Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

حصہ V05/P291–V05/P294

> قوله تعالى : ( فقاتل في سبيل الله ) هذه الفاء متعلقة بقوله ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما فقاتل في سبيل الله أي من أجل هذا فقاتل وقيل : هي متعلقة بقوله : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله فقاتل كأن هذا المعنى : لا تدع جهاد العدو والإستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك لأنه وعده بالنصر قال الزجاج : أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصرة قال إبن عطية : هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي ( وقول أبي بكر وقت الردة : ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي وقيل : إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد وأعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فلم يحضر أبو سفيان ولم يتفق قتال وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدم في آل عمران ووجه النظم على هذا والإتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع الأراجيف ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك قوله تعالى : ( لا تكلف إلا نفسك ) تكلف مرفوع لأنه مستقبل ولم يجزم لأنه ليس علة للأول وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه إلا نفسك خبر ما لم يسم فاعله والمعنى لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به قوله تعالى : ( وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وحرض المؤمنين ) أي حضهم على الجهاد والقتال يقال : حرضت فلانا على كذا إذا أمرته به وحارض فلان على الأمر وأكب وواظب بمعنى واحد الثانية قوله تعالى : ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) إطماع والإطماع من الله عزوجل واجب على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب ومنه قوله تعالى : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال إبن مقبل : ظني بهم كعسى وهم بتنوفة يتنازعون جوائز الأمثال قوله تعالى : ( والله أشد باسا ) أي صولة وأعظم سلطانا وأقدر باسا على ما يريده ( وأشد تنكيلا ) أي عقوبة عن الحسن وغيره قال إبن دريد : رماه الله بنكلة أي رماه بما ينكله قال : ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان قال : وأرم على أقفائهم بمنكل الثالثة إن قال قائل : نحن نرى الكفار في بأس وشدة وقلتم : إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الإستمرار والدوام فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال وكفى الله المؤمنين القتال وبالحديبية أيضا عما راموه من الغدر وإنتهاز الفرصة ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح وهو المراد بقوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم على ما يأتي وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال كما قال تعالى وكفى الله المؤمنين القتال وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لله رب العالمين < <

حصہ V05/P294–V05/P296

النساء : ( 85 ) من يشفع شفاعة . . . . . > > < > ( النساء 85 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( من يشفع ) أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها والشفع ضم واحد إلى واحد والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له الثانية واختلف المتأولون في هذه الآية فقال مجاهد والحسن وإبن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم فمن يشفع لينفع فله نصيب ومن يشفع ليضر فله كفل وقيل : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة والسيئة في المعاصي فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم وهذا قريب من الأول وقيل : يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين والسيئة الدعاء عليهم وفي صحيح الخبر : ( من دعا بظهر الغيب أستجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل ( هذا هو النصيب وكذلك في الشر بل يرجع شؤم دعائه عليه وكانت اليهود تدعو على المسلمين وقيل : المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر وعن الحسن أيضا : الحسنة ما يجوز في الدين والسيئة ما لا يجوز فيه وكأن هذا القول جامع والكفل الوزر والإثم عن الحسن وقتادة السدي وإبن زيد هو النصيب وأشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط يقال : أكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه ويقال له : أكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من الظهر ويستعمل في النصيب من الخير والشر وفي كتاب الله تعالى يؤتكم كفلين من رحمته والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع لأنه تعالى قال من يشفع ولم يقل يشفع وفي صحيح مسلم ( اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب ( الثالثة قوله تعالى : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) مقيتا معناه مقتدرا ومنه قول الزبير بن عبد المطلب : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا أي قديرا فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته ومنه قوله عليه السلام : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت ( على من رواه هكذا أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ذكره إبن عطية يقول منه : قته أقوته قوتا وأقته أقيته أقاتة فأنا قائت ومقيت وحكى الكسائي : أقات يقيت وأما قول الشاعر : إني على الحساب مقيت فقال فيه الطبري : إنه من غير هذا المعنى المتقدم وإنه بمعنى الموقوف وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ وقال الكسائي : المقيت المقتدر وقال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان وقال الفراء : المقيت الذي يعطى كل رجل قوته وجاء في الحديث : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ( و ( يقيت ( ذكره الثعلبي : وحكى إبن فارس في المجمل : المقيت المقتدر والمقيت الحافظ والشاهد وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة والله أعلم < < النساء : ( 86 ) وإذا حييتم بتحية . . . . . > > < > ( النساء 86 ) <

حصہ V05/P296–V05/P304

> فيه إثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية ) التحية تفعله من حييت الأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء في الياء والتحية السلام وأصل التحية الدعاء بالحياة والتحيات لله أي السلام من الآفات وقيل : الملك قال عبد الله بن صالح العجلي : سألت الكسائي عن قوله ( التحيات لله ( ما معناه فقال : التحيات مثل البركات فقلت : ما معنى البركات فقال : ما سمعت فيها شيئا وسألت عنها محمد بن الحسن فقال : هو شيء تعبد الله به عباده فقدمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت : إني سألت الكسائي ومحمدا عن قوله ( التحيات لله ( فأجاباني بكذا وكذا فقال عبد الله بن إدريس : إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء التحية الملك وأنشد : أؤم بها أبا قابوس حتى أنيخ على تحيته بجندي وأنشد إبن خويز منداد : أسير به إلى النعمان حتى أنيخ على تحيته بجندي يريد على ملكه وقال آخر : ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه وقال القتبي : إنما قال ( التحيات لله ( على الجمع لأنه كان في الأرض ملوك يحيون بتحيات مختلفات فيقال لبعضهم : أبيت اللعن ولبعضهم : أسلم وأنعم ولبعضهم : عش ألف سنة فقيل لنا : قولوا التحيات لله أي الألفاظ التي تدل على الملك ويكنى بها عنه لله تعالى ووجه النظم بما قبل أنه قال : إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فحييتم في سفركم بتحية الإسلام فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا بل ردوا جواب السلام فإن أحكام الإسلام تجري عليهم الثانية واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها فروى إبن وهب وإبن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والرد على المشمت وهذا ضعيف إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك أما الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في معنى رد التحية وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه والله أعلم وقال إبن خويز منداد : وقد يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب فمن وهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء قبلها وأثاب عليها قيمتها قلت : ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة قالوا : التحية هنا الهدية لقوله تعالى : أو ردوها ولا يمكن رد السلام بعينه وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية فأمر بالتعويض إن قبل أو الرد بعينه وهذا لا يمكن في السلام وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة الروم عند قوله : وما آتيتم من ربا إن شاء الله تعالى والصحيح أن التحية ها هنا السلام لقوله تعالى : وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله وقال النابغة الذبياني : تحييهم بيض الولائد بينهم وأكسية إلا ضريج فوق المشاجب أراد : ويسلم عليهم وعلى هذا جماعة المفسرين وإذا ثبت هذا وتقرر ففقه الآية أن يقال : أجمع العلماء على أن الإبتداء بالسلام سنة مرغب فيها ورده فريضة لقوله تعالى : فحيوا بأحسن منها أو ردوها واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أو لا فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة قالوا : والسلام خلاف الرد لأن الإبتداء به تطوع ورده فريضة ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد فدل على أن رد السلام يلزم كل إنسان بعينه حتى قال قتادة والحسن : إن المصلي يرد السلام كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاته لأنه فعل ما أمر به والناس على خلافه احتج الأولون بما رواه أبو داؤد عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجزئ من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ( وهذا نص في موضع الخلاف قال أبو عمر : وهو حديث حسن لا معارض له وفي إسناده سعيد بن خالد وهو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند بعضهم وقد ضعفه بعضهم منهم أبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا حديثه هذا منكرا لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد على أن عبد الله إبن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع بينهما الأعرج في غير ما حديث والله أعلم واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام : ( يسلم القليل على الكثير ( ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم ( قال علماؤنا : وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب والله أعلم قلت : هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد وفيه قلق الثالثة قوله تعالى : ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) رد الأحسن أن يزيد فيقول : عليك السلام ورحمة الله لمن قال : سلام عليك فإن قال : سلام عليك ورحمة الله زدت في ردك : وبركاته وهذا هو النهاية فلا مزيد قال الله تعالى مخبرا عن البيت الكريم رحمة الله وبركاته على مأتى بيانه إن شاء الله تعالى فإن إنتهى بالسلام غايته زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك : عليك السلام إلا أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة وإن كان المسلم عليه واحدا روى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال : إذا سلمت على الواحد فقل : السلام عليكم فإن معه الملائكة وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع قال إبن أبي زيد : يقول المسلم السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام أو يقول السلام عليكم كما قيل له وهو معنى قوله أو ردوها ولا تقل في ردك : سلام عليك الرابعة والإختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق قال الله تعالى : سلام على آل ياسين وقال في قصة إبراهيم عليه السلام : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت وقال مخبرا عن إبراهيم : سلام عليك وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الله عزوجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ( قلت : فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبع : الأولى الإخبار عن صفة خلق آدم الثانية أنا ندخل الجنة عليها بفضله الثالثة تسليم القليل على الكثير الرابعة تقديم اسم الله تعالى الخامسة الرد بالمثل لقولهم : السلام عليكم السادسة الزيادة في الرد السابعة إجابة الجميع بالرد كما يقول الكوفيون والله أعلم الخامسة فإن رد فقدم اسم المسلم عليه لم يأت محرما ولا مكروها لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصلاة وقد سلم عليه : ( وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل ( وقالت عائشة : وعليه السلام ورحمة الله حين أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السلام أخرجه البخاري وفي حديث عائشة من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد كما يرد عليه إذا شافهه وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي يقرئك السلام فقال : ( عليك وعلى أبيك السلام ( وقد روى النسائي وأبو داؤد من حديث جابر بن سليم قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : عليك السلام يا رسول الله فقال : ( لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت ولكن قل السلام عليك ( وهذا الحديث لا يثبت إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم : عليه لعنة الله وغضب الله قال الله تعالى : وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى كقولهم : عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما وقال آخر وهو الشماخ : عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق نهاه عن ذلك لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ( فقالت عائشة : قلت يا رسول الله كيف أقول إذا دخلت المقابر قال : ( قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ( الحديث وسيأتي في سورة ألهاكم إن شاء الله تعالى قلت : وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة والله أعلم السادسة من السنة تسليم الراكب على الماشي والقائم على القاعد والقليل على الكثير هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يسلم الراكب ( فذكره فبدأ بالراكب لعلو مرتبته ولأن ذلك أبعد له من الزهو وكذلك قيل في الماشي مثله وقيل : لما كان القاعد على حال وقار وثبوت وسكون فله مزية بذلك على الماشي لأن حاله على العكس من ذلك وأما تسليم القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم وقد زاد البخاري في هذا الحديث ( ويسلم الصغير على الكبير ( وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان قال : لأن الرد فرض والصبي لا يلزمه الرد فلا ينبغي أن يسلم عليهم وروى عن إبن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم وقال أكثر العلماء : التسليم عليهم أفضل من تركه وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال : كنت أمشي مع ثابت فمر بصبيان فسلم عليهم وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيان فسلم عليهم لفظ مسلم وهذا من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم وفيه تدريب للصغير وحض على تعليم السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه فلتقتد وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة شيطان أو خائنة عين وأما المتجالات والعجز فحسن للأمن فيما ذكرناه هذا قول عطاء وقتادة وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات محرم وقالوا : لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يسلم عليهن والصحيح الأول لما خرجه البخاري عن سهل بن سعد قال : كنا نفرح بيوم الجمعة قلت ولم قال : كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة قال إبن مسلمة : نخل بالمدينة فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله : وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة تكركر أي تطحن قاله القتبي الثامنة والسنة في السلام والجواب الجهر ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعي وعندنا تكفي إذا كان على بعد روى إبن وهب عن إبن مسعود قال : السلام اسم من أسماء الله عزوجل وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب وروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث قال : إذا سلم الرجل على القوم كان له فضل درجة فإن لم يردوا عليه ردت عليه الملائكة ولعنتهم فإذا رد المسلم عليه أسمع جوابه لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن جوابا له ألا ترى أن المسلم إذا سلم بسلام لم يسمعه المسلم عليه لم يكن ذلك منه سلاما فكذلك إذا أجاب بجواب لم يسمع منه فليس بجواب وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سلمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فآقعدوا بالأمانة ولا يرفعن بعضكم حديث بعض ( قال إبن وهب : وأخبرني أسامة بن زيد عن نافع قال : كنت أساير رجلا من فقهاء الشام يقال له عبد الله بن زكريا فحبستني دابتي تبول ثم أدركته ولم أسلم عليه فقال : ألا تسلم فقلت : إنما كنت معك آنفا فقال : وإن صح لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرق بينهم الشجر فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض التاسعة وأما الكافر فحكم الرد عليه أن يقال له : وعليكم قال إبن عباس وغيره : المراد بالآية : وإذا حييتم بتحية فإذا كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم : ( وعليكم ( وقال عطاء : الآية في المؤمنين خاصة ومن سلم من غيرهم قيل له : عليك كما جاء في الحديث قلت : فقد جاء إثبات الواو وإسقاطها في صحيح مسلم ( عليك ( بغير واو وهي الرواية الواضحة المعنى وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال لأن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سامة ديننا فاختلف المتأولون لذلك على أقوال : أولاها أن يقال : إن الواو على بابها من العطف غير أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما قال صلى الله عليه وسلم وقيل : هي زائدة وقيل : للاستئناف والأولى أولى ورواية حذف الواو أحسن معنى وإثباتها أصح رواية وأشهر وعليها من العلماء الأكثر العاشرة واختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين وإليه ذهب إبن عباس والشعبي وقتادة تمسكا بعموم الآية وبالأمر بالرد عليهم في صحيح السنة وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وإبن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل : عليك واختار إبن طاوس أن يقول في الرد عليهم : علاك السلام أي ارتفع عنك واختار بعض علمائنا السلام ( بكسر السين ) يعني به الحجارة وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف كما جاء في الحديث وسيأتي في سورة مريم القول في إبتدائهم بالسلام عند قوله تعالى إخبارا عن إبراهيم في قوله لأبيه سلام عليك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ( وهذا يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين والله أعلم الحادية عشرة ولا يسلم على المصلى فإن سلم عليه فهو بالخيار إن شاء رد بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد ولا ينبغي أن يسلم على من يقضي حاجته فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له : ( إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك ( ولا يسلم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته وهو بالخيار إن شاء رد وإن شاء أمسك حتى يفرغ ثم يرد ولا يسلم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة أو كان مشغولا بما له دخل بالحمام ومن كان بخلاف ذلك سلم عليه الثانية عشرة قوله تعالى : ( إن الله كان على كل شيء حسيبا ) معناه حفيظا وقيل : كافيا من قولهم : أحسبني كذا أي كفاني ومثله حسبك الله وقال قتادة : محاسبا كما يقال : أكيل بمعنى مواكل وقيل : هو فعيل من الحساب وحسنت هذه الصفة هنا لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفى قدر ما يجيء به روى النسائي عن عمران بن حصين قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فسلم فقال : السلام عليكم فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( عشر ( ثم جلس ثم جاء آخر فسلم فقال : السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( عشرون ( ثم جلس وجاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( ثلاثون ( وقد جاء هذا الخبر مفسرا وهو أن من قال لأخيه المسلم : سلام عليكم كتب له عشر حسنات فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة وكذلك لمن رد من الأجر والله أعلم < <

حصہ V05/P304–V05/P306

النساء : ( 87 ) الله لا إله . . . . . > > < > ( النساء 87 ) < > قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو ) إبتداء وخبر واللام في قوله ( ليجمعنكم ) لام القسم نزلت في الذين شكوا في البعث فأقسم الله تعالى بنفسه وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام القسم ومعناه في الموت وتحت الأرض ( إلى يوم القيامة ) وقال بعضهم : إلى صلة في الكلام معناه ليجمعنكم يوم القيامة وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز قال الله تعالى : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين وقيل : سمى يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم إليها قال الله تعالى : يوم يخرجون من الأجداث سراعا وأصل القيامة الواو ( ومن أصدق من الله حديثا ) نصب على البيان والمعنى لا أحد أصدق من الله وقرأ حمزة والكسائي ومن أزدق بالزاي الباقون : بالصاد وأصله الصاد إلا أن لقرب مخرجها جعل مكانها زاي < < النساء : ( 88 ) فما لكم في . . . . . > > < > ( النساء 88 ) < > قوله تعالى : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) فئتين أي فرقتين مختلفتين روى مسلم عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فقال بعضهم : نقتلهم وقال بعضهم : لا فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين وأخرجه الترمذي فزاد : وقال : ( إنها طيبة ( وقال : ( إنها تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد ( قال : حديث حسن صحيح وقال البخاري : ( إنها طيبة تنفى الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ( والمعنى بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في آل عمران وقال إبن عباس : هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة قال الضحاك : وقالوا إن ظهر محمد صلى الله عليه وسلم فقد عرفنا وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرءون منهم فقال الله عزوجل فما لكم في المنافقين فئتين وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاؤا إلى المدينة وأظهروا الإسلام فأصابهم وباء المدينة وحماها فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما لكم رجعتم فقالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها فقالوا : ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة فقال بعضهم : نافقوا وقال بعضهم : لم ينافقوا هم مسلمون فأنزل الله عزوجل ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) الآية حتى جاؤا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستاذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول : هم منافقون وقائل يقول : هم مؤمنون فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم قلت : وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى : حتى يهاجروا والأول أصح نقلا وهو إختيار البخاري ومسلم والترمذي وفئتين نصب على الحال كما يقال : مالك قائما عن الأخفش وقال الكوفيون : هو خبر ما لكم كخبر كان وظننت وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء : أركسهم وركسهم أي ردهم إلى الكفر ونكسهم وقاله النضر بن شميل والكسائي : والركس والنكس قلب الشئ على رأسه أو رد أوله على آخره والمركوس المنكوس وفي قراءة عبد الله وأبي رضي الله عنهما والله ركسهم وقال إبن رواحة : أركسوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن أي نكسوا وارتكس فلان في أمر كان نجا منه والركوسية قوم بين النصارى والصابئين والراكس الثور وسط البيدر والثيران حواليه حين الدياس ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين ( فلن تجد له سبيلا ) أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة وفي هذا رد على القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم < <

حصہ V05/P306

النساء : ( 89 ) ودوا لو تكفرون . . . . . > > < > ( النساء 89 : 90 ) <

حصہ V05/P306–V05/P309

> ) أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرع سواء فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ) كما قال تعالى : ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا والهجرة أنواع : منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال : ( لا هجرة بعد الفتح ( وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما قال صلى الله عليه وسلم : ( والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه ( وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه ( فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم ) يقول : إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم ( حيث وجدتموهم ) عام في الأماكن من حل وحرم والله أعلم ثم إستثنى وهي : الثانية فقال : ( إلا الذين يصلون ) أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف المعنى : فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ثم إنتسخت العهود فانتسخ هذا هذا قول مجاهد وإبن زيد وغيرهم وهو أصح ما قيل في معنى الآية قال أبو عبيد : يصلون ينتسبون ومنه قول الأعشى : إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغم يريد إذا انتسبت قال المهدوي : وأنكره العلماء لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم وقال النحاس : وهذا غلط عظيم لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له براءة وإنما نزلت براءة بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب وقال معناه الطبري قلت : حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق فقيل : بنو مدلج عن الحسن : كان بينهم وبين قريش عقد وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وقال عكرمة : نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وقيل : خزاعة وقال الضحاك عن إبن عباس : أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة الثالثة في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين على ما يأتي بيانه في الأنفال وبراءة إن شاء الله تعالى الرابعة قوله تعالى : ( أو جاؤكم حصرت صدورهم ) أي ضاقت وقال لبيد : أسهلت وانتصبت كجذع منيفة جرداء يحصر دونها جرامها أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم والحصر الكتوم للسر قال جرير : ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حصرا بسرك يا أميم ضنينا ومعنى حصرت قد حصرت فأضمرت قد قاله الفراء : وهو حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول : جاء فلان ذهب عقله أي قد ذهب عقله وقيل : هو خبر بعد خبر قاله الزجاج أي جاءوكم ثم أخبر فقال : حصرت صدورهم فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم كما قيل : حصرت في موضع خفض على النعت لقوم وفي حرف أبي إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم ليس فيه أو جاءوكم وقيل : تقديره أو جاءوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم فهي صفة موصوف منصوب على الحال وقرأ الحسن أو جاءوكم حصرة صدورهم نصب على الحال ويجوز رفعه على الإبتداء والخبر وحكى أو جاؤكم حصرات صدورهم ويجوز الرفع وقال محمد بن يزيد : حصرت صدورهم هو دعاء عليهم كما تقول : لعن الله الكافر وقاله المبرد وضعفه بعض المفسرين وقال : هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم وذلك فاسد لأنهم كفار وقومهم كفار وأجيب بأن معناه صحيح فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم وفي حق قومهم تحقيرا لهم وقيل : أو بمعنى الواو كأنه يقول : إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد أو قالوا نسلم ولا نقاتل فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام والأول أظهر والله أعلم ( أو يقاتلوا ) في موضع نصب أي عن أن يقاتلوكم الخامسة قوله تعالى : ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ) تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي وإما إبتلاء وإختبارا كما قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى : وليمحص الله الذين آمنوا ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء ووجه النظم والإتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم < <

حصہ V05/P309–V05/P310

النساء : ( 91 ) ستجدون آخرين يريدون . . . . . > > < > ( النساء 91 ) < > قوله تعالى ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ) معناها معنى الآية الأولى قال قتادة : نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم مجاهد : هي في قوم من أهل مكة وقال السدي : نزلت في نعيم إبن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين وقال الحسن : هذا في قوم من المنافقين وقيل : نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم فأظهروا الكفر قوله تعالى : ( كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش ردوا بكسر الراء لأن الأصل رددوا فأدغم وقلبت الكسرة على الراء إلى الفتنة أي الكفر أركسوا فيها وقيل : أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم ومعنى أركسوا فيها أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا وقيل : أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه < < النساء : ( 92 ) وما كان لمؤمن . . . . . > > < > ( النساء 92 ) <

حصہ V05/P310–V05/P327

> فيه عشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) هذه آية من أمهات الأحكام والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فقوله : وما كان ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده كقوله تعالى : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا وقال قتادة : المعنى ما كان له ذلك في عهد الله وقيل : ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي يكون فيه إلا بمعنى لكن والتقدير ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله ومن الإستثناء المنقطع قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وقال النابغة : وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فلما لم تكن الأواري من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه ومثله قول الآخر : أمسى سقام خلاء لا أنيس به إلا السباع ومر الريح بالغرف وقال آخر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر : وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ولا ظل إلا أن تعد من النخل أنشده سيبويه ومثله كثير ومن أبدعه قول جرير : من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ذيل مرط مرحل كأنه قال : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد ونزلت الآية بسبب قتل عياش إبن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري لحنة كانت بينهما فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية وقيل : هو إستثناء متصل أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ فلا يقتص منه ولكن فيه كذا وكذا ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد كأنه قال : وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا فيجئ الإستثناء على هذين التأويلين غير منقطع وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا إعظاما للعمد والقصد مع حظر الكلام به البتة وقيل : المعنى ولا خطأ قال النحاس : ولا يجوز أن تكون إلا بمعنى الواو ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا يحظر ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته وقرأ الأعمش خطاء ممدودا في المواضع الثلاث ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقى غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا أو ما جرى مجراه وهذا مما لا خلاف فيه والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : أخطأ ولمن فعل غير الصواب : أخطأ قال إبن المنذر : قال الله تبارك وتعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله تعالى ودية مسلمة إلى أهله فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به الثانية ذهب داؤد إلى القصاص بين الحر والعبد في النفس وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء تمسكا بقوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله تعالى : والجروح قصاص وقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ( فلم يفرق بين حر وعبد وهو قول إبن أبي ليلى وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل الحر بالعبد كما يقتل العبد بالحر ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح والأعضاء وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ أنه لم يدخل فيه العبيد وإنما أريد به الأحرار دون العبيد فكذلك قوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ( أريد به الأحرار خاصة والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فالنفس أحرى بذلك وقد مضى هذا في البقرة الثالثة قوله تعالى : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) أي فعليه تحرير رقبة هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا على ما يأتي واختلف العلماء فيما يجزئ منها فقال إبن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم : الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الإيمان لا تجزئ في ذلك الصغيرة وهو الصحيح في هذا الباب قال عطاء بن أبي رباح : يجزئ الصغير المولود بين مسلمين وقال جماعة منهم مالك والشافعي : يجزئ كل من حكم له بحكم في الصلاة عليه إن مات ودفنه وقال مالك : ومن صلى وصام أحب إلي ولا يجزئ في قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا أشلهما ويجزئ عند أكثرهم الأعرج والأعور قال مالك : إلا أن يكون عرجا شديدا ولا يجزئ عند مالك والشافعي وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ويجزئ عند أبي حنيفة وأصحابه ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون المطبق ولا يجزئ عند مالك الذي يجن ويفيق ويجزئ عند الشافعي ولا يجزئ عند مالك المعتق إلى سنين ويجزئ عند الشافعي ولا يجزئ المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي ويجزئ في قول الشافعي وأبي ثور واختاره إبن المنذر وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه لقوله تعالى : فتحرير رقبة ومن أعتق البعض لا يقال حرر رقبة وإنما حرر بعضها واختلفوا أيضا في معناها فقيل : أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل وذنبه ترك الإحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه أمرؤ محقون الدم وقيل : أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء وكان لله سبحانه فيه حق وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا والمعنى الذي وصفنا فلذلك ضمن الكفارة وأي واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه على ما يأتي بيانه والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( ودية مسلمة ) الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه مسلمة مدفوعة مؤداة ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل وإنما أخذ ذلك من السنة ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه مواساة محضة واعتقد أبو حنيفة أنها بإعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن فكان ذلك بيانا على لسان نبيه عليه السلام لمجمل كتابه وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار وهم أهل الشام ومصر والمغرب هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه في القديم وروى هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة وأما أهل الورق فأثنا عشر ألف درهم وهم أهل العراق وفارس وخراسان هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق أثني عشر ألف درهم وقال المزني : قال الشافعي الدية الإبل فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر ألف دينار على أهل الذهب وإثنا عشر ألف درهم على أهل الورق وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : الدية من الورق عشرة آلاف درهم رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألف شاة وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال أبو عمر : في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وإبن عباس وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر في البقر والشاء والحلل وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين قال إبن المنذر : وقالت طائفة دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قول الشافعي وبه قال طاوس قال إبن المنذر : دية الحر المسلم مائة من الإبل في كل زمان كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه في أعداد الدراهم وما منها شيء يصح عنه لأنها مراسيل وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه نقول الخامسة واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل فروى أبو داؤد من حديث عمرو إبن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل : ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر بني لبون قال الخطابي : هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء وإنما قال أكثر العلماء : دية الخطأ أخماس كذا قال أصحاب الرأي والثوري وكذلك مالك وإبن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في الأصناف قال أصحاب الرأي وأحمد : خمس بنو مخاض وخمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمس حقاق وخمس جذاع وروى هذا القول عن إبن مسعود وقال مالك والشافعي : خمس حقاق وخمس جذاع وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون وحكى هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث بن سعد قال الخطابي : ولأصحاب الرأي فيه أثر إلا أن راويه عبد الله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر مائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة إبن مخاض قال أبو عمر : وقد روى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا إلا أن هذا لم يرفعه إلا خشف بن مالك الكوفي الطائي وهو مجهول لأنه لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الطائي الجشمي من بني جشم إبن معاوية أحد ثقات الكوفيين قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث خشف بن مالك من رواية حجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ مائة من الإبل منها عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات لبون وعشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض قال الدارقطني : هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه وعبد الله بن مسعود أتقى لربه وأشح على دينه من أن يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بقضاء ويفتي هو بخلافه هذا لا يتوهم مثله على عبد الله بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولم يبلغه عنه فيها قول : أقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله ورسوله وأن يكن خطأ فمني ثم بلغه بعد ذلك أن فتياه فيها وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحا شديدا لم يروه فرح مثله لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويخالفه ووجه آخر وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك عن إبن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلا مشهورا أو رجلا قد ارتفع عنه اسم الجهالة وإرتفاع اسم الجهالة عنه أن يروى عنه رجلان فصاعدا فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذ اسم الجهالة وصار حينئذ معروفا فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره والله أعلم ووجه آخر وهو أن حديث خشف بن مالك لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطأة والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه وترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه وكفاك بهم علما بالرجل ونبلا وقال يحيى بن معين : حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه وقال عبد الله بن إدريس : سمعت الحجاج يقول لا ينبل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة وقال عيسى بن يونس : سمعت الحجاج يقول : أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون وقال جرير : سمعت الحجاج يقول : أهلكني حب المال والشرف وذكر أوجها أخر منها أن جماعة من الثقات رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطأة فاختلفوا عليه فيه إلى غير ذلك مما يطول ذكره وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية ودلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدية وإن كان إبن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي وروى حماد بن سلمة حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة أن إبن مسعود قال : دية الخطأ خمسة أخماس عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون بني لبون ذكور قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ورواته ثقات وقد روى عن علقمة عن عبد الله نحو هذا قلت : وهذا هو مذهب مالك والشافعي أن الدية تكون مخمسة قال الخطابي : وقد روى عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري وإليه ذهب إسحاق بن راهويه إلا أنهم قالوا : خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب قال أبو عمر : أما قول مالك والشافعي فروى عن سليمان بن يسار وليس فيه عن صحابي شيء ولكن عليه عمل أهل المدينة وكذلك حكى إبن جريج عن إبن شهاب قلت : قد ذكرنا عن إبن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعي قال أبو عمر : وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا وإنما أخذت إتباعا وتسليما وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر فكل يقول بما قد صح عنده من سلفه رضي الله عنهم أجمعين قلت : وأما ما حكاه الخطابي من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد حكاه إبن المنذر عن طاوس ومجاهد إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة قال إبن المنذر : وبالقول الأول أقول يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدارقطني والخطابي وبن عبد البر قال : لأنه الأقل مما قيل وبحديث مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول قلت وعجبا لإبن المنذر مع نقده وإجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد على صحته لكن الذهول والنسيان قد يعتري الإنسان وإنما الكمال لعزة ذي الجلال السادسة ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه إبنه : ( إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ( العمد دون الخطأ وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة واختلفوا في الثلث والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا إعترافا ولا صلحا ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وما دون الثلث في مال الجاني وقالت طائفة : عقل الخطأ على عاقلة الجاني قلت الجناية أو كثرت لأن من غرم الأكثر غرم الأقل كما عقل العمد في مال الجاني قل أو كثر هذا قول الشافعي السابعة وحكمها أن تكون منجمة على العاقلة والعاقلة العصبة وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة ولا الإخوة من الأم بعصبة لأخوتهم من الأب والأم فلا يعقلون عنهم شيئا وكذلك الديوان لا يكون عاقلة في قول جمهور أهل الحجاز وقال الكوفيون : يكون عاقلة إن كان من أهل الديوان فتنجم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعلي لأن الإبل قد تكون حوامل فتضر به وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة لأغراض منها أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا ومنها أنه كان يعجلها تأليفا فلما تمهد الإسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام قاله إبن العربي وقال أبو عمر أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس وجعل أهل كل ناحية يدا وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو الثامنة قلت : ومما ينخرط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين في بطن أمه وهو أن يضرب بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت فقال كافة العلماء : فيه الدية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة وقيل : بغير قسامة واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد إتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع أو تنفس نفسا محققة حي فيه الدية كاملة فإن تحرك فقال الشافعي وأبو حنيفة : الحركة تدل على حياته وقال مالك : لا إلا أن يقارنها طول إقامة والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء فإن ألقته ميتا ففيه غرة : عبد أو وليدة فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شيء فيه وهذا كله إجماع لا خلاف فيه وروى عن الليث بن سعد وداؤد أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها : ففيه الغرة وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير وقال سائر الفقهاء : لا شيء فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال : قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه فكذلك إذا سقط بعد موتها التاسعة ولا تكون الغرة إلا بيضاء قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في الجنين غرة عبد أو أمة ( لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معنى لقال : في الجنين عبد أو أمة ولكنه عني البياض فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء لا يقبل فيها أسود ولا سوداء واختلف العلماء في قيمتها فقال مالك : تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم نصف عشر دية الحر المسلم وعشر دية أمه الحرة وهو قول إبن شهاب وربيعة وسائر أهل المدينة وقال أصحاب الرأي : قيمتها خمسمائة درهم وقال الشافعي : سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين وليس عليه أن يقبلها معيبة ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم من الذهب عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب ومن الورق إن كانوا أهل ورق ستمائة درهم أو خمس فرائض من الإبل قال مالك وأصحابه : هي في مال الجاني وهو قول الحسن بن حي وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : هي على العاقلة وهو أصح لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار في رواية فتغايرتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال : ( أسجع كسجع الأعراب ( فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة وهو حديث ثابت صحيح نص في موضع الخلاف يوجب الحكم ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين كذلك في القياس والنظر واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه : كيف أغرم قالوا : وهذا يدل على أن الذي قضى عليه معين وهو الجاني ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة لقال : فقال الذي قضى عليهم وفي القياس أن كل جان جنايته عليه إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له مثل إجماع لا يجوز خلافه أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها فيجب الحكم بها وقد قال الله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى العاشرة ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حيا فيه الكفارة مع الدية واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا فقال مالك : فيه الغرة والكفارة وقال أبو حنيفة والشافعي : فيه الغرة ولا كفارة واختلفوا في ميراث الغرة عن الجنين فقال مالك والشافعي وأصحابهما : الغرة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى لأنها دية وقال أبو حنيفة وأصحابه : الغرة للأم وحدها لأنها جناية جنى عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية ومن الدليل على ذلك أنه لم يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يلزم في الديات فدل على أن ذلك كالعضو وكان إبن هرمز يقول : ديته لأبويه خاصة لأبيه ثلثاها ولأمه ثلثها من كان منهما حيا كان ذلك له فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أما ولا يرث الإخوة شيئا الحادية عشرة قوله تعالى : ( إلا أن يصدقوا ) أصله أن يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد والتصدق الإعطاء يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب الله لهم من الدية عليهم فهو إستثناء ليس من الأول وقرأ أبو عبد الرحمن ونبيح إلا أن تصدقوا بتخفيف الصاد والتاء وكذلك قرأ أبو عمرو إلا أنه شدد الصاد ويجوز على هذه القراءة حذف التاء الثانية ولا يجوز حذفها على قراءة الياء وفي حرف أبي وإبن مسعود إلا أن يتصدقوا وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل الثانية عشرة قوله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ) هذه مسألة المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار والمعنى عند إبن عباس وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد والنخعي : فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقى في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير الرقبة وهو المشهور من قول مالك وبه قال أبو حنيفة وسقطت الدية لوجهين : أحدهما أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها والثاني أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية لقوله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وقالت طائفة : بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه إذ لا يصح دفعها إلى الكفار ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة قلت : ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقال لا إله إلا الله وقتلته ( قال : قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال : ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ( فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية وروى عن أسامة أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات وقال : ( أعتق رقبة ( ولم يحكم بقصاص ولا دية فقال علماءنا : أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدوانا وأما سقوط الدية فلأوجه ثلاثة : الأول لأنه كان أذن له في أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن والطبيب الثاني لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته لقوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم كما ذكرنا الثالث أن أسامة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة إعترافا ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية والله أعلم الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) هذا في الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة قاله إبن عباس والشعبي والنخعي والشافعي واختاره الطبري قال : إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب وإطلاقه ما قيد قبل يدل على أنه خلافه وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضا : المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم فكفارته التحرير وأداء الدية وقرأها الحسن : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن قال الحسن : إذا قتل المسلم الذمي فلا كفارة عليه قال أبو عمر : وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ثم قال تعالى : وإن كان من قوم يريد ذلك المؤمن والله أعلم قال إبن العربي : والذي عندي أن الجملة محمولة حمل المطلق على المقيد قلت : وهذا معنى ما قاله الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز وقوله ( فدية مسلمة ) على لفظ النكرة ليس يقتضي دية بعينها وقيل : هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد على أن يسلموا أو يؤذنوا بحرب إلى أجل معلوم : فمن قتل منهم وجبت فيه الدية والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين الرابعة عشرة وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر : إنما صارت ديتها والله أعلم على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عزوجل : النفس بالنفس والحر بالحر كما تقدم في البقرة الخامسة عشرة روى الدارقطني من حديث موسى بن علي بن رباح اللخمي قال : سمعت أبي يقول إن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول : يا أيها الناس ليقت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر فوقع الأعمى على البصير فمات البصير فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى وقد اختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما فروى عن إبن الزبير : يضمن الأعلى الأسفل ولا يضمن الأسفل الأعلى وهذا قول شريح والنخعي وأحمد وإسحاق وقال مالك في رجلين جر أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا : على عاقلة الذي جبذه الدية قال أبو عمر : ما أظن في هذا خلافا والله أعلم إلا ما قال بعض المتأخرين من أصحابنا وأصحاب الشافعي : يضمن نصف الدية لأنه مات من فعله ومن سقوط الساقط عليه وقال الحكم وإبن شبرمة : إن سقط رجل على رجل من فوق بيت فمات أحدهما قالا : يضمن الحي منهما وقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا قال : دية المصدوم على عاقلة الصادم ودية الصادم هدر وقال في الفارسين إذا اصطدما فماتا : على كل واحد منهما نصف دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه وقاله عثمان البتي وزفر وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه في الفارسين يصطدمان فيموتان : على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته : قال إبن خويز منداد : وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن النوتي صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس وروى عن مالك في السفينتين والفارسين على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملا السادسة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب فقال مالك وأصحابه : هي على النصف من دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم ودية نسائهم على النصف من ذلك روى هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو إبن شعيب وقال به أحمد بن حنبل وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال عن عبد الرحمن إبن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا وقال إبن عباس والشعبي والنخعي : المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالى مؤمنا كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم وهو قول أبي حنيفة والثوري وعثمان البتي والحسن بن حي جعلوا الديات كلها سواء المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي وهو قول عطاء والزهري وسعيد بن المسيب وحجتهم قوله تعالى : فدية وذلك يقتضي الدية كاملة كدية المسلم وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق عن داؤد بن الحصين عن عكرمة عن إبن عباس في قصة بني قريظة والنضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ديتهم سواء دية كاملة قال أبو عمر : هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة وقال الشافعي : دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم وحجته أن ذلك أقل ما قيل في ذلك والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة وروى هذا القول عن عمر وعثمان وبه قال إبن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثور وإسحاق السابعة عشرة قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها ( فصيام شهرين ) أي فعليه صيام شهرين ( متتابعين ) حتى لو أفطر يوما استأنف هذا قول الجمهور وقال مكي عن الشعبي : إن صيام الشهرين يجزئ عن الدية والعتق لمن لم يجد قال إبن عطية : وهذا القول وهم لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل والطبري حكى هذا القول عن مسروق الثامنة عشرة والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف وأنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه لا شيء عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء قاله أبو عمر واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين فقال مالك : وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض وليس له أن يسافر فيفطر وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخرساني : يستأنف في المرض وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحد قولي الشافعي وله قول آخر : أنه يبني كما قال مالك وقال إبن شبرمة : يقضى ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان قال أبو عمر : حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد وقد تجاوز الله عن غير المتعمد وحجة من قال يستأنف لأن التتابع فرض لا يسقط لعذر وإنما يسقط المأثم قياسا على الصلاة لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذر استأنف ولم يبن التاسعة عشرة قوله تعالى : ( توبة من الله ) نصب على المصدر ومعناه رجوعا وإنما مست حاجة المخطئ إلى التوبة لأنه لم يتحرز وكان من حقه أن يتحفظ وقيل : أي فليأت بالصيام تخفيفا من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبة ومنه قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم أي خفف وقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم الموفية عشرين ( وكان الله ) أي في أزله وأبده ( عليما ) بجميع المعلومات ( حكيما ) فيما حكم وأبرم < <

حصہ V05/P327

النساء : ( 93 ) ومن يقتل مؤمنا . . . . . > > < > ( النساء 93 ) <

حصہ V05/P327–V05/P335

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومن يقتل ) من شرط وجوابه ( فجزاؤه ) وسيأتي واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها وقالت فرقة : المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك وهذا قول الجمهور الثانية ذكر الله عزوجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به فقال إبن المنذر : أنكر ذلك مالك وقال : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد : وأما شبه العمد فلا نعرفه قال أبو عمر : أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد وقد ذكر عن مالك وقاله إبن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين قال إبن المنذر : وشبه العمد يعمل به عندنا وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثوري وأهل العراق والشافعي وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما قلت : وهو الصحيح فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها فلا تستباح إلا بأمر بين لا إشكال فيه وهذا فيه إشكال لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد فالضرب مقصود والقتل غير مقصود وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية وبمثل هذا جاءت السنة روى أبو داؤد من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ( وروى الدارقطني عن إبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل ( وروى أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه ( وهذا نص وقال طاوس في الرجل يصاب في الرميا في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يدري من قاتله وقال أحمد بن حنبل : العميا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه وقال إسحاق : هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضا فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس ذكره الدارقطني مسألة واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة فقال عطاء والشافعي : هي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وقد روى هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بإبنه حيث ضربه بالسيف وقيل : هي مربعة ربع بنات لبون وربع حقاق وربع جذاع وربع بنات مخاض هذا قول النعمان ويعقوب وذكره أبو داؤد عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي وقيل : هي مخمسة : عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون إبن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة هذا قول أبي ثور وقيل : أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة وثلاثون بنات لبون وروى عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري وقيل : أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها وثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وبه قال الشعبي والنخعي وذكره أبو داؤد عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي الثالثة واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد فقال الحارث العكلي وبن أبي ليلى وإبن شبرمة وقتادة وأبو ثور : هو عليه في ماله وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : هو على العاقلة قال إبن المنذر : قول الشعبي أصح لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة الرابعة أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني وقد تقدم ذكرها في البقرة وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة واختلفوا فيها في قتل العمد فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ قال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى وقال : إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ وقد قيل : إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله وقيل تجب ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي : لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى قال إبن المنذر : وكذلك نقول لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت الخامسة واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ فقالت طائفة : على كل واحد منهم الكفارة كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقالت طائفة : عليهم كلهم كفارة واحدة هكذا قال أبو ثور وحكى ذلك عن الأوزاعي وفرق الزهري بين العتق والصوم فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا : عليهم كلهم عتق رقبة وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين السادسة روى النسائي : أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي ثقة قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ( وروى عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء ( وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير إبن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال : يا أبا العباس هل للقاتل توبة فقال له إبن عباس كالمتعجب من مسألته : ماذا تقول مرتين أو ثلاثا ثم قال إبن عباس : ويحك أنى له توبة سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : ( يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني ( السابعة واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة فروى البخاري عن سعيد إبن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت فيها إلى إبن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم هي آخر ما نزل وما نسخها شيء وروى النسائي عنه قال : سألت إبن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة قال : لا وقرأت عليه الآية التي في الفرقان : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر قال : هذه آية مكية نسختها آية مدنية ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ) وروى عن زيد بن ثابت نحوه وأن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر وفي رواية بثمانية أشهر ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وإبن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا : هذا مخصص عموم قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا : التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر وهو أيضا مروى عن زيد وإبن عباس إلى أن له توبة روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال : جاء رجل إلى إبن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة قال : لا إلا النار قال : فلما ذهب قال له جلساؤه : أهكذا كنت تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة قال : إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا قال : فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح وأن هذه الآية مخصوصة ودليل التخصيص آيات وأخبار وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا وجعل ينشد : قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثورتي وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أؤمنه في حل ولا حرم وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله : إن الحسنات يذهبن السيئات وقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وقوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص ثم إن الجمع بين آية الفرقان وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض وذلك أن يحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان فيكون معناء فجزاؤه كذا إلا من تاب لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب وأما الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه : ( تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ( رواه الأئمة أخرجه الصحيحان وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس أخرجه مسلم في صحيحه وإبن ماجه في سننه وغيرهما إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل ويقر بأنه قتل عمدا ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قودا فهذا غير متبع في الآخرة والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عبادة فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ودخله التخصيص بما ذكرنا وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بينا أو تكون محمولة على ما حكى عن إبن عباس أنه قال : متعمدا معناه مستحلا لقتله فهذا أيضا يئول إلى الكفر إجماعا وقالت جماعة : إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب قاله أبو حنيفة وأصحابه فإن قيل : إن قوله تعالى : فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه دليل على كفره لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان قلنا : هذا وعيد والخلف في الوعيد كرم كما قال : وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقد تقدم جواب ثان إن جازاه بذلك أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه نص على هذا أبو مجلز لاحق بن حميد وأبو صالح وغيرهما وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ( وفي هذين التأويلين دخل أما الأول فقال القشيري : وفي هذا نظر لأن كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام فهو إذا جائز في الكلام وأما الثاني وإن روى أنه مرفوع فقال النحاس : وهذا الوجه الغلط فيه بين وقد قال الله عزوجل : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ولم يقل أحد : إن جازاهم وهو خطأ في العربية لأن بعده وغضب الله عليه وهو محمول على معنى جازاه وجواب ثالث فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي وذكر هبة الله في كتاب الناسخ والمنسوخ أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال : هذا إجماع الناس إلا إبن عباس وإبن عمر فإنهما قالا هي محكمة وفي هذا الذي قاله نظر لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ قاله إبن عطية قلت : هذا حسن لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه وقال النحاس في معاني القرآن له : القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب فإن تاب فقد بين أمره بقوله : وإني لغفار لمن تاب فهذا لا يخرج عنه والخلود لا يقتضي الدوام قال الله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد الآية وقال تعالى : يحسب أن ماله أخلده وقال زهير : ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وهذا كله يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد فإن هذا يزول بزوال الدنيا وكذلك العرب تقول : لأخلدن فلانا في السجن والسجن ينقطع ويفنى وكذلك المسجون ومثله قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه وأبد أيامه وقد تقدم هذا كله لفظا ومعنى والحمد لله < <

حصہ V05/P335

النساء : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 94 ) <

حصہ V05/P335–V05/P340

> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) هذا متصل بذكر القتل والجهاد والضرب : السير في الأرض تقول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة بفي وتقول : ضربت الأرض دون في إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله فحمل عليه أحدهم فقتله فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية وأخرجه البخاري عن عطاء عن إبن عباس قال قال إبن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة قال : قرأ إبن عباس السلام في غير البخاري : وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة فالذي عليه الأكثر وهو في سير إبن إسحاق ومصنف أبي داؤد والإستيعاب لإبن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب وقال عليه السلام : ( إن الأرض لتقبل من هو شر منه ( قال الحسن : أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا وفي سنن إبن ماجه عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم فطعنه فقتله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال : ( وما الذي صنعت ( مرة أو مرتين فأخبره بالذي صنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه ( فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه قال : ( لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه ( فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه فأصبح على وجه الأرض فقلنا : لعل عدوا نبشه فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض فقلنا : لعل الغلمان نعسوا فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض فألقيناه في بعض تلك الشعاب وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس إبن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك وقاله إبن القاسم عن مالك وقيل : كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ولما عظم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله وقد تقدم القول فيه وقيل : القاتل أبو قتادة وقيل : أبو الدرداء ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الإئتلاف والله أعلم وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال : له غالب بن فضالة الليثي وقيل : المقداد حكاه السهيلي الثانية قوله تعالى : ( فتبينوا ) أي تأملوا وتبينوا قراءة الجماعة وهو إختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقالا : من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت يقال : تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه فهو متعد ولازم وقرأ حمزة فتثبتوا من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة وتبينوا في هذا أوكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين وفي إذا معنى الشرط فلذلك دخلت الفاء في قوله فتبينوا وقد يجازي بها كما قال : وإذا تصبك خصاصة فتجمل والجيد ألا يجازي بها كما قال الشاعر : والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع والتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر الثالثة قوله تعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) السلم والسلم والسلام واحد قاله البخاري وقرئ بها كلها واختار أبو عبيد القاسم بن سلام السلام وخالفه أهل النظر فقالوا : السلم ها هنا أشبه لأنه بمعنى الإنقياد والتسليم كما قال عزوجل : فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء فالسلم الإستسلام والإنقياد أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا وقيل : السلام قوله السلام عليكم وهو راجع إلى الأول لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وإنقياده ويحتمل أن يراد به الإنحياز والترك قال الأخفش : يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح الرابعة وروى عن أبي جعفر أنه قرأ لست مؤمنا بفتح الميم الثانية من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن الخامسة والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قتل به وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح وأن العاصم قولها مطمئنا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ولذلك قال لأسامة : ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ( أخرجه مسلم أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب وذلك لا يمكن فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه وفي هذا من الفقه باب عظيم وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع وإطلاع السرائر السادسة فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا لأنه موضع إشكال وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمنا أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام لأن الكفر قد ثبت له فلابد أن يظهر منه ما يدل على قوله ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( السابعة فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا فقال إبن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلما أما أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة فإن قال : صلاة مسلم قيل له : قل لا إله إلا الله فإن قالها تبين صدقه وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب وكانت عند من يرى إسلامه ردة والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم يكلف الكلمة فإن قالها تحقق رشاده وإن أبى تبين عناده وقتل وهذا معنى قوله فتبينوا أي الأمر المشكل أو تثبتوا ولا تعجلوا المعنيان سواء فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه فإن قيل : فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم ونبذه من قبره كيف مخرجه قلنا : لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية الثامنة قوله تعالى : ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) أي تبتغون أخذ ماله : ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت قال أبو عبيدة : يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء ومنه : ( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر والعرض ( بسكون الراء ) ما سوى الدنانير والدراهم فكل عرض عرض وليس كل عرض عرضا وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ( وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه : تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس وهذا يصحح قول أبي عبيدة : فإن المال يشمل كل ما يتمول وفي كتاب العين : العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وجمعه عروض وفي المجمل لإبن فارس : والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر والعرض من الأثاث ما كان غير نقد وأعرض الشئ إذا ظهر وأمكن والعرض خلاف الطول التاسعة قوله تعالى : ( فعند الله مغانم كثيرة ) عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون إرتكاب محظور أي فلا تتهافتوا ( كذلك كنتم من قبل ) أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره وقال إبن زيد : المعنى كذلك كنتم كفرة ( فمن الله عليكم ) بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره العاشرة استدل بهذه الآية من قال : إن الإيمان هو القول لقوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا قالوا : ولما منع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم قلنا : إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في البقرة وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام : ( أفلا شققت عن قلبه ( فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره وأن حقيقته التصديق بالقلب ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط واستدل بهذا أيضا من قال : إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام قال : لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام وقد مضى القول في هذا في أول البقرة وفيها رد على القدرية فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق والقدرية تقول : خلقهم كلهم للإيمان ولو كان كما زعموا لما كان لإختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى الحادية عشرة قوله تعالى : ( فتبينوا ) أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) تحذير عن مخالفة أمر الله أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم < <

حصہ V05/P340

النساء : ( 95 ) لا يستوي القاعدون . . . . . > > < > ( النساء 95 : 96 ) <

حصہ V05/P340–V05/P344

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى ( لايستوي القاعدون من المؤمنين ) قال إبن عباس : لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها ثم قال : ( غير أولي الضرر ) والضرر الزمانة روى الأئمة واللفظ لأبي داؤد عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سرى عنه فقال : ( أكتب ( فكتبت في كتف لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله إلى آخر الآية فقام إبن أم مكتوم وكان رجلا أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أقرأ يا زيد ( فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غير أولي الضرر الآية كلها قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف وفي البخاري عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع إبن عباس يقول : لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر قال العلماء : أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال وقد قفل من بعض غزواته : ( إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ( فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطي أجر الغازي فقيل : يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا إستحقاق فيثيب على النية الصادقة مالا يثبت على الفعل وقيل : يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة والله أعلم قلت : والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك ( إن بالمدينة رجالا ( ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام ( إنما الدنيا لأربعة نفر ( الحديث وقد تقدم في سورة آل عمران ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر ( إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي الثانية وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء ويصرفون في الشدائد وتروعهم البعوث والأوامر كانوا أعظم من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها قال إبن محيريز : اصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون قال مكحول : روعات البعوث تنفي روعات القيامة الثالثة وتعلق بها أيضا من قال : إن الغنى أفضل من الفقر لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع إتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر لأن الفقير تارك والغنى ملابس وترك الدنيا أفضل من ملابستها قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين وليسلم من مذمة الحالين قال الماوردي : وهذا مذهب من يرى تفضيل الإعتدال وأن ( خير الأمور أوسطها ( ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال : ألا عائذا بالله من عدم الغنى ومن رغبة يوما إلى غير مرغب الرابعة قوله تعالى : ( غير أولي الضرر ) قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو غير بالرفع قال الأخفش : هو نعت للقاعدين لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء قاله الزجاج وقرأ أبو حيوة غير جعله نعتا للمؤمنين أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء وقرأ أهل الحرمين غير بالنصب على الإستثناء من القاعدين أو من المؤمنين أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين وإن شئت على الحال من القاعدين أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة وهو كما تقول : جاءني زيد غير مريض وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) وقد قال بعد هذا : درجات منه ومغفرة ورحمة فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات قاله إبن جريج والسدي وغيرهما وقيل : إن معنى درجة علو أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ فهذا معنى درجة ودرجات يعني في الجنة قال إبن محيريز : سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة ودرجات بدل من أجر وتفسير له ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف أي فضلهم بدرجات ويجوز أن يكون توكيدا لقوله أجرا عظيما لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة ويجوز الرفع أي ذلك درجات وأجرا نصب ب فضل وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن ولا ينتصب ب فضل لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله المجاهدين وعلى القاعدين وكذا درجة فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ( ( وكلا وعد الله الحسنى ) كلا منصوب ب وعد والحسنى الجنة أي وعد الله كلا الحسنى ثم قيل : المراد ( بكل ) المجاهدون خاصة وقيل : المجاهدون وأولو الضرر والله أعلم < <

حصہ V05/P344

النساء : ( 97 ) إن الذين توفاهم . . . . . > > < > ( النساء 97 : 99 ) <

حصہ V05/P344–V05/P346

> المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فنزلت الآية وقيل : إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلأء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم فنزلت الآية والأول أصح روى البخاري عن محمد إبن عبد الرحمن قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى إبن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال : أخبرني إبن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم : ( توفاهم الملائكة ) يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم فحذفت إحدى التاءين وحكى إبن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار وقيل : تقبض أرواحهم وهو أظهر وقيل : المراد بالملائكة ملك الموت لقوله تعالى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و ( ظالمي أنفسهم ) نصب على الحال أي في حال ظلمهم أنفسهم والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون إستخفافا وأضاف كما قال تعالى : هديا بالغ الكعبة وقول الملائكة : فيم كنتم سؤال تقريع وتوبيخ أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين وقول هؤلاء : كنا مستضعفين في الأرض يعني مكة اعتذار غير صحيح إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه ولعدم تعين أحدهم بالإيمان وإحتمال ردته والله أعلم ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في مأواهم من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان كعياش بن أبي ربيعة وسلمة إبن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال إبن عباس : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك وأمه هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة وهي أخت ميمونة وأختها الأخرى لبابة الصغرى وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : ( الأخوات مؤمنات ( ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة : أم حفيد واسمها هزيلة هن ست شقائق وثلاث لأم وهن سلمى وسلامة واسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ثم امرأة أبي بكر الصديق ثم امرأة علي رضي الله عنهم أجمعين قوله تعالى : ( فيم كنتم ) سؤال توبيخ وقد تقدم والأصل فيما ثم حذفت الألف فرقا بين الإستفهام والخبر والوقف عليها فيمه لئلا تحذف الألف والحركة والمراد بقوله : ( ألم تكن أرض الله واسعة ) المدينة أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ( فأولئك مأواهم جهنم ) أي مثواهم النار وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم ( وساءت مصيرا ) نصب على التفسير وقوله تعالى : ( لا يستطيعون حيلة ) الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص والسبيل سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما والصواب أنه عام في جميع السبل وقوله تعالى : ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب له حتى يعفي عنه ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في الهجرة حتى أن من لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم إذ لا يجب تحمل غاية المشقة بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة فمعنى الآية : فأولئك لا يستقصي عليهم في المحاسبة ولهذا قال : ( وكان الله عفوا غفورا ) والماضي والمستقبل في حقه تعالى واحد وقد تقدم < <

حصہ V05/P346

النساء : ( 100 ) ومن يهاجر في . . . . . > > < > ( النساء 100 ) <

حصہ V05/P346–V05/P350

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد ) شرط وجوابه يجد ( في الأرض مراغما ) اختلف في تأويل المراغم فقال مجاهد : المراغم المتزحزح وقال إبن عباس والضحاك والربيع وغيرهم : المراغم المتحول والمذهب وقال إبن زيد : والمراغم المهاجر وقاله أبو عبيدة قال النحاس : فهذه الأقوال متفقة المعاني فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه وهو مشتق من الرغام ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب وراغمت فلانا هجرته وعاديته ولم أبال إن رغم أنفه وقيل : إنما سمي مهاجرا ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم فسمى خروجه مراغما وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة وقال السدي : المراغم المبتغي للمعيشة وقال إبن القاسم : سمعت مالكا يقول : المراغم الذهاب في الأرض وهذا كله تفسير بالمعنى وكله قريب بعضه من بعض فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم فتلك المنعة هي موضع المراغمة ومنه قول النابغة : كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهرب الثانية قوله تعالى : ( وسعة ) أي في الرزق قاله إبن عباس والربيع والضحاك وقال قتادة : المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى وقال مالك : السعة سعة البلاد وهذا أشبه بفصاحة العرب فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق وإتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج ونحو هذا المعنى قول الشاعر : وكنت إذا خليل رام قطعي وجدت وراى منفسحا عريضا آخر : لكان لي مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرض الثالثة قال مالك : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق وقال : والمراغم الذهاب في الأرض والسعة سعة البلاد على ما تقدم واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب رواه إبن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة وروى ذلك عن إبن المبارك أيضا الرابعة قوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) الآية قال عكرمة مولى إبن عباس : طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما وأن الإعتناء به حسن والمعرفة به فضل ونحو منه قول إبن عباس : مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعني إلا مهابته والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص إبن ضمرة بن زنباع حكاه الطبري عن سعيد بن جبير ويقال فيه : ضميرة أيضا ويقال : جندع بن ضمرة من بني ليث وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال : أخرجوني فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم فأنزل الله فيه ومن يخرج من بيته مهاجرا الآية وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه : خالد إبن حزام بن خويلد إبن أخي خديجة وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة فنزلت فيه الآية والله أعلم وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب بن ضمرة وقيل : ضمرة بن جندب الضمري عن السدي وحكى عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجندعي وحكى عن إبن جابر أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم وقيل : ضمرة بن خزاعة والله أعلم وروى معمر عن قتادة قال : لما نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية قال رجل من المسلمين وهو مريض : والله ما لي من عذر إني لدليل في الطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت في الطريق فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو بلغ إلينا لتم أجره وقد مات بالتنعيم وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة فنزلت هذه الآية ومن يخرج من بيته مهاجرا الآية وكان اسمه ضمرة بن جندب ويقال : جندب إبن ضمرة على ما تقدم ( وكان الله غفورا ) لما كان منه من الشرك ( رحيما ) حين قبل توبته الخامسة قال إبن العربي : قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين : هربا وطلبا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام : الأول الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان فإن بقى في دار الحرب عصى ويختلف في حاله الثاني الخروج من أرض البدعة قال إبن القاسم : سمعت مالكا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف قال إبن العربي : وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه قال الله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم إلى قوله الظالمين الثالث الخروج من أرض غلب عليها الحرام : فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم الرابع الفرار من الأذية في البدن وذلك فضل من الله أرخص فيه فإذا خشى على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف من قومه قال : إني مهاجر إلى ربي وقال : إني ذاهب إلى ربي سيهدين وقال مخبرا عن موسى : فخرج منها خائفا يترقب الخامس خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم وقد تقدم بيانه في البقرة بيد أن علماءنا قالوا : هو مكروه السادس الفرار خوف الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه والأهل مثله وأوكد وأما قسم الطلب فينقسم قسمين : طلب دين وطلب دنيا فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام : الأول سفر العبرة قال الله تعالى : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وهو كثير ويقال : إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها وقيل : لينفذ الحق فيها الثاني سفر الحج والأول وإن كان ندبا فهذا فرض الثالث سفر الجهاد وله أحكامه الرابع سفر المعاش فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه من صيد أو إحتطاب أو إحتشاش فهو فرض عليه الخامس سفر التجارة والكسب الزائد على القوت وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم يعني التجارة وهي نعمة من الله بها في سفر الحج فكيف إذا إنفردت السادس في طلب العلم وهو مشهور السابع قصد البقاع قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ( الثامن الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها التاسع زيارة الإخوان في الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته فقال أين تريد فقال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل لك من نعمة تربها عليه قال لا غير أني أحببته في الله عزوجل قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ( رواه مسلم وغيره < <

حصہ V05/P350

النساء : ( 101 ) وإذا ضربتم في . . . . . > > < > ( النساء 101 ) <

حصہ V05/P350–V05/P362

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ضربتم ) سافرتم وقد تقدم واختلف العلماء في حكم القصر في السفر فروى عن جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين الحديث ولا حجة فيه لمخالفتها له فإنها كانت تتم في السفر وذلك يوهنه وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم وقد قال غيرها من الصحابة كعمر وإبن عباس وجبير بن مطعم : إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه مسلم عن إبن عباس ثم إن حديث عائشة قد رواه إبن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين وقال فيه الأوزاعي عن إبن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين الحديث وهذا إضطراب ثم إن قولها : فرضت الصلاة ليس على ظاهره فقد خرج عنه صلاة المغرب والصبح فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص منها وكذلك الصبح وهذا كله يضعف متنه لا سنده وحكى إبن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض ومشهور مذهبه وجل أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة وهو قول الشافعي وهو الصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير وهو قول أصحاب الشافعي ثم اختلفوا في أيهما أفضل فقال بعضهم : القصر أفضل وهو قول الأبهري وغيره وقيل : إن الإتمام أفضل وحكى عن الشافعي وحكى أبو سعيد الفروي المالكي أن الصحيح في مذهب مالك التخيير للمسافر في الإتمام والقصر قلت وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) إلا أن مالكا رحمه الله يستحب له القصر وكذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم وحكى أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة قال : القصر في السفر للرجال والنساء سنة قال أبو عمر : وحسبك بهذا في مذهب مالك مع أنه لم يختلف قوله : أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت وذلك إستحباب عند من فهم لا إيجاب وقال الشافعي : القصر في غير الخوف بالسنة وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ومن صلى أربعا فلا شيء عليه ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة وقال أبو بكر الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعا قال : لا ما يعجبني السنة ركعتان وفي موطأ مالك عن إبن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال عبد الله بن عمر : يا بن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ففي هذا الخبر قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة لا فريضة لأنها لا ذكر لها في القرآن وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا فلم يبح القصر في كتابه إلا مع هذين الشرطين ومثله في القرآن : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح الآية وقد تقدم ثم قال تعالى : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة أي فأتموها وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع إلى إثنتين إلا المغرب في اسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى فكان ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم زيادة في أحكام الله تعالى كسائر ما سنه وبينه مما ليس له في القرآن ذكر وقوله : كما رأيناه يفعل مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف فقال : ( تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشئ في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشئ على لسان نبيه من غير ذلك الشرط وسأل حنظلة إبن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان قلت : فأين قوله تعالى : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ونحن آمنون قال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا إبن عمر قد اطلق عليها سنة وكذلك قال إبن عباس فأين المذهب عنهما قال أبو عمر : ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث لأنه لم يسم الرجل الذي سأل إبن عمر وأسقط من الإسناد رجلا والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبد الله إبن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والله أعلم الثانية واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة فقال داؤد : تقصر في كل سفر طويل أو قصير ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتي الجمعة متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شعبة الشاك صلى ركعتين وهذا لا حجة فيه لأنه مشكوك فيه وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك والله أعلم قال إبن العربي : وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف بالدين ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ولا أفكر فيه بفضول قلبي ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا وإن مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا كما أنا نحكم على أن من مشى يوما وليلة كان مسافرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها ( وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين وعليه عول مالك ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه وروى مرة ( يوما وليلة ( ومرة ( ثلاثة أيام ( فجاء إلى عبد الله بن عمر فعول علي فعله فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم وهي أربعة برد لأن إبن عمر كان كثير الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم قال غيره : وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا فراعى مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوما تاما وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام لأنه لم يرد بقوله : مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله وإنما أراد أن يسير سيرا يبيت فيه بعيدا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم وفي البخاري : وكان إبن عمر وإبن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا وهذا مذهب مالك وقال الشافعي والطبري : ستة وأربعون ميلا وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة وأربعين ميلا قال : يقصر وهو أمر متقارب وعن مالك في الكتب المنثورة : أنه يقصر في ستة وثلاثين ميلا وهي تقرب من يوم وليلة وقال يحيى بن عمر : يعيد أبدا بن عبد الحكم : في الوقت وقال الكوفيون : لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام وهو قول عثمان وإبن مسعود وحذيفة وفي صحيح البخاري عن إبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم ( قال أبو حنيفة : ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشى الأقدام وقال الحسن والزهري : تقصر الصلاة في مسيرة يومين وروى هذا القول عن مالك ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم ( وقصر إبن عمر في ثلاثين ميلا وأنس في خمسة عشر ميلا وقال الأوزاعي : عامة العلماء في القصر على اليوم التام وبه نأخذ قال أبو عمر : اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها ومجملها عندي والله أعلم أنها خرجت على أجوبة السائلين فحدث كل واحد بمعنى ما سمع كأنه قيل له صلى الله عليه وسلم في وقت ما : هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم فقال : لا وقيل له في وقت آخر : هل تسافر المرأة يومين بغير محرم فقال : لا وقال له آخر : هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم فقال : لا وكذلك معنى الليلة والبريد على ما روى فأدى كل واحد ما سمع على المعنى والله أعلم ويجمع معاني الآثار في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها الحظر على المرأة أن تسافر سفرا يخاف عليها فيه الفتنة بغير محرم قصيرا كان أو طويلا والله أعلم الثالثة واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس واختلفوا فيما سوى ذلك فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها وروى عن إبن مسعود أنه قال : لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وقال عطاء : لا تقصر إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير وروى عنه أيضا : تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور وقال مالك : إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها أو خرج لمشاهدة بلدة متنزها ومتلذذا لم يقصر والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما وروى عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ذلك وروى عن مالك وقد تقدم في البقرة واختلف عن أحمد فمرة قال بقول الجمهور ومرة قال : لا يقصر إلا في حج أو عمرة والصحيح ما قاله الجمهور لأن القصر إنما شرع تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز وكل الأسفار في ذلك سواء لقوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أي إثم أن تقصروا من الصلاة فعم وقال عليه السلام ( خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا ( وقال الشعبي : إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه لأن ذلك يكون عونا له على معصية الله والله تعالى يقول : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان الرابعة واختلفوا متى يقصر فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية وحينئذ هو ضارب في الأرض وهو قول مالك في المدونة ولم يحد مالك في القرب حدا وروى عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال وإلى ذلك في الرجوع وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها وروى عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب إبن مسعود وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى قلت : ويكون معنى الآية على هذا : وإذا ضربتم في الأرض أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض والله أعلم وروى عن مجاهد أنه قال : لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل وهذا شاذ وقد ثبت من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين أخرجه الأئمة وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال أو سبعة الخامسة وعلى المسافر أن ينوي القصر من حين الإحرام فإن افتتح الصلاة بنية القصر ثم عزم على المقام في أثناء صلاته جعلها نافلة وإن كان ذلك بعد أن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى وسلم ثم صلى صلاة مقيم قال الأبهري وإبن الجلاب : هذا والله أعلم إستحباب ولو بنى على صلاته وأتمها أجزاته صلاته قال أبو عمر : هو عندي كما قالا لأنها ظهر سفرية كانت أو حضرية وكذلك سائر الصلوات الخمس السادسة واختلف العلماء من هذا الباب في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور : إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم وروى عن سعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم وإن كان أقل قصر وهو قول إبن عمر وإبن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي وروى عن سعيد أيضا وقال أحمد : إذا جمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم وبه قال داؤد والصحيح ما قاله مالك لحديث إبن الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يصدر أخرجه الطحاوي وإبن ماجه وغيرهما ومعلوم أن الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز فجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة وأبقى عليه فيها حكم المسافر ومنعه من مقام الرابع فحكم له بحكم الحاضر القاطن فكان ذلك أصلا معتمدا عليه ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أمورهم قال إبن العربي : وسمعت بعض أحبار المالكية يقول : إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة لأن الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقن الخروج عن الدنيا فقال تعالى : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب وفي المسألة قول غير هذه الأقوال وهو أن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه أو ينزل وطنا له روى عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة وقال أبو مجلز قلت لإبن عمر : إني أتي المدينة فأقيم بها السبعة اشهر والثمانية طالبا حاجة فقال : صل ركعتين وقال أبو إسحاق السبيعي : أقمنا بسجستان ومعنا رجال من أصحاب إبن مسعود سنتين نصلي ركعتين وأقام إبن عمر بأذربيجان يصلي ركعتين ركعتين وكان الثلج حال بينهم وبين القفول : قال أبو عمر : محمل هذه الأحاديث عندنا على أن لا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدة وإنما مثل ذلك أن يقول : أخرج اليوم أخرج غدا وإذا كان هكذا فلا عزيمة ها هنا على الإقامة السابعة روى مسلم عن عروة عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى قال الزهري : فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر قال : إنها تأولت ما تأول عثمان وهذا جواب ليس بموعب وقد اختلف الناس في تأويل إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما على أقوال : فقال معمر عن الزهري : إن عثمان رضي الله عنه إنما صلى بمنى أربعا لأنه أجمع على الإقامة بعد الحج وروى مغيرة عن إبراهيم أن عثمان صلى أربعا لأنه إتخذها وطنا وقال يونس عن الزهري قال : لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعا قال : ثم أخذ به الأئمة بعده وقال أيوب عن الزهري إن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب لأنهم كثروا عامئذ فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع ذكر هذه الأقوال كلها أبو داؤد في مصنفه في كتاب المناسك في باب الصلاة بمنى وذكر أبو عمر في ( التمهيد ) قال إبن جريج : وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال : يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام الأول فخشى عثمان أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان قال إبن جريج : وإنما أوفاها بمنى فقط قال أبو عمر : وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شيء يروى عنها وإنما هي ظنون وتأويلات لا يصحبها دليل وأضعف ما قيل في ذلك : أنها أم المؤمنين وأن الناس حيث كانوا هم بنوها وكان منازلهم منازلها وهل كانت أم المؤمنين إلا أنها زوج النبي أبي المؤمنين صلى الله عليه وسلم وهو الذي سن القصر في أسفاره وفي غزواته وحجه وعمره وفي قراءة أبي بن كعب ومصحفه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقال مجاهد في قوله تعالى : هؤلاء بناتي هن أطهر لكم قال : لم يكن بناته ولكن كن نساء أمته وكل نبي فهو أبو أمته قلت : وقد اعترض على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشرعا وليست هي كذلك فانفصلا وأضعف من هذا قول من قال : إنها حيث أتمت لم تكن في سفر جائز وهذا باطل قطعا فإنها كانت أخوف لله واتقى من أن تخرج في سفر لا يرضاه وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم سبحانك هذا بهتان عظيم وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدة محتسبة تريد أن تطفئ نار الفتنة إذ هي أحق أن يستحيا منها فخرجت الأمور عن الضبط وسيأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقيل : إنها أتمت لأنها لم تكن ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزوة وهذا باطل لأن ذلك لم ينقل عنها ولا عرف من مذهبها ثم هي قد أتمت في سفرها إلى علي وأحسن ما قيل في قصرها وإتمامها أنها أخذت برخصة الله لترى الناس أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل وقد قال عطاء : القصر سنة ورخصة وهو الراوي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام وأفطر وأتم الصلاة وقصر في السفر رواه طلحة بن عمر وعنه قال : كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم صام وأفطر وقصر الصلاة وأتم وروى النسائي بإسناد صحيح أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت فقال : ( أحسنت يا عائشة ( وما عاب علي كذا هو مقيد بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين وروى الدارقطني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم قال إسناده صحيح الثامنة قوله تعالى : ( أن تقصروا من الصلاة ) أن في موضع نصب أي في أن تقصروا قال أبو عبيد : فيها ثلاث لغات : قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها واختلف العلماء في تأويله فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى إثنتين من أربع في الخوف وغيره لحديث يعلى بن أمية على ما يأتي وقال آخرون : إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة والركعتان في السفر إنما هي تمام كما قال عمر رضي الله عنه : تمام غير قصر وقصرها أن تصير ركعة قال السدي : إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام والقصر لا يحل إلا أن تخاف فهذه الآية مبيحة أن تصلى كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا ويكون للإمام ركعتان وروى نحوه عن إبن عمر وجابر بن عبد الله وكعب وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد إبن العاص عن ذلك وروى إبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم محارب خصفة وبني ثعلبة وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بين ضجنان وعسفان قلت : وفي صحيح مسلم عن إبن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهذا يؤيد هذا القول ويعضده إلا أن القاضي أبا بكر بن العربي ذكر في كتابه المسمى ( بالقبس ) : قال علماؤنا رحمة الله عليهم هذا الحديث مردود بالإجماع قلت : وهذا لا يصح وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما أدعوه من الإجماع وبالله التوفيق وحكى أبو بكر الرازي الحنفي في ( أحكام القرآن ) أن المراد بالقصر ها هنا القصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء وبترك القيام إلى الركوع وقال آخرون : هذه الآية مبيحة للقصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة وإشتعال الحرب فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه ويصلي ركعة واحدة حيث توجه إلى تكبيرة على ما تقدم في البقرة ورجح الطبري هذا القول وقال : إنه يعادله قوله تعالى : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة أي بحدودها وهيئتها الكاملة قلت : هذه الأقوال الثلاثة في المعنى متقاربة وهي مبنية على أن فرض المسافر القصر وأن الصلاة في حقه ما نزلت إلا ركعتين فلا قصر ولا يقال في العزيمة لا جناح ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر كما لا يقال في صلاة الصبح ذلك وذكر الله تعالى القصر بشرطين والذي يعتبر فيه الشرطان صلاة الخوف هذا ما ذكره أبو بكر الرازي في ( أحكام القرآن ) واحتج به ورد عليه بحديث يعلى بن أمية على ما يأتي آنفا إن شاء الله تعالى التاسعة قوله تعالى : ( إن خفتم ) خرج الكلام على الغالب إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ولهذا قال يعلى بن أمية قلت لعمر : ما لنا نقصر وقد أمنا قال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( قلت : وقد استدل أصحاب الشافعي وغيرهم على الحنفية بحديث يعلى بن أمية هذا فقالوا : إن قوله : ما لنا نقصر وقد أمنا دليل قاطع على أن مفهوم الآية القصر في الركعات قال الكيا الطبري : ولم يذكر اصحاب أبي حنيفة على هذا تأويلا يساوي الذكر ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان فإنه لو لم يضرب في الأرض ولم يوجد السفر بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا فتجوز صلاة الخوف فلا يعتبر وجود الشرطين على ما قاله وفي قراءة أبي أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا بسقوط إن خفتم والمعنى على قراءته : كراهية أن يفتنكم الذين كفروا وثبت في مصحف عثمان رضي الله عنه إن خفتم وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو فمن كان آمنا فلا قصر له روى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر : أتموا صلاتكم فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر فقالت : إنه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون وقال عطاء : كان يتم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان ولكن ذلك معلل بعلل تقدم بعضها وذهب جماعة إلى أن الله تعالى لم يبح القصر في كتابه إلا بشرطين : السفر والخوف وفي غير الخوف بالسنة منهم الشافعي وقد تقدم وذهب آخرون إلى أن قوله تعالى : إن خفتم ليس متصلا بما قبل وأن الكلام تم عند قوله : من الصلاة ثم افتتح فقال : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف وقوله : إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا كلام معترض قاله الجرجاني وذكره المهدوي وغيرهما ورد هذا القول القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي قال القشيري أبو نصر : وفي الحمل على هذا تكلف شديد وإن أطنب الرجل يريد الجرجاني في التقدير وضرب الأمثلة وقال إبن العربي : وهذا كله لم يفتقر إليه عمر ولا إبنه ولا يعلى بن أمية معهما قلت : قد جاء حديث بما قاله الجرجاني ذكره القاضي أبو الوليد بن رشد في مقدماته وإبن عطية أيضا في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي فأنزل الله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ثم إنقطع الكلام فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم فقال قائل منهم : إن لهم أخرى في أثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إلى آخر صلاة الخوف فإن صح هذا الخبر فليس لأحد معه مقال ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن وقد روى عن إبن عباس أيضا مثله قال : إن قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة نزلت في الصلاة في السفر ثم نزل إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا في الخوف بعدها بعام فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين فقوله وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة يعني به في السفر وتم الكلام ثم ابتدأ فريضة أخرى فقدم الشرط والتقدير : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة والواو زائدة والجواب فلتقم طائفة منهم معك وقوله : إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا إعتراض وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة وهو حديث عمر إذ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( قال النحاس : من جعل قصر النبي صلى الله عليه وسلم في غير خوف وفعله في ذلك ناسخا للآية فقد غلط لأنه ليس في الآية منع للقصر في الأمن وإنما فيها إباحة القصر في الخوف فقط العاشرة قوله تعالى : ( أن يفتنكم الذين كفروا ) قال الفراء : أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا : فتنته جعلت فيه فتنة مثل أكحلته وأفتنته جعلته مفتتنا وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتتنته ( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) عدوا ها هنا بمعنى أعداء والله أعلم < <

سوالات