Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
النمل : ( 36 ) فلما جاء سليمان . . . . . > > < > ( النمل 36 : 40 ) <
> قوله تعالى : ( فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال ) أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال : أتمدونني بمال قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد لأنها في كل المصاحف بنونين وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ : أتمدون بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ قال بن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف ليصح لها موافقة هجاء المصحف والأصل في النون التشديد فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم وأصله : أنك عالم وعلى هذا المعنى بني الذي قرأ : يشاقون فيهم أتحاجون في الله وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف ومعنى أتمدونني أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي قوله تعالى : ( فما آتاني الله خير مما آتاكم ) أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم فلا أفرح بالمال وآتان وقعت في كل المصاحف بغير ياء وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص : آتاني الله بياء مفتوحة فإذا وقفوا حذفوا وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين الباقون بغير ياء في الحالين ( بل أنتم بهديتكم تفرحون ) لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا قوله تعالى : ( ارجع إليهم ) أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد ارجع إليهم بهديتهم ( فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ) لام قسم والنون لها لازمة قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير لام توكيد ولام أمر ولام خفض وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية ومعنى لا قبل لهم بها أي لا طاقة لهم عليها ( ولنخرجنهم منها ) أي من أرضهم ( أذلة وهم صاغرون ) وقيل : منها أي من قرية سبأ وقد سبق ذكر القرية في قوله : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها أذلة قد سلبوا ملكهم وعزهم وهم صاغرون أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا فرجع إليها رسولها فأخبرها فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض في آخر قصر من سبعة قصور وغلقت الأبواب وجعلت الحرس عليه وتوجهت إليه في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت كل قيل مائة ألف قال بن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه فقال : ما هذا فقالوا : بلقيس يا نبي الله فقال سليمان لجنوده وقال وهب وغيره : للجن ( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال : أيكم يأتيني بعرشها وكانت خلفت عرشها بسبأ ووكلت به حفظة وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك فلما علم ذلك قال : أيكم يأتيني بعرشها قال بن عباس : كان أمره بالاتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش وقال بن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المتأولين واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها فقال قتادة : ذكر له بعظم وجوده فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم والإسلام على هذا الدين وهو قول بن جريج وقال بن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلا على نبوته لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب ومسلمين على هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول بن عباس وقال بن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال : ( نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي ) وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل فأراد أن يمتحنها بعرشها وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله : ولها عرش عظيم قاله الطبري وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد والقول الأول عليه أكثر العلماء لقوله تعالى : قبل أن يأتوني مسلمين ولأنها لو أسلمت لحظر عليه ما لها فلا يؤتى به إلا بإذنها روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق قوله تعالى : ( قال عفريت من الجن ) كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي : عفرية ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي الحديث ( إن الله يبغض العفرية النفرية ( النفرية إتباع لعفرية قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية وقيل : عفريت أي رئيس وقرأت فرقة : قال عفر بكسر العين حكاه بن عطية قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه إن شاء قال عفاريت وإن شاء قال عفار لأن التاء زائدة كما يقال : طواغ في جمع طاغوت وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري والعفريت من الشياطين القوي المارد والتاء زائدة وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الأذاية وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن ذكره النحاس وقيل : ذكوان ذكره السهيلي وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان وروي عن بن عباس أنه صخر الجني ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته ( وذكر الحديث وفي البخاري ( تفلت علي البارحة ( مكان ( جعل يفتك ( وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بلى ( فقال : ( أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ( قوله تعالى : ( أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) يعني في مجلسه الذي يحكم فيه ( وإني عليه لقوي أمين ) أي قوي على حمله أمين على ما فيه بن عباس : أمين على فرج المرأة ذكره المهدوي فقال سليمان أريد أسرع من ذلك ف ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب وقالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم ( قيل : وهو بلسانهم أهيا شراهيا وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها فمثل بين يديه وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا بن خالة سليمان وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى وقيل : هو سليمان نفسه ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل قال بن عطية : وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال : أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان : هذا من فضل ربي قلت : ما ذكره بن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له وهو قول حسن إن شاء الله تعالى قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير أرسله الله عند قول العفريت قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو بن أد بن طابخة واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل فإذا لم يكن معد في عهد سليمان فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء وهذا بين لمن تأمله بن لهيعة : هو الخضر عليه السلام وقال بن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائز البحر خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض وهل يعبد الله أم لا فوجد سليمان فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم ذكره القشيري وقال بن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل ذكره الغزنوي وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال : هات قال : أنت نبي الله بن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام قاله النخعي وروي عن بن عباس وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة أو بما في اللوح المحفوظ وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس قال بن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا روي أنه صلى ركعتين ثم قال لسليمان : يا نبي الله امدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف 4 وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين وهذا أشبه لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة وكرامة الولي معجزة النبي قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان قال للعفريت : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات فإن الجن يقدرون على مثل هذا ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها قال القشيري : ورواه وهب عن مالك وقد قيل : بل جيء به في الهواء قاله مجاهد وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان قال عبد الله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض فالله أعلم أي ذلك كان قوله تعالى : ( فلما رآه مستقرا عنده ) أي ثابتا عنده ( قال هذا من فضل ربي ) أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي ( ليبلوني ) قال الأخفش : المعنى لينظر ( أأشكر أم أكفر ) وقال غيره : معنى ليبلوني ليتعبدني وهو مجاز والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها والشكر قيد النعمة الموجودة : وبه تنال النعمة المفقودة ( ومن كفر فإن ربي غني ) أي عن الشكر ( كريم ) في التفضل < <
النمل : ( 41 ) قال نكروا لها . . . . . > > < > ( النمل 41 : 43 ) < > قوله تعالى : ( قال نكروا لها عرشها ) أي غيروه قيل : جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وقيل : غير بزيادة أو نقصان قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له : إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل ورجلها كرجل الحمار فقال : نكروا لها عرشها لنعرف عقلها وكان لسليمان ناصح من الجن فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها فقال : أنا أجعل في هذا القصر ماء واجعل فوق الماء زجاجا تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه قوله تعالى : ( فلما جاءت ) يريد بلقيس ( قيل ) لها ( أهكذا عرشك قالت كأنه هو ) شبهته به لأنها خلفته تحت الأغلاق فلم تقر بذلك ولم تنكر فعلم سليمان كمال عقلها قال عكرمة : كانت حكيمة فقالت : كأنه هو وقال مقاتل : عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم هو وقاله الحسن بن الفضل أيضا وقيل : أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الأمر في باب الغلمان والجواري ( وأوتينا العلم من قبلها ) قيل : هو من قول بلقيس أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش ( وكنا مسلمين ) منقادين لأمره وقيل : هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة وقيل : وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وقيل هو من : كلام قوم سليمان والله أعلم قوله تعالى : ( وصدها ما كانت تعبد من دون الله ) الوقف على من دون الله حسن والمعنى : منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر ف ما في موضع رفع النحاس : المعنى أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم ويجوز أن يكون ما في موضع نصب ويكون التقدير : وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله أي حال بينها وبينه ويجوز أن يكون المعنى : وصدها الله أي منعها الله عن عبادتها غيره فحذفت عن وتعدى الفعل نظيره : واختار موسى قومه أي من قومه وأنشد سيبويه : ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كراما مواليها لئيما صميمها وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله ( إنها كانت من قوم كافرين ) قرأ سعيد بن جبير : أنها بفتح الهمزة وهي في موضع نصب بمعنى لأنها ويجوز أن يكون بدلا من ما فيكون في موضع رفع إن كانت ما فاعلة الصد والكسر على الاستئناف < < النمل : ( 44 ) قيل لها ادخلي . . . . . > > < > ( النمل 44 ) <
> قوله تعالى : ( قيل لها ادخلي الصرح ) التقدير عند سيبويه : ادخلي إلى الصرح فحذف إلى وعدي الفعل وأبو العباس يغلطه في هذا قال : لأن دخل يدل على مدخول وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان عمله ليريها ملكا أعظم من ملكها قاله مجاهد وقال قتادة : كان من قوارير خلفه ماء حسبته لجة أي ماء وقيل : الصرح القصر عن أبي عبيدة كما قال : تحسب أعلامهن الصروحا وقيل : الصرح الصحن كما يقال : هذه صرحة الدار وقاعتها بمعنى وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال مرتفع من الأرض وأن الممرد الطويل النحاس : أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا صرح من قولهم : لبن صريح إذا لم يشبه ماء ومن قولهم : صرح بالأمر ومنه : عربي صريح وقيل : عمله ليختبر قول الجن فيها إن أمها من الجن ورجلها رجل حمار قاله وهب بن منبه فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق : وتعجبت من كون كرسيه على الماء ورأت ما هالها ولم يكن لها بد من امتثال الأمر ( وكشفت عن ساقيها ) فإذا هي أحسن الناس ساقا سليمة مما قالت الجن غير أنها كانت كثيرة الشعر فلما بلغت هذا الحد قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها : 0 إنه صرح ممرد من قوارير والممرد المحكوك المملس ومنه الأمرد وتمرد الرجل إذا أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه قاله الفراء ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت والممرد أيضا المطول ومنه قيل للحصن مارد أبو صالح : طويل على هيئة النخلة بن شجرة : واسع في طوله وعرضه قال : غدوت صباحا باكرا فوجدتهم قبيل الضحا في السابري الممرد أي الدروع الواسعة وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم على ما يأتي ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين : كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد فدله على عمل النورة فكانت النورة والحمامات من يومئذ فيروى أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام قاله الضحاك وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش : تزوجها وردها إلى ملكها باليمن وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة ( فقالت عائشة : هي أحسن ساقين مني فقال عليه السلام : ( أنت أحسن ساقين منها في الجنة ( ذكره القشيري وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه حرها قال أواه من عذاب الله ( ثم أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها باليمن وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا : سلحون وبينون وعمدان ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك فوجدوا فيها قبرا معقودا فيه امرأة حلل منسوجة بالذهب وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب : يأيها الأقوام عوجوا معا وأربعوا في مقبري العيسا لتعلموا أني تلك التي قد كنت أدعى الدهر بلقيسا شيدت قصر الملك في حمير قومي وقدما كان مأنوسا وكنت في ملكي وتدبيره أرغم في الله المعاطيسا بعلي سليمان النبي الذي قد كان للتوراة دريسا وسخر الريح له مركبا تهب أحيانا رواميسا مع بن داود النبي الذي قدسه الرحمن تقديسا وقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه : لم يتزوجها سليمان وإنما قال لها : اختاري زوجا فقالت : مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان فقال : لا بد في الإسلام من ذلك فاختارت ذا تبع ملك همدان فزوجه إياها وردها إلى اليمن وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ولم يزل أميرا حتى مات سليمان وقال قوم : لم يرد فيه خبر صحيح لا في أنه تزوجها ولا في أنه زوجها وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد بن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح وكان جدها الهداهد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك وكان ملك أرض اليمن كلها وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف : ليس أحد منكم كفؤا لي وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن فولدت له بلقمة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كان أحد أبوي بلقيس جنيا ( فمات أبوها واختلف عليها قومها فرقتين وملكوا أمرهم رجلا فساءت سيرته حتى فجر بنساء رعيته فأدركت بلقيس الغيرة فعرضت عليه نفسها فتزوجها فسقته الخمر حتى حزت رأسه ونصبته على باب دارها فملكوها وقال أبو بكرة : ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( ويقال : إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء الرعية وكان الوزير غيورا فلم يتزوج فصحب مرة في الطريق رجلا لا يعرفه فقال هل لك من زوجة فقال : لا أتزوج أبدا فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا قال : بل يغتصبها قال : إنا قوم من الجن لا يقدر علينا فتزوج ابنته فولدت له بلقيس ثم ماتت الأم وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء فتحدث أبوها بحديثها غلطا فنمى للملك خبرها فقال له : يا فلان تكون عندك هذه البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها وأنت تعلم حبي للنساء ثم أمر بحبسه فأرسلت بلقيس إليه إني بين يديك فتجهز للمسير إلى قصرها فلما هم بالدخول بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس وقلن له ألا تستحي تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك فأذن لهم بالانصراف ودخل وحده وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال وقطعت رأسه ورمت به إلى عسكره فأمروها عليهم فلم تزل كذلك إلى أن بلغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها فأبصر الدنيا يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد وكان اسم ذلك الهدهد عفير فقال عفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت وأين تريد قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود قال : ومن سليمان قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض فمن أين أنت قال : من هذه البلاد ملكها امرأة يقال لها بلقيس تحت يدها اثنا عشر ألف قيل تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ورجع إلى سليمان وقت العصر وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده وكانوا على غير ماء قال بن عباس في رواية : وقعت عليه نفحة من الشمس فقال لوزير الطير : هذا موضع من قال : يا نبي الله هذا موضع الهدهد قال : وأين ذهب قال : لا أدري أصلح الله الملك فغضب سليمان وقال : لأعذبنه عذابا شديدا الآية ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأسا فقال : ما تريد يا نبي الله فقال : علي بالهدهد الساعة فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى لزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحن اليمن فانقض نحوه وأنشب فيه مخلبه فقال له الهدهد : أسألك بالله الذي أقدرك وقواك علي إلا رحمتني فقال له : الويل لك وثكلتك أمك إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك ثم أتي به فاستقبلته النسور وسائر عساكر الطير وقالوا الويل لك لقد توعدك نبي الله فقال : وما قدري وما أنا أما استثنى قالوا : بلى إنه قال : أو ليأتيني بسلطان مبين ثم دخل على سليمان فرفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه السلام فقال له سليمان : أين كنت عن خدمتك ومكانك لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك فقال له الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه وقال عكرمة : إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارا بوالديه ينقل الطعام إليهما فيزقهما ثم قال له سليمان : ما الذي أبطأ بك فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدم بيانه قال الماوردي : والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين واختلاف الطبعين وتفارق الحسين لأن الآدمي جسماني والجن روحاني وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ويمنع الامتزاج مع هذا التباين ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف قلت : قد مضى القول في هذا والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدم بيانه ولا بعد في ذلك والله أعلم وفي التنزيل وشاركهم في الأموال والأولاد وقد تقدم وقال تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان على ما يأتي في الرحمن قوله تعالى : ( قالت رب إني ظلمت نفسي ) أي بالشرك الذي كانت عليه قاله بن شجرة وقال سفيان : أي بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة وأن سليمان يريد تغريقها فيه فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن وكسرت إن لأنها مبتدأة بعد القول ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول ( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) إذا سكنت مع فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين وإذا فتحتها ففيها قولان : أحدهما أنه بمعنى الظرف اسم والآخر أنه حرف خافض مبني على الفتح قاله النحاس : < <
النمل : ( 45 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . > > < > ( النمل 45 : 47 ) < > قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله ) تقدم معناه ( فإذا هم فريقان يختصمون ) قال مجاهد : أي مؤمن وكافر قال : والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إلى قوله : كافرون وقيل : تخاصمهم أن كل فرقة قالت : نحن على الحق دونكم قوله تعالى : ( قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ) قال مجاهد : بالعذاب قبل الرحمة المعنى : لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار : ايتنا بالعذاب وقيل : أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب ( لولا تستغفرون الله ) أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك ( لعلكم ترحمون ) لكي ترحموا وقد تقدم قوله تعالى : ( قالوا اطيرنا بك وبمن معك ) أي تشاءمنا والشؤم النحس ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل وقال الشاعر : طيرة الدهر لا ترد قضاء فاعذر الدهر لا تشبه بلوم أي يوم يخصه بسعود والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلا وفيه سعود ونحوس تجري لقوم فقوم وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا فإذا طار يمنه سارت وتيمنت وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : ( أقروا الطير على وكناتها ( على ما تقدم بيانه في المائدة ( قال طائركم عند الله ) أي مصائبكم ( بل أنتم قوم تفتنون ) أي تمتحنون وقيل : تعذبون بذنوبكم < < النمل : ( 48 ) وكان في المدينة . . . . . > > < > ( النمل 48 : 49 ) < > قوله تعالى : ( وكان في المدينة ) أي في مدينة صالح وهي الحجر ( تسعة رهط ) أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم قال الضحاك : كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد فجلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم وقال عطاء بن أبي رباح : بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم وذلك من الفساد في الأرض وقاله سعيد بن المسيب وقيل : فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم وقيل : غير هذا واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم وكانوا أهل كفر ومعاص جمة وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون والرهط اسم للجماعة فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط والجمع أرهط وأراهط قال : يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة ذكره بن عطية قلت : واختلف في أسمائهم فقال الغزنوي : وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق بن إسحاق : رأسهم قدار بن سالف ومصدع بن مهرع فاتبعهم سبعة هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تعرف أسماؤهم وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه : الهذيل بن عبد رب غنم بن غنم رياب بن مهرج مصدع بن مهرج عمير بن كردبة عاصم بن مخرمة سبيط بن صدقة سمعان بن صفى قدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من أبناء أشرافهم السهيلي : ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون وسماهم بأسمائهم وذلك لا ينضبط برواية غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب وهم : مصدع بن دهر ويقال دهم وقدار بن سالف وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ودعين بن عمير قلت : وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن بن عباس فقال : هم دعما ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام قوله تعالى : ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ) يجوز أن يكون تقاسموا فعلا مستقبلا وهو أمر أي قال بعضهم لبعض احلفوا ويجوز أن يكون ماضيا في معنى الحال كأنه قال : قالوا متقاسمين بالله ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله : يفسدون في الأرض ولا يصلحون تقاسموا بالله وليس فيها قالوا لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو حاتم وقرأ حمزة والكسائي : بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب أي أنهم تخاطبوا بذلك واختاره أبو عبيد وقرأ مجاهد وحميد بالياء فيهما وضم الياء واللام على الخبر والبيات مباغتة العدو ليلا ومعنى لوليه أي لرهط صالح الذي له ولاية الدم ( ما شهدنا مهلك أهله ) أي ما حضرنا ولا ندري من قتله وقتل أهله ( وإنا لصادقون ) في إنكارنا لقتله والمهلك بمعنى الإهلاك ويجوز أن يكون الموضع وقرأ عاصم والسلمي : بفتح الميم واللام أي الهلاك يقال : ضرب يضرب مضربا أي ضربا وقرأ المفضل وأبو بكر بفتح الميم وجر اللام فيكون اسم المكان كالمجلس لموضع الجلوس ويجوز أن يكون مصدرا كقوله تعالى : إليه مرجعكم أي رجوعكم < <
النمل : ( 50 ) ومكروا مكرا ومكرنا . . . . . > > < > ( النمل 50 : 53 ) < > ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) مكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب إتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا ويقتلوه وأهله المختصين به قالوا : فإذا كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق وإن كان صادقا كنا عجلناه قبلنا وشفينا نفوسنا قاله مجاهد وغيره قال بن عباس : أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة فإمتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فقتلتهم الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها وقال قتادة : خرجوا مسرعين إلى صالح فسلط عليهم ملك بيده صخرة فقتلهم وقال السدي : نزلوا على جرف من الأرض فإنهار بهم فأهلكهم الله تحته وقيل : اختفوا في غار قريب من دار صالح فإنحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا فهذا ما كان من مكرهم ومكر الله مجازاتهم على ذلك ( فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) أي بالصيحة التي أهلكتهم وقد قيل : إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل والأظهر أن التسعة هلكوا بعذاب مفرد ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة وكان الأعمش والحسن وبن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون : أنا بالفتح وقال بن الأنباري : فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على عاقبة مكرهم لأن أنا دمرناهم خبر كان ويجوز أن تجعلها في موضع رفع على الإتباع للعاقبة ويجوز أن تجعلها في موضع نصب من قول الفراء وخفض من قول الكسائي على معنى : بأنا دمرناهم ولأنا دمرناهم ويجوز أن تجعلها في موضع نصب على الإتباع لموضع كيف فمن هذه المذاهب لا يحسن الوقف على مكرهم وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو : إنا دمرناهم بكسر الألف على الإستئناف فعلى هذا المذهب يحسن الوقف على مكرهم قال النحاس : ويجوز أن تنصب عاقبة على خبر كان ويكون إنا في موضع رفع على أنها إسم كان ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدإ تبيينا للعاقبة والتقدير : هي إنا دمرناهم قال أبو حاتم : وفي حرف أبي أن دمرناهم تصديقا لفتحها قوله تعالى : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) قراءة العامة بالنصب على الحال عند الفراء والنحاس أي خالية عن أهلها خرابا ليس بها ساكن وقال الكسائي وأبو عبيدة : خاوية نصب على القطع مجازه : فتلك بيوتهم الخاوية فلما قطع منها الألف واللام نصب على الحال كقوله : وله الدين واصبا وقرأ عيسى بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري : بالرفع على أنها خبر عن تلك وبيوتهم بدل من تلك ويجوز أن تكون بيوتهم عطف بيان وخاوية خبر عن تلك ويجوز أن يكون رفع خاوية على أنها خبر إبتداء محذوف أي هي خاوية أو بدل من بيوتهم لأن النكرة تبدل من المعرفة ( إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا ) بصالح ( وكانوا يتقون ) الله ويخافون عذابه قيل : آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل والباقون خرج بأبدانهم في قول مقاتل وغيره خراج مثل الحمص وكان في اليوم الأول أحمر ثم صار من الغد أصفر ثم صار في الثالث أسود وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وهلاكهم يوم الأحد قال مقاتل : فقعت تلك الخراجات وصاح جبريل بهم خلال ذلك صيحة فخمدوا وكان ذلك ضحوة وخرج صالح بمن آمن معه إلى حضرموت فلما دخلها مات صالح فسميت حضرموت قال الضحاك : ثم بنى الأربعة الآلاف مدينة يقال لها حاضورا على ما تقدم بيانه في قصة أصحاب الرس < < النمل : ( 54 ) ولوطا إذ قال . . . . . > > < > ( النمل 54 : 58 ) <
> قوله تعالى : ( ولوطا إذ قال لقومه ) أي وأرسلنا لوطا أو إذكر لوطا إذ قال لقومه وهم أهل سدوم وقال لقومه : ( أتأتون الفاحشة ) الفعلة القبيحة الشنيعة ( وأنتم تبصرون ) أنها فاحشة وذلك أعظم لذنوبكم وقيل : يأتي بعضكم بعضا وأنتم تنظرون إليه وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا ( أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ) أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها ( بل أنتم قوم تجهلون ) إما أمر التحريم أو العقوبة وإختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من أئنكم فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الإستفهام قوله تعالى : ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) أي عن أدبار الرجال يقولون ذلك إستهزاء منهم قاله مجاهد وقال قتادة : عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء ( فأنجيناه وأهله إلا إمرأته قدرناها من الغابرين ) وقرأ عاصم : قدرنا مخففا والمعنى واحد يقال قد قدرت الشيء قدرا وقدرا وقدرته ( وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) أي من أنذر فلم يقبل الإنذار وقد مضى بيان هذا في الأعراف وهود < < النمل : ( 59 ) قل الحمد لله . . . . . > > < > ( النمل 59 : 61 ) <
> قوله تعالى : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) فال الفراء قال أهل المعاني : قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا : هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية قال النحاس : وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره وقيل : المعنى أي قل يا محمد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى يعني أمته عليه السلام قال الكلبي : اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته وقال بن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده وفيه تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما والإستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن قوله تعالى : الذين اصطفى اختار أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام دليله قوله تعالى : وسلام على المرسلين الله خير ) وأجاز أبو حاتم أألله خير بهمزتين النحاس : ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك لأن هذه المدة إنما جيء بها فرقا بين الإستفهام والخبر وهذه ألف التوقيف وخير ها هنا ليس بمعنى أفضل منك وإنما هو مثل قول الشاعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت : فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر وقيل : المعنى الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة وحكى سيبويه : السعادة أحب إليك أم الشقاء وهو يعلم أن السعادة أحب إليه وقيل : هو على بابه من التفضيل والمعنى : آلله خير أم ما تشركون أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون وقيل : قال لهم ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على إعتقادهم وقيل : اللفظ لفظ الإستفهام ومعناه الخبر وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب : يشركون بياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب وهو إختيار أبي عبيد وأبي حاتم فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول : ( بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ( قوله تعالى : ( أمن خلق السماوات والأرض ) قال أبو حاتم : تقديره آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض وقد تقدم ومعناه : قدر على خلقهن وقيل : المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض فهو مردود على ما قبله من المعنى وفيه معنى التوبيخ لهم والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم ( فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) الحديقة البستان الذي عليه حائط والبهجة المنظر الحسن قال الفراء : الحديقة البستان المحظر عليه حائط وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل ذات بهجة والبهجة الزينة والحسن يبهج به من رآه ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) ما للنفي ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا أي ما كان للبشر ولا يتهيأ لهم ولا يقع تحت قدرتهم أن ينبتوا شجرها إذ هم عجزة عن مثلها لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن وهو قول مجاهد ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة ( رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( قال الله عز وجل ( فذكره فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما إنفرد به سبحانه من الخلق والإختراع وهذا واضح وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به وقد قال بن عباس للذي سأله أن يصنع الصور : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا وسيأتي لهذا مزيد بيان في سبأ إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ : ( أإله مع الله ) أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك ( بل هم قوم يعدلون ) بالله غيره وقيل : يعدلون عن الحق والقصد أي يكفرون وقيل : إله مرفوع ب مع تقديره : أمع الله ويلكم إله والوقف على مع الله حسن قوله تعالى : ( أمن جعل الأرض قرارا ) أي مستقرا ( وجعل خلالها أنهارا ) أي وسطها مثل : وفجرنا خلالهما نهرا وجعل لها رواسي يعني جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة ( وجعل بين البحرين حاجزا ) مانعا من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب وقال بن عباس : سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا والحجز المنع ( أإله مع الله ) أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع ( بل أكثرهم لا يعلمون ) يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية < <
النمل : ( 62 ) أم من يجيب . . . . . > > < > ( النمل 62 : 64 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) قال بن عباس : هو ذو الضرورة المجهود وقال السدي : الذي لا حول له ولا قوة وقال ذو النون : هو الذي قطع العلائق عما دون الله وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري : هو المفلس وقال سهل بن عبد الله : هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال : أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر قال : إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه قال الشاعر : وإني لأدعو الله والأمر ضيق علي فما ينفك أن يتفرجا ورب أخ سدت عليه وجوهه أصاب لها لما دعا الله مخرجا الثانية وفي مسند أبى داود الطيالسي عن أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر : ( اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ( الثالثة ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة وجد من مؤمن أو كافر طائع أو فاجر كما قال تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وقوله : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم وقال تعالى : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه وفي الحديث : ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده ( ذكره صاحب الشهاب وهو حديث صحيح وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن ( واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب وفي كتاب الشهاب : ( إتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ( وهو صحيح أيضا وخرج الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر ( فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه وإجابة لإخلاصه وإن كان كافرا وكذلك إن كان فاجرا في دينه ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له أو إقتصاص منه أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وأكد سرعة إجابتها بقوله : ( تحمل على الغمام ( ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام فيعرجوا بها إلى السماء والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم فيظهر منه معاونة المظلوم وشفاعة منهم له في إجابة دعوته رحمة له وفي هذا تحذير من الظلم جملة لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ( الحديث فالمظلوم مضطر ويقرب منه المسافر لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته فتصدق ضرورته إلى المولى فيخلص إليه في اللجاء وهو المجيب للمضطر إذا دعاه وكذلك دعوة الوالد على ولده لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته إلا عند تكامل عجزه عنه وصدق ضرورته وإياسه عن بر ولده مع وجود أذيته فيسرع الحق إلى إجابته قوله تعالى : ( ويكشف السوء ) أي الضر وقال الكلبي : الجور ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين وفي كتاب النقاش : أي ويجعل أولادكم خلفا منكم وقال الكلبي : خلفا من الكفار ينزلون أرضهم وطاعة الله بعد كفرهم ( أإله مع الله ) على جهة التوبيخ كأنه قال أمع الله ويلكم إله ف إله مرفوع ب مع ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه والوقف على مع الله حسن ( قليلا ما تذكرون ) قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب : يذكرون بالياء على الخبر كقوله : بل أكثرهم لا يعلمون وتعالى الله عما يشركون فأخبر فيما قبلها وبعدها وإختاره أبو حاتم الباقون بالتاء خطابا لقوله : ويجعلكم خلفاء الأرض قوله تعالى : ( أمن يهديكم ) أي يرشدكم الطريق ( في ظلمات البر والبحر ) إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار وقيل : وجعل مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار كأنها ظلمات لأنه ليس لها علم يهتدى به ( ومن يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) أي قدام المطر بإتفاق أهل التأويل ( أإله مع الله ) يفعل ذلك ويعينه عليه ( تعالى الله عما يشركون ) من دونه قوله تعالى : ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ) كانوا يقرون أنه الخالق الرازق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الإبتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة وهو أهون عليه ( أإله مع الله ) يخلق ويرزق ويبدئ ويعيد : ( قل هاتوا برهانكم ) أي حجتكم أن لي شريكا أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله ( إن كنتم صادقين ) < <
النمل : ( 65 ) قل لا يعلم . . . . . > > < > ( النمل 65 : 66 ) <
> قوله تعالى : ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاالله ) وعن بعضهم : أخفى غيبه على الخلق ولم يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره وقيل : نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة ومن في موضع رفع والمعنى : قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله فإنه بدل من من قاله الزجاج الفراء : وإنما رفع ما بعد إلا لأن ما قبلها جحد كقوله ما ذهب أحد إلا أبوك والمعنى واحد قال الزجاج : ومن نصب نصب على الإستثناء يعني في الكلام قال النحاس : وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجما وقال : أخاف أن يكفر بهذه الآية قلت : وقد مضى هذا في الأنعام مستوفى وقالت عائشة : من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله خرجه مسلم وروي أنه دخل على الحجاج منجم فإعتقله الحجاج ثم أخذ حصيات فعدهن ثم قال : كم في يدي من حصاة فحسب المنجم ثم قال : كذا فأصاب ثم إعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال : كم في يدي فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ ثم قال : أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها قال : لا قال : فإني لا أصيب قال : فما الفرق قال : إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب وهذا لم تحصه فهو غيب ولا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وقد مضى هذا في آل عمران والحمد لله قوله تعالى : ( بل إدارك علمهم في الآخرة ) هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وقرأ أبو جعفر وبن كثير وأبو عمرو وحميد : بل ادرك من الإدراك وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش : بل ادرك غير مهموز مشددا وقرأ بن محيصن : بل أآدرك على الإستفهام وقرأ بن عباس : بلى بإثبات الياء أدارك بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها قال النحاس : وإسناده إسناد صحيح هو من حديث شعبة يرفعه إلى بن عباس وزعم هارون القارئ أن قراءة أبي بل تدارك علمهم وحكى الثعلبي أنها في حرف أبي أم تدارك والعرب تضع بل موضع أم وأم موضع بل إذا كان في أول الكلام إستفهام كقول الشاعر : فوالله لا أدري أسلمى تقولت أم القول أم كل إلى حبيب أي بل كل قال النحاس : القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد لأن أصل ادارك تدارك أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل وفي معناه قولان : أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به والقول الآخر أن المعنى : بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون وقالوا لا تكون القراءة الثانية فيها أيضا قولان : أحدهما أن معناه كمل في الآخرة وهو مثل الأول قال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين والقول الآخر أنه على معنى الإنكار وهو مذهب أبي إسحاق وإستدل على صحة هذا القول بأن بعده بل هم منها عمون أي لم يدرك علمهم علم الآخرة وقيل : بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم والقراءة الثالثة : بل ادرك فهي بمعنى بل ادارك وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا القراءة الرابعة : ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار كما تقول : أأنا قاتلتك فيكون المعنى لم يدرك وعليه ترجع قراءة بن عباس قال بن عباس : بلى أدارك علمهم في الآخرة أي لم يدرك قال الفراء : وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الإستهزاء بالمكذبين بالبعث كقولك لرجل تكذبه : بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروى ما لا أروي وأنت تكذبه وقراءة سابعة : بل ادرك بفتح اللام عدل إلى الفتحة لخفتها وقد حكى نحو ذلك عن قطرب في قم الليل فإنه عدل إلى الفتح وكذلك وبع الثوب ونحوه وذكر الزمخشري في الكتاب : وقرئ بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بلى أأدرك أم تدارك أم أدرك فهذه ثنتا عشرة قراءة ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال : فإن قلت فما وجه قراءة بل أأدرك على الإستفهام قلت : هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذلك من قرأ : أم أدرك وأم تدارك لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ : بلى أأدرك على الإستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون ثم أنكر علمهم بكونها وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن في الآخرة في شأن الآخرة ومعناها ( بل هم في شك منها ) أي في الدنيا ( بل هم منها عمون ) أي بقلوبهم واحدهم عمو وقيل : عم وأصله عميون حذفت الياء لإلتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها < <
النمل : ( 67 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > < > ( النمل 67 : 68 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا ) يعني مشركي مكة ( إذا كنا ترابا وآباؤنا آينا لمخرجون ) هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة : العنكبوت وقرأ أبو عمرو بإستفهامين إلا أنه خفف الهمزة وقرأ عاصم وحمزة أيضا باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد وقرأ الكسائي وبن عامر ورويس ويعقوب : أئذا بهمزتين إننا بنونين على الخبر في هذه السورة وفي سورة : العنكبوت بإستفهامين قال أبو جعفر النحاس : القراءة إذا كنا ترابا وآباؤنا آينا لمخرجون موافقة للخط حسنة وقد عارض فيها أبو حاتم فقال وهذا معنى كلامه : إذا ليس بإستفهام وآينا إستفهام وفيه إن فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الإستفهام فيما قبله وكيف يجوز أن يعمل ما بعد إن فيما قبلها وكيف يجوز غدا إن زيدا خارج فإذا كان فيه إستفهام كان أبعد وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره وقال أبو جعفر : وسمعت محمد بن الوليد يقول : سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة مشكلة وهي قول الله تعالى : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد فقال : إن عمل في إذا ينبئكم كان محالا لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت وإن عمل فيه ما بعد إن كان المعنى صحيحا وكان خطأ في العربية أن يعمل ما قبل إن فيما بعدها وهذا سؤال بين رأيت أن يذكر في السورة التي هو فيها فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين إستفهامين وإستدل بقوله تعالى : أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم وبقوله تعالى : أفإن مت فهم الخالدون وهذا الرد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد ومعنى : أفإن مت فهم الخالدون أفإن مت خلدوا ونظير هذا : أزيد منطلق ولا يقال : أزيد أمنطلق لأنها بمنزلة شيء واحد وليس كذلك الآية لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الإستفهام والأول كلام يصلح فيه الاستفهام فأما من حذف الإستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ : أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا فحذفه من الثاني لأن في الكلام دليلا عليه بمعنى الإنكار قوله تعالى : ( لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ) تقدم في سورة المؤمنون وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث مبالغة في التحذير وكل ما هو آت فقريب < < النمل : ( 69 ) قل سيروا في . . . . . > > < > ( النمل 69 : 71 ) < > قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض ) أي قل لهؤلاء الكفار سيروا في بلاد الشام والحجاز واليمن ( فانظروا ) أي بقلوبكم وبصائركم ( كيف كان عاقبة المجرمين ) المكذبين لرسلهم ( ولا تحزن عليهم ) أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا ( ولا تكن في ضيق ) في حرج ( مما يمكرون ) نزلت في المستهزئين الذين إقتسموا عقاب مكة وقد تقدم ذكرهم وقريء : في ضيق بالكسر وقد مضى في آخرالنحل ( ويقولون متى هذا الوعد ) أي وقت يجيئنا العذاب بتكذيبنا ( إن كنتم صادقين < < النمل : ( 72 ) قل عسى أن . . . . . > > < > ( النمل 72 : 75 ) <
> قوله تعالى : ( قل عسى أن يكون ردف لكم ) أي اقترب لكم ودنا منكم ( بعض الذي تستعجلون ) أي من العذاب قاله بن عباس وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره وتكون اللام أدخلت لأن المعنى اقترب لكم ودنا لكم أو تكون متعلقة بالمصدر وقيل : معناه معكم وقال بن شجرة : تبعكم ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ومنه قول أبي ذؤيب : عاد السواد بياضا في مفارقه لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا قال الجوهري : وأردفه أمر لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى قال خزيمة بن مالك بن نهد : إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين وقال الفراء : ردف لكم دنا لكم ولهذا قال : لكم وقيل : ردفه وردف له بمعنى فتزاد اللام للتوكيد عن الفراء أيضا كما تقول : نقدته ونقدت له وكلته ووزنته وكلت له ووزنت له ونحو ذلك بعض الذي تستعجلون من العذاب فكان ذلك يوم بدر وقيل : عذاب القبر ( وإن ربك لذو فضل على الناس ) في تأخير العقوبة وإدرار الرزق ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) فضله ونعمه قوله تعالى : ( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ) أي تخفي صدورهم ( وما يعلنون ) يظهرون من الأمور وقرأ بن محيصن وحميد : ما تكن من كننت الشيء إذا سترته هنا وفيالقصص تقديره : ما تكن صدورهم عليه وكأن الضمير الذي في الصدور كالجسم السائر ومن قرأ : تكن فهو المعروف يقال : أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك قوله تعالى : ( وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) قال الحسن : الغائبة هنا القيامة وقيل : ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض حكاه النقاش وقال بن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم وهذا عام وإنما دخلت الهاء في غائبة إشارة إلى الجمع أي ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه وقيل : أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته < < النمل : ( 76 ) إن هذا القرآن . . . . . > > < > ( النمل 76 : 81 ) <
> قوله تعالى : ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) وذلك أنهم اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا فنزلت والمعنى : إن هذا القرآن يبين لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به وذلك ما حرفوه من التوراة والإنجيل وما سقط من كتبهم من الأحكام ( وإنه ) يعني القرآن ( لهدى ورحمة للمؤمنين ) خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به ( إن ربك يقضي بينهم بحكمه ) أي يقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه في الآخرة فيجازي المحق والمبطل وقيل : يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه ( وهو العزيز ) المنيع الغالب الذي لا يرد أمره ( العليم ) الذي لا يخفى عليه شيء قوله تعالى : ( فتوكل على الله ) أي فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك ( إنك على الحق المبين ) أي الظاهر وقيل : المظهر لمن تدبر وجه الصواب ( إنك لا تسمع الموتى ) يعني الكفار لتركهم التدبر فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقل وقيل : هذا فيمن علم أنه لا يؤمن ( ولا تسمع الصم الدعاء ) يعني الكفار الذين هم بمنزلة الصم عن قبول المواعظ فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولوا كأنهم لا يسمعون نظيره : صم بكم عمي كما تقدم وقرأ بن محيصن وحميد وبن كثير وبن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو : ولا يسمع بفتح الياء والميم الصم رفعا على الفاعل الباقون تسمع مضارع أسمعت الصم نصبامسألة وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما أنتم بأسمع منهم ( قال بن عطية : فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين قلت : روى البخاري رضي الله عنه حدثني عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشي وتبعه أصحابه قالوا : ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفير الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قال فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ( قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما خرجه مسلم أيضا قال البخاري : حدثنا عثمان قال حدرثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن بن عمر قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال : ( هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ( ثم قال : ( إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ( ثم قرأت ( إنك لا تسمع الموتى ) حتى قرأت الآية وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر بالسلام على القبور وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه إلى غير ذلك فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه وهذا واضح وقد بيناه في كتاب التذكرة قوله تعالى : ( وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ) أي كفرهم أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم وقرأ حمزة : وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم كقوله : أفأنت تهدي العمي الباقون : بهادي العمى وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي الروم مثله وكلهم وقف على بهادي بالياء في هذه السورة وبغير ياء في الروم اتباعا للمصحف إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعا بالياء وأجاز الفراء وأبو حاتم : وما أنت بهاد العمي وهي الأصل وفي حرف عبد الله وما أن تهدي العمي ( إن تسمع ) أي مل تسمع ( إلا من يؤمن بآياتنا ) قال بن عباس : أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد < <
النمل : ( 82 ) وإذا وقع القول . . . . . > > < > ( النمل 82 : 86 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ) اختلف في معنى وقع القول وفي الدابة فقيل : معنى وقع القول عليهم وجب الغضب عليهم قاله قتادة وقال مجاهد : أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون وقال بن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما : إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم وقال عبد الله بن مسعود : وقع القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن قال عبد الله : أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع قالوا هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال قال : يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا وينسون لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم وذلك حين يقع القول عليهم قلت : أسنده أبو بكر البزار قال حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي قال حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن بن لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أبيه أنه قال : أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع قالوا : يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال قال : فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية وذلك حين يقع القول عليهم وقيل : القول هو قوله تعالى : ولكن حق القول مني لأملأن جهنم فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء فإذا صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة ذكره القشيري وقول سادس : قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم فقال : أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وكأنما كان على وجهي غطاء فكشف قال النحاس : وهذا من حسن الجواب لأن الناس ممتحنون ومؤخرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين ومن قد علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية فإذا زال هذا وجب القول عليهم فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قلت : وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد والدليل عليه آخر الآية إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وقرئ : أن : بفتح الهمزة وسيأتي وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ( وقد مضى واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا قد ذكرناه في كتاب التذكرة ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفى فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها والله أعلم لما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال : ( لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية ( يعني مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فارفض الناس منها شتى ومعا وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول يا كافر اقض حقي ( وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله : ( وهي ترغو ( والرغاء إنما هو للإبل وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق عليه فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل وروي أنها دابة مزغبة شعراء ذات قوائم طولها ستون ذراعا ويقال إنها الجساسة وهو قول عبد الله بن عمر وروي عن بن عمر أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب وقوائمها في الأرض وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان وذكر الماوردي والثعلبي رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا الزمخشري : بذراع آدم عليه السلام ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض وجهه وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه قاله بن الزبير رضي الله عنهما وفي كتاب النقاش عن بن عباس رضي الله عنهما : إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن الدابة فقال : أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية قال الماوردي : وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به قلت : ولهذا والله أعلم قال بعض المتأخرين من المفسرين : إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة : ويحيا من حي عن بينة قال شيخنا الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له : وإنما كان عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى : تكلمهم وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة وهذا خروج عن عادة الفصحاء وعن تعظيم العلماء وليس ذلك دأب العقلاء فالأولى ما قاله أهل التفسير والله أعلم بحقائق الأمور قلت قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه واختلف من أي موضع تخرج فقال عبد الله بن عمر : تخرج من جبل الصفا بمكة يتصدع فتخرج منه قال عبد الله بن عمرو نحوه وقال : لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى وأنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة كأنها كوكب دري وتسم بين عيني الكافر نكتة سوداء كافر ( وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش ذكره المهدوي وعن بن عباس أنها تخرج من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض لم تخرجا وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام وعن حذيفة : تخرج ثلاث خرجات خرجة في بعض البوادي ثم تكمن وخرجة في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها الزمخشري : تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام وقيل : من أرض الطائف قال أبو قبيل : ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله وقال : من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس وقيل : من بعض أودية تهامة قاله بن عباس وقيل : من صخرة من شعب أجياد قاله عبد الله بن عمرو وقيل : من بحر سدوم قاله وهب بن منبه ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه وذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال : حدثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر وسئل عنه يحيى بن معين فقال ثقة عن عطية العوفي عن بن عمر قال تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها قلت : فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها وهي ترد قول من قال من المفسرين : إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ( ذكره الماوردي تكلمهم بضم التاء وشد اللام المكسورة من الكلام قراءة العامة يدل عليه قراءة أبي تنبئهم وقال السدي : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام وقيل : تكلمهم بما يسوءهم وقيل : تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه من قرب وبعد ( إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) أي بخروجي لأن خروجها من الآيات وتقول : ألا لعنة الله على الظالمين وقرأ أبو زرعة وبن عباس والحسن وأبو رجاء : تكلمهم بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال عكرمة : أي تسمهم وقال أبو الجوزاء : سألت بن عباس عن هذه الآية تكلمهم أو تكلمهم فقال : هي والله تكلمهم وتكلمهم تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه وقال أبو حاتم تكلمهم كما تقول تجرحهم يذهب إلى أنه تكثير من تكلمهم ( إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) وقرأ الكوفيون وبن أبي إسحاق ويحيى : أن بالفتح وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة : إن بكسر الهمزة قال النحاس : في المفتوحة قولان وكذا المكسورة قال الأخفش : المعنى بأن وكذا قرأ بن مسعود بأن وقال أبو عبيدة : موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس وقرأ الكسائي والفراء : ( إن الناس ) بالكسر على الاستئناف وقال الأخفش : هي بمعنى تقول إن الناس يعني الكفار بآياتنا لا يوقنون يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانا ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها والله أعلم قوله تعالى : ( ويوم نحشر من كل أمة فوجا ) أي زمرة وجماعة ( ممن يكذب بآياتنا ) يعني بالقرآن وبأعلامنا الدالة على الحق ( فهم يوزعون ) أي يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب قال الشماخ : وكم وزعنا من خميس جحفل وكم حبونا من رئيس مسحل وقال قتادة : يوزعون أي يرد أولهم على آخرهم ( حتى إذا جاؤوا قال ) أي قال الله ( أكذبتم بآياتي ) التي أنزلتها على رسلي وبالآيات التي أقمتها دلالة على توحيدي ( ولم تحيطوا بها علما ) أي ببطلانها حتى تعرضوا عنها بل كذبتم جاهلين غير مستدلين ( أماذا كنتم تعملون ) تقريع وتوبيخ أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها ( ووقع القول عليهم بما ظلموا ) أي وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم ( فهم لا ينطقون ) أي ليس لهم عذر ولا حجة وقيل : يختم على أفواههم فلا ينطقون قاله أكثر المفسرين قوله تعالى : ( ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ) أي يستقرون فينامون ( والنهار مبصرا ) أي يبصر فيه لسعي الرزق ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) بالله ذكر الدلالة على إلهيته وقدرته أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا < <
النمل : ( 87 ) ويوم ينفخ في . . . . . > > < > ( النمل 87 : 90 ) <
> قوله تعالى : ( يوم ينفخ في الصور ) أي واذكر يوم أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور ومذهب الفراء أن المعنى : وذلكم يوم ينفخ في الصور وأجاز فيه الحذف والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل قال مجاهد : كهيئة البوق وقيل : هو البوق بلغة أهل اليمن وقد مضى في الأنعام بيانه وما للعلماء في ذلك ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لما فرغ من خلق السماوات خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة ( قلت : يا رسول الله ما الصور قال ( قرن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفحة الصعق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين ( وذكر الحديث ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم وصححه بن العربي وقد ذكرته في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هنالك وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما أي فزعوا فزعا ماتوا منه أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره فإنه قال في كلامه على هذه الآية : والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين يقولون : من بعثنا من مرقدنا ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء قاله قتادة وقال الماوردي : ويوم ينفخ في الصور هو يوم النشور من القبور قال وفي هذا الفزع قولان : أحدهما أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم : فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك والقول الثاني : إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين قلت : والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب التذكرة وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان قال الله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما 2 واحدة وقد روى بن المبارك عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( 2 ( بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت ( فإن قيل : فإن قوله تعالى : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة إلى أن قال : 2 فإنما هي زجرة واحدة وهذا يقتضى بظاهره أنها ثلاث قيل له : ليس كذلك وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم كذلك قال بن عباس ومجاهد وعطاء وبن زيد وغيرهم قال مجاهد : هما صيحتان أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله وقال عطاء الراجفة القيامة والرادفة البعث وقال بن زيد : الراجفة الموت والرادفة الساعة والله أعلم إلا من شاء الله ثم اختلف في هذا المستثنى من هم ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش وقال القشيري : الأنبياء داخلون في جملتهم لأن لهم الشهادة مع النبوة وقيل : الملائكة قال الحسن : استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين قال مقاتل : يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل : الحور العين وقيل : هم المؤمنون لأن الله تعالى قال عقيت هذا : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون وقال بعض علمائنا : والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل قلت : خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي فليعول عليه لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد والله أعلم وقيل : غير هذا على ما يأتي في الزمر وقوله : ففزع من في السماوات ماض وينفخ مستقبل فيقال : كيف عطف ماض على مستقبل فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى لأن المعنى : إذا نفخ في الصور ففزع إلا من شاء الله نصب على الاستثناء ( وكل أتوه داخرين ) قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وبن عامر وبن كثير : آتوه جعلوه فعلا مستقبلا وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم : وكل أتوه مقصورا على الفعل الماضي وكذلك قرأه بن مسعود وعن قتادة وكل أتاه داخرين قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات من قرأ : وكل أتوه وحده على لفظ كل ومن قرأ : آتوه جمع على معناها وهذا القول غلط قبيح لأنه إذا قال : وكل أتوه فلم يوحد وإنما جمع ولو وحد لقال : أتاه ولكن من قال : أتوه جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنه رده إلى ففزع ومن قرأ : وكل آتوه حمله على المعنى أيضا وقال : آتوه لأنها جملة منقطعة من الأول قال بن نصر : قد حكى عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم يقله ونص أبي إسحاق : وكل أتوه داخرين ويقرأ : آتوه فمن وحد فللفظ كل ومن جمع فلمعناها يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر كل فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى قال المهدوي : ومن قرأ وكل أتوه داخرين فهو فعل من الإتيان وحمل على معنى كل دون لفظها ومن قرأ : وكل آتوه داخرين فهو اسم الفاعل من أتى يدلك على ذلك قوله تعالى : ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ومن قرأ : وكل أتاه حمله على لفظ كل دون معناها وحمل داخرين على المعنى ومعناه صاغرين عن بن عباس وقتادة وقد مضى في النحل قوله تعالى : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) قال بن عباس : أي قائمة وهي تسير سيرا حثيثا قال القتبي : وذلك أن الجبال تجمع وتسير فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير وكذلك كل شيء عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد ما بين أطرافه وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير قال النابغة في وصف جيش : بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج قال القشيري وهذا يوم القيامة أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهي تسير أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء فقال الله تعالى : وسيرت الجبال فكانت سرابا ويقال : إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها وإبراز ما كانت تواريه فأول الصفات الإندكاك وذلك قبل الزلزلة ثم تصير كالعهن المنفوش وذلك إذا صارت السماء كالمهل وقد جمع الله بينهما فقال : يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة والحالة السادسة أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب قال مقاتل : تقع على الأرض فتسوى بها ثم قيل هذا مثل قال الماوردي : وفيهما ضرب له ثلاثة أقوال : أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب قاله سهل بن عبد الله الثاني : أنه مثل ضربه الله للإيمان تحسبه ثابتا في القلب وعمله صاعد إلى السماء الثالث : أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) أي هذا من فعل الله وما هو فعل منه فهو متقن وترى من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت الهمزة وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن إلا أن التخفيف لازم لترى وأهل الكوفة يقرؤون : تحسبها بفتح السين وهو القياس لأنه من حسب يحسب إلا أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل فتكون على فعل يفعل مثل نعم ينعم وبئس يبئس وحكى يئس ييئس من السالم لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف وهي تمر مر السحاب تقديره مرا مثل مر السحاب فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع وتسير كما تسير السحاب ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال : وبست الجبال بسا صنع الله عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر لأنه لما قال عز وجل : وهي تمر مر السحاب دل على أنه قد صنع ذلك صنعا ويجوز النصب على الإغراء أي انظروا صنع الله فيوقف على هذا على السحاب ولا يوقف عليه على التقدير الأول ويجوز رفعه على تقدير ذلك صنع الله الذي أتقن كل شيء أي أحكمه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله من عمل عملا فأتقنه ( وقال قتادة : معناه أحسن كل شيء والإتقان الإحكام يقال : رجل تقن أي حاذق بالأشياء وقال الزهري : أصله من بن تقن وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل يقال : أرمى من بن تقن ثم يقال لكل حاذق بالأشياء تقن ( إنه خبير بما تغعلون ) الباقون تفعلون بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور وقرأ بن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء قوله تعالى : ( من جاء بالحسنة فله خير منها ) قال بن مسعود وبن عباس رضي الله عنهما : الحسنة لا إله إلا الله وقال أبو معشر : كان إبراهيم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثني أن الحسنة لا إله إلا الله محمد رسول الله وقال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم : غزا رجل فكان إذا خلا بمكان قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له فبينما هو في أرض الروم في أرض جلفاء وبردى رفع صوته فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له فخرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض فقال له : والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله تعالى : من جاء بالحسنة فله خير منها وروى أبو ذر قال : قلت يا رسول الله أوصني قال : ( اتق الله وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ( قال قلت : يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله قال : ( من أفضل الحسنات ( وفي رواية قال : ( نعم هي أحسن الحسنات ( ذكره البيهقي وقال قتادة : من جاء بالحسنة بالإخلاص والتوحيد وقيل : أداء الفرائض كلها قلت : إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها على ما تقدم بيانه في سورة إبراهيم فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض فله خير منها قال بن عباس : أي وصل إليه الخير منها وقاله مجاهد وقيل : فله الجزاء الجميل وهو الجنة وليس خير للتفضيل قال عكرمة وبن جريج : أما أن يكون له خير منها يعني من الإيمان فلا فإنه ليس شيء خيرا ممن قال لا إله إلا الله ولكن له منها خير وقيل : فله خير منها للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد قاله بن عباس وقيل : يرجع هذا إلى الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشرا وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي قاله محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد ( وهم من فزع يومئذ آمنون ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي فزع يومئذ بالإضافة قال أبو عبيد : وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم وإذا قال : من فزع يومئذ صار كأنه فزع دون فزع دون فزع قال القشيري : وقرئ : من فزع بالتنوين ثم قيل يعني به فزعا واحدا كما قال : لا يحزنهم الفزع الأكبر وقيل : عني الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة قلت : فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى قال المهدوي : ومن قرأ : من فزع يومئذ بالتنوين انتصب يومئذ بالمصدر الذي هو فزع ويجوز أن يكون صفة لفزع ويكون متعلقا بمحذوف لأن المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف بها ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو آمنون والإضافة على الاتساع في الظروف ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه لأنه ظرف زمان وليس الإعراب في ظرف الزمان متمكنا فلما أضيف إلى غير متمكن ولا معرب بني وأنشد سيبويه : على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب قوله تعالى : ( ومن جاء بالسيئة ) أي بالشرك قاله بن عباس والنخعي وأبو هريرة ومجاهد وقيس بن سعد والحسن وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إله إلا الله وأن السيئة الشرك في هذه الآية ( فكبت وجوههم في النار ) قال بن عباس : ألقيت وقال الضحاك : طرحت يقال كببت الإناء أي قلبته على وجهه واللازم من أكب وقلما يأتي هذا في كلام العرب ( هل تجزون ) أي يقال لهم هل تجزون ثم يجوز أن يكون من قول الله ويجوز أن يكون من قول الكلائكة ( إلا ما كنتم تعملون ) أي إلا جزاء أعمالكم < <
النمل : ( 91 ) إنما أمرت أن . . . . . > > < > ( النمل 91 : 93 ) < > قوله تعالى : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) يعني مكة التي عظم الله حرمتها أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد فيها صيد ولا يعضد فيها شجر على ما تقدم بيانه في غير موضع وقرأ بن عباس : التي حرمها نعتا للبلدة وقراءة الجماعة الذي وهو في موضع نصب نعت ل رب ولو كان بالألف واللام لقلت المحرمها فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمها هو لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام لأن الفعل جرى على غير من هو له فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو ( وله كل شيء ) خلقا وملكا ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي من المنقادين لأمره الموحدين له ( وأن أتلو القرآن ) أي وأمرت أن أتلو القرآن أي أقرأه ( فمن اهتدى ) فله ثواب هدايته ( ومن ضل ) فليس علي إلا البلاغ نسختها آية القتال قال النحاس وأن أتلو نصب بأن قال الفراء : وفي إحدى القراءتين وأن اتل وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو قال النحاس : ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف قوله تعالى : ( وقل الحمد لله ) أي على نعمه وعلى ما هدانا ( سيريكم آياته ) لإي في أنفسكم وفي غيركم كما قال : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ( فتعرفونها ) أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض نظيره قوله تعالى : وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( وما ربك بغافل عما تعملون ) قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب لقوله : سيريكم آياته فتعرفونها فيكون الكلام على نسق واحد الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله فمن اهتدى فأخبر عن تلك الآية كملت السورة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم < > سورة القصص < > مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وقال بن عباس وقتادة إلا آية نزلت بين مكة والمدينة وقال بن سلام : بالجحفة في وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهي قوله عز وجل : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقال مقاتل : فيها من المدني الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله : لا نبتغي الجاهلين وهي ثمان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة القصص < > < < القصص : ( 1 ) طسم > > < > ( القصص 1 : 6 ) <