Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

حصہ V05/P362–V05/P365

[آل عمران: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة: {فنادته الملائكة} [آل عمران: 39] على التأنيث بالتاء، يراد بها جمع الملائكة، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث كقولهم: جاءت الطلحات، وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى: «فناداه جبريل» فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ، فكذلك يذكرون فعل المؤنث أيضا للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود وهو ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود: «فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب» وكذلك تأول قوله: {فنادته الملائكة} [آل عمران: 39] جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فنادته الملائكة} [آل عمران: 39] وهو جبريل أو: قالت الملائكة، وهو جبريل {أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] " فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل: {فنادته الملائكة} [آل عمران: 39] والملائكة جمع لا واحد؟ قيل: ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام: خرج فلان على بغال البرد، وإنما ركب بغلا واحدا، وركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال: ممن سمعت هذا الخبر؟ فيقال: من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد؛ وقد قيل: إن منه قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] والقائل كان فيما ذكر واحدا، وقوله: {وإذا مس الناس ضر} [الروم: 33] والناس بمعنى واحد، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد، وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان، أعني التاء والياء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائن، وهما جميعا فصيحتان عند العرب، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل، وجائز فيه التذكير لمعناها، وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته، فقالت: قالت النساء، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله، فيقال: قال الرجال. وأما الصواب من القول في تأويله، فأن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقل ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفي من الكلام والمعاني. وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم قتادة، والربيع بن أنس، وعكرمة، ومجاهد وجماعة غيرهم، وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى 05P366

حصہ V05/P365–V05/P368

[آل عمران: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] وتأويل قوله {وهو قائم} [آل عمران: 39] فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا، فقوله: {وهو قائم} [آل عمران: 39] خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا؛ وقوله: {يصلي} [آل عمران: 39] في موضع نصب على الحال من القيام، وهو رفع بالياء، وأما المحراب: فقد بينا معناه، وأنه مقدم المسجد. واختلفت القراء في قراءة قوله: {أن الله يبشرك} [آل عمران: 39] فقرأته عامة القراء: {أن الله} [البقرة: 77] بفتح الألف من «أن» بوقوع النداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة: (إن الله يبشرك) بكسر الألف بمعنى: قالت الملائكة: إن الله يبشرك، لأن النداء قول؛ وذكروا أنها في قراءة عبد الله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك) قالوا: إذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله: {يا زكريا} [مريم: 7] ، فباطل أيضا أن يكون عاملا في «إن» ، والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {أن الله يبشرك} [آل عمران: 39] بفتح أن بوقوع النداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك، وليست العلة التي اعتل بها القارئون بكسر إن، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم. وقد اعترض ب {يا زكريا} [مريم: 7] بين «إن» وبين قوله: {فنادته} [آل عمران: 39] ، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء في «أن» ، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله، وأما الإعمال؛ فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال، وأما قراءتنا فليس نداء زكريا ب «يا زكريا» معترضا به بين «أن» وبين قوله: «فنادته» ، وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول: ناديت اسم المنادى، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على «أن» بعده وإن كان جائزا إبطال عمله، فقوله: «نادته» ، قد وقع على مكني زكريا؛ فكذلك الصواب أن يكون واقعا على «أن» وعاملا فيها، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشاذ على الجماعة التي تجيء مجيء الحجة. وأما قوله: {يبشرك} [آل عمران: 39] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: {أن الله يبشرك} [آل عمران: 39] بتشديد الشين وضم الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس: بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك. وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة وغيرهم: (إن الله يبشرك) بفتح الياء وضم الشين وتخفيفها، بمعنى: أن الله يسرك بولد يهبه لك، من قول الشاعر: [+البحر الطويل] بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابها وقد قيل: إن «بشرت» لغة أهل تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم يقولون: بشرت فلانا بكذا فأنا أبشره بشرا، وهل أنت باشر بكذا؟ وينشد لهم البيت في ذلك: [+البحر الكامل] وإذا رأيت الباهشين إلى العلا غبرا أكفهم بقاع ممحل فأعنهم وابشر بما بشروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزل فإذا صاروا إلى الأمر، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف، فيقال: ابشر فلانا بكذا، ولا يكادون يقولون: بشره بكذا، ولا أبشره. وقد روي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: «يبشرك» بضم الياء وكسر الشين وتخفيفها وقد: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ الكوفي، قال: «من قرأ» يبشرهم «مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ» يبشرهم «مخففة بنصب الياء، فإنه من السرور، يسرهم» والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك ضم الياء وتشديد الشين، بمعنى التبشير؛ لأن ذلك هي اللغة السائرة، والكلام المستفيض المعروف في الناس مع أن جميع قراء الأمصار مجمعون في قراءة: {فبم تبشرون} [الحجر: 54] على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره أن يكون مثله في التشديد وضم الياء.

حصہ V05/P368–V05/P369

وأما ما روي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجد أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية: [+البحر الكامل] يا بشر حق لبشرك التبشير هلا غضبت لنا وأنت أمير فقد علم أنه أراد بقوله «التبشير» : الجمال والنضارة والسرور، فقال «التبشير» ولم يقل «البشر» ، فقد بين ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحد حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] قال: «بشرته الملائكة بذلك» 05P370 وأما قوله: {بيحيى} [آل عمران: 39] فإنه اسم أصله «يفعل» من قول القائل: حيي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى «يفعل» من قولهم «حيي» ، وقيل: إن الله جل ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأول اسمه أحياه بالإيمان ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] يقول: «عبد أحياه الله بالإيمان» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله: {أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] قال: «إنما سمي يحيى؛ لأن الله أحياه بالإيمان» 05P370

حصہ V05/P369–V05/P370

[آل عمران: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] يعني بقوله جل ثناؤه: أن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] يعني بعيسى ابن مريم، ونصب قوله «مصدقا» على القطع من يحيى؛ لأن «مصدقا» نعت له وهو نكرة، و «يحيى» غير نكرة. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، قال: ثنا محمد بن ربيعة، قال: ثنا 05P371 النضر بن عربي، عن مجاهد، قال: " قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك، قال: فوضعت امرأة زكريا يحيى، ومريم عيسى، ولذا قال: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال يحيى: مصدق بعيسى " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي، في قول الله: {يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «مصدقا بعيسى ابن مريم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، في قوله: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «مصدقا بعيسى» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] يقول: «مصدق بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] «يعني عيسى ابن مريم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] يقول: " مصدقا بعيسى ابن مريم، يقول: على 05P372 سننه ومنهاجه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «كان أول رجل صدق عيسى وهو كلمة من الله وروح» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] «يصدق بعيسى» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] «فإن يحيى أول من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «عيسى ابن مريم هو الكلمة من الله اسمه المسيح» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: " كان عيسى ويحيى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في 05P373 بطنك، فذلك تصديقه بعيسى، سجوده في بطن أمه، وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «الكلمة التي صدق بها عيسى» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حامل بيحيى وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريم استشعرت أني حبلى، قالت مريم: استشعرت أني أيضا حبلى، قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك " فذلك قوله: {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قول الله {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] قال: «مصدقا بعيسى ابن مريم» وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قوله 05P374 : {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] بكتاب من الله، من قول العرب: أنشدني فلان كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا، جهلا منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه 05P373

حصہ V05/P370–V05/P374

[آل عمران: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وسيدا} [آل عمران: 39] يعني بقوله جل ثناؤه: {وسيدا} [آل عمران: 39] وشريفا في العلم والعبادة، ونصب «السيد» عطفا على قوله «مصدقا» . وتأويل الكلام: أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بهذا وسيدا، والسيد: الفيعل، من قول القائل: ساد يسود كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وسيدا} [آل عمران: 39] «إي والله لسيد في العبادة والحلم والعلم والورع» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة في قوله: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: «السيد لا أعلمه إلا قال في العلم والعبادة» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: " السيد: الحليم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: «الحليم» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: " السيد: التقي " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: " السيد: الكريم على الله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: زعم الرقاشي " أن السيد: الكريم على الله " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله عز وجل: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: " السيد: الحليم التقي " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: يقول: «تقيا حليما» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، في قوله: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: «حليما تقيا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، في قوله: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: " السيد: الشريف " حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قول الله عز وجل: {وسيدا} [آل عمران : 39] قال: " السيد: الفقيه العالم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: يقول: «حليما تقيا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة: {وسيدا} [آل عمران: 39] قال: «السيد الذي لا يغلبه الغضب» 05P376

حصہ V05/P374–V05/P376

[آل عمران: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] يعني بذلك: ممتنعا من جماع النساء من قول القائل: حصرت من كذا أحصر: إذا امتنع منه؛ ومنه قولهم: حصر فلان في قراءته: إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، وكذلك حصر العدو: حبسهم الناس ومنعهم إياهم التصرف، ولذلك قيل للذي لا يخرج مع ندمائه شيئا: حصور، كما قال الأخطل: [+البحر البسيط] 05P377 وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار ويروى بسآر، ويقال أيضا للذي لا يخرج سره ويكتمه: حصور؛ لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير: [+البحر الكامل] ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حصرا بسرك يا أميم ضنينا وأصل جميع ذلك واحد، وهو المنع والحبس. وبمثل الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن خلف، قال: ثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، في قوله: {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] قال: " الحصور: الذي لا يأتي النساء " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: ثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا» ، قال: ثم دلى رسول 05P378 الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ عويدا صغيرا، ثم قال: «وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، وبذلك سماه الله سيدا وحصورا» حدثني يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: «ليس أحد إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا، كان حصورا معه مثل الهدبة» حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا عمر بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال ابن العاص إما عبد الله وإما أبوه: " ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن زكريا. قال: وقال سعيد بن المسيب: {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] قال: الحصور: الذي لا يغشى النساء، ولم يكن ما معه إلا مثل هدبة الثوب " حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: " الحصور؛ الذي لا يشتهي النساء، ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه إلا مثل هذه " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: " الحصور: الذي لا يأتي النساء " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، مثله.

حصہ V05/P376

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، مثله حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، قال: ثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: «الذي لا يأتي النساء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " الحصور: لا يقرب النساء " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: زعم الرقاشي: " الحصور: الذي لا يقرب النساء " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: " الحصور: الذي لا يولد له، وليس له ماء " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن 05P380 سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: «هو الذي لا ماء له» حدثنا بشر، قال: ثنا سويد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وحصورا} [آل عمران: 39] «كنا نحدث أن الحصور الذي لا يقرب النساء» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة في قوله: {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] قال: " الحصور: الذي لا يأتي النساء " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " الحصور: الذي لا ينزل الماء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد: {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: " الحصور: الذي لا يأتي النساء " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي 05P381 : {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: " الحصور: الذي لا يريد النساء " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: {وحصورا} [آل عمران: 39] قال: «لا يقرب النساء» وأما قوله: {ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] فإنه يعني: رسولا لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلغهم عنه ما أرسله به إليهم. ويعني بقوله: {من الصالحين} [آل عمران: 46] من أنبيائه الصالحين. وقد دللنا فيما مضى على معنى النبوة وما أصلها بشواهد ذلك والأدلة الدالة على الصحيح من القول فيه بما أغنى عن إعادته 05P381

حصہ V05/P376–V05/P383

[آل عمران: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء} [آل عمران: 40] يعني أن زكريا قال إذ نادته الملائكة: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] {أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر} [آل عمران: 40] يعني: من بلغ من السن ما بلغت لم يولد له؛ {وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] والعاقر من النساء: التي لا تلد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجل عاقر كما قال عامر بن الطفيل: [+البحر الطويل] لبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر وأما الكبر: فمصدر كبر فلان فهو يكبر كبرا، وقيل: {بلغني الكبر} [آل عمران: 40] ، وقد قال في موضع آخر: {وقد بلغت من الكبر} [مريم: 8] لأن ما بلغك فقد بلغته، وإنما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: وقد بلغني الجهد بمعنى: أني في جهد فإن قال قائل: وكيف قال زكريا وهو نبي الله: {رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] وقد بشرته الملائكة بما بشرته به، عن أمر الله إياها به؟ أشك في صدقهم؟ فذلك ما لا يحوز أن يوصف به أهل الإيمان بالله، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارا لقدره ربه؟ فذلك أعظم في البلية قيل: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير ما ظننت، بل كان قيله ما قال من ذلك كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " لما سمع النداء، يعني زكريا لما سمع نداء الملائكة، بالبشارة بيحيى جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك، كما يوحي إليك في غيره من الأمر، فشك مكانه، وقال: {أنى يكون لي غلام} [آل عمران: 40] ذكر، يقول: ومن أين {وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، قال: " فأتاه الشيطان، فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه، فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم، ناداني ملائكة ربي، قال: بل ذلك الشيطان، لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك، فقال: {رب اجعل لي آية} [آل عمران: 41] " فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربه فيما راجع فيه بقوله: {أنى يكون لي غلام} [آل عمران: 40] للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان، حتى خيلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداء من غير الملائكة، فقال: {رب أنى يكون لي غلام} [آل عمران: 40] مستثبتا في أمره ليتقرر عنده بآية يريه الله في ذلك أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: {رب اجعل لي آية} [آل عمران: 41] ، وقد يجوز أن يكون قيله ذلك مسألة منه ربه: من أي وجه يكون الولد الذي بشر به؟ أمن زوجته فهي عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة والسدي، ومن قال مثل قولهما 05P383 [آل عمران: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {قال كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] يعني جل ثناؤه بقوله: {كذلك الله} [آل عمران: 40] أي هو ما وصف به نفسه أنه هين عليه أن يخلق ولدا من الكبير الذي قد يئس من الولد، ومن العاقر التي لا يرجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئا؛ لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه؛ لأن قدرته القدرة التي لا يشبهها قدرة كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: { 05P384 كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] «وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا» 05P383

حصہ V05/P383–V05/P384

[آل عمران: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] يعني بذلك جل ثناؤه خبرا عن زكريا، قال زكريا، يا رب إن كان هذا النداء الذي نوديته، والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك، وبشارة منك لي، فاجعل لي آية يقول: علامة أن ذلك كذلك، ليزول عني ما قد وسوس إلي الشيطان فألقاه في قلبي من أن ذلك صوت غير الملائكة، وبشارة من عند غيرك كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {قال رب اجعل لي آية} [آل عمران: 41] قال: " قال يعني زكريا: يا ربي فإن كان هذا الصوت منك، فاجعل لي آية " وقد دللنا فيما مضى على معنى الآية، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته. وقد اختلف أهل العربية في سبب ترك العرب همزها، ومن شأنها همز كل ياء جاءت بعد ألف ساكنة، فقال بعضهم: ترك همزها لأنها كانت «أية» فثقل عليهم التشديد، فأبدلوه ألفا لانفتاح ما قبل التشديد، كما قالوا: أيما فلان فأخزاه الله. وقال آخرون منهم: بل هي فاعلة منقوصة، فسألوا فقيل لهم: فما بال العرب تصغرها أيية، ولم يقولوا أوية؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في 05P385 فاطمة: هذه فطيمة، فقيل لهم: فإنهم يصغرون فاعلة على فعيلة إذا كان اسما في معنى فلان وفلانة، فأما في غير ذلك، فليس من تصغيرهم فاعلة على فعيلة. وقال آخرون: إنه فعلة، صيرت ياؤها الأولى ألفا، كما فعل بحاجة وقامة، فقيل لهم: إنما تفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة، وقال من أنكر ذلك من قيلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواة ناية، وفي حياة: حاية 05P384

حصہ V05/P384–V05/P387

[آل عمران: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] فعاقبه الله فيما ذكر لنا بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة، فجعل آيته على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة بيحيى أنه من عند الله آية من نفسه، جمع تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربه على ما يبين له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصا له من هفوته، وخطأ قيله ومسألته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رب اجعل لي 05P386 آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] " إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسمعون: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا} [آل عمران: 39] قال: " شافهته الملائكة، فقال: {رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] يقول: إلا إيماء، وكانت عقوبة عوقب بها؛ إذ سأل الآية مع مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «ذكر لنا والله أعلم أنه عوقب؛ لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد فأخذ بلسانه» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " ذكر لنا والله أعلم أنه عوقب؛ لأن الملائكة شافهته فبشرته بيحيى، قالت: {أن الله يبشرك بيحيى} [آل عمران: 39] فسأل بعد كلام الملائكة إياه الآية، فأخذ عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا رمزا، يقول: يومئ إيماء " حدثني أبو عبيد الرصافي، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن جويبر بن نفير، في قوله: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «ربا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث» وإنما اختارت القراء النصب في قوله: {ألا تكلم الناس} [آل عمران: 41] لأن معنى الكلام: قال: آيتك أن لا تكلم الناس فيما يستقبل ثلاثة أيام، فكانت «أن» هي التي تصحب الاستقبال دون التي تصحب الأسماء فتنصبها، ولو كان المعنى فيه: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام: أي أنك على هذه الحال ثلاثة أيام، كان وجه الكلام الرفع، لأن «أن» كانت تكون حينئذ بمعنى الثقيلة خففت، ولكن لم يكن ذلك جائزا لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر، وأما الرمز فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانا، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثل الهمس بخفض الصوت: الرمز، ومنه قول جؤية بن عائذ: [+البحر الوافر] وكان يكلم الأبطال رمزا وهمهمة لهم مثل الهدير يقال منه: رمز فلان فهو يرمز ويرمز رمزا، ويترمز ترمزا، ويقال: ضربه ضربة فارتمز منها: أي اضطرب للموت، قال الشاعر: [+البحر الرجز] خررت منها لقفاي أرتمز وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله عز وجل به في إخباره عن زكريا من قوله: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] وأي معاني الرمز عنى بذلك؟

حصہ V05/P387–V05/P388

فقال بعضهم: عنى بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا تحريكا بالشفتين من غير أن ترمز بلسانك الكلام ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد، في قوله: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «تحريك الشفتين» حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «إيماؤه بشفتيه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 05P389 مجاهد، مثله وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الإيماء والإشارة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «الإشارة» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: " الرمز: أن يشير بيده أو رأسه ولا يتكلم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: " الرمز: أن أخذ بلسانه، فجعل يكلم الناس بيده " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: " والرمز: الإشارة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] الآية. قال: " جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا، إلا أنه يذكر الله، والرمز: الإشارة، يشير إليهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] «إلا إيماء» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] يقول: «إشارة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثير: {إلا رمزا} [آل عمران: 41] «إلا إشارة» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] قال: «أمسك بلسانه فجعل يومئ بيده إلى قومه أن سبحوا بكرة وعشيا» 05P390

حصہ V05/P388–V05/P391

[آل عمران: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] يعني بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا بغير خرس، ولا عاهة، ولا مرض {واذكر ربك كثيرا} [آل عمران: 41] فإنك لا تمنع ذكره، ولا يحال بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره وقد: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: " لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا حيث قال: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا} [آل عمران: 41] " أيضا. وأما قوله: {وسبح بالعشي} [آل عمران: 41] فإنه يعني: عظم ربك بعبادته بالعشي، والعشي: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق فالفيء إنما تبتدئ أوبته عند زوال الشمس، وتتناهى بمغيبها. وأما الإبكار: فإنه مصدر من قول القائل: أبكر فلان في حاجة، فهو يبكر إبكارا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى، فذلك إبكار، يقال فيه: أبكر فلان، وبكر يبكر بكورا فمن الإبكار قول عمر بن أبي ربيعة: [+البحر الطويل] أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ومن البكور قول جرير: [+البحر الطويل] ألا بكرت سلمى فجد بكورها وشق العصا بعد اجتماع أميرها 05P392 ويقال من ذلك: بكر النخل يبكر بكورا، وأبكر يبكر إبكارا، والباكور من الفواكه: أولها إدراكا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] قال: " الإبكار: أول الفجر، والعشي: ميل الشمس حتى تغيب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 05P392

حصہ V05/P391–V05/P394

[آل عمران: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] يعني بذلك جل ثناؤه: والله سميع عليم {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} [آل عمران: 35] ، {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك} [آل عمران: 42] ومعنى قوله: {اصطفاك} [آل عمران: 42] اختارك واجتباك لطاعته، وما خصك به من كرامته. وقوله: {وطهرك} [آل عمران: 42] يعني: طهر دينك من الريب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم. {واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] يعني: اختارك على نساء العالمين في زمانك بطاعتك إياه، ففضلك عليهم. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» يعني بقوله: خير نسائها: خير نساء أهل الجنة حدثني بذلك الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا محاضر بن المورع، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: سمعت عليا، بالعراق، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني المنذر بن عبد الله الخزامي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة خديجة بنت خويلد» حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] 05P394 ذكر لنا أن نبي الله، كان يقول: «حسبك بمريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد من نساء العالمين» قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «خير نساء ركبن الإبل صوالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» قال قتادة: وذكر لنا أنه كان يقول «لو علمت أن مريم ركبت الإبل ما فضلت عليها أحدا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «خير نساء ركبن الإبل صلح نساء قريش أحناه على ولد وأرعاه لزوج في ذات يده» قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيرا قط حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خير 05P395 نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة، قال: سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد» حدثني المثنى، قال ثنا أبو الأسود المصري، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنت حسين بن علي، حدثته أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وأنا عند عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد عجلت أخبرك بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركتني، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألتها عائشة، فقالت: نعم، ناجاني فقال: «جبريل كان يعارض القرآن كل عام مرة، وإنه قد عارض القرآن مرتين، وإنه ليس من نبي إلا عمر نصف عمر الذي كان قبله، وإن عيسى أخي كان عمر عشرين ومائة سنة، وهذا 05P396 لي ستون، وأحسبني ميتا في عامي هذا، وإنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين بمثل ما رزئت، ولا تكوني دون امرأة صبرا» ، قالت: فبكيت، ثم قال: «أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول» فتوفي عامه ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن الحارث، أن أبا زياد الحميري، حدثه أنه سمع عمار بن سعد، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: {وطهرك} [آل عمران: 42] أنه وطهر دينك من الدنس والريب، قال مجاهد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إن الله اصطفاك وطهرك} [آل عمران: 42] قال: «جعلك طيبة إيمانا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] قال: «ذلك للعالمين يومئذ» 05P397 وكانت الملائكة فيما ذكر ابن إسحاق تقول ذلك لمريم شفاها حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق ، قال: " كانت مريم حبيسا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيرا حبيسا، فكانا في الكنيسة جميعا، وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف، أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذبان منه فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلة على مريم: {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 42] فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشأنا " 05P397

حصہ V05/P394–V05/P399

[آل عمران: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43] يعني جل ثناؤه بقوله خبرا عن قيل ملائكته لمريم: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] أخلصي الطاعة لربك وحده وقد دللنا على معنى القنوت بشواهده فيما مضى قبل. واختلاف بين أهل التأويل فيه في هذا الموضع نحو اختلافهم فيه هنالك، وسنذكر قول بعضهم أيضا في هذا الموضع، فقال بعضهم: معنى «اقنتي» : أطيلي الركود ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: " أطيلي الركود، يعني: القنوت " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: قال مجاهد: " أطيلي الركود في الصلاة، يعني: القنوت " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال: " لما قيل لها: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] «قامت حتى ورم كعباها» حدثنا القاسم، قال. ثنا الحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال: " لما قيل لها {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قامت حتى ورمت قدماها " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد: {اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: «أطيلي الركود» حدثت عن عمار، قال : ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {يا مريم 05P399 اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: " القنوت: الركود، يقول: قومي لربك في الصلاة، يقول: اركدي لربك، أي انتصبي له في الصلاة واسجدي واركعي مع الراكعين " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: «كانت تصلي حتى ترم قدماها» حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا الأوزاعي: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: «كانت تقوم حتى يسيل القيح من قدميها» وقال آخرون: معناه: أخلصي لربك ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: «أخلصي لربك» وقال آخرون: معناه: أطيعي ربك ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 05P400 قتادة، في قوله: {اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: «أطيعي ربك» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {اقنتي لربك} [آل عمران: 43] «أطيعي ربك» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل حرف يذكر فيه القنوت من القرآن، فهو طاعة لله» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: {يا مريم اقنتي لربك} [آل عمران: 43] قال: يقول: «أعبدي ربك» قال أبو جعفر: وقد بينا أيضا معنى الركوع والسجود بالأدلة الدالة على صحته، وأنهما بمعنى الخشوع لله والخضوع له بالطاعة والعبودية. فتأويل الآية إذا: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا، واخشعي لطاعته وعبادته، مع من خشع له من خلقه، شكرا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس والتفضيل على نساء عالم دهرك 05P400

حصہ V05/P399–V05/P402

[آل عمران: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] يعني جل ثناؤه بقوله {ذلك} [آل عمران: 44] الأخبار التي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا، وابنه يحيى، وسائر ما قص في الآيات من قوله : {إن الله اصطفى آدم ونوحا} [آل عمران: 33] ثم جمع جميع ذلك تعالى ذكره بقوله {ذلك} [البقرة: 2] ، فقال: هذه الأنباء من أنباء الغيب: أي من أخبار الغيب، ويعني بالغيب، أنها من خفي أخبار القوم التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوته، وتحقيقا لصدقه، وقطعا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه، إذ كان معلوما عندهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبل الكتب، ولا صاحب أهل الكتاب فيأخذ علمه من قبلهم. وأما الغيب: فمصدر من قول القائل: غاب فلان عن كذا، فهو يغيب عنه غيبا وغيبة. وأما قوله: {نوحيه إليك} [آل عمران: 44] فإن تأويله: ننزله إليك. وأصل الإيحاء: إلقاء الموحي إلى الموحى إليه، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء وبإلهام وبرسالة كما قال جل ثناؤه: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] بمعنى: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة: 111] بمعنى: ألقيت إليهم علم ذلك إلهاما، وكما قال الراجز: [+البحر الرجز] أوحى لها القرار فاستقرت بمعنى: ألقى إليها ذلك أمرا، وكما قال جل ثناؤه: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] بمعنى: فألقى ذلك إليهم أيضا، والأصل فيه ما وصفت من إلقاء ذلك إليهم، وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماء، ويكون بكتاب، ومن ذلك قوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] يلقون إليهم ذلك وسوسة، وقوله: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ألقي إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إلي من عند الله عز وجل، وأما الوحي: فهو الواقع من الموحي إلى الموحى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب وحيا، لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه، كما قال كعب بن زهير: [+البحر الطويل] أتى العجم والآفاق منه قصائد بقين بقاء الوحي في الحجر الأصم يعني به الكتاب الثابت في الحجر، وقد يقال في الكتاب خاصة إذا كتبه الكاتب وحى، بغير ألف، ومنه قول رؤبة: [+البحر الرجز] كأنه بعد رياح تدهمه ومرثعنات الدجون تثمه إنجيل أحبار وحى منمنمه 05P403

حصہ V05/P402–V05/P403

[آل عمران: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] يعني جل ثناؤه بقوله: {وما كنت لديهم} [آل عمران: 44] وما كنت يا محمد عندهم، فتعلم ما نعلمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدرك معرفته بتعريفناكه. ومعنى قوله {لديهم} [آل عمران: 44] عندهم، ومعنى قوله {إذ يلقون} [آل عمران: 44] حين يلقون أقلامهم، وأما أقلامهم فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله: {وكفلها زكريا} [آل عمران: 37] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {وما كنت لديهم} [آل عمران: 44] «يعني محمدا صلى الله عليه وسلم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يلقون أقلامهم} [آل عمران: 44] «زكريا وأصحابه استهموا بأقلامهم 05P404 على مريم حين دخلت عليهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] «كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفلها زكريا» يقول: «ضمها إليه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {يلقون أقلامهم} [آل عمران: 44] قال: «تساهموا على مريم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] «وإن مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم» : {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] «اقترعوا بأقلامهم أيهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا» حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} [آل عمران: 44] قال: «حيث اقترعوا على مريم، وكان غيبا عن محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبره الله» وإنما قيل: {أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] لأن إلقاء المستهمين أقلامهم على مريم إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحق، ففي قوله عز وجل: {إذ يلقون أقلامهم} [آل عمران: 44] دلالة على محذوف من الكلام، وهو: «لينظروا أيهم يكفل وليتبينوا ذلك ويعلموه» . فإن ظن ظان أن الواجب في «أيهم» النصب، إذ كان ذلك معناه، فقد ظن خطأ؛ وذلك أن النظر والتبين والعلم مع «أي» يقتضي استفهاما واستخبارا، وحظ «أي» في الاستخبار الابتداء، وبطول عمل المسألة والاستخبار عنه، وذلك أن معنى قول القائل: لأنظرن أيهم قام، لأستخبرن الناس أيهم قام، وكذلك قولهم: لأعلمن، وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى يكفل يضم، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 05P405

حصہ V05/P403–V05/P405

[آل عمران: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] 05P406 يعني بذلك جل ثناؤه: وما كنت يا محمد عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيهم أحق بها وأولى، وذلك من الله عز وجل وإن كان خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين، يقول: كيف يشك أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] «أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم، لما يأتيهم به مما أخفوا منه» 05P406

حصہ V05/P405–V05/P406

[آل عمران: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين} [آل عمران: 45] يعني بقوله جل ثناؤه: {إذ قالت الملائكة} [آل عمران: 45] وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضا {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك} [آل عمران: 45] ، والتبشير إخبار المرء بما يسره من خبر، وقوله: {بكلمة منه} [آل عمران: 45] يعني: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل ألقى فلان إلي كلمة سرني بها، بمعنى: أخبرني خبرا فرحت به، كما قال جل ثناؤه: {وكلمته ألقاها إلى مريم} [النساء: 171] يعني بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها. فتأويل الكلام: وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده هي ولد لك اسمه المسيح عيسى ابن مريم. وقد قال قوم، وهو قول قتادة: إن الكلمة التي قال الله عز وجل بكلمة منه، هو قوله: «كن» حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {بكلمة منه} [آل عمران: 45] قال: قوله «كن» فسماه الله عز وجل كلمته؛ لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعني به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: {وكان أمر الله مفعولا} [النساء: 47] يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور الذي كان عن أمر الله عز وجل. وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الكلمة: هي عيسى حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه} [آل عمران: 45] قال: «عيسى هو الكلمة من الله» وأقرب الوجوه إلى الصواب عندي القول الأول: وهو أن الملائكة بشرت مريم بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرها أن تلقيها إليها أن 05P408 الله خالق منها ولدا من غير بعل ولا فحل، ولذلك قال عز وجل: {اسمه المسيح} [آل عمران: 45] فذكر، ولم يقل: اسمها، فيؤنث والكلمة مؤنثة؛ لأن الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بمعنى فلان، وإنما هي بمعنى البشارة، فذكرت كنايتها كما تذكر كناية الذرية والدابة والألقاب، على ما قد بيناه قبل فيما مضى. فتأويل ذلك كما قلنا آنفا، من أن معنى ذلك أن الله يبشرك ببشرى، ثم بين عن البشرى، أنها ولد اسمه المسيح. وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه إنما ذكر فقال: {اسمه المسيح} [آل عمران: 45] وقد قال: {بكلمة منه} [آل عمران: 45] والكلمة عنده: هي عيسى؛ لأنه في المعنى كذلك، كما قال جل ثناؤه: {أن تقول نفس يا حسرتا} ثم قال: {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها} [الزمر: 59] وكما يقال: ذو الثدية؛ لأن يده كانت قصيرة قريبة من ثدييه فجعلها كأن اسمها ثدية، ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير.

حصہ V05/P406–V05/P407

وقال بعض نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة، في أن الهاء من ذكر الكلمة ، وخالفه في المعنى الذي من أجله ذكر قوله {اسمه} [آل عمران: 45] والكلمة متقدمة قبله، فزعم أنه إنما قيل اسمه، وقد قدمت الكلمة، ولم يقل اسمها؛ لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضع لتعريف المسمى به كفلان وفلان، وذلك مثل الذرية والخليفة والدابة، ولذلك جاز عنده أن يقال: ذرية طيبة، وذرية طيبا؛ ولم 05P409 يجز أن يقال: طلحة أقبلت، ومغيرة قامت، وأنكر بعضهم اعتلال من اعتل في ذلك بذي الثدية، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في ذي الثدية؛ لأنه أريد بذلك القطعة من الثدي، كما قيل: كنا في لحمة ونبيذة، يراد به القطعة منه، وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك. وأما قوله: {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} [آل عمران: 45] فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوته إلى الله عز وجل، وما قذفت أمه به المفترية عليها من اليهود كما: حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين} [آل عمران: 45] «أي هكذا كان أمره، لا ما يقولون فيه» وأما المسيح، فإنه فعيل، صرف من مفعول إلى فعيل، وإنما هو ممسوح، يعني: مسحه الله فطهره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيم: المسيح الصديق حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. 05P410 حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله وقال آخرون: مسح بالبركة حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: قال سعيد: «إنما سمي المسيح، لأنه مسح بالبركة» 05P410

حصہ V05/P407–V05/P414

[آل عمران: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وجيها في الدنيا والآخرة} [آل عمران: 45] يعني بقوله {وجيها} [آل عمران: 45] : ذا وجه ومنزلة عالية عند الله وشرف وكرامة، ومنه يقال للرجل الذي يشرف وتعظمه الملوك والناس: وجيه؛ يقال منه: ما كان فلان وجيها، ولقد وجه وجاهة، وإن له لوجها عند السلطان، وجاها ووجاهة. والجاه: مقلوب قلبت واوه من أوله إلى موضع العين منه، فقيل جاه، وإنما هو وجه وفعل من الجاه: جاه يجوه، مسموع من العرب: أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا، بمعنى: أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه، وأما نصيب الوجيه فعلى القطع من عيسى، لأن عيسى معرفة، ووجيه نكرة، وهو من نعته، ولو كان مخفوضا على الرد على الكلمة كان جائزا. وكما قلنا من أن تأويل ذلك وجيها في الدنيا والآخرة عند الله، قال فيما بلغنا محمد بن جعفر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وجيها} [آل عمران: 45] قال: «وجيها في الدنيا والآخرة عند الله» 05P411 وأما قوله: {ومن المقربين} [آل عمران: 45] فإنه يعني: أنه ممن يقربه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره، ويدنيه منه كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن المقربين} [آل عمران: 45] يقول: «من المقربين عند الله يوم القيامة» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ومن المقربين} [آل عمران: 45] يقول: «من المقربين عند الله يوم القيامة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 05P411 [آل عمران: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 46] أما قوله: {ويكلم الناس في المهد} [آل عمران: 46] فإن معناه: أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيها عند الله، ومكلما الناس في المهد، ف «يكلم» وإن كان مرفوعا، لأنه في صورة «يفعل» بالسلامة من العوامل فيه، فإنه في موضع نصب، وهو نظير قول الشاعر: [+البحر الرجز] 05P412 بت أعشيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر وأما المهد: فإنه يعني به مضجع الصبي في رضاعه كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {ويكلم الناس في المهد} [آل عمران: 46] قال: «مضجع الصبي في رضاعه» وأما قوله: {وكهلا} [آل عمران: 46] فإنه ومحتنكا فوق الغلومة ودون الشيخوخة، يقال منه: رجل كهل، وامرأة كهلة، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] ولا أعود بعدها كريا أمارس الكهلة والصبيا وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] ويكلم الناس طفلا في المهد، دلالة على براءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوته، وبالغا كبيرا بعد احتناكه بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما تقول عليه من كتابه. وإنما أخبر الله عز وجل عباده بذلك من أمر المسيح، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخا، احتجاجا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى بالباطل، وأنه كان في معاناة أشياء مولودا طفلا، ثم كهلا يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرور الأزمنة عليه والأيام من صغر إلى كبر ومن حال إلى حال، وأنه لو كان كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غير جائز عليه، فكذب بذلك ما قاله الوفد من أهل نجران، الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتج به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 46] «يخبرهم بحالاته التي يتقلب بها في عمره كتقلب بني آدم في أعمارهم صغارا وكبارا، إلا أن الله خصه بالكلام في مهده آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 46] يقول: «يكلمهم صغيرا وكبيرا» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] قال: «يكلمهم صغيرا وكبيرا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 46] قال: " الكهل: الحليم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «كلمهم صغيرا وكبيرا وكهلا» وقال ابن جريج، وقال مجاهد: " الكهل: الحليم " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] قال: «كلمهم في المهد صبيا، وكلمهم كبيرا» وقال آخرون: معنى قوله: {وكهلا} [آل عمران: 46] أنه سيكلمهم إذا ظهر ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته يعني ابن زيد يقول في قوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] قال: «قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهل» ونصب كهلا عطفا على موضع: ويكلم الناس، وأما قوله: {ومن الصالحين} [آل عمران: 46] فإنه يعني: من عدادهم وأوليائهم لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل 05P414

سوالات