Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( وآية لهم ) يحتمل ثلاثة معان : أحدها عبرة لهم لأن في الآيات اعتبارا الثاني نعمة عليهم لأن في الآيات إنعاما الثالث إنذار لهم لأن في الآيات إنذارا ( أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون ) من أشكل ما في السورة لأنهم هم المحمولون فقيل : المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون فالضميران مختلفان ذكره المهدوي وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقول وقيل : الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم فالفلك على القول الأول سفينة نوح وعلى الثاني يكون اسما للجنس خبر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء فيكون الضميران على هذا متفقين وقيل : الذرية الآباء والأجداد حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام فالآباء ذرية والأبناء ذرية بدليل هذه الآية قاله أبو عثمان وسمى الآباء ذرية لأن منهم ذرأ الأبناء وقول رابع : أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكره الماوردي وقد مضى في [ البقرة ] اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفي والمشحون المملوء الموقر والفلك يكون واحدا وجمعا وقد تقدم في [ يونس ] والقول فيه قوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم وأنه رأس آية وفي معناه ثلاثة أقوال : مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير وروي عن بن عباس أن معنى من مثله للإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر والعرب تشبه الإبل بالسفن قال طرفة : كأن حدوج المالكية غدوة خلايا سفين بالنواصف من دد جمع خلية وهي السفينة العظيمة والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب والقول الثالث أنه للسفن النحاس : وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن بن عباس وخلقنا لهم من مثله ما يركبون قال : خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها وقال أبو مالك : إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار وروي عن بن عباس والحسن وقال الضحاك وغيره : هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح قال الماوردي : ويجيء على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله : وخلقنا لهم من مثله ما يركبون أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا قوله تعالى : ( وإن نشأ نغرقهم ) أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية أو إلى الجميع وهذا يدل على صحة قول بن عباس ومن قال : إن المراد من مثله السفن لا الإبل ( فلا صريخ لهم ) أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة وروى شيبان عنه : فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان وصريخ بمعنى مصرخ فعيل بمعنى فاعل ويجوز فلا صريخ لهم لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع لأنه معرفة وهو ( ولا هم ينقذون ) والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد ومعنى : ينقذون يخلصون من الغرق وقيل : من العذاب ( إلا رحمة منا ) قال الكسائي : هو نصب على الاستثناء وقال الزجاج : نصب مفعول من أجله أي للرحمة ( ومتاعا ) معطوف عليه ( إلى حين ) إلى الموت قاله قتادة يحيى بن سلام : إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة وأخر عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت والقيامة < < يس : ( 45 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( يس 45 : 50 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم اتقوا مابين أديكم وما خلفكم ) قال قتادة : يعني اتقوا ما بين أيديكم أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم من الآخرة بن عباس وبن جبير ومجاهد : ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب وما خلفكم ما يأتي من الذنوب الحسن : ما بين أيديكم ما مضى من أجلكم وما خلفكم ما بقى منه وقيل : ما بين أيديكم من الدنيا وما خلفكم من عذاب الآخرة قاله سفيان وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن بن عباس قال : ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما عملوا لها وما خلفكم من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها وقيل : ما بين أيديكم ما ظهر لكم وما خلفكم ما خفي عنكم والجواب محذوف والتقدير : إذا قيل لهم ذلك أعرضوا دليله قوله بعد : ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ) فاكتفى بهذا عن ذلك قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ) أي تصدقوا على الفقراء قال الحسن : يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء وقيل : هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله وذلك قوله : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فحرموهم وقالوا : لو شاء الله أطعمكم استهزاء فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا قالوا : ( أنطعم ) أي أنرزق ( من لو يشاء الله أطعمه ) كان بلغهم من قول المسلمين : أن الرازق هو الله فقالوا هزءا : أنرزق من لو يشاء الله أغناه وعن بن عباس : كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا : لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون : لو شاء الله لأغنى فلانا ولو شاء الله لأعز ولو شاء الله لكان كذا فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى وقيل : قالوا هذا تعلقا بقول المؤمنين لهم : أنفقوا مما رزقكم الله أي فإذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا وكان هذا الاحتجاج باطلا لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه فيه حقا فكأنه انتزع ذلك القدر منه فلا معنى للاعتراض وقد صدقوا في قولهم : لو شاء الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج ومثله قوله : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا وقوله : قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( إن أنتم إلا في ضلال مبين ) قيل : هو من قول الكفار للمؤمنين أي في سؤال المال وفي اتباعكم محمدا قال معناه مقاتل وغيره وقيل : هو من قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم وقيل : من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجواب وقيل : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال : يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء قال : نعم قال : فما باله لم يطعمهم قال : ابتلى قوما بالفقر وقوما بالغنى وأمر الفقراء بالصبر وأمر الأغنياء بالإعطاء فقال : والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت فنزلت هذه الآية ونزل قوله تعالى : فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى الليل الآيات وقيل : نزلت الآية في قوم من الزنادقة وقد كان فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع واستهزءوا بالمسلمين بهذا القول ذكره القشيري والماوردي قوله تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد ) لما قيل لهم : اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم قالوا : متى هذا الوعد وكان هذا استهزاء منهم أيضا أي لا تحقيق لهذا الوعيد قال الله تعالى : ( ما ينظرون ) أي ما ينتظرون ( إلا صيحة واحدة ) وهي نفخة إسرافيل ( تأخذهم وهم يخصمون ) أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم وهذه نفخة الصعق وفي يخصمونخمس قراءات : قرأ أبو عمرو وبن كثير : وهم يختصمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد وكذا روى ورش عن نافع فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرووا عنه يخصمون بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة : وهم يخصمون بإسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه وقرأ عاصم والكسائي وهم يخصمون بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يخصم بعضهم بعضا وقيل : تأخذهم وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون وقد روى بن جبير عن أبي بكر عن عاصم وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد قال النحاس : القراءة الأولى أبينها والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها إلى الخاء وفي حرف أبي وهم يختصمون وإسكان الخاء لا يجوز لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مد ولين وقيل : أسكنوا الخاء على أصلها والمعنى يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول قال الثعلبي : وهي قراءة أبي بن كعب قال النحاس : فأما يخصمون فالأصل فيه أيضا يختصمون فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين وزعم الفراء أن هذه القراءة أجود وأكثر فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة وزعم أنه أجود وأكثر وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة وأهل البصرة وأهل المدينة وما روي عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع وقد مضى هذا في [ البقرة ] في يخطف أبصارهم البقرة وفي [ يونس ] يهدي وقال عكرمة في قوله جل وعز : إلا صيحوة واحدة قال : هي النفخة الأولى في الصور وقال أبو هريرة : ينفخ في الصور والناس في أسواقهم : فمن حالب لقحة ومن ذارع ثوبا ومن مار في حاجة وروى نعيم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يتبلعها حتى تقوم الساعة ( وفي حديث عبد الله بن عمرو : ( وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس ( الحديث ( فلا يستطيعون توصية ) أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضا لما في يده من حق وقيل : لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم ( ولا إلى أهلهم يرجعون ) إذا ماتوا وقيل : إن معنى ولا إلى أهلهم يرجعون لا يرجعون إليهم قولا وقال قتادة : ولا إلى أهلهم يرجعون أي إلى منازلهم لأنهم قد أعجلوا عن ذلك < <
يس : ( 51 ) ونفخ في الصور . . . . . > > < > ( يس 51 : 54 ) <
> قوله تعالى : ( وينفخ في الصور ) هذه النفخة الثانية للنشأة وقد بينا في سورة [ النمل ] أنهما نفختان لا ثلاث وهذه الآية دالة على ذلك وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بين النفختين أربعون سنة : الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت ( وقال قتادة : الصور جمع صورة أي نفخ في الصور والأرواح وصورة وصور مثل سورة البناء وسور قال العجاج : ورب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ : ونفخ في الصور النحاس : والصحيح أن الصور بإسكان الواو : القرن جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك معروف في كلام العرب أنشد أهل اللغة : نحن نطحناهم غداة الغورين بالضابحات في غبار النقعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين وقد مضى هذا في [ الأنعام ] مستوفي ( فإذا هم من الأجداث ) أي القبور وقريء بالفاء من الأجداف ذكره الزمخشري يقال : جدث وجدف واللغة الفصيحة الجدث ( بالثاء ) والجمع أجدث وأجداث قال المتنخل الهذلي : عرفت بأجدث فنعاف عرق علامات كتحبير النماط واجتدث : أي اتخذ جدثا ( إلى ربهم ينسلون ) أي يخرجون قاله بن عباس وقتادة ومنه قول امريء القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي ومنه قيل للولد نسل لأنه يخرج من بطن أمه وقيل : يسرعون والنسلان والعسلان : الإسراع في السير ومنه مشية الذئب قال : عسلان الذئب أمسى قاربا برد الليل عليه فنسل يقال : عسل الذئب ونسل يعسل وينسل من باب ضرب يضرب ويقال : ينسل بالضم أيضا وهو الإسراع في المشي فالمعنى يخرجون مسرعين وفي التنزيل : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة لقمان وقال : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر وفي سأل سائل المعارج : يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلي نصب يوفضون المعارج أي يسرعون وفي الخبر : شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الضعف فقال ( عليكم بالنسل ( أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط قوله تعالى : ( قالوا يا ويلنا ) قال بن الأنباري : يا ويلنا وقف حسن ثم تبتدئ ( من بعثنا ) وروي عن بعض القراء يا ويلنا من بعثنا بكسر من والثاء من البعث روي ذلك عن علي رضي الله عنه فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله : يا ويلنا حتى يقول ( من مرقدنا ) وفي قراءة أبي بن كعب من هبنا بالوصل من مرقدنا فهذا دليل على صحة مذهب العامة قال المهدوي : قرأ بن أبي ليلى : قالوا يا ويلتنا بزيادة تاء وهو تأنيث الويل ومثله : يا ويلنا أألد وأنا عجوز وقرأ علي رضي الله عنه يا ويلنا من بعثنا ف من متعلقة بالويل أو حال من ويلتا فتتعلق بمحذوف كأنه قال : يا ويلتا كائنا من بعثنا وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه ومن من قوله : من مرقدنا متعلقة بنفس البعث ثم قيل : كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم فالجواب أن أبي بن كعب قال : ينامون نومة وفي رواية فيقولون : يا ويلتا من أهبنا من مرقدنا قال أبو بكر الأنباري : لا يحمل هذا الحديث على أن أهبنا من لفظ القرآن كما قاله من طعن في القرآن ولكنه تفسير بعثنا أو معبر عن بعض معانيه قال أبو بكر : وكذا حفظته من هبنا بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من والصواب فيه على طريق اللغة من اهبنا بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون من وأسقطت الهمزة كما قالت العرب : من أخبرك من أعلمك وهم يريدون من أخبرك ويقال : أهببت النائم فهب النائم أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي : وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يعتمرني قبل ذاك عذول وقال أبو صالح : إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة فذلك قولهم : من بعثنا من مرقدنا وقاله بن عباس وقتادة وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم قال مجاهد : فقال لهم المؤمنون : ( هذا ما وعد الرحمن ) قال قتادة : فقال لهم من هدى الله هذا ما وعد الرحمن وقال الفراء : فقال لهم الملائكة : هذا ما وعد الرحمن النحاس : وهذه الأقوال متفقة لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية البينة وكذا الحديث : ( المؤمن عند الله خير من كل ما خلق ( ويجوز أن تكون الملائكة صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم : هذا ما وعد الرحمن وقيل : إن الكفار لما قال بعضهم لبعض : من بعثنا من مرقدنا صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به ثم قالوا : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فكذبنا به أقروا حين لم ينفعهم الإقرار وكان حفص يقف على من مرقدنا ثم يبتدئ فيقول : هذا قال أبو بكر بن الأنباري : من بعثنا من مرقدنا وقف حسن ثم تبتدئ : هذا ما وعد الرحمن ويجوز أن تقف على مرقدنا هذا فتخفض هذا على الإتباع للمرقد وتبتدئ : ما وعد الرحمن على معنى بعثكم ما وعد الرحمن أي بعثكم وعد الرحمن النحاس : التمام على من مرقدنا وهذا في موضع رفع بالابتداء وخبره ما وعد الرحمن ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت ل مرقدنا فيكون التمام من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن في موضع رفع من ثلاث جهات ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال : يكون بإضمار هذا والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم والجهة الثالثة أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة والشعور المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وهذا معنى قوله الحق : يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ق وقال : مهطعين إلى الداعي على ما يأتي وفي قراءة بن مسعود إن صح عنه إن كانت إلا زقية واحدة والزقية الصيحة وقد تقدم هذا ( فإذا هم جميع لدينا محضرون ) فإذا هم مبتدأ وخبره جميع نكرة ومحضرون من صفته ومعنى محضرون مجموعون أحضروا موقف الحساب وهو كقوله : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر قوله تعالى : ( فاليوم لا تظلم نفس شيئا ) أي لا تنقص من ثواب عمل ( ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ما في محل نصب من وجهين : الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله والثاني بنزع حرف الصفة تقديره : إلا بما كنتم تعملون أي تعملونه فحذف < <
يس : ( 55 ) إن أصحاب الجنة . . . . . > > < > ( يس 55 : 59 ) <
> قوله تعالى : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ) قال بن مسعود وبن عباس وقتادة ومجاهد : شغلهم افتضاض العذارى وذكر الترمذي الحكيم في كتاب مشكل القرآن له : حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود في قوله : إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون قال : شغلهم افتضاض العذارى حدثنا محمد بن حميد حدثنا هارون بن المغيرة عن نهشل عن الضحاك عن بن عباس بمثله وقال أبو قلابة : بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك فيقول أنا مع أهلي مشغول فيقال تحول أيضا إلى أهلك وقيل : أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الإهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار وما هم فيه من أليم العذاب وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم قاله سعيد بن المسيب وغيره وقال وكيع : يعني في السماع وقال بن كيسان : في شغل أي في زيارة بعضهم بعضا وقيل : في ضيافة الله تعالى وروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب الدري ركبانا على نجب من نور أزمتها من الياقوت تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله جل وعز لهم : السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا اجتبيتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب ف لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الزخرف فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها ثم إن الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض : يا قوم أين فلان وفلان وذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون وشغل وشغل لغتان قرئ بهما مثل الرعب والرعب والسحت والسحت وقد تقدم ( فاكهون ) قال الحسن : مسرورون وقال بن عباس : فرحون مجاهد والضحاك : معجبون السدي : ناعمون والمعنى متقارب والفكاهة المزاح والكلام الطيب وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج فكهون بغير ألف وهما لغتان كالفاره والفره والحاذر والحذر قاله الفراء وقال الكسائي وأبو عبيدة : الفاكه ذو الفاكهة مثل شاحم ولاحم وتامر ولابن والفكه : المتفكه والمتنعم وفكهون بغير ألف في قول قتادة : معجبون وقال أبو زيد : يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا وقرأ طلحة بن مصرف : فاكهين نصبه على الحله ( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ) مبتدأ وخبره ويجوز أن يكون هم توكيدا وأزواجهم عطف على المضمر ومتكئون نعت لقوله فاكهون وقراءة العامة : في ظلال بكسر الظاء والألف وقرأ بن مسعود وعبيد بن عمير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف : في ظلل بضم الظاء من غير ألف فالظلال جمع ظل وظلل جمع ظلة ( على الأرائك ) يعني السرر في الحجال واحدها أريكة مثل سفينة وسفائن قال الشاعر : كأن احمرار الورد فوق غصونه بوقت الضحى في روضة المتضاحك خدود عذارى قد خجلن من الحيا تهادين بالريحان فوق الأرائك وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارا ( وقال بن عباس : إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون بينهما مني يأتي من غير مني منه ولا منها ( لهم فيها فاكهة ) ابتداء وخبر ( ولهم ما يدعون ) الدال الثانية مبدلة من تاء لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا بشيء أعطيه قاله أبو عبيدة فمعنى يدعون يتمنون من الدعاء وقيل : المعنى أن من ادعى منهم شيئا فهو له لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدعيه وقال يحيى بن سلام : يدعون يشتهون بن عباس : يسألون والمعنى متقارب قال بن الأنباري : ولهم ما يدعون وقف حسن ثم تبتدئ : سلام على معنى ذلك لهم سلام ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدعون مسلم خالص فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على ما يدعون وقال الزجاج : سلام مرفوع على البدل من ما أي ولهم أن يسلم الله عليهم وهذا منى أهل الجنة وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله : سلام قولا من رب رحيم فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقي نوره وبركاته عليهم في ديارهم ( ذكره الثعلبي والقشيري ومعناه ثابت في صحيح مسلم وقد بيناه في [ يونس ] عند قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس ويجوز أن تكون ما نكرة وسلام نعتا لها أي ولهم ما يدعون مسلم ويجوز أن تكون ما رفع بالابتداء وسلام خبر عنها وعلى هذه الوجوه لا يوقف على ولهم ما يدعون وفي قراءة بن مسعود سلاما يكون مصدرا وإن شئت في موضع الحال أي ولهم ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلما فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على يدعون وقرأ محمد بن كعب القرظي سلم على الاستئناف كأنه قال : ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه ويكون ولهم ما يدعون تاما ويجوز أن يكون سلام بدلا من قوله : ولهم ما يدعون وخبر ما يدعون لهم ويجوز أن يكون سلام خبرا آخر ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه ( قولا ) مصدر على معنى قال الله ذلك قولا أو بقوله قولا ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولا أي عدة من الله فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على يدعون وقال السجستاني : الوقف على قوله سلام تام وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله قوله تعالى : ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) ويقال تميزوا وامازوا وامتازوا بمعنى ومزته فانماز وامتاز وميزته فتميز أي يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة أي اخرجوا من جملتهم قال قتادة : عزلوا عن كل خير وقال الضحاك : يمتاز المجرمون بعضهم من بعض فيمتاز اليهود فرقة والنصارى فرقة والمجوس فرقة والصابئون فرقة وعبدة الأوثان فرقة وعنه أيضا : إن لكل فرقة في النار بيتا تدخل فيه ويرد بابه فتكون فيه أبدا لا ترى ولا ترى وقال داود بن الجراح : فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين < <
يس : ( 60 ) ألم أعهد إليكم . . . . . > > < > ( يس 60 : 64 ) < > قوله تعالى : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ) العهد هنا بمعنى الوصية أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسنة الرسل ( ألا تعبدوا الشيطان ) أي لا تطيعوه في معصيتي قال الكسائي : لا للنهي ( وأن اعبدوني ) بكسر النون على الأصل ومن ضم كره كسرة بعدها ضمة ( هذا صراط مستقيم ) أي عبادتي دين قويم قوله تعالى : ( ولقد أضل منكم ) أي أغوى ( جبلا كبيرا ) أي خلقا كثيرا قاله مجاهد قتادة : جموعا كثيرة الكلبي : أمما كثيرة والمعنى واحد وقرأ أهل المدينة وعاصم : جبلا بكسر الجيم والباء وأبو عمرو وبن عامر جبلا بضم الجيم وإسكان الباء الباقون جبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام وشددها الحسن وبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس وقرأ أبو يحيى والأشهب العقيلي جبلا بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام فهذه خمس قراءات قال المهدوي والثعلبي : وكلها لغات بمعنى الخلق النحاس : أبينها القراءة الأولى والدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرؤوا والجبلة الأولين فيكون جبلا جمع جبلة والاشتقاق فيه كله واحد وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم وقد ذكرت قراءة سادسة وهي : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا بالياء وحكى عن الضحاك أن الجيل الواحد عشرة آلاف والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ذكره الماوردي ( أفلم تكونوا تعقلون ) عدواته وتعلموا أن الواجب طاعة الله ( هذه جهنم ) أي تقول لهم خزنة جهنم هذه جهنم التي وعدتم فكذبتم بها وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجن والأولين والآخرين في صعيد واحد ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط بهم ثم ينادي مناد هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون فحينئذ تجثو الأمم على ركبها وتضع كل ذات حمل حملها وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد < < يس : ( 65 ) اليوم نختم على . . . . . > > < > ( يس 65 : 68 ) <
> قوله تعالى : ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال : ( هل تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ( خرجه أيضا من حديث أبي هريرة وفيه ( ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه ( وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال : وأشار بيده إلى الشام فقال ( من ها هنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه ( في رواية أخرى ( فخذه وكفه ( الفدام مصفاة الكوز والإبريق قاله الليث قال أبو عبيد : يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه : أحدها لأنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم قاله أبو موسى الأشعري الثاني ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم قاله بن زياد الثالث لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز الرابع ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه فإن قيل : لم قال وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم فجعل ما كان من اليد كلاما وما كان من الرجل شهادة قيل : إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة وقول الحاضر على غيره شهادة وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول وعما صدر من الأرجل بالشهادة وقد روي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى ( ذكره الماوردي والمهدوي وقال أبو موسى الأشعري : إني لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى ذكره المهدوي أيضا قال الماوردي : فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها قال : وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها قلت : أو بالعكس لغلبة الشهوة أو كلاهما معا والكف فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة والله أعلم قوله تعالى : ( ولو نشأ لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ) حكى الكسائي : طمس يطمس ويطمس والمطموس والطميس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شق قال بن عباس : المعنى لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق وقال الحسن والسدي : المعنى لتركناهم عميا يترددون فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها وهذا اختيار الطبري وقوله : فاستبقوا الصراط أي استبقوا الطريق ليجوزوا فأنى يبصرون أي فمن أين يبصرون وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن بن عباس : ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فاهتدوا وأبصروا رشدهم وتبادروا إلى طريق الآخرة ثم قال : فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة على الضلال باقية وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم وتأولها على أنها في يوم القيامة وقال : إذا كان يوم القيامة ومد الصراط نادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه ثم ينادي مناد ليقم عيسى صلى الله عليه وسلم وأمته فيقوم فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام ذكره النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره بن المبارك في رقائقه وذكره القشيري وقال بن عباس رضي الله عنه : أخذ الأسود بن الأسود حجرا ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم فطمس الله على بصره وألصق الحجر بيده فما أبصره ولا اهتدى ونزلت الآية فيه والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق مأخوذ من طمس الريح الأثر قاله الأخفش والقتبي قوله تعالى : ( ولو نشأ لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) المسخ : تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة قال الحسن : أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة ثم تلك البهيمة لا تعقل موضعا تقصده فتتحير فلا تقبل ولا تدبر بن عباس رضي الله عنه : المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم وقيل : المعنى لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترءوا فيه على المعصية بن سلام : هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط وقرأ الحسن والسلمي وزر بن حبيش وعاصم في رواية أبي بكر : مكاناتهم على الجمع الباقون بالتوحيد وقرأ أبو حيوة : فما استطاعوا مضيا بفتح الميم والمضي بضم الميم مصدر يمضي مضيا إذا ذهب قوله تعالى : ( ومن نعمره ننكسه في الخلق ) قرأ عاصم وحمزة ننكسه بضم النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس الباقون ننكسه بفتح النون الأولى وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه فانتكس قال قتادة : المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا وقال سفيان في قوله تعالى : ومن نعمره ننكسه في الخلق إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته قال الشاعر : من عاش أخلقت الأيام جدته وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير الشباب هرما والقوة ضعفا والزيادة نقصا وهذا هو الغالب وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر وقد مضى في [ النحل ] بيانه ( أفلا تعقلون ) أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم وقرأ نافع وبن ذكوان : تعقلون بالتاء الباقون بالياء < <
يس : ( 69 ) وما علمناه الشعر . . . . . > > < > ( يس 69 : 70 ) <
> قوله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) فيه أربع مسائل : الأولى أخبر تعالى عن حال نبيه صلى الله عليه وسلم ورد قول من قال من الكفار إنه شاعر وإن القرآن شعر بقوله : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه وكان إذا حاول إنشاد ببت قديم متمثلا كسر وزنه وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم من ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده بالأخبار وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول : ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا وأنشد يوما : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة وقد كان عليه السلام ربما أنشد البيت المستقيم في النادر روي أنه أنشد بيت عبد الله بن رواحة : يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الحسن بن أبي الحسن : أنشد النبي عليه السلام : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله إنما قال الشاعر : هريرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال أبو بكر أو عمر : أشهد أنك رسول الله يقول الله عز وجل : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وعن الخليل بن أحمد : كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام ولكن لا يتأتى له الثانية إصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر وكذلك ما يأتي أحيانا من نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين وغيره : ( هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ( وقوله : ( أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب ( فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعرا ولا في معناه كقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وقوله : نصر من الله وفتح قريب الصف وقوله : وجفان كالجواب وقدور راسيات سبأ إلى غير ذلك من الآيات وقد ذكر بن العربي منها آيات وتكلم عليها وأخرجها عن الوزن على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله : ( أنا النبي لا كذب ( ليس بشعر وقال الخليل في كتاب العين : إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا وروي عنه أنه من منهوك الرجز وقد قيل لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله : ( لا كذب ( ومن قوله : ( عبد المطلب ( ولم يعلم كيف قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال بن العربي : والأظهر من حاله أنه قال ( لا كذب ( الباء مرفوعة وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة وقال النحاس قال بعضهم : إنما الرواية بالإعراب وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمها أو نونها وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر وقال بعضهم : ليس هذا الوزن من الشعر وهذا مكابرة العيان لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره وأما قوله : ( هل أنت إلا إصبع دميت ( فقيل إنه من بحر السريع وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت فإن سكن لا يكون شعرا بحال لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول ولا مدخل لفعول في بحر السريع ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر ويسقط الاعتراض ولا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالما بالشعر ولا شاعر أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالما بالشعر ولا يسمى شاعرا باتفاق العلماء كما أن من خاط خيطا لا يكون خياطا قال أبو إسحاق الزجاج : معنى وما علمناه الشعر وما علمناه أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في هذا وقد قيل : إنما خبر الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا وهذا ظاهر الكلام وقيل فيه قول بين زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة وذلك أنهم قالوا : كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر وهذا قول بين قالوا : وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق ألا ترى أن قريشا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم فقال بعضهم : نقول إنه شاعر فقال أهل الفطنة منهم : والله لتكذبنكم العرب فإنهم يعرفون أصناف الشعر فوالله ما يشبه شيئا منها وما قوله بشعر وقال أنيس أخو أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر أخرجه مسلم وكان أنيس من أشعر العرب وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه : والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر على ما يأتي بيانه من خبره في سورة [ فصلت ] إن شاء الله تعالى وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء واللسن البلغاء ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه فقد يقول القائل : حدثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي ولا يعد هذا شعرا وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء : اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى الثالثة روى بن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر فقال : لا تكثرن منه فمن عيبه أن الله يقول : وما علمناه الشعر وما ينبغي له قال : ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري : أن اجمع الشعراء قبلك وسلهم عن الشعر وهل بقي معهم معرفة وأحضر لبيدا ذلك قال : فجمعهم فسألهم فقالوا إنا لنعرفه ونقوله وسأل لبيدا فقال : ما قلت شعرا منذ سمعت الله عز وجل يقول : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه قال بن العربي : هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك العنكبوت من عيب الكتابة فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر روى أن المأمون قال لأبي علي المنقري : بلغني أنك أمي وأنك لا تقيم الشعر وأنك تلحن فقال : يا أمير المؤمنين أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر فقال له : سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو الجهل يا جاهل إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وهو فيك وفي أمثالك نقيصة وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنفي الظنة عنه لا لعيب في الشعر والكتابة الرابعة قوله تعالى : ( وما ينبغي له ) أي وما ينبغي له أن يقوله وجعل الله جل وعز ذلك علما من أعلام نبيه عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول لأن ما وافق وزنه وزن الشعر ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا على ما تقدم بيانه وقال الزجاج : معنى وما ينبغي له أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاء ( إن هو ) أي هذا الذي يتلوه عليكم ( إلا ذكر وقرآن مبين ) قوله تعالى : ( لتنذر من كان حيا ) أي حي القلب قاله قتادة الضحاك : عاقلا وقيل : المعنى لتنذر من كان مؤمنا في علم الله هذا على قراءة التاء خطابا للنبي عليه السلام وهي قراءة نافع وبن عامر وقرأ الباقون بالياء على معنى لينذر الله عز وجل أو لينذر محمد صلى الله عليه وسلم أو لينذر القرآن وروي عن بن السميقع لينذر بفتح الياء والذال ( ويحق القول على الكافرين ) أي وتجب الحجة بالقرآن على الكفرة < <
يس : ( 71 ) أو لم يروا . . . . . > > < > ( يس 71 : 73 ) < > قوله تعالى : ( ألم يروا أنا خلقنا لهم ) هذه رؤية القلب أي أو لم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا ( مما عملت أيدينا ) أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة وما بمعنى الذي وحذفت الهاء لطول الاسم وإن جعلت ما مصدرية لم تحتج إلى إضمار الهاء ( أنعاما ) جمع نعم والنعم مذكر ( فهم لها مالكون ) ضابطون قاهرون ( وذللناها لهم ) أي سخرناها لهم حتى يقود الصبي الجمل العظيم ويضربه ويصرفه كيف شاء لا يخرج من طاعته ( فمنها ركوبهم ) قراءة العامة بفتح الراء أي مركوبهم كما يقال : ناقة حلوب أي محلوب وقرأ الأعمش والحسن وبن السميقع : فمنها ركوبهم بضم الراء على المصدر وروي عن عائشة أنها قرأت : فمنها ركوبتهم وكذا في مصحفها والركوب والركوبة واحد مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة وحكى النحويون الكوفيون : أن العرب تقول : امرأة صبور وشكور بغير هاء ويقولون : شاة حلوبة وناقة ركوبة لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعا عليه فحذفوا الهاء مما كان فاعلا وأثبتوها فيما كان مفعولا كما قال : فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحم فيجب أن يكون على هذا ركوبتهم فأما البصريون فيقولون : حذفت الهاء على النسب والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال : الركوبة تكون للواحد والجماعة والركوب لا يكون إلا للجماعة فعلى هذا يكون لتذكير الجمع وزعم أبو حاتم : أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء لأنه مصدر والركوب ما يركب وأجاز الفراء فمنها ركوبهم بضم الراء كما تقول فمنها أكلهم ومنها شربهم ( ومنها يأكلون ) من لحمانها ( ولهم فيها منافع ) من أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك ( ومشارب ) يعني ألبانها ولم ينصرفا لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد ( أفلا يشكرون ) الله على نعمه < < يس : ( 74 ) واتخذوا من دون . . . . . > > < > ( يس 74 : 76 ) < > قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ) أي قد رأوا هذه الآيات من قدرتنا ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل ( لعلهم ينصرون ) أي لما يرجون من نصرتها لهم إن نزل بهم عذاب ومن العرب من يقول : لعله أن يفعل ( لا يستطيعون نصرهم ) يعني الآلهة وجمعوا بالواو والنون لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين ( وهم ) يعني الكفار ( لهم ) أي للآلهة ( جند محضرون ) قال الحسن : يمنعون منهم ويدفعون عنهم وقال قتادة : أي يغضبون لهم في الدنيا وقيل : المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى وقيل : إن الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار فلا يدفع بعضهم عن بعض وقيل : معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم لأنهم يلعنونهم ويتبرءون من عبادتهم وقيل : الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم في ظنونهم وفي الخبر : إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله فيتبعونه إلى النار فهم لهم جند محضرون قلت : ومعنى هذا الخبر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وفي الترمذي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون ( وذكر الحديث بطوله ( فلا يحزنك قولهم ) هذه اللغة الفصيحة ومن العرب من يقول يحزنك والمراد تسلية نبيه عليه السلام أي لا يحزنك قولهم شاعر ساحر وتم الكلام ثم استأنف فقال : ( إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) من القول والعمل وما يظهرون فنجازيهم بذلك < <
يس : ( 77 ) أو لم ير . . . . . > > < > ( يس 77 ) < > قوله تعالى : ( أو لم ير الإنسان ) قال بن عباس : الإنسان هو عبد الله بن أبي وقال سعيد بن جبير : هو العاص بن وائل السهمي وقال الحسن : هو أبي بن خلف الجمحي وقاله بن إسحاق ورواه بن وهب عن مالك ( أنا خلقناه من نطفة ) وهو اليسير من الماء نطف إذا قطر ( فإذا هو خصيم مبين ) أي مجادل في الخصومة مبين للحجة يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فقال : يا محمد أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم ويبعثك الله ويدخلك النار ( فنزلت هذه الآية < < يس : ( 78 ) وضرب لنا مثلا . . . . . > > < > ( يس 78 : 79 ) < > قوله تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ) أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة أي جوابه من نفسه حاضر ولهذا قال عليه السلام : ( نعم ويبعثك الله ويدخلك النار ( ففي هذا دليل على صحة القياس لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث بالنشأة الأولى قال من يحيي العظام وهي رميم أي بالية رم العظم فهو رميم ورمام وإنما قال رميم ولم يقل رميمة لأنها معدولة عن فاعلة وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه كقوله : وما كانت أمك بغيا مريم أسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية وقيل : إن هذا الكافر قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله فنزلت : ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة أي من غير شيء فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عجم الذنب ويقال عجب الذنب بالباء ( وهو بكل خلق عليم ) كيف يبدئ ويعيد الثانية في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تتجس بالموت وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال الشافعي رضي الله عنه : لا حياة فيها وقد تقدم هذا في النحل فإن قيل : أراد بقوله من يحيي العظام أصحاب العظام وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة موجود في الشريعة قلنا : إنما يكون إذ احتيج لضرورة وليس ها هنا ضرورة تدعو إلى الإضمار ولا يفتقر إلى هذا التقدير إذا الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له فإن الإحسان الذي هو علامة الحياة موجود فيه قاله بن العربي < < يس : ( 80 ) الذي جعل لكم . . . . . > > < > ( يس 80 : 83 ) <
> قوله تعالى : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ) نبه تعالى على وحدانيته ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج المحرق اليابس من العود الندي الرطب وذلك أن الكافر قال : النطفة حارة رطبة بطبع الحياة فخرج منها الحياة والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة فأنزل الله تعالى : ألذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا أي إن الشجر الأخضر من الماء والماء بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان فأخرج الله منه النار فهو القادر على إخراج الضد من الضد وهو على كل شيء قدير ويعني بالآية ما في المرخ والعفار وهي زنادة العرب ومنه قولهم : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار فالعفار الزند وهو الأعلى والمرخ الزندة وهي الأسفل يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار وقال : من الشجر الأخضر ولم يقل الخضراء وهو جمع لأنه رده إلى اللفظ ومن العرب من يقول : الشجر الخضراء كما قال عز وجل : من شجر من زقوم فمالئون منها البطون ثم قال تعالى محتجا : ( أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) أي أمثال المنكرين للبعث وقرأ سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي : يقدر على أن يخلق مثلهم على أنه فعل ( بلى ) أي إن خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم فالذي خلق السماوات والأرض يقدر على أن يبعثهم ( وهو الخلاق العليم ) وقرأ الحسن باختلاف عنه الخالق قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) قرأ الكسائي فيكون بالنصب عطفا على يقول أي إذا أراد خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة وقد مضى هذا في غير موضع ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) نزه نفسه تعالى عن العجز والشرك وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى ملك والعرب تقول : جبروتي خير من رحموتي وقال سعيد عن قتادة : ملكوت كل شيء مفاتح كل شيء وقرأ طلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي والأعمش ملكة وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف المصحف ( وإليه ترجعون ) أي تردون وتصيرون بعد مماتكم وقراءة العامة بالتاء على الخطاب وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب عبد الله يرجعون بالياء على الخبر < > تفسير سورة الصافات < > مكية من قول الجميع بسم الله الرحمن الرحيم < < الصافات : ( 1 ) والصافات صفا > > < > ( الصافات 1 : 5 ) <
> قوله تعالى : ( والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ) هذه قراءة أكثر القراء وقرأ حمزة بالإدغام فيهن وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها النحاس : وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات : إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الذال ولا من أخواتهن وإنما أختاها الطاء والدال وأخت الزاي الصاد والسين وأخت الذال الظاء والثاء والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة نحو دابة وشابة ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف والصافات قسم الواو بدل من الباء والمعنى برب الصافات والزاجرات عطف عليه ( إن إلهكم لواحد ) جواب القسم وأجاز الكسائي فتح إن في القسم والمراد ب الصافات وما بعدها إلى قوله : فالتاليات ذكرا الملائكة في قول بن عباس وبن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة وقيل : تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا وقال الحسن : صفا لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم وقيل : هي الطير دليله قوله تعالى : أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات الملك والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة والصافات جمع الجمع يقال : جماعة صافة ثم يجمع صافات وقيل : الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ذكره القشيري فالزاجرات الملائكة في قول بن عباس وبن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح وقال قتادة : هي زواجر القرآن فالتاليات ذكرا الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى قاله بن مسعود وبن عباس والحسن ومجاهد وبن جبير والسدي وقيل : المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه وقيل : هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل النمل ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات لأن بعض الحروف يتبع بعضا ذكره القشيري وذكر الماوردي : أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم فإن قيل : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات قيل له : إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله : يا لهف زيابة للحارث الص ابح فالغانم فالآيب كأنه قال : الذي صبح فغنم فآب وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله : رحم الله المحلقين فالمقصرين فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات قاله الزمخشري إن إلهكم لواحد جواب القسم قال مقاتل : وذلك أن الكفار بمكة قالوا اجعل الآلهة إلها واحدا وكيف يسع هذا الخلق فرد إله فأقسم الله بهؤلاء تشريفا ونزلت الآية قال بن الأنباري : وهو وقف حسن ثم تبتدئ ( رب السماوات والأرض ) على معنى هو رب السماوات النحاس : ويجوز أن يكون رب السماوات والأرض خبرا بعد خبر ويجوز أن يكون بدلا من واحد قلت : وعلى هذين الوجهين لا يوقف على لواحد وحكى الأخفش : رب السماوات ورب المشارق بالنصب على النعت لاسم إن بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه رب السماوات والأرض أي خالقهما ومالكهما ( وما بينهما ورب المشارق ) أي مالك مطالع الشمس بن عباس : للشمس كل يوم مشرق ومغرب وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة في مطلعها ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية تطلع في كل يوم في كوة منها وتغيب في كوة لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول : رب لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد وبن الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة قال : قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت ( آمن شعره وكفر قلبه ( قال : هو حق فما أنكرتم من ذلك قلت : أنكرنا قوله : والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد ما بال الشمس تجلد فقال : والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها اطلعي اطلعي فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها ( لفظ بن الأنباري وذكر عن عكرمة عن بن عباس قال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في هذا الشعر : زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد قال عكرمة : فقلت لابن عباس : يا مولاي أتجلد الشمس فقال : إنما اضطره الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب ودل بذكر المطالع على المغارب فلهذا لم يذكر المغارب وهو كقوله : سرابيل تقيكم الحر وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب وقال في سورة الرحمن : رب المشرقين ورب المغربين أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدم في [ يس ] والله أعلم < <
الصافات : ( 6 ) إنا زينا السماء . . . . . > > < > ( الصافات 6 : 10 ) <
> قوله تعالى : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) قال قتادة : خلقت النجوم ثلاثا رجوما للشياطين ونورا يهتدى بها وزينة لسماء الدنيا وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة : بزينة مخفوض منون الكواكب خفض على البدل من زينة لأنها هي وقرأ أبو بكر كذلك إلا أنه نصب الكواكب بالمصدر الذي هو زينة والمعنى بأن زينا الكواكب فيها ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني كأنه قال : إنا زيناها بزينة أعني الكواكب وقيل : هي بدل من زينة على الموضع ويجوز بزينة الكواكب بمعنى بأن زينتها الكواكب أو بمعنى هي الكواكب الباقون بزينة الكواكب على الإضافة والمعنى زينا السماء الدنيا بتزيين الكواكب أي بحسن الكواكب ويجوز أن يكون كقراءة من نون إلا أنه حذف التنوين استخفافا ( وحفظا ) مصدرا أي حفظناها حفظا ( من كل شيطان مارد ) لما أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء بين أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد أن زينها بالكواكب والمارد : العاتي من الجن والإنس والعرب تسميه شيطانا قوله تعالى : ( لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ) قال أبو حاتم : أي لئلا يسمعوا ثم حذف أن فرفع الفعل الملأ الأعلى : أهل السماء الدنيا فما فوقها وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض الضمير في يسمعون للشياطين وقرأ جمهور الناس يسمعون بسكون السين وتخفيف الميم وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص لا يسمعون بتشديد السين والميم من التسميع فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح ويعضده قوله تعالى : إنهم عن السمع لمعزولون الشعراء وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم استماع أو سماع قال مجاهد : كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون وروي عن بن عباس لا يسمعون إلى الملإ قال : هم لا يسمعون ولا يتسمعون وأصل يسمعون يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها واختارها أبو عبيد لأن العرب لا تكاد تقول : سمعت إليه وتقول تسمعت إليه ( ويقذفون من كل جانب ) أي يرمون من كل جانب أي بالشهب ( دحورا ) مصدر لأن معنى يقذفون يدحرون دحرته دحرا ودحورا أي طردته وقرأ السلمي ويعقوب الحضرمي دحورا بفتح الدال يكون مصدرا على فعول وأما الفراء فإنه قدره على أنه اسم الفاعل أي ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء والكوفيون يستعملون هذا كثيرا كما أنشدوا : تمرون الديار ولم تعوجوا واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث أو بعده لأجل المبعث على قولين وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة [ الجن ] عن بن عباس وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال : إن الذين قالوا لم تكن الشياطين ترمي بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت أي لم تكن ترمى رميا يقطعها عن السمع ولكنها كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا وترمى من جانب ولا ترمى من جانب ولعل الإشارة بقوله تعالى : ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلى هذا المعنى وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبا وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره ويسلم واحد ولا يسلم غيره بل يقبض عليه ويعاقب وينكل فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد في حفظ السماء وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحروا عن جميع جوانب السماء ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة فإن قيل : إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة فلم دام بعد النبي صلى الله عليه وسلم فالجواب أنه دام بدوام النبوة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ببطلان الكهانة فقال : ( ليس منا من تكهن ( فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها وعادت الكهانة ولا يجوز ذلك بعد أن بطل ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة فصح أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وسلم وآله ( ولهم عذاب واصب ) أي دائم عن مجاهد وقتادة وقال بن عباس : شديد الكلبي والسدي وأبو صالح : موجع أي الذي يصل وجعه إلى القلب مأخوذ من الوصب وهو المرض ( إلا من خطف الخطفة ) استثناء من قوله : ويقذفون من كل جانب وقيل : الاستثناء يرجع إلى غير الوحي لقوله تعالى : إنهم عن السمع لمعزولون فيسترق الواحد منهم شيئا مما يتفاوض فيه الملائكة مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ وروي في هذا الباب أحاديث صحاح مضمنها : أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء فتقعد للسمع واحدا فوق واحد فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض فيتحدث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب وقد ألقى الكلام وربما لم يحرقه على ما بيناه فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع كما بيناه في [ الأنعام ] فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة فلا يفلت شيطان سمع بتة والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض قال النقاش ومكي : وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لأنها قريبة منا وقد مضى في هذا الباب في سورة [ الحجر ] من البيان ما فيه كفاية وذكرنا في سبإ حديث أبي هريرة وفيه ( والشياطين بعضهم فوق بعض ( وقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح وفيه عن بن عباس : ( ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون ( قال هذا حديث حسن صحيح والخطف : أخذ الشيء بسرعة يقال : خطف وخطف وخطف وخطف وخطف والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها وفتحت الخاء لأن حركة التاء ألقيت عليها ومن كسرها فلالتقاء الساكنين ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر ( فأتبعه شهاب ثاقب ) أي مضيء قاله الضحاك والحسن وغيرهما وقيل : المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر وقال بن عباس في الشهب : تحرقهم من غير موت وليست الشهب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت يدل على ذلك رؤية حركاتها والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها وقد مضى هذا وجمع شهاب شهب والقياس في القليل أشهبة وإن لم يسمع من العرب وثاقب معناه مضيء قاله الحسن ومجاهد وأبو مجلز ومنه قوله : وزندك أثقب أزنادها أي أضوأ وحكى الأخفش في الجمع : شهب ثقب وثواقب وثقاب وحكى الكسائي : ثقبت النار تثقب ثقابة وثقوبا إذا اتقدت وأثقبتها أنا وقال زيد بن أسلم في الثاقب : إنه المستوقد من قولهم : أثقب زندك أي استوقد نارك قاله الأخفش وأنشد قول الشاعر : بينما المرء شهاب ثاقب ضرب الدهر سناه فحمد < <
الصافات : ( 11 ) فاستفتهم أهم أشد . . . . . > > < > ( الصافات 11 : 17 ) <
> قوله تعالى : ( فاستفتهم ) أي سلهم يعني أهل مكة مأخوذ من استفتاء المفتي ( أهم أشد خلقا أم من خلقنا ) قال مجاهد : أي من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار وقيل : يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية يدل على ذلك أنه أخبر عنهم بمن قال سعيد بن جبير : الملائكة وقال غيره : من الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشد خلقا منهم نزلت في أبي الأشد بن كلدة وسمي بأبي الأشد لشدة بطشه وقوته وسيأتي في [ البلد ] ذكره ونظير هذه لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وقوله : أأنتم أشد خلقا أم السماء ( إنا خلقناهم من طين لازب ) أي لاصق قاله بن عباس ومنه قول علي رضي الله عنه : تعلم فإن الله زادك بسطة وأخلاق خير كلها لك لازب وقال قتادة وبن زيد : معنى لازب لازق الماوردي : والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق : هو الذي قد لصق بعضه ببعض واللازق : هو الذي يلتزق بما أصابه وقال عكرمة : لازب لزج سعيد بن جبير : أي جيد حر يلصق باليد مجاهد : لازب لازم والعرب تقول : طين لازب ولازم تبدل الباء من الميم ومثله قولهم : لا تب ولازم على إبدال الباء بالميم واللازب الثابت تقول : صار الشيء ضربة لازب وهو أفصح من لازم قال النابغة : ولا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب وحكى الفراء عن العرب : طين لاتب بمعنى لازم واللاتب الثابت تقول منه : لتب يلتب لتبا ولتوبا مثل لزب يلزب بالضم لزوبا وأنشد أبو الجراح في اللاتب : فإن يك هذا من نبيذ شربته فأنى من شرب النبيذ لتائب صداع وتوصيم العظام وفترة وغم مع الإشراق في الجوف لاتب واللاتب أيضا : اللاصق مثل اللازب عن الأصمعي حكاه الجوهري وقال السدي والكلبي في اللازب : إنه الخالص مجاهد والضحاك : إنه المنتن قوله تعالى : ( بل عجبت ويسخرون ) قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به وهي قراءة شريح وأنكر قراءة الضم وقال : إن الله لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم وقيل : المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث وقرأ الكوفيون إلا عاصما بضم التاء واختارها أبو عبيد والفراء وهي مروية عن علي وبن مسعود رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ : بل عجبت بضم التاء ويروى عن بن عباس قال الفراء في قوله سبحانه : بل عجبت ويسخرون قرأها الناس بنصب التاء ورفعها والرفع أحب إلي لأنها عن علي وعبد الله وبن عباس وقال أبو زكريا الفراء : العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد وكذلك قوله : الله يستهزيء بهم ليس ذلك من الله كمعناه من العباد وفي هذا بيان الكسر لقول شريح حيث أنكر القراءة بها روى جرير والأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : قرأها عبد الله يعني بن مسعود بل عجبت ويسخرون قال شريح : إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش : فذكرته لإبراهيم فقال : إن شريحا كان يعجبه رأيه إن عبد الله كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبد الله بل عجبت قال الهروي : وقال بعض الأئمة : معنى قوله بل عجبت بل جازيتهم على عجبهم لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق فقال : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال : إن هذا لشيء عجاب أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم يونس فقال تعالى : بل عجبت بل جازيتهم على التعجب قلت : وهذا تمام معنى قول الفراء واختاره البيهقي وقال علي بن سليمان : معنى القراءتين واحد التقدير : قل يا محمد بل عجبت لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن النحاس : وهذا قول حسن وإضمار القول كثير البيهقي : والأول أصح المهدوي : ويجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين كما يحمل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه على ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازا واتساعا قال الهروي : ويقال معنى ( عجب ربكم ( أي رضي وأثاب فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة كما قال تعالى : ويمكر الله الأنفال معناه ويجازيهم الله على مكرهم ومثله في الحديث ( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ( وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما فيكون معنى قوله : بل عجبت أي بل عظم فعلهم عندي قال البيهقي : ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( عجب ربك من شاب ليست له صبوة ( وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ( قال البيهقي : وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة وقيل : معنى بل عجبت بل أنكرت حكاه النقاش وقال الحسين بن الفضل : التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب وقد جاء في الخبر ( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ( ويسخرون ) قيل : الواو واو الحال أي عجبت منهم في حال سخريتهم وقيل : تم الكلام عند قوله : بل عجبت ثم استأنف فقال : ويسخرون أي مما جئت به إذا تلوته عليهم وقيل : يسخرون منك إذا دعوتهم قوله تعالى : ( وإذا ذكروا ) أي وعظوا بالقرآن في قول قتادة ( لا يذكرون ) لا ينتفعون به وقال سعيد بن جبير : أي إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا ( وإذا رأوا آية ) أي معجزة ( يستسخرون ) أي يسخرون في قول قتادة ويقولون إنها سحر واستسخر وسخر بمعنى مثل استقر وقر واستعجب وعجب وقيل : ( يستسخرون ) أي يستدعون السخري من غيرهم وقال مجاهد : يستهزئون وقيل : أي يظنون أن تلك الآية سخرية ( وقالوا إن هذا إلا سحر مبين ) أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع ( أئذا متنا ) أي أنبعث إذا متنا فهو استفهام إنكار منهم وسخرية ( أو آباؤنا الأولون ) أي أو تبعث آباؤنا دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف وقرأ نافع : أو آباؤنا بسكون الواو وقد مضى هذا في سورة [ الأعراف ] في قوله تعالى : أو أمن أهل القرى < <
الصافات : ( 18 ) قل نعم وأنتم . . . . . > > < > ( الصافات 18 : 21 ) < > قوله تعالى : ( قل نعم ) أي نعم تبعثون ( وأنتم داخرون ) أي صاغرون أذلاء لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون وقيل : أي ستقوم القيامة وإن كرهتم فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم ( فإنما هي زجرة واحدة ) أي صيحة واحدة قاله الحسن وهي النفخة الثانية وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق ( فإذا هم ) قيام ( ينظرون ) أي ينظر بعضهم إلى بعض وقيل : المعنى ينتظرون ما يفعل بهم وقيل : هي مثل قوله : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا وقيل : أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه قوله تعالى : ( وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ) نادوا على أنفسهم بالويل لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين وزعم الفراء أن تقديره : ياوي لنا ووي بمعنى حزن النحاس : ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا ويوم الدين يوم الحساب وقيل : يوم الجزاء ( هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) قيل : هو من قول بعضهم لبعض أي هذا اليوم الذي كذبنا به وقيل : هو من قول الله تعالى لهم وقيل : من قول الملائكة أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل ف فريق في الجنة وفريق في السعير < < الصافات : ( 22 ) احشروا الذين ظلموا . . . . . > > < > ( الصافات 22 : 35 ) <
> قوله تعالى : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) هو من قول الله تعالى للملائكة : احشروا المشركين وأزواجهم أي أشياعهم في الشرك والشرك الظلم قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم لقمان فيحشر الكافر مع الكافر قاله قتادة وأبو العالية وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم قال : الزاني مع الزاني وشارب الخمر مع شارب الخمر وصاحب السرقة مع صاحب السرقة وقال بن عباس : وأزواجهم أي أشباههم وهذا يرجع إلى قول عمر وقيل : وأزواجهم نساؤهم الموافقات على الكفر قاله مجاهد والحسن ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب وقال الضحاك : وأزواجهم قرناءهم من الشياطين وهذا قول مقاتل أيضا : يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة ( وما كانوا يعبدون من دون الله ) أي من الأصنام والشياطين وإبليس ( فآهدوهم إلى صراط الجحيم ) أي سوقوهم إلى النار وقيل : فاهدوهم أي دلوهم يقال : هديته إلى الطريق وهديته الطريق أي دللته عليه وأهديت الهدية وهديت العروس ويقال أهديتها أي جعلتها بمنزلة الهدية قوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) وحكى عيسى بن عمر أنهم بفتح الهمزة قال الكسائي : أي لأنهم وبأنهم يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا يتعدى ولا يتعدى أي احبسوهم وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم وفيه تقديم وتأخير أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار وقيل : يساقون إلى النار أولا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار إنهم مسئولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم قاله القرظي والكلبي الضحاك : عن خطاياهم بن عباس : عن لا إله إلا الله وعنه أيضا : عن ظلم الخلق وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب وقد مضى في الحجر الكلام فيه وقيل : سؤالهم أن يقال لهم : ألم يأتكم رسل منكم إقامة للحجة ويقال لهم : ( ما لكم لا تناصرون ) على جهة التقريع والتوبيخ أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله وقيل : هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر : نحن جميع منتصر وأصله تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا وشدد البزي التاء في الوصل قوله تعالى : ( بل هم اليوم مستسلمون ) قال قتادة : مستسلمون في عذاب الله عز وجل بن عباس : خاضعون ذليلون الحسن : منقادون الأخفش : ملقون بأيديهم والمعنى متقارب ( وأقبل بعضهم على بعض ) يعني الرؤساء والأتباع ( يتساءلون ) يتخاصمون ويقال لا يتساءلون فسقطت لا النحاس : وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون إنما هو لا يتساءلون بالأرحام فيقول أحدهم : أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني أو أسقطت لي حقا لك علي أو وهبت لي حسنة وهذا بين لأن قبله فلا أنساب بينهم أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء في الحديث ( إن الرجل ليسر بأن يصبح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات ( وفي حديث آخر ( رحم الله امرءا كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب ( ويتساءلون ها هنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله أو فتح له بابا من المعصية يبين ذلك أن بعده ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال مجاهد : هو قول الكفار للشياطين قتادة : هو قول الإنس للجن وقيل : هو من قول الأتباع للمتبوعين دليله قوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول سبأ الآية قال سعيد عن قتادة : أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها وعن بن عباس نحو منه وقيل : تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح وقيل : تأتوننا عن اليمين تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه وقيل : تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها قلت : وهذا القول حسن جدا لأن من جهة الدين يكون الخير والشر واليمين بمعنى الدين أي كنتم تزينون لنا الضلالة وقيل : اليمين بمعنى القوة أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر قال الله تعالى : فراغ عليهم ضربا باليمين أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه وقال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة والقدرة وهذا قول بن عباس وقال مجاهد : تأتوننا عن اليمين أي من قبل الحق أنه معكم وكله متقارب المعنى ( قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ) قال قتادة : هذا قول الشياطين لهم وقيل : من قول الرؤساء أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للإلف والعادة ( وما كان لنا عليكم من سلطان ) أي من حجة في ترك الحق ( بل كنتم قوما طاغين ) أي ضالين متجاوزين الحد ( فحق علينا قول ربنا ) هو أيضا من قول المتبوعين أي وجب علينا وعليكم قول ربنا فكلنا ذائقوا العذاب كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وهذا موافق للحديث ( إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ( فأغويناكم ) أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر ( إنا كنا غاوين ) بالوسوسة والاستدعاء ثم قال خبرا عنهم : ( فإنهم في العذاب مشتركون ) الضال والمضل ( إنا كذلك ) أي مثل هذا الفعل ( نفعل بالمجرمين ) أي المشركين ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول و يستكبرون في موضع نصب على خبر كان ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إن وكان ملغاة ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته واجتماع قريش ( قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم ( أبوا وأنفوا من ذلك وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ( وقال تعالى : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها الفتح وهي ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة ذكر هذا الخبر البيهقي والذي قبله القشيري < <