Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا تمنن تستكثر ) فيه أحد عشر تأويلا الأول لا تمنن على ربك بما تتحمله من أثقال النبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير الثاني لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها قاله بن عباس وعكرمة وقتادة قال الضحاك : هذا حرمه الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق وأباحه لأمته وقاله مجاهد الثالث عن مجاهد أيضا : لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولك حبل منين إذا كان ضعيفا ودليله قراءة بن مسعود ولا تمنن تستكثر من الخير الرابع عن مجاهد أيضا والربيع : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك قال بن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته الخامس قال الحسن : لا تمنن على الله بعملك فتستكثره السادس لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثر به السابع قال القرظي : لا تعط مالك مصانعة الثامن قال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها لربك التاسع لا تقل دعوت فلم يستجب لي العاشر لا تعمل طاعة وتطلب ثوابها ولكن اصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها الحادي عشر لا تفعل الخير لترائي به الناس الثانية هذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول بن عباس : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال يقال : مننت فلانا كذا أي أعطيته ويقال للعطية المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها لأنه عليه السلام ما كان يجمع الدنيا ولهذا قال : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ( وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين ولهذا لم يورث لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار والاقتناء وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة في شيء من الدنيا ولذلك حرمت عليه الصدقة وأبيحت له الهدية فكان يقبلها ويثيب عليها وقال : ( لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلى ذراع لقبلت ( بن العربي : وكان يقبلها سنة ولا يستكثرها شرعة وإذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب لأنها باب من أبواب المذلة وكذلك قول من قال : إن معناها لا تعطي عطية تنتظر ثوابها فإن الانتظار تعلق بالأطماع وذلك في حيزه بحكم الامتناع وقد قال الله تعالى له : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى طه وذلك جائز لسائر الخلق لأنه من متاع الدنيا وطلب الكسب والتكاثر بها وأما من قال أراد به العمل أي لا تمنن بعملك على الله فتستكثره فهو صحيح فإن بن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر الثالثة قوله تعالى : ولا تمنن قراءة العامة بإظهار التضعيف وقرأ أبو السمال العدوي وأشهب العقيلي والحسن ولا تمن مدغمة مفتوحة تستكثر : قراءة العامة بالرفع وهو في معنى الحال تقول : جاء زيد يركض أي راكضا أي لا تعط شيئا مقدرا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه وقرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو رديء لأنه ليس بجواب ويجوز أن يكون بدلا من تمنن كأنه قال : لا تستكثر وأنكره أبو حاتم وقال : لأن المن ليس بالاستكثار فيبدل منه ويحتمل أن يكون سكن تخفيفا كعضد أو أن يعتبر حال الوقف وقرأ الأعمش ويحيى تستكثر بالنصب توهم لام كي كأنه قال : ولا تمنن لتستكثر وقيل : هو بإضمار أن كقوله : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ويؤيده قراءة بن مسعود ولا تمنن أن تستكثر قال الكسائي : فإذا حذف أن رفع وكان المعنى واحدا وقد يكون المن بمعنى التعداد على المنعم عليه بالنعم فيرجع إلى القول الثاني ويعضده قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وقد يكون مرادا في هذه الآية والله أعلم < <
المدثر : ( 7 ) ولربك فاصبر > > < > ( المدثر 7 ) < > قوله تعالى : ( ولربك فاصبر ) أي ولسيدك ومالكك فاصبر على اداء فرائضه وعبادته وقال مجاهد : على ما أوذيت وقال بن زيد : حملت امرا عظيما محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله وقيل : فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله تعالى وقيل : فاصبر على البلوى لأنه يمتحن أولياءه وأصفياءه وقيل : على أوامره ونواهيه وقيل : على فراق الأهل والأوطان < < المدثر : ( 8 ) فإذا نقر في . . . . . > > < > ( المدثر 8 : 10 ) < > ) إذا نفخ في الصور والناقور : فاعول من النقر كأنه الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت والنقر في كلام العرب : الصوت ومنه قول امرئ القيس أخفضه بالنقر لما علوته ويرفع طرفا غير خاف غضيض وهم يقولون : نقر باسم الرجل إذ دعاه مختصا له بدعائه وقال مجاهد وغيره : هو كهيئة البوق ويعني به النفخة الثانية وقيل : الأولى لأنها أول الشدة الهائلة العامة وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في النمل والأنعام وفي كتاب التذكرة والحمد لله وعن أبي حبان قال : أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ فإذا نقر في الناقور خر ميتا ( ) أي فذلك اليوم يوم شديد ويومئذ نصب ( على الكافرين ) أي على من كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم ( غير يسير ) أي غير سهل ولا هين وذلك أن عقدهم لاتنحل إلا إلى عقدة أشد منها بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ماهو أخف منها حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى ويومئذ نصب على تقدير فذلك يوم عسير يومئذ وقيل : جر بتقدير حرف جر مجازه : فذلك في يومئذ وقيل : يجوز أن يكون رفعا إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن < < المدثر : ( 11 ) ذرني ومن خلقت . . . . . > > < > ( المدثر 11 : 17 ) <
> قوله تعالى : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) ذرني أي دعني وهي كلمة وعيد وتهديد ومن خلقت أي دعني والذي خلقته وحيدا فوحيدا على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف أي خلقته وحده لا مال له ولا ولد ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته والمفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزومي وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه وإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة وايذاء الرسول عليه السلام وكان يسمى الوحيد في قومه قال بن عباس : كان الوليد يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير وكان يسمى الوحيد فقال الله تعالى : ذرني ومن خلقت بزعمه وحيدا لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد وقال قوم : إن قوله تعالى : وحيدا يرجع إلى الرب تعالى على معنيين : أحدهما : ذرني وحدي معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم والثاني : أني انفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد فأنا أهلكه ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه فوحيدا على هذا حال من ضمير الفاعل وهو التاء في خلقت والأول قول مجاهد أي خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد فأنعمت عليه فكفر فقوله : وحيدا على هذا يرجع إلى الوليد أي لم يكن له شيء فملكته وقيل : أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيدا كما خلق وحيدا وقيل : الوحيد الذي لا يعرف أبوه وكان الوليد معروفا بأنه دعي كما ذكرنا في قوله تعالى : عتل بعد ذلك زنيم وهو في صفة الوليد أيضا قوله تعالى : ( وجعلت له مالا ممدودا ) أي خولته وأعطيته مالا ممدودا وهو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والحجور والنعم والجنان والعبيد والجواري كذا كان بن عباس يقول وقال مجاهد : غلة ألف دينار قاله سعيد بن جبير وبن عباس أيضا وقال قتادة : ستة آلاف دينار وقال سفيان الثوري وقتادة : أربعة آلاف دينار الثوري أيضا : ألف ألف دينار مقاتل : كان له بستان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا وقال عمر رضي الله عنه : وجعلت له مالا ممدودا غلة شهر بشهر النعمان بن سالم : أرضا يزرع فيها القشيري : والأظهر أنه إشارة إلى ما لا ينقطع رزقه بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة ) أي حضورا لا يغيبون عنه في تصرف قال مجاهد وقتادة : كانوا عشرة وقيل : آثنا عشر قاله السدي والضحاك قال الضحاك : سبعة ولدوا بمكة وخمسة ولدوا بالطائف وقال سعيد بن جبير : كانوا ثلاثة عشر ولدا مقاتل : كانوا سبعة كلهم رجال أسلم منهم ثلاثة : خالد وهشام والوليد بن الوليد قال : فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك وقيل : شهودا أي إذا ذكر ذكروا معه قاله بن عباس وقيل : شهودا أي قد صاروا مثله في شهود ما كان يشهده والقيام بما كان يباشره والأول قول السدي أي حاضرين مكة لا يظعنون عنه في تجارة ولا يغيبون ) أي بسطت له في العيش بسطا حتى أقام ببلدته مطمئنا مترفها يرجع إلى رأيه والتمهيد عند العرب : التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي وقال بن عباس : ومهدت له تمهيدا أي وسعت له ما بين اليمن والشام وقاله مجاهد وعن مجاهد أيضا في ومهدت له تمهيدا أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش قوله تعالى : ( ثم يطمع أن أزيد ) أي ثم إن الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد ( كلا ) أي ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم وقال الحسن وغيره : أي ثم يطمع أن أدخله الجنة وكان الوليد يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي فقال الله تعالى ردا عليه وتكذيبا له : كلا أي لست أزيده فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك وثم في قوله تعالى : ثم يطمع ليست بثم التي للنسق ولكنها تعجيب وهي كقوله تعالى : وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وذلك كما تقول : أعطيتك ثم أنت تجفوني كالمتعجب من ذلك وقيل يطمع أن أترك ذلك في عقبه وذلك أنه كان يقول : إن محمدا مبتور أي أبتر وينقطع ذكره بموته وكان يظن أن ما رزق لا ينقطع بموته وقيل : أي ثم يطمع أن أنصره على كفره كلا أي ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم وكلا قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلا بالكلام الأول وقيل : كلا بمعنى حقا ويكون ابتداء ( إنه ) يعني الوليد ( كان لآياتنا عنيدا ) أي معاندا للنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به يقال : عاند فهو عنيد مثل جالس فهو جليس قاله مجاهد وعند يعند بالكسر أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند والعاند : البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد والجمع عند مثل راكع وركع وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي : إذا ركبت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العندا وقال أبو صالح : عنيدا معناه مباعدا قال الشاعر : أرانا على حال تفرق بيننا نوى غربة إن الفراق عنود قتادة : جاحدا مقاتل : معرضا بن عباس : جحودا وقيل : إنه المجاهر بعدوانه وعن مجاهد أيضا قال : مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه والمعنى كله متقارب والعرب تقول : عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره والعنود من الإبل : الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية ورجل عنود إذا كان يحل وحده لا يخالط الناس والعنيد من التجبر وعرق عاند : إذا لم يرقأ دمه كل هذا قياس واحد وقد مضى في سورة إبراهيم وجمع العنيد عند مثل رغيف ورغف قوله تعالى : ( سأرهقه ) أي سأكلفه وكان بن عباس يقول : سألجئه والأرهاق في كلام العرب : أن يحمل الإنسان على الشيء ( صعودا ) ( الصعود : جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا ( رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه الترمذي وقال فيه حديث غريب وروى عطية عن أبي سعيد قال : صخرة في جهنم إذا وضعوا عليها أيديهم ذابت فإذا رفعوها عادت قال : فيبلغ أعلاها في أربعين سنة يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى إذا بلغ أعلاها رمي به إلى أسفلها فذلك دأبه أبدا وقد مضى هذا المعنى في سورة قل أوحي وفي التفسير : أنه صخرة ملساء يكلف صعودها فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم فيقوم يهوي ألف عام من قبل أن يبلغ قرار جهنم يحترق في كل يوم سبعين مرة ثم يعاد خلقا جديدا وقال بن عباس : المعنى سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه ونحوه عن الحسن وقتادة وقيل : إنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه < <
المدثر : ( 18 ) إنه فكر وقدر > > < > ( المدثر 18 : 25 ) <
> قوله تعالى : ( إنه فكر وقدر ) يعني الوليد فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن وقدر أي هيأ الكلام في نفسه والعرب تقول : قدرت الشيء إذا هيأته وذلك أنه لما نزل : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم إلى قوله : إليه المصير سمعه الوليد يقرؤها فقال : والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وما يقول هذا بشر فقالت قريش : صبا الوليد لتصبون قريش كلها وكان يقال للوليد ريحانة قريش فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه فمضى إليه حزينا فقال له : مالي أراك حزينا فقال له : ومالي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وتدخل على بن أبي كبشة وبن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما فغضب الوليد وتكبر وقال : أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه فأنتم تعرفون قدر مالي واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه قط يخنق قالوا : لا والله قال : وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط قالوا : لا والله قال : فتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط قالوا : لا والله قال : فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا فهل رأيتموه كذلك قالوا : لا والله وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي الصادق الأمين من كثرة صدقه فقالت قريش للوليد : فما هو ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس فقال : ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فذلك قوله تعالى : إنه فكر أي في أمر محمد والقرآن وقدر في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما ( فقتل ) أي لعن وكان بعض أهل التأويل يقول : معناها فقهر وغلب وكل مذلل مقتل قال الشاعر وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري : عذب وهو من باب الدعاء ( كيف قدر ) قال ناس : كيف تعجيب كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه : كيف فعلت هذا وذلك كقوله : أنظر كيف ضربوا لك الأمثال ( ثم قتل ) أي لعن لعنا بعد لعن وقيل : فقتل بضرب من العقوبة ثم قتل بضرب آخر من العقوبة ( كيف قدر ) أي على أي حال قدر ( ثم نظر ) بأي شيء يرد الحق وبدفعه ( ثم عبس ) أي قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين وذلك أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من القول في محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر مر على جماعة من المسلمين فدعوه إلى الإسلام فعبس في وجوههم قيل : عبس وبسر على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه والعبس مخففا مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا : إذا قطب والعبس ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها قال أبو النجم : كأن في أذنابهن الشول من عبس الصيف قرون الأيل ( وبسر ) أي كلح وجهه وتغير لونه قاله قتادة والسدي ومنه قول بشر بن أبي خازم : صبحنا تميما غداة الجفار بشهباء ملمومة باسره وقال آخر : وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقيل : إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة وقال قوم : بسر : وقف لا يتقدم ولا يتأخر قالوا : وكذلك يقول أهل اليمن إذا وقف المركب فلم يجيء ولم يذهب : قد بسر المركب وأبسر أي وقف وقد أبسرنا والعرب تقول : وجه باسر بين البسور : إذا تغير واسود ( ثم أدبر ) أي ولى وأعرض ذاهبا إلى أهله ( واستكبر ) أي تعظم عن أن يؤمن وقيل : أدبر عن الإيمان واستكبر حين دعي إليه ( فقال إن هذا ) أي ما هذا الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ( إلا سحر يؤثر ) أي يأثره عن غيره والسحر : الخديعة وقد تقدم بيانه في سورة البقرة وقال قوم : السحر : إظهار الباطل في صورة الحق والأثرة : مصدر قولك : أثرت الحديث آثره إذا ذكرته عن غيرك ومنه قيل : حديث مأثور : أي ينقله خلف عن سلف قال امرؤ القيس : ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد لقلت من القول ما لا يزا ل يؤثر عني يد المسند يريد : آخر الدهر وقال الأعشى : إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والآثر ويروى : بين ( أي ما هذا إلا قول البشر ) أي ماهذا إلا كلام المخلوقين يختدع به القلوب كما تختدع بالسحر قال السدي : يعنون أنه من قول سيار عبد لبني الحضرمي كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك وقيل : أراد أنه تلقنه من أهل بابل وقيل : عن مسيلمة وقيل : عن عدي الحضرمي الكاهن وقيل : إنما تلقنه ممن ادعى النبوة قبله فنسج على منوالهم قال أبو سعيد الضرير : إن هذا إلا أمر سحر يؤثر أي يورث < <
المدثر : ( 26 ) سأصليه سقر > > < > ( المدثر 26 : 29 ) < > قوله تعالى : ( سأصليه سقر ) أي سأدخله سقر كي يصلى حرها وإنما سميت سقر من سقرته الشمس : إذا أذابته ولوحته وأحرقت جلدة وجهه ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال بن عباس : هي الطبق السادس من جهنم وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سأل موسى ربه فقال : أي رب أي عبادك أفقر قال صاحب سقر ( ذكره الثعلبي : ( وما أدراك ما سقر ) هذه مبالغة في وصفها أي وما أعلمك أي شيء هي وهي كلمة تعظيم وكرر اللفظ تأكيدا ثم فسر حالها فقال : ( لا تبقي ولا تذر ) أي لا تترك لهم عظما ولا لحما ولا دما إلا أحرقته وكرر اللفظ تأكيدا وقيل : لا تبقي منهم شيئا ثم يعادون خلقا جديدا فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبدا وقال مجاهد : لا تبقى من فيها حيا ولا تذره ميتا تحرقهم كلما جددوا وقال السدي : لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما ( لواحة للبشر ) أي مغيرة من لاحه إذا غيره وقراءة العامة لواحة بالرفع نعت لسقر في قوله تعالى : وما أدراك ما سقر وقرأ عطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر لواحة بالنصب على الاختصاص للتهويل وقال أبو رزين : تلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سوادا من الليل وقاله مجاهد والعرب تقول : لاحه البرد والحر والسقم والحزن : إذا غيره ومنه قول الشاعر : تقول ما لا حك يا مسافر يا بنة عمي لاحني الهواجر وقال آخر : وتعجب هند أن رأتني شاحبا تقول لشيء لوحته السمائم وقال رؤبة بن العجاج : لوح منه بعد بدن وسنق تلويحك الضامر يطوي للسبق وقيل : إن اللوح شدة العطش يقال : لاحة العطش ولوحه أي غيره والمعنى أنها معطشة للبشر أي لأهلها قاله الأخفش وأنشد : سقتني على لوح من الماء شربة سقاها بها الله الرهام الغواديا يعني باللوح شدة العطش والتاح أي عطش والرهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرهام وقال بن عباس : لواحة أي تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام الحسن وبن كيسان : تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا نظيره : وبرزت الجحيم للغاوين وفي البشر وجهان : أحدهما أنه الإنس من أهل النار قاله الأخفش والأكثرون الثاني أنه جمع بشرة وهي جلدة الإنسان الظاهرة قاله مجاهد وقتادة وجمع البشر أبشار وهذا على التفسير الأول وأما على تفسير بن عباس فلا يستقيم فيه إلا الناس لا الجلود لأنه من لاح الشيء يلوح : إذالمع < < المدثر : ( 30 ) عليها تسعة عشر > > < > ( المدثر 30 : 31 ) <
> قوله تعالى : ( عليها تسعة عشر ) أي على سقر تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها مالك وثمانية عشر ملكا ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم وعلى هذا أكثر المفسرين الثعلبي : ولا ينكر هذا فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق وقال بن جريج : نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال : ( فكأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرميهم في النار ويرمي فوقهم الجبل ( قلت : وذكر بن المبارك قال : حدثنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال : كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية : وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر فقال ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكا قال : قلت : لا بل تسعة عشر ملكا فقال : وأنى تعلم ذلك فقلت : لقول الله عز وجل : وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا قال : صدقت هم تسعة عشر ملكا بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها في النار سبعين ألفا وعن عمرو بن دينار : كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر خرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم قالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد غلب أصحابك اليوم فقال : ( وماذا غلبوا ( قال : سألهم يهود : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم قال : ( فماذا قالوا ( قال : قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا قال : ( أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة علي بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك ( فلما جاؤوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم قال : ( هكذا وهكذا ( في مرة عشرة وفي مرة تسعة قالوا : نعم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما تربة الجنة ( قال : فسكتوا هنيهة ثم قالوا : أخبزة يا أبا القاسم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخبز من الدرمك ( قال أبو عيسى : هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر وذكر بن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : ( ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب ( وقال بن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم قلت : والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال الله تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ( وقال بن عباس وقتادة والضحاك : لما نزل : عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم أسمع بن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم أي العدد والشجعان فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم قال السدي : فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة ثم تمرون إلى الجنة يقولها مستهزئا في رواية : أن الحرث بن كلدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين وقيل : إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار فنزل قوله تعالى : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم وقيل : جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة ولا يستروحون إليهم ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له فتؤمن هوادتهم ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا ( وماجعلنا عدتهم إلا فتنة ) أي بلية وروي عن بن عباس من غير وجه قال : ضلالة للذين كفروا يريد أبا جهل وذويه وقيل : إلا عذابا كما قال تعالى : يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم الذاريات أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب وفي تسعة عشر سبع قراءات : قراءة العامة تسعة عشر وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان تسعة عشر بإسكان العين وعن بن عباس تسعة عشر بضم الهاء وعن أنس بن مالك تسعة وعشر وعنه أيضا تسعة وعشر وعنه أيضا تسعة أعشر ذكرها المهدوي وقال : من قرأ تسعة عشر أسكن العين لتوالي الحركات ومن قرأ تسعة وعشر جاء به على الأصل قبل التركيب وعطف عشرا على تسعة وحذف التنوين لكثرة الاستعمال وأسكن الراء من عشر على نية السكوت عليها ومن قرأ تسعة عشر فكأنه من التداخل كأنه أراد العطف وترك التركيب فرفع هاء التأنيث ثم راجع البناء وأسكن وأما تسعة أعشر : فغير معروف وقد أنكرها أبو حاتم وكذلك تسعة وعشر لأنها محمولة على تسعة أعشر والواو بدل من الهمزة وليس لذلك وجه عند النحو بينالزمخشري : وقرىء : تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين وأيمن قوله تعالى : ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم قاله بن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام ويحتمل أنه يريد الكل ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) بذلك لأنهم كلما صدقوا بما في كتاب الله آمنوا ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم ( ولا يرتاب ) أي ولا يشك ( الذين أوتوا الكتاب ) أي أعطوا الكتاب ( والمؤمنون ) أي المصدقون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر ( وليقول الذين في قلوبهم مرض ) أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة وقيل : المعنى أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ( والكافرون ) أي اليهود والنصارى ( ماذا أراد الله أي ما أراد بهذا مثلا ) يعني بعدد خزنة جهنم وقال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق فالمرض في هذه الآية الخلاف والكافرون أي مشركو العرب وعلى القول الأول أكثر المفسرين ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب وقوله تعالى إخبارا عنهم : ماذا أراد الله أي ما أراد بهذا العدد الذي ذكره حديثا أي ماهذا من الحديث قال الليث : المثل الحديث ومنه : مثل الجنة التي وعد المتقون أي حديثها والخبر عنها ( كذلك ) أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم ( يضل الله ) أي يخزي ويعمي ( من يشاء ويهدي ) أي ويرشد ( من يشاء ) كإرشاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : كذلك يضل الله عن الجنة من يشاء ويهدي إليها من يشاء ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) أي وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار إلا هو أي إلا الله جل ثناؤه وهذا جواب لأبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر وعن بن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم حنين فأتاه جبريل فجلس عنده فأتى ملك فقال : إن ربك يأمرك بكذا وكذا فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شيطانا فقال : ( يا جبريل أتعرفه ( فقال : هو ملك وما كل ملائكة ربك أعرف وقال الأوزاعي : قال موسى : ( يارب من في السماء قال ملائكتي قال كم عدتهم يارب قال : اثني عشر سبطا قال : كم عدة كل سبط قال : عدد التراب ( ذكرهما الثعلبي وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا ( قوله تعالى : ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) يعني الدلائل والحجج والقرآن وقيل : وما هي أي وما هذه النار التي هي سقر إلا ذكرى أي عظة للبشر أي للخلق وقيل : نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة قاله الزجاج وقيل : أي ما هذه العدة إلا ذكرى للبشر أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار فالكناية على هذا في قوله تعالى : وما هي ترجع إلى الجنود لأنه أقرب مذكور < <
المدثر : ( 32 ) كلا والقمر > > < > ( المدثر 32 : 48 ) <
> قوله تعالى : ( كلا والقمر ) قال الفراء : كلا صلة للقسم التقدير أي والقمر وقيل : المعنى حقا والقمر فلا يوقف على هذين التقديرين على كلا وأجاز الطبري الوقف عليها وجعلها ردا للذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار ثم أقسم على ذلك جل وعز بالقمر وبما بعده فقال : ( والليل إذا أدبر ) أي ولى وكذلك دبر وقرأ نافع وحمزة وحفص إذ أدبر الباقون إذا بألف ودبر بغير ألف وهما لغتان بمعنى يقال : دبر وأدبر وكذلك قبل الليل وأقبل وقد قالوا : أمس الدابر والمدابر قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي : ولقد قتلناكم ثناء وموحدا وتركت مرة مثل أمس الدابر ويروى المدبر وهذا قول الفراء والأخفش وقال بعض أهل اللغة : دبر الليل : إذا مضى وأدبر : أخذ في الإدبار وقال مجاهد : سألت بن عباس عن قوله تعالى : والليل إذا دبر فسكت حتى إذا دبر قال : يا مجاهد هذا حين دبر الليل وقرأ محمد بن السميقع والليل إذا أدبر بألفين وكذلك في مصحف عبد الله وأبي بألفين وقال قطرب من قرأ دبر فيعني أقبل من قول العرب دبر فلان : إذا جاء من خلفي قال أبو عمرو : وهي لغة قريش وقال بن عباس في رواية عنه : الصواب : أدبر إنما يدبر ظهر البعير واختار أبو عبيد : إذا أدبر قال : لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه ألا تراه يقول : ( والصبح إذا أسفر ) فكيف يكون أحدهما إذ والآخر إذا وليس في القرآن قسم تعقبه إذ وإنما يتعقبه إذا ومعنى أسفر : ضاء وقراءة العامة أسفر بالألف وقرأ بن السميقع : سفر وهما لغتان يقال : سفر وجه فلان وأسفر : إذا أضاء وفي الحديث : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر أي صلوا صلاة الصبح مسفرين ويقال : طولوها إلى الإسفار والإسفار : الإنارة وأسفر وجهه حسنا أي أشرق وسفرت المرأة كشفت عن وجهها فهي سافر ويجوز أن يكون من سفر الظلام أي كنسه كما يسفر البيت أي يكنس ومنه السفير : لما سقط من ورق الشجر وتحات يقال : إنما سمي سفيرا لأن الريح تسفره أي تكنسه والمسفرة : المكنسة قوله تعالى : ( إنها لإحدى الكبر ) جواب القسم أي إن هذه النار لإحدى الكبر أي لإحدى الدواهي وفي تفسير مقاتل الكبر اسم من أسماء النار وروي عن بن عباس إنها أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لإحدى الكبر أي لكبيرة من الكبائر وقيل : أي إن قيام الساعة لإحدى الكبر والكبر : هي العظائم من العقوبات قال الراجز : يا بن المعلى نزلت إحدى الكبر داهية الدهر وصماء الغير وواحدة الكبر كبرى مثل الصغرى والصغر والعظمى والعظم وقرأ العامة لإحدى وهو اسم بني ابتداء للتأنيث وليس مبنيا على المذكر نحو عقبى وأخرى وألفه ألف قطع لا تذهب في الوصل وروى جرير بن حازم عن بن كثير إنها لحدى الكبر بحذف الهمزة ( نذيرا للبشر ) يريد النار أي إن هذه النار الموصوفة نذيرا للبشر فهو نصب على الحال من المضمر في إنها قاله الزجاج وذكر لأن معناه معنى العذاب أو أراد ذات إنذار على معنى النسب كقولهم : امرأة طالق وطاهر وقال الخليل : النذير : مصدر كالنكير ولذلك يوصف به المؤنث وقال الحسن : والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها وقيل : المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم أي قم نذيرا للبشر أي مخوفا لهم فنذيرا حال من قم في أول السورة حين قال : قم فأنذر المدثر قال أبو علي الفارسي وبن زيد وروي عن بن عباس وأنكره الفراء بن الأنباري : وقال بعض المفسرين معناه يأيها المدثر قم نذيرا للبشر وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وقيل : هو من صفة الله تعالى روى أبو معاوية الضرير : حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين نذيرا للبشر قال : يقول الله عز وجل : أنا لكم منها نذير فاتقوها ونذيرا على هذا نصب على الحال أي وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة منذرا بذلك البشر وقيل : هو حال من هو في قوله تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو وقيل : هو في موضع المصدر كأنه قال : إنذار للبشر قال الفراء : يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار أي أنذر إنذارا فهو كقوله تعالى : فكيف كان نذير أي إنذاري فعلى هذا يكون راجعا إلى أول السورة أي قم فأنذر أي إنذارا وقيل : هو منصوب بإضمار فعل وقرأ بن أبي عبلة نذير بالرفع على إضمار هو وقيل : أي إن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد قوله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) الللام متعلقة ب نذيرا أي نذيرا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية نظيره : ولقد علمنا المستقدمين منكم أي في الخير ولقد علمنا المستأخرين عنه قال الحسن : هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وقال بعض أهل التأويل : معناه لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر فالمشيئة متصلة بالله جل ثناؤه والتقديم الإيمان والتأخير الكفر وكان بن عباس يقول : هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جوزي بثواب لا ينقطع ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا صلى الله عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع وقال السدي : لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها أو يتأخر عنها إلى الجنة قوله تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) أي مرتهنة بكسبها مأخوذة بعملها إما خلصها وإما أوبقها وليست رهينة تأنيث رهين في قوله تعالى : كل امرئ بما كسب رهين الطور لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وإنما هو اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهين ومنه بيت الحماسة : أبعد الذي بالنعف نعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل كأنه قال رهن رمس والمعنى : كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك ( إلا أصحاب اليمين ) فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم واختلف في تعيينهم فقال بن عباس : الملائكة علي بن أبي طالب : أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم الضحاك : الذين سبقت لهم من الله الحسنى ونحوه عن بن جريج قال : كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين وهم أهل الجنة فإنهم لا يحاسبون وكذا قال مقاتل أيضا : هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق حين قال الله لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال الحسن وبن كيسان : هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم وعن أبي ظبيان عن بن عباس قال : هم المسلمون وقيل : إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان وقيل : هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وقال أبو جعفر الباقر : نحن وشيعتنا أصحاب اليمين وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون وقال الحكم : هم الذين اختارهم الله لخدمته فلم يدخلوا في الرهن لأنهم خدام الله وصفوته وكسبهم لم يضرهم وقال القاسم : كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل والرحمة دون الكسب والخدمة فكل من اعتمد على الكسب فهو مرهون وكل من اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به ( في جنات ) أي في بساتين ( يتساءلون ) أي يسألون ( ) أي المشركين ( ما سلككم ) أي أدخلكم ( في سقر ) كما تقول : سلكت الخيط في كذا أي أدخلته فيه قال الكلبي : فيسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه فيقول له : يا فلان وفي قراءة عبد الله بن الزبير ( يا فلان ما سلكك في سقر ( وعنه قال : قرأ عمر بن الخطاب يا فلان ما سلككم في سقر وهي قراءة على التفسير لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن قاله أبو بكر بن الأنباري وقيل : إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم فتسأل الملائكة المشركين فيقولون لهم : ما سلككم في سقر قال الفراء : في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين الولدان لأنهم لا يعرفون الذنوب ( قالوا ) يعني أهل النار ( لم نك من المصلين ) أي المؤمنين الذين يصلون ( ولم نك نطعم المسكين ) أي لم نك نتصدق ( وكنا نخوض مع الخائضين ) أي كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم وقال بن زيد : نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو قولهم لعنهم الله كاهن مجنون شاعر ساحر وقال السدي : أي وكنا نكذب مع المكذبين وقال قتادة : كلما غوى غاو غوينا معه وقيل معناه : وكنا أتباعا ولم نكن متبوعين ( وكنا نكذب بيوم الدين ) أي لم نك نصدق بيوم القيامة يوم الجزاء والحكم قوله تعالى : ( حتى أتانا اليقين ) أي جاءنا ونزل بنا الموت ومنه قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين قوله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم ثم شفع فيهم فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة فأخرجوا من النار وليس للكفار شفيع يشفع فيهم وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة : جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء ويبقى قوم في جهنم فيقال لهم : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين إلى قوله : فما تنفعهم شفاعة الشافعين قال عبد الله بن مسعود : فهؤلاء هم الذين يبقون في جهنم وقد ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة < <
المدثر : ( 49 ) فما لهم عن . . . . . > > < > ( المدثر 49 : 53 ) < > قوله تعالى : ( فما لهم عن التذكرة معرضين ) أي فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عما جئتم به وفي تفسير مقاتل : الإعراض عن القرآن من وجهين : أحدهما الجحود والإنكار والوجه الآخر ترك العمل بما فيه ومعرضين نصب على الحال من الهاء والميم في لهم وفي اللام معنى الفعل فانتصاب الحال على معنى الفعل ( كأنهم ) أي كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم ( حمر مستنفرة ) قال بن عباس : أراد الحمر الوحشية وقرأ نافع وبن عامر بفتح الفاء أي منفرة مذعورة واختاره أبو عبيد وأبو حاتم الباقون بالكسر أي نافرة يقال : نفرت واستنفرت بمعنى مثل عجبت واستعجبت وسخرت واستسخرت وأنشد الفراء : أمسك حمارك إنه مستنفر في إثر أحمرة عمدن لغرب قوله تعالى : ( فرت ) أي نفرت وهربت ( من قسورة ) أي من رماة يرمونها وقال بعض أهل اللغة : إن القسورة الرامي وجمعه القسورة وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وبن كيسان : القسورة : هم الرماة والصيادون ورواه عطاء عن بن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري وقيل : إنه الأسد قاله أبو هريرة وبن عباس أيضا بن عرفة : من القسر بمعنى القهر أي إنه يقهر السباع والحمر الوحشية تهرب من السباع وروى أبو جمرة عن بن عباس قال : ما أعلم القسورة الأسد في لغة أحد من العرب ولكنها عصب الرجال قال : فالقسورة جمع الرجال وأنشد : يا بنت كوني خيرة لخيره أخوالها الجن وأهل القسورة وعنه : ركز الناس أي حسهم وأصواتهم وعنه أيضا : فرت من قسورة أي من حبال الصيادين وعنه أيضا : القسورة بلسان العرب : الأسد وبلسان الحبشة : الرماة وبلسان فارس : شير وبلسان النبط : أريا وقال بن الأعرابي : القسورة : أول الليل أي فرت من ظلمة الليل وقاله عكرمة أيضا وقيل : هو أول سواد الليل ولا يقال لآخر سواد الليل قسورة وقال زيد بن أسلم : من رجال أقوياء وكل شديد عند العرب فهو قسورة وقسور وقال لبيد بن ربيعة : إذا ما هتفنا هتفة في ندينا أتانا الرجال العائدون القساور قوله تعالى : ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفا منشرة ) أي يعطى كتبا مفتوحة وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد ايتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها : إني قد أرسلت إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم نظيره : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه وقال بن عباس : كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار قال مطر الوراق : أرادوا أن يعطوا بغير عمل وقال الكلبي : قال المشركون : بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك وقال مجاهد : أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل : إلى فلان بن فلان وقيل : المعنى أن يذكر بذكر جميل فجعلت الصحف موضع الذكر مجازا وقالوا : إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ذلك ( كلا ) أي ليس يكون ذلك وقيل : حقا والأول أجود لأنه رد لقولهم ( بل لا يخافون الآخرة ) أي لا أعطيهم ما يتمنون لأنهم لا يخافون الآخرة اغترارا بالدنيا وقرأ سعيد بن جبير صحفا منشرة بسكون الحاء والنون فأما تسكين الحاء فتخفيف وأما النون فشاذ إنما يقال : نشرت الثوب وشبهه ولا يقال أنشرت ويجوز أن يكون شبه الصحيفة بالميت كأنها ميتة بطيها فإذا نشرت حييت فجاء على أنشر الله الميت كما شبه إحياء الميت بنشر الثوب فقيل فيه نشر الله الميت فهي لغة فيه < <
المدثر : ( 54 ) كلا إنه تذكرة > > < > ( المدثر 54 : 56 ) < > قوله تعالى : ( كلا إنه تذكرة ) أي حقا إن القرآن عظة ( فمن شاء ذكره ) أي اتعظ به ( وما يذكرون ) أي وما يتعظون ( إلا أن يشاء الله ) أي ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا بمشيئة الله ذلك لهم وقراءة العامة يذكرون بالياء واختاره أبو عبيد لقوله تعالى : كلا بل لا يخافون الآخرة وقرأ نافع ويعقوب بالتاء واختاره أبو حاتم لأنه أعم واتفقوا على تخفيفها ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) في الترمذي وسنن بن ماجة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال : ( قال الله تبارك وتعالى أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له ( لفظ الترمذي وقال فيه : حديث حسن غريب وفي بعض التفسير : هو أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبار وأهل المغفرة أيضا للذنوب الصغار باجتناب الذنوب الكبار وقال محمد بن نصر : أنا أهل أن يتقيني عبدي فإن لم يفعل كنت أهلا أن أغفر له وأرحمه وأنا الغفور الرحيم < > تفسير سورة القيامة < > مكية وهي تسع وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < القيامة : ( 1 ) لا أقسم بيوم . . . . . > > < > ( القيامه 1 : 6 ) <
> قوله تعالى : ( لاأقسم بيوم القيامة ) قيل : إن لا صلة وجاز وقوعها في أول السورة لأن القرآن متصل بعضه ببعض فهو في حكم كلام واحد ولهذا قد يذكر الشيء في سورة ويجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى : وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وجوابه في سورة أخرى : ما أنت بنعمة ربك بمجنون ومعنى الكلام : أقسم بيوم القيامة قاله بن عباس وبن جبير وأبو عبيدة ومثله قول الشاعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة فكاد صميم القلب لا يتقطع وحكى أبو الليث السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى لا أقسم أقسم واختلفوا في تفسير لا قال بعضهم : لا زيادة في الكلام للزينة ويجري في كلام العرب زيادة لا كما قال في آية أخرى : قال ما منعك أن لا تسجد ص يعني أن تسجد وقال بعضهم : لا : رد لكلامهم حيث أنكروا البعث فقال : ليس الأمر كما زعمتم قلت : وهذا قول الفراء قال الفراء : وكثير من النحويين يقولون لا صلة ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة لأن هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار فجاء الإقسام بالرد عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه وغير المبتدأ وذلك كقولهم لا والله لا أفعل فلا رد لكلام قد مضى وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق كأنك أكذبت قوما أنكروه وأنشد غير الفراء لامرئ القيس : فلا وأبيك ابنة العامر ي لا يدعي القوم أني أفر وقال غوية بن سلمى : ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فلا بك ما أبالي وفائدتها توكيد القسم في الرد قال الفراء : وكان من لا يعرف هذه الجهة يقرأ لأقسم بغير ألف كأنها لام تأكيد دخلت على أقسم وهو صواب لأن العرب تقول : لأقسم بالله وهي قراءة الحسن وبن كثير والزهري وبن هرمز ( بيوم القيامة ) أي بيوم يقوم الناس فيه لربهم ولله عز وجل أن يقسم بما شاء ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) لا خلاف في هذا بين القراء وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيما لشأنه ولم يقسم بالنفس وعلى قراءة بن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية وقيل : ولا أقسم بالنفس اللوامة رد آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة قال الثعلبي : والصحيح أنه أقسم بهما جميعا ومعنى : بالنفس اللوامة أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أردت بكذا فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله بن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم قال الحسن : هي والله نفس المؤمن ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلامى ما أردت بأكلي ما أردت بحديث نفسي والفاجر لا يحاسب نفسه وقال مجاهد : هي التي تلوم على ما فات وتندم فتلوم نفسها على الشر لم فعلته وعلى الخير لم لا تستكثر منه وقيل : إنها ذات اللوم وقيل : إنها تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها فعلى هذه الوجوه تكون اللوامة بمعنى اللائمة وهو صفة مدح وعلى هذا يجيء القسم بها سائغا حسنا وفي بعض التفسير : إنه آدم عليه السلام لم يزل لائما لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة وقيل : اللوامة بمعنى الملومة المذمومة عن بن عباس ايضا فهي صفة ذم وهو قول من نفى أن يكون قسما إذ ليس للعاصي خطر يقسم به فهي كثيرة اللوم وقال مقاتل : هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله وقال الفراء : ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانا والمسيء يلوم نفسه ألا يكون أرعوى عن إساءته قوله تعالى : ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ) فنعيدها خلقا جديدا بعد أن صارت رفاتا قال الزجاج : أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة : ليجمعن العظام للبعث فهذا جواب القسم وقال النحاس : جواب القسم محذوف أي لتبعثن ودل عليه قوله تعالى : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه للإحياء والبعث والإنسان هنا الكافر المكذب للبعث الآية نزلت في عدي بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : حدثني عن يوم القيامة متى تكون وكيف أمرها وحالها فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به أو يجمع الله العظام ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللهم أكفني جاري السوء عدي بن ربيعة والأخنس بن شريق ( وقيل : نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت وذكر العظام والمراد نفسه كلها لأن العظام قالب الخلق ( بلى ) وقف حسن ثم تبتدئ ( قادرين ) قال سيبويه : على معنى نجمعها قادرين فقادرين حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرناه من التقدير وقيل : المعنى بل نقدر قادرين قال الفراء : قادرين نصب على الخروج من نجمع أي نقدر ونقوى قادرين على أكثر من ذلك وقال أيضا : يصلح نصبه على التكرير أي بلى فليحسبنا قادرين وقيل : المضمر [ كنا ] أي كنا قادرين في الابتداء وقد اعترف به المشركون وقرأ بن أبي عبلة وبن السميقع بلى قادرون بتأويل نحن قادرون ( على أن نسوي بنانه ) البنان عند العرب : الأصابع واحدها بنانة قال النابغة : بمخضب رخص كأن بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد وقال عنترة : وأن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندواني فنبه بالبنان على بقية الأعضاء وأيضا فإنها أصغر العظام فخصها بالذكر لذلك قال القتبي والزجاج : وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام فقال الله تعالى : بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى تستوي ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر وقال بن عباس وعامة المفسرين : المعنى على أن نسوي بنانه أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو كحافر الحمار أو كظلف الخنزير ولا يمكنه أن يعمل به شيئا ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء وكان الحسن يقول : جعل لك أصابع فأنت تبسطهن وتقبضهن بهن ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك وقيل : أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها وهو كقوله تعالى : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون الواقعة قلت : والتأويل الأول أشبه بمساق الآية والله أعلم قوله تعالى : ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) قال بن عباس : يعني الكافر يكذب بما أمامه من البعث والحساب وقاله عبد الرحمن بن زيد ودليله : ( يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون على وجه الإنكار والتكذيب فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب ولكن يأثم لما بين يديه ومما يدل على أن الفجور التكذيب ما ذكره القتبي وغيره : أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشكا إليه نقب إبله ودبرها وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله فقال الأعرابي : أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر يعني إن كان كذبني فيما ذكرت وعن بن عباس أيضا : يعجل المعصية ويسوف التوبة وفي بعض الحديث قال : يقول سوف أتوب ولا يتوب فهو قد أخلف فكذب وهذا قول مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير يقول : سوف أتوب سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أشر أحواله وقال الضحاك : هو الأمل يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا ولا يذكر الموت وقيل : أي يعزم على المعصية أبدا وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة فالهاء على هذه الأقوال للإنسان وقيل : الهاء ليوم القيامة والمعنى بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة والفجور أصله الميل عن الحق يسأل أيان يوم القيامة أي متى يوم القيامة < <
القيامة : ( 7 ) فإذا برق البصر > > < > ( القيامه 7 : 13 ) <
> قوله تعالى : ( فإذا برق البصر ) قرأ نافع وأبان عن عاصم برق بفتح الراء معناه : لمع بصره من شدة شخوصه فتراه لا يطرف قال مجاهد وغيره : هذا عند الموت وقال الحسن هذا يوم القيامة وقال فيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان كأنه يوم القيامة إذا برق البصر وخسف القمر والباقون بالكسر برق ومعناه : تحير فلم يطرف قاله أبو عمرو والزجاج وغيرهما قال ذو الرمة : ولو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه مي سافرا كاد يبرق الفراء والخليل : برق بالكسر : فزع وبهت وتحير والعرب تقول للإنسان المتحير المبهوت : قد برق فهو برق وأنشد الفراء : فنفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك وقيل : برق يبرق بالفتح : شق عينيه وفتحهما قاله أبو عبيدة وأنشد قول الكلابي : لما أتاني بن عمير راغبا أعطيته عيسا صهابا فبرق أي فتح عينيه وقيل : إن كسر الراء وفتحها لغتان بمعنى قوله تعالى : ( وخسف القمر ) أي ذهب ضوئه والخسوف في الدنيا إلى انجلاء بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوئه ويحتمل أن يكون بمعنى غاب ومنه قوله تعالى : فخسفنا به وبداره الأرض وقرأ بن أبي إسحاق وعيسى والأعرج : وخسف القمر بضم الخاء وكسر السين يدل عليه وجمع الشمس والقمر وقال أبو حاتم محمد بن إدريس : إذا ذهب بعضه فهو الكسوف وإذا ذهب كله فهو الخسوف ( وجمع الشمس والقمر ) أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه قاله الفراء والزجاج قال الفراء : ولم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما وقال أبو عبيدة : هو على تغليب المذكر وقال الكسائي : هو محمول على المعنى كأنه قال الضوءان المبرد : التأنيث غير حقيقي وقال بن عباس وبن مسعود : جمع بينهما أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران عقيران وقد مضى الحديث بهذا المعنى في آخر سورة الأنعام وفي قراءة عبد الله وجمع بين الشمس والقمر وقال عطاء بن يسار : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى وقال علي وبن عباس : يجعلان في نور الحجب وقد يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله ولا تكون النار عذابا لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم وفي مسند أبي داود الطيالسي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار ( وقيل : هذا الجمع أنهما يجتمعان ولا يفترقان ويقربان من الناس فيلحقهم العرق لشدة الحر فكأن المعنى يجمع حرهما عليهم وقيل : يجمع الشمس والقمر فلا يكون ثم تعاقب ليل ولا نهار قوله تعالى : ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) أي يقول بن آدم ويقال : أبو جهل أي أين المهرب قال الشاعر : أين المفر والكباش تنتطح وأي كبش حاد عنها يفتضح الماوردي : ويحتمل وجهين : أحدهما أين المفر من الله استحياء منه الثاني أين المفر من جهنم حذرا منها ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين : أحدهما أن يكون من الكافر خاصة في عرضة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه الثاني أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها وقراءة العامة المفر بفتح الفاء واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لأنه مصدر وقرأ بن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بكسر الفاء مع فتح الميم قال الكسائي : هما لغتان مثل مدب ومدب ومصح ومصح وعن الزهري بكسر الميم وفتح الفاء المهدوي : من فتح الميم والفاء من المفر فهو مصدر بمعنى الفرار ومن فتح الميم وكسر الفاء فهو الموضع الذي يفر إليه ومن كسر الميم وفتح الفاء فهو الإنسان الجيد الفرار فالمعنى أين الانسان الجيد الفرار ولن ينجو مع ذلك قلت : ومنه قول امرئ القيس : مكر مفر مقبل مدبر معا يريد أنه حسن الكر والفر جيده ( كلا ) أي لا مفر فكلا رد وهو من قول الله تعالى ثم فسر هذا الرد فقال : ( لا وزر ) أي لا ملجأ من النار وكان بن مسعود يقول : لا حصن وكان الحسن يقول : لا جبل وبن عباس يقول : لا ملجأ وبن جبير : لا محيص ولا منعة المعنى في ذلك كله واحد والوزر في اللغة : ما يلجأ إليه من حصن أو جبل أو غيرهما قال الشاعر : لعمري ما للفتى من وزر من الموت يدركه والكبر قال السدي : كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال فقال الله لهم : لا وزر يعصمكم يومئذ مني قال طرفة : ولقد تعلم بكر أننا فاضلوا الرأي وفي الروع وزر أي ملجأ للخائف ويروى : وقر : ( إلى ربك يومئذ المستقر ) أي المنتهى قاله قتادة نظيره : وأن إلى ربك المنتهى النجم وقال بن مسعود : إلى ربك المصير والمرجع قيل : أي المستقر في الآخرة حيث يقره الله تعالى إذ هو الحاكم بينهم وقيل : إن كلا من قول الإنسان لنفسه إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه : كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر قوله تعالى : ( ينبأ الإنسان ) أي يخبر بن آدم برا كان أو فاجرا ( بما قدم وأخر ) : أي بما أسلف من عمل سيء أو صالح أو أخر من سنة سيئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله بن عباس وبن مسعود وروى منصور عن مجاهد قال : ينبأ بأول عمله وآخره وقاله النخعي وقال بن عباس أيضا : أي بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة وهو قول قتادة وقال بن زيد : بما قدم من أمواله لنفسه وأخر : خلف للورثة وقال الضحاك : ينبأ بما قدم من فرض وأخر من فرض قال القشيري : وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال ويجوز أن يكون عند الموت قلت : والأول أظهر لما خرجه بن ماجة في سننه من حديث الزهري حدثني أبو عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ( وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره : من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته ( فقوله : ( بعد موته وهو في قبره ( نص على أن ذلك لا يكون عند الموت وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن عمله وإن كان يبشر بذلك في قبره ودل على هذا أيضا قوله الحق : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم العنكبوت وقوله تعالى : ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم النحل وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال والله أعلم وفي الصحيح : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ( < <
القيامة : ( 14 ) بل الإنسان على . . . . . > > < > ( القيامه 14 : 15 ) <
> قوله تعالى : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) قال الأخفش جعله هو البصيرة كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك وقال بن عباس : بصيرة أي شاهد وهو شهود جوارحه عليه : يداه بما بطش بهما ورجلاه بما مشى عليهما وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة : الشاهد وأنشد الفراء : كأن على ذي العقل عينا بصيرة بمقعده أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب الناس كلهم من الخوف لا تخفى عليهم سرائره ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون النور وجاء تأنيث البصيرة لأن المراد بالإنسان ها هنا الجوارح لأنها شاهدة على نفس الإنسان فكأنه قال : بل الجوارح على نفس الإنسان بصيرة قال معناه القتبي وغيره وناس يقولون : هذه الهاء في قوله : بصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة كالهاء في قولهم : داهية وعلامة وراوية وهو قول أبي عبيد وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر يدل عليه قوله تعالى : ولو ألقى معاذيره فيمن جعل المعاذير الستور وهو قول السدي والضحاك وقال بعض أهل التفسير : المعنى بل على الإنسان من نفسه بصيرة أي شاهد فحذف حرف الجر ويجوز أن يكون بصيرة نعتا لأسم مؤنث فيكون تقديره : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة وأنشد الفراء : كأن على ذي العقل عينا بصيرة وقال الحسن في قوله تعالى : بل الإنسان على نفسه بصيرة يعني بصير بعيوب غيره جاهل بعيوب نفسه ( ولو ألقى معاذيره ) أي ولو أرخى ستوره والستر بلغة أهل اليمن : معذار قاله الضحاك وقال الشاعر : ولكنه ا ضن ت بمن زل ساع ة علينا وأطت فوقها بالمعاذر قال الزجاج : المعاذر : الستور والواحد معذار أي وإن أرخى ستره يريد أن يخفي عمله فنفسه شاهدة عليه وقيل : أي ولو اعتذر فقال لم أفعل شيئا لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذب عذره قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسدي أيضا ومقاتل قال مقاتل : أي لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك نظيره قوله تعالى : يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم وقوله : ولا يؤذن لهم فيعتذرون المرسلات فالمعاذير على هذا : مأخوذ من العذر قال الشاعر : وإياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر واعتذر رجل إلى إبراهيم النخعي فقال له : قد عذرتك غير معتذر إن المعاذير يشوبها الكذب وقال بن عباس : ولو ألقى معاذيره أي لو تجرد من ثيابه حكاه الماوردي قلت : والأظهر أنه الإدلاء بالحجة والاعتذار من الذنب ومنه قول النابغة : ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت فإن صاحبها مشارك الكند والدليل على هذا قوله تعالى في الكفار : والله ربنا ما كنا مشركين وقوله تعالى في المنافقين : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم المجادلة وفي الصحيح أنه يقول : ( يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ( الحديث وقد تقدم في حم السجدة وغيرها والمعاذير والمعاذر : جمع معذرة ويقال : عذرته فيما صنع أعذره عذرا وعذرا والأسم المعذرة والعذرى قال الشاعر : إني حددت ولا عذري لمحدود وكذلك العذرة وهي مثل الركبة والجلسة قال النابغة : ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت فإن صاحبها قد تاه في البلد وتضمنت هذه الآية خمس مسائل : الأولى قال القاضي أبو بكر بن العربي قوله تعالى : بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره : فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه لأنها بشهادة منه عليها قال الله سبحانه وتعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ولا خلاف فيه لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه لأن العاقل لايكذب على نفسه وهي المسألة : الثانية وقد قال سبحانه في كتابه الكريم : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ثم قال تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وهو في الآثار كثير قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ( فأما إقرار الغير على الغير بوارث أو دين فقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون فيقول أحدهم : إن أبي قد أقر أن فلانا ابنه أن ذلك النسب لايثبت بشهادة إنسان واحد ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من مال أبيه يعطي الذي شهد له قدر الدين الذي يصيبه من المال الذي في يده قال مالك : وتفسير ذلك أن يهلك الرجل ويترك ابنين ويترك ستمائة دينار ثم يشهد أحدهما بأن أباه الهالك أقر أن فلانا ابنه فيكون على الذي شهد الذي استحق مائة دينار وذلك نصف ميراث المستلحق لو لحق وإن أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى فاستكمل حقه وثبت نسبه وهو أيضا بمنزلة المرأة تقر بالدين على أبيها أو على زوجها وينكر ذلك الورثة فعليها أن تدفع إلى الذي أقرت له قدر الذي يصيبها من ذلك الدين لو ثبت على الورثة كلهم إن كانت امرأة فورثت الثمن دفعت إلى الغريم ثمن دينه وإن كانت ابنة ورثت النصف دفعت إلى الغريم نصف دينه على حساب هذا يدفع إليه من أقر له من النساء الثالثة لايصح الإقرار إلا من مكلف لكن بشرط ألا يكون محجورا عليه لأن الحجر يسقط قوله إن كان لحق نفسه فإن كان لحق غيره كالمريض كان منه ساقط ومنه جائز وبيانه في مسائل الفقه وللعبد حالتان في الإقرار : إحداهما في ابتدائه ولا خلاف فيه على الوجه المتقدم والثانية في انتهائه وذلك مثل إبهام الإقرار وله صور كثيرة وأمهاتها ست : الصورة الأولى أن يقول له عندي شيء قال الشافعي : لو فسره بتمرة أو كسرة قبل منه والذي تقتضيه أصولنا أنه لايقبل إلا فيما له قدر فإذا فسره به قبل منه وحلف عليه الصورة الثانية أن يفسر هذا بخمر أو خنزير أو مالا يكون مالا في الشريعة : لم يقبل باتفاق ولو ساعده عليه المقر له الصورة الثالثة أن يفسره بمختلف فيه مثل جلد الميتة أو سرقين أو كلب فإن الحاكم يحكم عليه في ذلك بما يراه من رد وإمضاء فإن رده لم يحكم عليه حاكم آخر غيره بشيء لأن الحكم قد نفذ بإبطاله وقال بعض أصحاب الشافعي : يلزم الخمر والخنزير وهو قول باطل وقال أبو حنيفة : إذا قال له علي شيء لم يقبل تفسيره إلا بمكيل أو موزون لأنه لايثبت في الذمة بنفسه إلا هما وهذا ضعيف فإن غيرهما يثبت في الذمة إذا وجب ذلك إجماعا الصورة الرابعة إذا قال له : عندي مال قبل تفسيره بما لا يكون مالا في العادة كالدرهم والدرهمين ما لم يجيء من قرينه الحال ما يحكم عليه بأكثر منه الصورة الخامسة أن يقول له : عندي مال كثير أو عظيم فقال الشافعي : يقبل في الحبة وقال أبو حنيفة : لا يقبل إلا في نصاب الزكاة وقال علماؤنا في ذلك أقوالا مختلفة منها نصاب السرقة والزكاة والدية وأقله عندي نصاب السرقة لأنه لايبان عضو المسلم إلا في مال عظيم وبه قال أكثر الحنفية ومن يعجب فيتعجب لقول الليث بن سعد : إنه لايقبل في أقل من اثنين وسبعين درهما فقيل له : ومن أين تقول ذلك قال : لأن الله تعالى قال : لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين وغزواته وسراياه كانت اثنتين وسبعين وهذا لايصح لأنه أخرج حنينا منها وكان حقه أن يقول يقبل في أحد وسبعين وقد قال الله تعالى : اذكروا الله ذكرا كثيرا وقال : لاخير في كثير من نجواهم وقال : والعنهم لعنا كبيرا الصورة السادسة إذا قال له : عندي عشرة أو مائة أو ألف فإنه يفسرها بما شاء ويقبل منه فإن قال ألف درهم أو مائة وعبد أو مائة وخمسون درهما فإنه يفسر المبهم ويقبل منه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا كقوله : مائة وخمسون درهما لأن الدرهم تفسير للخمسين والخمسين تفسير للمائة وقال بن خيران الإصطخري من أصحاب الشافعي : الدرهم لايكون تفسيرا في المائة والخمسين إلا للخمسين خاصة ويفسر هو المائة بما شاء المسألة الرابعة قوله تعالى : ولو ألقى معاذيره ومعناه لو اعتذر بعد الإقرار لم يقبل منه وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقر في الحدود التي هي خالص حق الله فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة : يقبل رجوعه بعد الإقرار وقال به مالك في أحد قوليه وقال في القول الآخر : لا يقبل إلا أن يذكر لرجوعه وجها صحيحا والصحيح جواز الرجوع مطلقا لما روى الأئمة منهم البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رد المقر بالزنى مرارا أربعا كل مرة يعرض عنه ولما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبك جنون ( قال : لا قال : ( أحصنت ( قال : نعم وفي حديث البخاري : ( لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ( وفي النسائي وأبي داود : حتى قال له في الخامسة ( أجامعتها ( قال : نعم قال : ( حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ( قال : نعم قال : ( كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ( قال : نعم ثم قال : ( هل تدري ما الزنى ( قال : نعم أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالا قال : ( فما تريد مني قال : أريد أن تطهرني قال : فأمر به فرجم قال الترمذي وأبو داود : فلما وجد مس الحجارة فر يشتد فضربه رجل بلحى جمل وضربه الناس حتى مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هلا تركتموه ( وقال أبو داود والنسائي : ليثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما لترك حد فلا وهذا كله طريق للرجوع وتصريح بقبوله وفي قوله عليه السلام : ( لعلك قبلت أو غمزت ( إشارة إلى قول مالك : إنه يقبل رجوعه إذا ذكر وجها الخامسة وهذا في الحر المالك لأمر نفسه فأما العبد فإن إقراره لا يخلو من أحد قسمين : إما أن يقر على بدنه أو على ما في يده وذمته فإن أقر على ما في بدنه فيما فيه عقوبة من القتل فما دونه نفذ ذلك عليه وقال محمد بن الحسن : لا يقبل ذلك منه لأن بدنه مستغرق لحق السيد وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإن من يبدلنا صفحته نقم عليه الحد ( المعنى : أن محل العقوبة أصل الخلقة وهي الدمية في الآدمية ولا حق للسيد فيها وإنما حقه في الوصف والتبع وهي المالية الطارئة عليه ألا ترى أنه لو أقر بمال لم يقبل حتى قال أبو حنيفة : إنه لو قال سرقت هذه السلعة أنه لم تقطع يده ويأخذها المقر له وقال علماؤنا : السلعة للسيد ويتبع العبد بقيمتها إذا عتق لأن مال العبد للسيد إجماعا فلا يقبل قوله فيه ولا إقراره عليه لا سيما وأبو حنيفة يقول : إن العبد لا ملك له ولا يصح أن يملك ولا يملك ونحن وإن قلنا إنه يصح تملكه ولكن جميع ما في يده لسيده بإجماع على القولين والله أعلم < <
القيامة : ( 16 ) لا تحرك به . . . . . > > < > ( القيامه 16 : 21 ) < > قوله تعالى : ( لاتحرك به لسانك لتعجل به ) في الترمذي : عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يريد أن يحفظه فأنزل الله تبارك وتعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به قال : فكان يحرك به شفتيه وحرك سفيان شفتيه قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ولفظ مسلم عن بن جبير عن بن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة كان يحرك شفتيه فقال لي بن عباس : أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما فقال سعيد : أنا أحركهما كما كان بن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله عز وجل : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ) قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) قال فاستمع له وأنصت ثم إن علينا أن نقرؤه قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام استمع وإذا انطلق جبريل عليه السلام قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه خرجه البخاري أيضا ونظير هذه الآية قوله تعالى : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه طه وقد تقدم وقال عامر الشعبي : إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له وحلاوته في لسانه فنهي عن ذلك حتى يجتمع لأن بعضه مرتبط ببعض وقيل : كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه فنزلت ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه طه ونزل : سنقرئك فلا تنسى ونزل : لا تحرك به لسانك قاله بن عباس وقرآنه أي وقراءته عليك والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران وقال قتادة : فاتبع قرآنه أي فاتبع شرائعه وأحكامه وقوله : ( ثم إن علينا بيانه ) أي تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام قاله قتادة وقيل : ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما وقيل : أي إن علينا أن نبينه بلسانك قوله تعالى : ( كلا ) قال بن عباس : أي إن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه وقيل : أي كلا لا يصلون ولا يزكون يريد كفار مكة ( بل تحبون ) أي بل تحبون يا كفار أهل مكة ( العاجلة ) أي الدار الدنيا والحياة فيها ( وتذرون ) أي تدعون ( الآخرة ) والعمل لها وفي بعض التفسير قال : الآخرة الجنة وقرأ أهل المدينة والكوفيون بل تحبون وتذرون بالتاء فيهما على الخطاب وأختاره أبو عبيد قال : ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء لذكر الإنسان قبل ذلك الباقون بالياء على الخبر وهو اختيار أبي حاتم فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى : ينبأ الإنسان وهو بمعنى الناس ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع لأن ذلك أبلغ في المقصود نظيره : إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا < < القيامة : ( 22 ) وجوه يومئذ ناضرة > > < > ( القيامه 22 : 25 ) <
> قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة يقال : نضرهم الله ينضرهم نضرة ونضارة وهو الإشراق والعيش والغنى ومنه الحديث ( نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها ( إلى ربها إلى خالقها ومالكها ناظرة من النظر أي تنظر إلى ربها على هذا جمهور العلماء وفي الباب حديث صهيب خرجه مسلم وقد مضى في يونس عند قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وكان بن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال : تنظر إلى ربها نظرا وكان الحسن يقول : نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم وقيل : إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب وروي عن بن عمر ومجاهد وقال عكرمة : تنتظر أمر ربها حكاه الماوردي عن بن عمر وعكرمة أيضا وليس معروفا إلا عن مجاهد وحده واحتجوا بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهذا القول ضعيف جدا خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار وفي الترمذي عن بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه إلى وجهه غدوة وعشية ( ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال هذا حديث غريب وقد روي عن بن عمرو ولم يرفعه وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جل وعز إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ( وروى جرير بن عبد الله قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ( ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب متفق عليه وخرجه أيضا أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وخرج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال : قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه قال بن معاذ : مخليا به يوم القيامة قال : ( نعم يا أبا رزين ( قال : وما آية ذلك في خلقه قال ( يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ( قال بن معاذ : ليلة البدر مخليا به قلنا : بلى قال : ( فالله أعظم ( قال بن معاذ قال : ( فإنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله أجل وأعظم ( وفي كتاب النسائي عن صهيب قال : ( فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم ( وفي التفسير لأبي إسحاق الثعلبي عن الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه فيخرون له سجدا فيقول ارفعوا رءوسكم فليس هذا بيوم عبادة ( قال الثعلبي : وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه فتأويل مدخول لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته كما قال تعالى : هل ينظرون إلا الساعة هل ينظرون إلا تأويله وما ينظرون إلا صيحة واحدة يس وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا : نظرت فيه فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان وقال الأزهري : إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار وإن قول القائل : نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين كذلك تقوله العرب لأنهم يقولون نظرت إليه : إذا أرادوا نظر العين فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته قال : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب لما أراد الانتظار قال تنظراني ولم يقل تنظران إلي وإذا أرادوا نظر العين قالوا : نظرت إليه قال : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال وقال آخر : نظرت إليها بالمحصب من منى ولي نظر لولا التحرج عارم وقال آخر : إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر أي إني أنظر إليك بذل لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسئول فأما ما استدلوا به من قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فإنما ذلك في الدنيا وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفى وقال عطية العوفي : ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ونظره يحيط بها يدل عليه : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قال القشيري أبو نصر : وقيل : إلى واحد الآلآء : أي نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء ثم الآلاء : نعمه الدفع وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمه عنهم والمنتظر للشيء متنغص العيش فلا يوصف أهل الجنة بذلك وقيل : أضاف النظر إلى الوجه وهو كقوله تعالى : تجري من تحتها الأنهار والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين قال الله تعالى : فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا يوسف أي على عينيه ثم لا يبعد قلب العادة غدا حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه وهو كقوله تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه الملك فقيل : يا رسول الله كيف يمشون في النار على وجوههم قال : ( الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ( ووجوه يومئذ باسرة ) أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة وفي الصحاح : وبسر الفحل الناقة وابتسرها : إذا ضربها من غير ضبعة وبسر الرجل وجهه بسورا أي كلح يقال : عبس وبسر وقال السدي : باسرة أي متغيرة والمعنى واحد ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) أي توقن وتعلم والفاقرة : الداهية والأمر العظيم يقال : فقرته الفاقرة : أي كسرت فقار ظهره قال معناه مجاهد وغيره وقال قتادة : الفاقرة الشر السدي : الهلاك بن عباس وبن زيد : دخول النار والمعنى متقارب وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم قاله الأصمعي يقال : فقرت أنف البعير : إذا حززته بحديدة ثم جعلت على موضع الحز الجرير وعليه وتر ملوي لتذلله بذلك وتروضه ومنه قولهم : قد عمل به الفاقرة وقال النابغة : أبى لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره أي كاسرة < <
القيامة : ( 26 ) كلا إذا بلغت . . . . . > > < > ( القيامه 26 : 30 ) <
> قوله تعالى : ( كلا إذا بلغت التراقي ) كلا ردع وزجر أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ثم استأنف فقال : إذا بلغت التراقي أي بلغت النفس أو الروح التراقي فأخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب به كقوله تعالى : حتى توارت بالحجاب ص وقوله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم وقد تقدم وقيل : كلا معناه حقا أي حقا أن المساق إلى الله إذا بلغت التراقي أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي وكان بن عباس يقول : إذا بلغت نفس الكافر التراقي والتراقي جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر موضع الحشرجة قال دريد بن الصمة ورب عظيمة دافعت عنهم وقد بلغت نفوسهم التراقي وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت قوله تعالى : ( وقيل من راق ) اختلف فيه فقيل : هو من الرقية عن بن عباس وعكرمة وغيرهما روى سماك عن عكرمة قال : من راق يرقى : أي يشفى وروى ميمون بن مهران عن بن عباس : أي هل من طبيب يشفيه وقاله أبو قلابة وقتادة وقال الشاعر : هل للفتى من بنات الدهر من واق أم هل له من حمام الموت من راق وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس أي من يقدر أن يرقي من الموت وعن بن عباس أيضا وأبي الجوزاء أنه من رقي يرقى : إذا صعد والمعنى : من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب وقيل : إن ملك الموت يقول من راق أي من يرقى بهذه النفس وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها فيقول ملك الموت : يا فلان اصعد بها وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى : من راق واللام في قوله : بل ران لئلا يشبه مراق وهو بائع المرقة وبران في تثنية البر والصحيح ترك الإظهار وكسرة القاف في من راق وفتحة النون في بل ران تكفي في زوال اللبس وأمثل مما ذكر : قصد الوقف على من وبل فأظهرهما قاله القشيري قوله تعالى : ( وظن ) أي أيقن الإنسان ( أنه الفراق ) أي فراق الدنيا والأهل والمال والولد وذلك حين عاين الملائكة قال الشاعر فراق ليس يشبهه فراق قد انقطع الرجاء عن التلاق ( والتفت الساق بالساق ) أي فاتصلت الشدة بالشدة شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة قاله بن عباس والحسن وغيرهما وقال الشعبي وغيره : المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب وقال قتادة : أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضا : هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن وقال زيد بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت وقال الحسن أيضا : ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه ولقد كان عليهما جوالا قال النحاس : القول الأول أحسنها وروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس : والتفت الساق بالساق قال : آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع والدليل على هذا قوله تعالى : إلى ربك يومئذ المساق وقال مجاهد : بلاء ببلاء يقول : تتابعت عليه الشدائد وقال الضحاك وبن زيد : اجتمع عليه أمران شديدان : الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام ومنه قولهم : قامت الدنيا على ساق وقامت الحرب على ساق قال الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساق وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة ن والقلم وقال قوم : الكافر تعذب روحه عند خروج نفسه فهذه الساق الأولى ثم يكون بعدهما ساق البعث وشدائده : ( إلى ربك ) أي إلى خالقك ( يومئذ ) أي يوم القيامة ( المساق ) أي المرجع وفي بعض التفاسير قال : يسوقه ملكه الذي كان يحفظ عليه السيئات والمساق : المصدر من ساق يسوق كالمقال من قال يقول < <