Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) قال الضحاك : المعنى ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة قال النحاس : وهكذا قدره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة مثل : واسأل القرية وقال مجاهد : لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون ونزلت الآية في أبي بن خلف وأبي الأسدين ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن السباق قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم تقول إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة فأنزل الله تعالى : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة ( إن الله سميع ) لما يقولون ( بصير ) بما يفعلون < < لقمان : ( 29 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( لقمان 29 : 30 ) < > قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) تقدم في الحج وآل عمران ( وسخر الشمس والقمر ) أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وإتماما للمنافع ( كل يجري إلى أجل مسمى ) قال الحسن : إلى يوم القيامة قتادة إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه ( وأن الله بما تعملون خبير ) أي من قدر على هذه الأشياء فلا بد من أن يكون عالما بها والعالم بها عالم بأعمالكم وقراءة العامة تعملون بالتاء على الخطاب وقرأ السلمي ونصر بن عاصم والدوري عن أبي عمرو بالياء على الخبر ( ذلك ) أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقروا ( بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ) أي الشيطان قاله مجاهد وقيل : ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان ( وأن الله هو العلي الكبير ) العلي في مكانته الكبير في سلطانه < < لقمان : ( 31 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( لقمان 31 ) < > قوله تعالى : ( ألم تر أن الفلك ) أي السفن ( تجري ) في موضع الخبر ( في البحر بنعمة الله ) أي بلطفه بكم وبرحمته لكم في خلاصكم منه وقرأ بن هرمز : بنعمات الله جمع نعمة وهو جمع السلامة وكان الأصل تحريك العين فأسكنت ( ليريكم من آياته ) من للتبعيض أي ليريكم جري السفن قاله يحيى بن سلام وقال بن شجرة : من آياته ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه النقاش : ما يرزقهم الله منه وقال الحسن : مفتاح البحار السفن ومفتاح الأرض الطرق ومفتاح السماء الدعاء ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) أي صبار لقضائه شكور على نعمائه وقال أهل المعاني : أراد لكل مؤمن بهذه الصفة لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان والآية : العلامة والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء قال الشعبي : الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله ألم تر إلى قوله تعالى : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقوله : وفي الأرض آيات للموقنين وقال عليه السلام : ( الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر < < لقمان : ( 32 ) وإذا غشيهم موج . . . . . > > < > ( لقمان 32 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا غشيهم موج كالظلل ) قال مقاتل : كالجبال وقال الكلبي : كالسحاب وقاله قتادة جمع ظلة شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها قال النابغة في وصف بحر : يماشيهن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان وإنما شبه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ويركب بعضه بعضا كالظلل وقيل : هو بمعنى الجمع وإنما لم يجمع لأنه مصدر وأصله من الحركة والازدحام ومنه : ماج البحر والناس يموجون قال كعب : فجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنع وقرأ محمد بن الحنفية : موج كالظلال جمع ظل ( دعوا الله مخلصين له الدين ) موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه وقد تقدم ( فلما نجاهم ) يعني من البحر ( إلى البر فمنهم مقتصد ) قال بن عباس : موف بما عاهد عليه الله في البحر النقاش : يعني عدل في العهد وفي في البر بما عاهد عليه الله في البحر وقال الحسن : مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر وقيل : في الكلام حذف والمعنى : فمنهم مقتصد ومنهم كافر ودل على المحذوف قوله تعالى : ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) الختار : الغدار والختر أسوأ الغدر قال عمرو بن معد يكرب : فإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر وقال الأعشى : بالأبلق الفرد من تيماء منزلة حصن حصين وجار غير ختار قال الجوهري : الختر الغدر يقال : ختره فهو ختار الماوردي : وهو قول الجمهور وقال عطية : إنه الجاحد ويقال : ختر يختر ويختر ( بالضم والكسر ) خترا ذكره القشيري وجحد الآيات إنكار أعيانها والجحد بالآيات إنكار دلائلها < < لقمان : ( 33 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( لقمان 33 ) < > قوله تعالى : ( يأيها الناس اتقوا ربكم ) يعني الكافر والمؤمن أي خافوه ووحدوه ( واخشوا يوما لايجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) تقدم معنى يجزئ في البقرة وغيرها فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ( وقال : ( من ابتلى بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجابا من النار ( قيل له : المعنى بهذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب ولده ولا مولود ذنب والده ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر والمعنى بالأخبار أن ثواب الصبر على الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار ويكون الولد سابقا له إلى الجنة ( إن وعد الله حق ) أي البعث ( فلا تغرنكم ) أي تخدعنكم ) بزينتها وما تدعوا إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة ( ولا يغرنكم بالله الغرور ) قراءة العامة هنا وفي سورة الملائكة والحديد بفتح الغين وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره وهو الذي يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة وفي سورة النساء : يعدهم ويمنيهم وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وبن السميقع بضم الغين أي لا تغتروا كأنه مصدر غر يغر غرورا قال سعيد بن جبير : هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة < < لقمان : ( 34 ) إن الله عنده . . . . . > > < > ( لقمان 34 ) <
> زعم الفراء أن هذا معنى النفي أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى قال أبو جعفر النحاس : وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو : ( إنها هذه ( : قلت : قد ذكرنا في سورة الأنعام حديث بن عمر في هذا خرجه البخاري وفي حديث جبريل عليه السلام قال : ( أخبرني عن الساعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ( قال : ( صدقت ( لفظ أبي داود الطيالسي وقال عبد الله بن مسعود : كل شيء أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم غير خمس : إن الله عنده علم الساعة الآية إلى آخرها وقال بن عباس : هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك حسبما تقدم ذكره في الأنعام وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده وروي أن يهوديا كان يحسب حساب النجوم فقال لابن عباس : إن شئت نبأتك نجم ابنك وأنه يموت بعد عشرة أيام وأنت لا تموت حتى تعمى وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت قال : فأين موتك يا يهودي فقال : لا أدري فقال بن عباس : صدق الله وما تدري نفس بأي أرض تموت فرجع بن عباس فوجد ابنه محموما ومات بعد عشرة أيام ومات اليهودي قبل الحول ومات بن عباس أعمى قال علي بن الحسين راوي هذا الحديث : هذا أعجب الأحاديث وقال مقاتل : إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غدا وأخبرني متى تقوم الساعة فأنزل الله تعالى هذه الآية ذكره القشيري والماوردي وروى أبو المليح عن أبي عزة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عنده علم الساعة إلى قوله بأي أرض تموت ذكره الماوردي وخرجه بن ماجة من حديث بن مسعود بمعناه وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) مستوفي وقراءة العامة : وينزل مشددا وقرأ بن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففا وقرأ أبي بن كعب : بأية أرض الباقون بأي أرض قال الفراء : اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أي وقيل : أراد بالأرض المكان فذكر قال الشاعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها وقال الأخفش : يجوز مررت بجارية أي جارية وأية جارية وشبه سيبويه تأنيث أي بتأنيث كل في قولهم : كلتهن ( إن الله عليم خبير ) خبير نعت ل عليم أو خبر بعد خبر والله تعالى أعلم < > تفسير سورة السجدة <
> وهي مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا تمام ثلاث آيات قاله الكلبي ومقاتل وقال غيرهما : إلا خمس آيات من قوله تعالى : تتجافى جنوبهم إلى قوله الذي كنتم به تكذبون وهي ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون وفي الصحيح عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان حين من الدهر الحديث وخرج الدارمي أبو محمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ : الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك قال الدارمي : وأخبرنا أبو المغيرة قال حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال : اقرؤوا المنجية وهي الم تنزيل فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها مايقرأ شيئا غيرها وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي فشفعها الرب فيه وقال : ( اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة بسم الله الرحمن الرحيم < < السجدة : ( 1 ) الم > > < > ( السجدة 1 : 2 ) < > قوله تعالى : ( الم تنزيل الكتاب ) الإجماع على رفع تنزيل الكتاب ولو كان منصوبا على المصدر لجاز كما قرأ الكوفيون : إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم وتنزيل رفع بالابتداء والخبر ( لا ريب فيه ) أو خبر على إضمار مبتدأ أي هذا تنزيل أو المتلو تنزيل أو هذه الحروف تنزيل ودلت : الم على ذكر الحروف ويجوز أن يكون لا ريب فيه في موضع الحال من الكتاب و ( من رب العالمين ) الخبر قال مكي : وهو أحسنها ومعنى : لاريب فيه من رب العالمين لاشك فيه من أنه عند الله فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين < < السجدة : ( 3 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > < > ( السجدة 3 ) < > قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه ) هذه أم المنقطعة التي تقدر ببل وألف الإستفهام أي بل أيقولون وهي تدل على خروج من حديث إلى حديث فإنه عز وجل أثبت أنه تنزيل من رب العالمين وأن ذلك مما لا ريب فيه ثم أضرب عن ذلك إلى قوله : أم يقولون افتراه أي افتعله واختلقه ( بل هو الحق من ربك ) كذبهم في دعوى الإفتراء ( لتنذر قوما ) قال قتادة : يعني قريشا كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولتنذر متعلق بما قبلها فلا يوقف على من ربك ويجوز أن يتعلق بمحذوف التقدير : أنزله لتنذر قوما فيجوز الوقف على من ربك وما في قوله : ( ما أتاهم ) نفي ( من نذير ) صلة ونذير في محل الرفع وهو المعلم المخوف وقيل : المراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام قاله بن عباس ومقاتل وقيل : كانت الحجة ثابتة لله جل وعز عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يروا رسولا وقد تقدم هذا المعنى < < السجدة : ( 4 ) الله الذي خلق . . . . . > > < > ( السجدة 4 ) <
> قوله تعالى : ( الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) عرفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه ومعنى : خلق أبدع وأوجد بعد العدم وبعد أن لم تكن شيئا ( في ستة أيام ) من يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة قال الحسن : من أيام الدنيا وقال بن عباس : إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض مقداره ألف سنة من سني الدنيا وقال الضحاك : في ستة آلاف سنة أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة ( ثم استوى على العرش ) تقدم في الأعراف والبقرة وغيرهما وذكرنا ما للعلماء في ذلك مستوفي في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) وليست ثم للترتيب وإنما هي بمعنى الواو ( مالكم من دونه من ولي ولا شفيع ) أي ما للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع ويجوز الرفع على الموضع ( أفلا تذكرون ) في قدرته ومخلوقاته < < السجدة : ( 5 ) يدبر الأمر من . . . . . > > < > ( السجدة 5 ) <
> قوله تعالى : ( يدبر الأمر من السماء والأرض ) قال بن عباس : ينزل القضاء والقدر وقيل : ينزل الوحي مع جبريل وروى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال : يدبر أمر الدنيا أربعة : جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل صلوات الله عليهم أجمعين فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم وقد قيل : إن العرش موضع التدبير كما أن مادون العرش موضع التفصيل قال الله تعالى : ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات وما دون السماوات موضع التصريف قال الله تعالى : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا قوله تعالى : ( ثم يعرج إليه ) قال يحيى بن سلام : هو جبريل يصعد إلى السماء بعد نزوله بالوحي النقاش : هو الملك الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وقيل : إنها أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع حملتها من الملائكة قاله بن شجرة ( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) وقيل : ثم يعرج إليه أي يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة وعلى الأقوال المتقدمة فالكناية في يعرج كناية عن الملك ولم يجر له ذكر لأنه مفهوم من المعنى وقد جاء صريحا في سأل سائل قوله : تعرج الملائكة والروح إليه والضمير في ( إليه ) يعود على السماء على لغة من يذكرها أو على مكان الملك الذي يرجع إليه أو على اسم الله تعالى والمراد إلى الموضع الذي أقره فيه وإذا رجعت إلى الله فقد رجعت إلى السماء أي إلى سدرة المنتهى فإنه إليها يرتفع ما يصعد به من الأرض ومنها ينزل ما يهبط به إليها ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم والهاء في مقداره راجعة إلى التدبير والمعنى : كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من سني الدنيا أي يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد ثم يلقيه إلى ملائكته فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى ثم كذلك أبدا قاله مجاهد وقيل : الهاء للعروج وقيل : المعنى أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وقيل : المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة وقال بن عباس : المعنى كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة لأن النزول خمسمائة والصعود خمسمائة وروي ذلك عن جماعة من المفسرين وهو اختيار الطبري ذكره المهدوي وهو معنى القول الأول أي أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في يوم من أيامكم ذكره الزمخشري وذكر الماوردي عن بن عباس والضحاك أن الملك يصعد في يوم مسيرة ألف سنة وعن قتادة أن الملك ينزل ويصعد في يوم مقداره ألف سنة فيكون مقدار نزوله خمسمائة سنة ومقدار صعوده خمسمائة سنة على قول قتادة والسدي وعلى قول بن عباس والضحاك : النزول ألف سنة والصعود ألف سنة ( مما تعدون ) أي مما تحسبون من أيام الدنيا وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم وليس بيوم يستوعب نهارا بين ليلتين لأن ذلك ليس عند الله والعرب قد تعبر عن مدة العصر باليوم كما قال الشاعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب وليس يريد يومين مخصوصين وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم وقرأ بن أبي عبلة : يعرج على البناء للمفعول وقرئ : يعدون بالياء فأما قوله تعالى : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فمشكل مع هذه الآية وقد سأل عبد الله بن فيروز الديلمي عبد الله بن عباس عن هذه الآية وعن قوله : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال : أيام سماها سبحانه وما أدري ما هي فأكره أن أقول فيها مالا أعلم ثم سئل عنها سعيد بن المسيب فقال : لا أدري فأخبرته بقول بن عباس فقال بن المسيب للسائل : هذا بن عباس اتقى أن يقول فيها وهو أعلم مني ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل : إن آية سأل سائل هو إشارة إلى يوم القيامة بخلاف هذه الآية والمعنى : أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة قاله بن عباس والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر قال : ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهر وقيل : إن يوم القيامة فيه أيام فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة وقيل : أوقات القيامة مختلفة فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة وقيل : مواقف القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة فمعنى : يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة أي مقدار وقت أو موقف من يوم القيامة وقال النحاس : اليوم في اللغة بمعنى الوقت فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة وعن وهب بن منبه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال : ما بين أسفل الأرض إلى العرش وذكر الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله تعالى : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة أراد من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها جبريل يقول تعالى : يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا وقوله : ( إليه ) يعني إلى المكان الذي أمرهم الله تعالى أن يعرجوا إليه وهذا كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين أراد أرض الشام وقال تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله أي إلى المدينة وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتاني ملك من ربي عز وجل برسالة ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى على الأرض لم يرفعها بعد ( < <
السجدة : ( 6 ) ذلك عالم الغيب . . . . . > > < > ( السجدة 6 ) < > قوله تعالى : ( ذلك عالم الغيب والشهادة ) أي علم ما غاب عن الخلق وما حضرهم وذلك بمعنى أنا حسبما تقدم بيانه في أول البقرة وفي الكلام معنى التهديد والوعيد أي أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازي عليها < < السجدة : ( 7 ) الذي أحسن كل . . . . . > > < > ( السجدة 7 : 9 ) < > قوله تعالى : ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) قرأ بن كثير وأبو عمرو وبن عامر : خلقه بإسكان اللام وفتحها الباقون واختاره أبو عبيد وأبو حاتم طلبا لسهولتها وهو فعل ماض في موضع خفض نعت ل شيء والمعنى على ما روي عن بن عباس : أحكم كل شيء خلقه أي جاء به على ما أراد لم يتغير عن إرادته وقول آخر أن كل شيء خلقه حسن لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله وهو دال على خالقه ومن أسكن اللام فهو مصدر عند سيبويه لأن قوله : أحسن كل شيء خلقه يدل على : خلق كل شيء خلقا فهو مثل : صنع الله وكتاب الله عليكم وعند غيره منصوب على البدل من كل أي الذي أحسن خلق كل شيء وهو مفعول ثان عند بعض النحويين على أن يكون معنى : أحسن أفهم وأعلم فيتعدى إلى مفعولين أي أفهم كل شيء خلقه وقيل : هو منصوب على التفسير والمعنى : أحسن كل شيء خلقا وقيل : هو منصوب بإسقاط حرف الجر والمعنى : أحسن كل شيء في خلقه وروي معناه عن بن عباس و ( أحسن ) أي أتقن وأحكم فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها ومن هذا المعنى قال بن عباس وعكرمة : ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة وروى بن أبي نجيح عن مجاهد أحسن كل شيء خلقه قال : أتقنه وهو مثل قوله تبارك وتعالى : الذي أعطى كل شيء خلقه أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان ويجوز : خلقه بالرفع على تقدير ذلك خلقه وقيل : هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى والمعنى : حسن خلق كل شيء حسن وقيل : هو عموم في اللفظ والمعنى أي جعل كل شيء خلقه حسنا حتى جعل الكلب في خلقه حسنا قاله بن عباس وقال قتادة : في است القرد حسنة قوله تعالى : ( وبدأ خلق الإنسان من طين ) يعني آدم ( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) تقدم في المؤمنون وغيرها وقال الزجاج : من ماء مهين ضعيف وقال غيره : مهين لا خطر له عند الناس ( ثم سواه ) رجع إلى آدم أي سوى خلقه ( ونفخ فيه من روحه ) ثم رجع إلى ذريته فقال : ( وجعل لكم السمع والأبصار ) وقيل : ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا معتدلا وركب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفا وأيضا فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله : عبدي وعبر عنه بالنفخ لأن الروح في جنس الريح وقد مضى هذا مبينا في النساء وغيرها ( قليلا ما تشكرون ) أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون < < السجدة : ( 10 ) وقالوا أئذا ضللنا . . . . . > > < > ( السجدة 10 ) <
> قوله تعالى : ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ) هذا قول منكري البعث أي هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا وأصله من قول العرب : ضل الماء في اللبن إذا ذهب والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره : قد ضل قال الأخطل : كنت القذي في موج أكد مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا وقال قطرب : معنى ضللنا غبنا في الأرض وأنشد قول النابغة الذبياني : فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل وقرأ بن محيصن ويحيى بن يعمر : ضللنا بكسر اللام وهي لغة قال الجوهري : وقد ضللت أضل قال الله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي فهذه لغة نجد وهي الفصيحة وأهل العالية يقولون : ضللت بكسر اللام أضل وهو ضال تال وهي الضلالة والتلالة وأضله أي أضاعه وأهلكه يقال : أضل الميت إذا دفن قال : فآب مضلوه البيت بن السكيت أضللت بعيري إذا ذهب منك وضللت المسجد والدار : إذا لم تعرف موضعهما وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له وفي الحديث ( لعلي أضل الله ( يريد أضل عنه أي أخفي عليه من قوله تعالى : أئذا ضللنا في الأرض أي خفينا وأضله الله فضل تقول : إنك تهدي الضال ولا تهدي المتضال وقرأ الأعمش والحسن : صللنا بالصاد أي أنتنا وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال : صل اللحم وأصل وخم وأخم إذا أنتن الجوهري : صل اللحم يصل بالكسر صلولا أي أنتن مطبوخا كان أو نيئا قال الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدره لا يفسد اللحم لديه الصلول وأصل مثله ( إنا لفي خلق جديد ) أي نخلق بعد ذلك خلقا جديدا ويقرأ : أئنا النحاس : وفي هذا سؤال صعب من العربية يقال : ما العامل في إذا وإن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها والسؤال في الإستفهام أشد لأن مابعد الإستفهام أجدر ألا يعمل فيما قبله من إن كيف وقد اجتمعا فالجواب على قراءة من قرأ : إنا أن العامل ضللنا وعلى قراءة من قرأ : أئنا أن العامل مضمر والتقدير أنبعث إذا متنا وفيه أيضا سؤال آخر يقال : أين جواب إذا على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا فلذلك جاز هذا ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم وأنهم لا يلقون الله تعالى < < السجدة : ( 11 ) قل يتوفاكم ملك . . . . . > > < > ( السجدة 11 ) <
> فيه مسألتان الأولى قوله تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت ) لما ذكر استبعادهم للبعث ذكر توفيهم وأنه يعيدهم ( يتوفاكم ) من توفي العدد والشيء إذا استوفاه وقبضه جميعا يقال : توفاه الله أي استوفى روحه ثم قبضه وتوفيت مالي من فلان أي استوفيته ( ملك الموت ) واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله كما تقدم في البقرة وتصرفه كله بأمر الله تعالى وبخلقه واختراعه وروي في الحديث أن ( البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت ( كأنه يعدم حياتها ذكره بن عطية قلت : وقد روي خلافه وأن ملك الموت يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث والبعوضة روى جعفر بن محمد عن أبيه قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ارفق بصاحبي فإنه مؤمن ( فقال ملك الموت عليه السلام : ( يامحمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم والله يامحمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها ( قال جعفر بن علي : بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلوات ذكره الماوردي وذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي قال : حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن عثمان الصفار قال حدثنا أبو بكر حامد المصري قال حدثنا يحيى بن أيوب العلاف قال حدثنا سليمان بن مهير الكلابي قال : حضرت مالك بن أنس رضي الله عنه فأتاه رجل فسأله : أبا عبد الله البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها قال : فأطرق مالك طويلا ثم قال : ألها أنفس قال نعم قال : ملك الموت يقبض أرواحها الله يتوفى الأنفس حين موتها قال بن عطية بعد ذكره الحديث : وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم فخلق الله تعالى ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح واستلالها من الأجسام وإخراجها منها وخلق الله تعالى جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره فقال تعالى : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة وقال تعالى : توفته رسلنا وقد مضى هذا المعنى في الأنعام والبارئ خالق الكل الفاعل حقيقة لكل فعل قال الله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها الذي خلق الموت ولحياة يحيي ويميت فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون والله تعالى يزهق الروح وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث لكنه لما كان ملك الموت متولي ذلك بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف الخلق للملك كما تقدم في الحج وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث شاء وقد روى هذا المعنى مرفوعا وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة ) وروي أن ملك الموت لما وكله الله تعالى بقبض الأرواح قال : رب جعلتني أذكر بسوء ويشتمني بنو آدم فقال الله تعالى له : ( إني أجعل للموت عللا وأسبابا من الأمراض والأسقام ينسبون الموت إليها فلا يذكرك أحد إلا بخير ( وقد ذكرناه في التذكرة مستوفي وقد ذكرنا أنه يدعو الأرواح فتجيئه ويقبضها ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب بما فيه شفاء لمن أراد الوقوف على ذلك الثانية استدل بهذه الآية بعض العلماء على جواز الوكالة من قوله : ( وكل بكم ) أي بقبض الأرواح قال بن العربي : وهذا أخذ من لفظه لا من معناه ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله تعالى : قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا إنها نيابة عن الله تبارك وتعالى ووكالة في تبليغ رسالته ولقلنا أيضا في قوله تبارك وتعالى : وآتوا الزكاة إنه وكالة فإن الله تعالى ضمن الرزق لكل دابة وخص الأغنياء بالأغذية وأوعز إليهم بأن رزق الفقراء عندهم وأمر بتسليمه إليهم مقدارا معلوما في وقت معلوم دبره بعلمه وأنفذه من حكمه وقدره بحكمته والأحكام لا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى وقد قال تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ولا يقال : هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده لأن المقصدين مختلفان أما إنه إذا لم يكن بد من المعاني فيقال : إن هذه الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسرا دون أن يكون له في ذلك فعل أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك < <
السجدة : ( 12 ) ولو ترى إذ . . . . . > > < > ( السجدة 12 ) < > قوله تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ) ابتداء وخبر قال الزجاج : والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته والمعنى : ولو ترى يامحمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب ومذهب أبي العباس غير هذا وأن يكون المعنى : يامحمد قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك ناكسو رؤوسهم أي من الندم والخزي والحزن والذل والغم عند ربهم أي عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم ربنا أي يقولون ربنا أبصرنا أي أبصرنا ما كنا نكذب وسمعنا ما كنا ننكر وقيل : أبصرنا صدق وعيدك وسمعنا تصديق رسلك أبصروا حين لا ينفعهم البصر وسمعوا حين لا ينفعهم السمع فارجعنا أي إلى الدنيا نعمل صالحا إنا موقنون أي مصدقون بالبعث قاله النقاش وقيل : مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق قاله يحيى بن سلام قال سفيان الثوري : فأكذبهم الله تعالى فقال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) وقيل : معنى إنا موقنون أي قد زالت عنا الشكوك الآن وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا ولكن لم يكونوا يتدبرون وكانوا كمن لا يبصر ولا يسمع فلما تنبهوا في الآخرة صاروا حينئذ كأنهم سمعوا وأبصروا وقيل : أي ربنا لك الحجة فقد أبصرنا رسلك وعجائب خلقك في الدنيا وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا فهذا اعتراف منهم ثم طلبوا أن يردوا إلى الدنيا ليؤمنوا < < السجدة : ( 13 ) ولو شئنا لآتينا . . . . . > > < > ( السجدة 13 ) < > قال محمد بن كعب القرظي : لما قالوا : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون رد عليهم بقوله : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ( ولكن حق القول مني ) الآية ذكره بن المبارك في رقائقه في حديث طويل وقد ذكرناه في التذكرة النحاس : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها في معناه قولان : أحدهما أنه في الدنيا والآخر أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم وعلم الله تبارك وتعالى أنه لو ردهم لعادوا كما قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب وتأويل المعتزلة : ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة لكن لا يحسن منه فعله لأنه ينقض الغرض المجري بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره وقالت الإمامية في تأويلها : إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها قالوا : بل الواجب هداية المعصومين فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله وفي جواز ذلك منع لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين وأقرب مالهم في الجواب أن يقال : فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية وهو مذهب رذل عندنا وعندكم فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا قال الله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم وقال : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء الله ولهذا فرطت المجبرة لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة الله تعالى فقالوا : الخلق مجبورون في طاعتهم كلها التفاتا إلى قوله : وما تشاءون إلا أن يشاء الله وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم التفاتا منهم إلى قوله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم ومذهبنا هو الاقتصاد في الإعتقاد وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية وخير الأمور أوساطها وذلك أن أهل الحق قالوا : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته وبين حركة الاختيار إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش ومن لا يفرق بين الحركتين : حركة الارتعاش وحركة الاختيار وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته فهو معتوه في عقله ومختل في حسه وخارج من حزب العقلاء وهذا هو الحق المبين وهو طريق بين طريقي الإفراط والتفريط و : كلا طرفي قصد الأمور ذميم وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سموا هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز وهو قوله سبحانه : لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت < <
السجدة : ( 14 ) فذوقوا بما نسيتم . . . . . > > < > ( السجدة 14 ) < > قوله تعالى : ( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ) فيه قولان : أحدهما أنه من النسيان الذي لاذكر معه أي لم يعملوا لهذا اليوم فكانوا بمنزلة الناسين والآخر أن نسيتم بما تركتم وكذا إنا نسيناكم واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي قال : والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس أنه قال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره وأنشد : كأنه خارجا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد أي تركوه ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة قال الضحاك : نسيتم أي تركتم أمري يحيى بن سلام : أي تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم ( نسيناكم ) تركناكم من الخير قاله السدي مجاهد : تركناكم في العذاب وفي استئناف قوله : إنا نسيناكم وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم والمعنى : فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرءوس والخزي والغم بسبب نسيان الله أو ذوقوا العذاب المخلد وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم ( بما كنتم تعملون ) يعني في الدنيا من المعاصي وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم قال عمر بن أبي ربيعة : فذق هجرها إن كنت تزعم أنها فساد ألا يا ربما كذب الزعم الجوهري : وذقت ما عند فلان أي خبرته وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها وأذاقه الله وبال أمره قال طفيل : فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب وتذوقته أي ذقته شيئا بعد شيء وأمر مستذاق أي مجرب معلوم قال الشاعر : وعهد الغانيات كعهد قين ونت عنه الجعائل مستذاق والذواق : الملول < < السجدة : ( 15 ) إنما يؤمن بآياتنا . . . . . > > < > ( السجدة 15 ) < > هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي أنهم لإلفهم الكفر لايؤمنون بك إنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له والمتعظون به وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن ( خروا سجدا ) قال بن عباس : ركعا قال المهدوي : وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة واستدل بقوله تبارك وتعالى : وخر راكعا وأناب وقيل : المراد به السجود وعليه أكثر العلماء أي خروا سجدا لله تعالى على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته وعذابه ( وسبحوا بحمد ربهم ) أي خلطوا التسبيح بالحمد أي نزهوه وحمدوه فقالوا في سجودهم : سبحان الله وبحمده سبحان ربي الأعلى وبحمده أي تنزيها لله تعالى عن قول المشركين وقال سفيان : وسبحوا بحمد ربهم أي صلوا حمدا لربهم ( وهم لايشكرون ) عن عبادته قاله يحيى بن سلام النقاش : لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود < < السجدة : ( 16 ) تتجافى جنوبهم عن . . . . . > > < > ( السجدة 16 ) <
> قوله تعالى : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) أي ترتفع وتنبو عن مواضع الاضطجاع وهو في موضع نصب على الحال أي متجافية جنوبهم والمضاجع جمع مضجع وهي مواضع النوم ويحتمل عن وقت الاضطجاع ولكنه مجاز والحقيقة أولى ومنه قول عبد الله بن رواحة : وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع قال الزجاج والرماني : التجافي التنحي إلى جهة فوق وكذلك هو في الصفح عن المخطئ في سب ونحوه والجنوب جمع جنب وفيما تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجله قولان : أحدهما لذكر الله تعالى إما في صلاة وإما في غير صلاة قاله بن عباس والضحاك الثاني للصلاة وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال : أحدها التنفل بالليل قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر الناس وهو الذي فيه المدح وهو قول مجاهد والأوزاعي ومالك بن أنس والحسن بن أبي الحسن وأبي العالية وغيرهم ويدل عليه قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين لأنهم جوزوا على ما أخفوا بما خفى والله أعلم وسيأتي بيانه وفي قيام الليل أحاديث كثيرة منها حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( ألا أدلك على أبواب الخير : الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل قال ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون ( أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو عيسى الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح الثاني صلاة العشاء التي يقال لها العتمة قاله الحسن وعطاء وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة قال : هذا حديث حسن غريب الثالث التنفل مابين المغرب والعشاء قاله قتادة وعكرمة وروي أبو داود عن أنس بن مالك أن هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون قال : كانوا يتنفلون مابين المغرب والعشاء الرابع قال الضحاك : تجافي الجنب هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وقاله أبو الدرداء وعبادة قلت : وهذا قول حسن وهو يجمع الأقوال بالمعنى وذلك أن منتظر العشاء إلى أن يصليها في صلاة وذكر لله جل وعز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الرجل في صلاة ما انتظر الصلاة ( وقال أنس : المراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل قال بن عطية : وكانت الجاهلية ينامون من أول الغروب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء غريبا شاقا ومصلى الصبح في جماعة لا سيما في أول الوقت كما كان عليه السلام يصليها والعادة أن من حافظ على هذه الصلاة في أول الوقت يقوم سحرا يتوضأ ويصلي ويذكر الله عز وجل إلى أن يطلع الفجر فقد حصل التجافي أول الليل وآخره يزيد هذا ما رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله ( ولفظ الترمذي وأبي داود في هذا الحديث : ( من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة ( وقد مضى في سورة النور عن كعب فيمن صلى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات كن له بمنزلة ليلة القدر وجاءت آثار حسان في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء وقيام الليل ذكر بن المبارك قال : أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني محمد بن الحجاج أو بن أبي الحجاج أنه سمع عبد الكريم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ركع عشر ركعات بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة ( فقال له عمر بن الخطاب : إذا تكثر قصورنا وبيوتنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر وأفضل أو قال أطيب ( وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : صلاة الأوابين الخلوة التي بين المغرب والعشاء حتى تثوب الناس إلى الصلاة وكان عبد الله بن مسعود يصلي في تلك الساعة ويقول : صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء ذكره بن المبارك ورواه الثعلبي مرفوعا عن بن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من جفت جنباه عن المضاجع ما بين المغرب والعشاء بني له قصران في الجنة مسيره عام وفيهما من الشجر ما لو نزلها أهل المشرق والمغرب لأوسعتهم فاكهة ( وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يرد الدعاء بين المغرب والعشاء فصل في فضل التجافي ذكر بن المبارك عن بن عباس قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الحامدون لله على كل حال فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي ثانية : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون قال : فيقومون فيسرحون إلى الجنة قال : ثم ينادي ثالثة : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار فيقومون فيسرحون إلى الجنة ذكره الثعلبي مرفوعا عن أسماء بنت يزيد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلهم : سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم ينادي الثانية ستعلمون اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون ثم ينادي الثالثة ستعلمون اليوم من أولى بالكرم ليقم الحامدون لله على كل حال في السراء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس ( وذكر بن المبارك قال أخبرنا معمر عن رجل عن أبي العلاء بن الشخير عن أبي ذر قال : ثلاثة يضحك الله إليهم ويستبشر الله بهم : رجل قام من الليل وترك فراشه ودفئه ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة فيقول الله لملائكته : ( ما حمل عبدي على ما صنع ( فيقولون : ربنا أنت أعلم به منا فيقول : ( أنا أعلم به ولكن أخبروني ( فيقولون : رجيته شيئا فرجاه وخوفته فخافه فيقول : ( أشهدكم أني قد أمنته مما خاف وأوجبت له ما رجاه ( قال : ورجل كان في سرية فلقي العدو فانهزم أصحابه وثبت هو حتى يقتل أو يفتح الله عليهم فيقول الله لملائكته مثل هذه القصة ورجل سرى في ليلة حتى إذا كان في آخر الليل نزل هو وأصحابه فنام أصحابه وقام هو يصلي فيقول الله لملائكته ( وذكر القصة قوله تعالى : ( يدعون ربهم ) في موضع نصب على الحال أي داعين ويحتمل أن تكون صفة مستأنفة أي تتجافى جنوبهم وهم أيضا في كل حال يدعون ربهم ليلهم ونهارهم و ( خوفا ) مفعول من أجله ويجوز أن يكون مصدرا ( وطمعا ) مثله أي خوفا من العذاب وطمعا في الثواب ( ومما رزقناهم ينفقون ) تكون ما بمعنى الذي وتكون مصدرا وفي كلا الوجهين يجب أن تكون منفصلة من من وينفقون قيل : معناه الزكاة المفروضة وقيل : النوافل وهذا القول أمدح < <
السجدة : ( 17 ) فلا تعلم نفس . . . . . > > < > ( السجدة 17 ) < > قرأ حمزة : ( ما أخفي لهم ) بإسكان الياء وفتحها الباقون وفي قراءة عبد الله ما نخفي بالنون مضمومة وروى المفضل عن الأعمش ما يخفي لهم بالياء المضمومة وفتح الفاء وقرأ بن مسعود وأبو هريرة : من قرات أعين فمن أسكن الياء من قوله : ما أخفي فهو مستقبل وألفه ألف المتكلم وما في موضع نصب ب أخفي وهي استفهام والجملة في موضع نصب لوقوعها موقع المفعولين والضمير العائد على ما محذوف ومن فتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول وما في موضع رفع بالابتداء والخبر أخفى وما بعده والضمير في أخفى عائد على ما قال الزجاج : ويقرأ ما أخفى لهم بمعنى ما أخفى الله لهم وهي قراءة محمد بن كعب وما في موضع نصب المهدوي : ومن قرأ : قرات أعين فهو جمع قرة وحسن الجمع فيه لإضافته إلى جمع والإفراد لأنه مصدر وهو اسم للجنس وقال أبو بكر الأنباري : وهذا غير مخالف للمصحف لأن تاء قرة تكتب تاء على لغة من يجري الوصل على الوقف كما كتبوا ( رحمت الله ) بالتاء ولا يستنكر سقوط الألف من قرأت في الخط وهو موجود في اللفظ كما لم يستنكر سقوط الألف من السماوات وهي ثابتة في اللسان والنطق والمعنى المراد : أنه أخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك وفي معنى هذه الآية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع إلى قوله بما كانوا يعملون ( خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي وقال بن مسعود : في التوراة مكتوب : على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقال بن عباس : الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره قلت : وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلا كما جاء مبينا في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سأل موسى عليه السلام ربه فقال يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله معه ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه من كتاب الله قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقد روي عن المغيرة موقوفا قوله وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم عليه ثم قرأ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وقال بن سيرين : المراد به النظر إلى الله تعالى وقال الحسن : أخفى القوم أعمالا فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت < < السجدة : ( 18 ) أفمن كان مؤمنا . . . . . > > < > ( السجدة 18 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون ) أي ليس المؤمن كالفاسق فلهذا آتينا هؤلاء المؤمنين الثواب العظيم قال بن عباس وعطاء بن يسار : نزلت الآية في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا فقال له الوليد : أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة وروي وأملآ في الكتيبة جسدا فقال له علي : اسكت فإنك فاسق فنزلت الآية وذكر الزجاج والنحاس أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط قال بن عطية : وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان في نفسه أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا على ما يأتي في الحجرات بيانه ويحتمل أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في زمن عثمان رضي الله عنه وصلى الصبح بالناس ثم التفت وقال : أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره الثانية لما قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر لأن التكذيب في آخر الآية يقتضي ذلك اقتضى ذلك نفي المساواة بين المؤمن والكافر ولهذا منع القصاص بينهما إذ من شرط وجوب القصاص المساواة بين القاتل والمقتول وبذلك احتج علماؤنا على أبي حنيفة في قتله المسلم بالذمي وقال : أراد نفي المساواة ها هنا في الآخرة في الثواب وفي الدنيا في العدالة ونحن حملناه على عمومه وهو أصح إذ لا دليل يخصه قاله بن العربي الثالثة قوله تعالى : ( لا يستوون ) قال الزجاج وغيره : من يصلح للواحد والجمع النحاس : لفظ من يؤدى عن الجماعة فلهذا قال : لايستوون هذا قول كثير من النحويين وقال بعضهم : لايستوون لاثنين لأن الاثنين جمع لأنه واحد جمع مع آخر وقاله الزجاج أيضا والحديث يدل على هذا القول لأنه عن بن عباس وغيره قال : نزلت أفمن كان مؤمنا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كمن كان فاسقا في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقال الشاعر : أليس الموت بينهما سواء إذا ماتوا وصاروا في القبور < < السجدة : ( 19 ) أما الذين آمنوا . . . . . > > < > ( السجدة 19 : 20 ) < > قوله تعالى : ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ) أخبر عن مقر الفريقين غدا فللمؤمنين جنات المأوى أي يأوون إلى الجنات فأضاف الجنات إلى المأوى لأن ذلك الموضع يتضمن جنات ( نزلا ) أي ضيافة والنزل : ما يهيأ للنازل والضيف وقد مضى في آخر آل عمران وهو نصب على الحال من الجنات أي لهم الجنات معدة ويجوز أن يكون مفعولا له ( وأما الذين فسقوا ) أي خرجوا عن الإيمان إلى الكفر ( فمأواهم النار ) أي مقامهم فيها ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) أي إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردوا إلى موضعهم فيها لأنهم يطمعون في الخروج منها وقد مضى هذا في الحج ( وقيل لهم ) أي يقول لهم خزنة جهنم أو يقول الله لهم : ( ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) والذوق يستعمل محسوسا ومعنى وقد مضى في هذه السورة بيانه < < السجدة : ( 21 ) ولنذيقنهم من العذاب . . . . . > > < > ( السجدة 21 ) <
> قوله تعالى : ( ولنذيقهم من العذاب الأدنى ) قال الحسن وأبو العالية والضحاك وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي : العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقاله أبن عباس وعنه أيضا أنه الحدود وقال بن مسعود والحسين بن علي وعبد الله بن الحارث : هو القتل بالسيف يوم بدر وقال مقاتل : الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف وقاله مجاهد وعنه أيضا : العذاب الأدنى عذاب القبر وقاله البراء بن عازب قالوا : والأكبر عذاب يوم القيامة قال القشيري : وقيل عذاب القبر وفيه نظر لقوله : لعلهم يرجعون قال : ومن حمل العذاب على القتل قال : لعلهم يرجعون أي يرجع من بقي منهم ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذاب جهنم إلا ما روي عن جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف والأدنى غلاء السعر وقد قيل : إن معنى قوله : لعلهم يرجعون على قول مجاهد والبراء : أي لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله : فارجعنا نعمل صالحا وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة ويدل عليه قراءة من قرأ : يرجعون على البناء للمفعول ذكره الزمخشري < < السجدة : ( 22 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > < > ( السجدة 22 ) < > قوله تعالى : ( ومن أظلم ) أي لا أحد أظلم لنفسه ( ممن ذكر بآيات ربه ) أي بحججه وعلاماته ( ثم أعرض عنها ) بترك القبول ( إنا من المجرمين منتقمون ) لتكذيبهم وإعراضهم < < السجدة : ( 23 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > < > ( السجدة 23 : 25 ) < > قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ) أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى قاله بن عباس وقد لقيه ليلة الإسراء قتادة : المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإسراء والمعنى واحد وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول قاله مجاهد والزجاج وعن الحسن أنه قال في معناه : ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذي وكذب فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى فالهاء عائدة على محذوف والمعنى من لقاء ما لاقى النحاس : وهذا قول غريب إلا أنه من رواية عمرو بن عبيد وقيل في الكلام تقديم وتأخير والمعنى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم فلا تكن في مرية من لقائه فجاء معترضا بين ولقد آتينا موسى الكتاب وبين وجعلناه هدى لبني إسرائيل والضمير في جعلناه فيه وجهان : أحدهما جعلنا موسى قاله قتادة الثاني جعلنا الكتاب قاله الحسن ( ) أي قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم والكوفيون يقرؤون أئمة النحاس : وهو لحن عند جميع النحويين لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة وهو من دقيق النحو وشرحه : أن الأصل أأممة ثم ألقيت حركة الميم على الهمزة وأدغمت الميم وخففت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان والجمع بين همزتين في حرفين بعيد فأما في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية نحو قولك : آدم وآخر ويقال : هذا أوم من هذا وأيم بالواو والياء وقد مضى هذا في براءة والله تعالى أعلم ( يهدون بأمرنا ) أي يدعون الخلق إلى طاعتنا ( بأمرنا ) أي أمرناهم بذلك وقيل : بأمرنا أي لأمرنا أي يهدون الناس لديننا ثم قيل : المراد الأنبياء عليهم السلام قاله قتادة وقيل : المراد الفقهاء والعلماء ( لما صبروا ) قراءة العامة لما بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها أي حين صبروا وقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب : لما صبروا أي لصبرهم جعلناهم أئمة واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة بن مسعود بما صبروا بالباء وهذا الصبر صبر على الدين وعلى البلاء وقيل : صبروا عن الدنيا ( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ) أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار فيجازي كلا بما يستحق وقيل : يقضي بين الأنبياء وبين قومهم حكاه النقاش < <
السجدة : ( 26 ) أولم يهد لهم . . . . . > > < > ( السجدة 26 ) < > قوله تعالى : ( أو لم يهد لهم ) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب نهد لهم بالنون فهذه قراءة بينة النحاس : وبالياء فيها إشكال لأنه يقال : الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل ل يهد فتكلم النحويون في هذا فقال الفراء : كم في موضع رفع ب يهد وهذا نقض لأصول النحويين في قولهم : إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في كم بوجه أعني ما قبلها ومذهب أبي العباس أن يهد يدل على الهدى والمعنى أو لم يهد لهم الهدى وقيل : المعنى أولم يهد الله لهم فيكون معنى الياء والنون واحدا أي أو لم نبين لهم إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم وقال الزجاج : كم في موضع نصب ب أهلكنا ( يمشون في مساكنهم ) يحتمل الضمير في يمشون أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون ويحتمل أن يعود على المهلكين فيكون حالا والمعنى : أهلكناهم ماشين في مساكنهم ( إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ) آيات الله وعظاته فيتعظون < < السجدة : ( 27 ) أولم يروا أنا . . . . . > > < > ( السجدة 27 ) < > قوله تعالى : ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) أي أولم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها الزمخشري : الجرز الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى : ( فنخرج به زرعا ) قال بن عباس : هي أرض باليمن وقال مجاهد : هي أبين وقال عكرمة : هي الأرض الظمآى وقال الضحاك : هي الأرض الميتة العطشى وقال الفراء : هي الأرض التي لا نبات فيها وقال الأصمعي : هي الأرض التي لا تنبت شيئا وقال محمد بن يزيد : يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام إلا أنه يجوز على قول من قال : العباس والضحاك والإسناد عن بن عباس صحيح لا مطعن فيه وهذا إنما هو نعت والنعت للمعرفة يكون بالألف واللام وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله قال الراجز : خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوى وكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شيء تجده وسيف جراز : أي قاطع ماض وجرزت الجراد الزرع : إذا استأصلته بالأكل وحكى الفراء وغيره أنه يقال : أرض جرز وجرز وجرز وجرز وكذلك بخل ورغب ورهب في الأربعة أربع لغات وقد روي أن هذه الأرض لا أنهار فيها وهي بعيدة من البحر وإنما يأتيها في كل عام ودان فيزرعون ثلاث مرات في كل عام وعن مجاهد أيضا : أنها أرض النيل ( فنخرج به ) أي بالماء ( زرعا تأكل منه أنعامهم ) من الكلأ والحشيش ( وأنفسهم ) من الحب والخضر والفواكه ( أفلا يبصرون ) هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم وفنخرج يكون معطوفا على نسوق أو منقطعا مما قبله تأكل منه أنعامهم في موضع نصب على النعت < < السجدة : ( 28 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > < > ( السجدة 28 : 29 ) <
> قوله تعالى : ( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ) متى في موضع رفع ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف قال قتادة : الفتح القضاء وقال الفراء والقتبي : يعني فتح مكة وأولى من هذا ما قاله مجاهد قال : يعني يوم القيامة ويروى أن المؤمنين قالوا : سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء فقال الكفار على التهزيء : متى يوم الفتح أي هذا الحكم ويقال للحاكم : فاتح وفتاح لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل وفي القرآن : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وقد مضى في هذا في البقرة وغيرها ( قل يوم الفتح ) على الظرف وأجاز الفراء الرفع ( لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ) أي يؤخرون ويمهلون للتوبة إن كان يوم الفتح يوم بدر أو فتح مكة ففي بدر قتلوا ويوم الفتح هربوا فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم < < السجدة : ( 30 ) فأعرض عنهم وانتظر . . . . . > > < > ( السجدة 30 ) < > قوله تعالى : ( فأعرض عنهم ) قيل : معناه فأعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به ( وانتظر إنهم منتظرون ) أي انتظر يوم الفتح يوم يحكم الله لك عليهم بن عباس : فأعرض عنهم أي عن مشركي قريش مكة وأن هذا منسوخ بالسيف في براءة في قوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وانتظر أي موعدي لك قيل : يعني يوم بدر ( إنهم منتظرون ) أي ينتظرون بكم حوادث الزمان وقيل : الآية غير منسوخة إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهدنة وغيرها وقيل : أعرض عنهم بعد ما بلغت الحجة وانتظر إنهم منتظرون إن قيل : كيف ينتظرون القيامة وهم لا يؤمنون ففي هذا جوابان : أحدهما أن يكون المعنى إنهم منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة فيكون هذا مجازا والآخر أن فيهم من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة فيكون هذا جوابا لهذين الصنفين والله أعلم وقرأ بن السميقع : إنهم منتظرون بفتح الظاء ورويت عن مجاهد وبن محيصن قال الفراء : لا يصح هذا إلا بإضمار مجازه : إنهم منتظرون بهم قال أبو حاتم : الصحيح الكسر أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك وقد قيل : إن قراءة بن السميقع ( بفتح الظاء ) معناها : وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم يعني أنهم هالكون لا محالة وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه ذكره الزمخشري وهو معنى قول الفراء والله أعلم < > تفسير سورة الأحزاب <
> مدنية في قول جميعهم نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعنهم فيه وفي مناكحته وغيرها وهي ثلاث وسبعون آية وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا وأن آية الرجم رفع لفظها وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا بن أبي مريم عن بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن قال أبو بكر : فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة : أن الله تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا قلت : هذا وجه من وجوه النسخ وقد تقدم في البقرة القول فيه مستوفي والحمد لله وروي زر قال قال لي أبي بن كعب : كم تعدون سورة الأحزاب قلت : ثلاثا وسبعين آية قال : فوالذي يحلف به أبي بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض بسم الله الرحمن الرحيم < < الأحزاب : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الاحزاب 1 ) < > قوله تعالى : ( يأيها النبي اتق الله ) ضمت أي لأنه نداء مفرد والتنبيه لازم لها والنبي نعت لأي عند النحويين إلا الأخفش فإنه يقول : إنه صلة لأي مكي : ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشيء النحاس : وهو خطأ عند أكثر النحويين لأن الصلة لا تكون إلا جملة والاحتيال له فيما قال أنه لما كان نعتا لازما سمي صلة وهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر النحويين وأجازه المازني جعله كقولك : يا زيد الظريف بنصب الظريف على موضع زيد مكي : وهذا نعت يستغني عنه ونعت أي لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع وأيضا فإن نعت أي هو المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة والنضير وبني قينقاع وقد تابعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه وكان يسمع منهم فنزلت وقيل إنها نزلت فيما ذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد أحد وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها وندعك وربك فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي في قتلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني قد أعطيتهم الأمان ( فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة فنزلت الآية ( يأيها النبي اتق الله ) أي خف الله ( ولا تطع الكافرين ) من أهل مكة يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة ( والمنافقين ) من أهل المدينة يعني عبد الله بن أبي وطعمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نهيت عنه ولا تمل إليهم ( إن الله كان عليما ) بكفرهم ( حكيما ) فيما يفعل بهم الزمخشري : وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا وذكر الخبر بمعنى ما تقدم وأن الآية نزلت في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع فنزلت النحاس : ودل بقوله إن الله كان عليما حكيما على أنه كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام أي لو علم الله عز وجل أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه لأنه حكيم ثم قيل : الخطاب له ولأمته < <
الأحزاب : ( 2 ) واتبع ما يوحى . . . . . > > < > ( الاحزاب 2 : 3 ) < > قوله تعالى : ( واتبع ما يوحى إليك من ربك ) يعني القرآن وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية وأمر بجهادهم ومنابذتهم وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص والخطاب له ولأمته ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) قراءة العامة بتاء على الخطاب وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقرأ السلمي وأبو عمرو وبن أبي إسحاق : يعملون بالياء على الخبر وكذلك في قوله : بما تعملون بصيرا ( وتوكل على الله ) أي اعتمد عليه في كل أحوالك فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك ( وكفى بالله وكيلا ) حافظا وقال شيخ من أهل الشام : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد من ثقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللات سنة وهي الطاغية التي كانت ثقيف تعبدها وقالوا : لتعلم قريش منزلتنا عندك فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا أي كافيا لك ما تخافه منهم وبالله في موضع رفع لأنه الفاعل ووكيلا نصب على البيان أو الحال < < الأحزاب : ( 4 ) ما جعل الله . . . . . > > < > ( الاحزاب 4 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قال مجاهد : نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه وكان يقول : إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد قال : وكان من فهر الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري وكان رجلا حافظا لما يسمع فقالت قريش : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال أبو سفيان : ما حال الناس قال انهزموا قال : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله في يده وقال السهيلي : كان جميل بن معمر الجمحي وهو بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح واسم جمح : تيم وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية وفيه يقول الشاعر : وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر قلت : كذا قالوا جميل بن معمر وقال الزمخشري : جميل بن أسد الفهري وقال بن عباس : سببها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل وقيل : نزلت في عبد الله بن خطل وقال الزهري وبن حبان : نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى : كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة وهو من منقطعات الزهري رواه معمر عنه وقيل : هو مثل ضرب للمظاهر أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا وقلب يأمرني بكذا فالمنافق ذو قلبين فالمقصود رد النفاق وقيل : لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب كما لا يجتمع قلبان في جوف فالمعنى : لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت وإعلام بحقيقة الأمر والله أعلم الثانية القلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهي ويضبطه فيه بالحفظ الرباني حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا وهو بين لمتين : لمة من الملك ولمة من الشيطان كما قال صلى الله عليه وسلم خرجه الترمذي وقد مضى في البقرة وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان وموضع الإصرار والإنابة ومجرى الانزعاج والطمأنينة والمعنى في الآية : أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان والهدى والضلال والإنابة والإصرار وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز والله أعلم الثالثة أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم أي إنما هو قلب واحد فإما فيه إيمان وإما فيه كفر لأن درجة النفاق كأنها متوسطة فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية متى نسى شيئا أو وهم يقول على جهة الإعتذار : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه الرابعة قوله تعالى : ( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) يعني قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي وذلك مذكور في سورة المجادلة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ) أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة وروى الأئمة أن بن عمر قال : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام سبته خيل من تهامة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث : ( خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء ( فاختار الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ( يامعشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه ( وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا وكان أبوه لما سبى يدور الشام ويقول : بكيت على زيد ولم أدر ما أفعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فياليت شعري هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فياطول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرئ فان وإن غره الأمل فأخبر أنه بمكة فجاء إليه فهلك عنده وروي أنه جاء إليه فخيره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند قوله : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إن شاء الله تعالى وقتل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة وقال : ( إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ( فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيد وجعفر بكى وقال : ( أخواي ومؤنساي ومحدثاي < <