرك هجرة لهم، وخوف فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه، وفيما يرضي الله {أولئك يرجون رحمة الله} أي يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم {والله غفور} [البقرة: 218] أي ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة. وهذه الآية أيضا ذكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السوار، يحدثه، عن جندب بن عبد الله، قال: " لما كان من أمر عبد الله بن جحش، وأصحابه، وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم، أظنه قال: وزرا، فليس لهم فيه أجر، فأنزل الله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: " أنزل الله عز وجل القرآن بما أنزل من الأمر، وفرج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، يعني في قتلهم ابن الحضرمي، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طعموا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} فوقفهم الله من ذلك على أعظم الرجاء " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء، فقال: {إن الذين 03P669 آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 03P668
[البقرة: 219_220] القول في تأويل قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 219_220] يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشربها. والخمر: كل شراب خامر العقل فستره وغطى عليه، وهو من قول القائل: خمرت الإناء إذا غطيته، وخمر الرجل: إذا دخل في الخمر، ويقال هو في خمار الناس، وغمارهم، يراد به: دخل في عرض الناس، ويقال للضبع خامري أم عامر، أي استتري. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغمره فهو خمر، ومن ذلك أيضا خمار المرأة؛ وذلك لأنها تستر به رأسها فتغطيه، ومنه يقال: هو يمشي لك الخمر، أي مستخفيا. كما قال العجاج: [+البحر الرجز] في لامع العقبان لا يأتي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجر ويعني بقوله: لا يأتي الخمر: لا يأتي مستخفيا، ولا مسارقة ولكن ظاهرا برايات، وجيوش؛ والعقبان: جمع عقاب، وهي الرايات. وأما «الميسر » فإنها «المفعل» من قول القائل: يسر لي هذا الأمر: إذا وجب لي فهو ييسر لي يسرا وميسرا، والياسر: الواجب، بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر: ياسر ويسر كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] فبت كأنني يسر غبين يقلب بعدما اختلع القداحا وكما قال النابغة: [+البحر الكامل] أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف تآكله الصديق مخلع يعني بالياسر: المقامر، وقيل للقمار: ميسر، وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 03P671 نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] ، قال: القمار، وإنما سمي الميسر لقولهم أيسروا، واجزروا، كقولك ضع كذا وكذا " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: «كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: «إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرا فإنهن من الميسر» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، مثله حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن نافع، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال: «إياكم وهذه الكعاب التي 03P672 تزجرون بها زجرا، فإنها من الميسر» حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، قال: " القمار: ميسر " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، قال: «كل شيء له خطر، أو في خطر» أبو عامر شك فهو من الميسر حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، قال: «كل قمار ميسر حتى اللعب بالنرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال: «كل لعب فيه قمار من شرب، أو صياح، أو قيام فهو من الميسر» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا الأشعث، عن الحسن، أنه قال: " الميسر: القمار " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمر، عن ليث، عن طاوس، وعطاء، قالا: «كل قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب، والجوز» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، قال: " الميسر: القمار " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: «إياكم وهاتين الكعبتين يزجر بهما زجرا فإنهما من الميسر» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، قال: «أما قوله والميسر، فهو القمار كله» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، أنه سمع عمر بن عبيد الله، يقول للقاسم بن محمد: " النرد: ميسر، أرأيت الشطرنج ميسر هو؟
فقال القاسم: «كل ما ألهى عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهو ميسر» حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " الميسر: القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «الميسر القمار» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " الميسر: القمار " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الليث، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، قالا: " الميسر: القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: سمعت عبيد بن سليمان، يحدث عن الضحاك، قوله: " الميسر: قال: القمار " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: " الميسر: القمار " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر، كان يقول: «القمار من الميسر» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «الميسر قداح العرب، وكعاب فارس» قال وقال ابن جريج، «وزعم عطاء بن ميسرة» أن الميسر: القمار كله " حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: قال مكحول: " الميسر: القمار " حدثنا الحسين بن محمد الذارع قال: ثنا الفضل بن سليمان، وشجاع بن الوليد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " الميسر: القمار " وأما قوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهم فيهما، يعني في الخمر والميسر إثم كبير. فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: " {فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق، ويظلم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 03P676 نجيح، عن مجاهد: " {قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] قال: هذا أول ما عيبت به الخمر " حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] يعني ما ينقص من الدين عند من يشربها " والذي هو أولى بتأويل الآية، الإثم الكبير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر، والميسر، فالخمر ما قاله السدي: زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظم الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله. وأما في الميسر فما فيه من الشغل به عن ذكر الله، وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} [المائدة: 91] وأما قوله: {ومنافع للناس} [البقرة: 219] فإن منافع الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها. [+البحر الطويل] لنا من ضحاها خبث نفس وكأبة وذكرى هموم ما تفك أذاتها 03P677 وعند العشاء طيب نفس ولذة ومال كثير عدة نشواتها وكما قال حسان: [+البحر الوافر] فنشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وأما منافع الميسر فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارا على عدد القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة.
[+البحر الكامل] وجزور أيسار دعوت إلى الندى ونياط مقفرة أخاف ضلالها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «المنافع هاهنا ما يصيبون من الجزور» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار» حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] قال: منافعهما قبل أن يحرما " حدثنا علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {ومنافع للناس} [البقرة: 219] قال: يقول فيما يصيبون من لذتها، وفرحها إذا شربوها " واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه عظم أهل المدينة وبعض الكوفيين، والبصريين {قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] بالباء، بمعنى: قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الآثام. وقرأه آخرون من أهل المصرين: البصرة والكوفة: «قل فيهما إثم كبير» بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن الإثم بمعنى الآثام، وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء {قل 03P679 فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] لإجماع جميعهم على قوله: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وقراءته بالباء؛ وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر، لا الكثرة في العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما " 03P678