Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

قسم V01/P285–V01/P286

وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين وفي الخبر : لا تزال أمتي على مسكة من دينها ما لم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم تشبها باليهودية ولم يؤخووا صلاة الصبح إلى افتراق النجوم تشبها بالنصرانية ، وقال سفيان الثوري رحمه الله ويوسف بن أسباط : لا تقلد دينك من لا دين له ، وقال وكيع : لأن أزني أحب إلي من أن أسأل مبتدعا عن ديني ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قد أكثر عن عبيد الله بن موسى العبسي ثم بلغه عنه أدنى بدعة قيل إنه كان يقدم عليا على عثمان ، وقيل : بل ذكر معاوية بسوء ، فانصرف أحمد ومزق جميع ما حمل عنه ولم يحدث عنه شيئا ، وقيل له مرة : يا أبا عبد الله أوكيع أشبه بالسلف أم عبيد الله فقال : وكيع وإن زنى ، وحدثونا عن إبراهيم الحربي قال : كتبت عن علي بن المديني رضي الله عنه جملا لله تعالى على أن لا أحدث عنه بحرف ، قيل : ولم يا أبا إسحاق فذكرصلاته خلف مبتدع وكان رحمه الله تعالى يقول : صحبت الفقهاء وأصحاب الحديث وأهل العربية واللغة سبعين سنة ما سمعت هذه المسائل التي أحدثت في هذا الوقت من أحد منهم قط يعني الاسم والمسمى ونحو ذلك ، وقال : وأخرج على من كان من أهل الكلام والجدل أن يحضر مجلسي أو يسألني عن شيء فإنه لا علم لي بالكلام ولا أنا أحسنه ولا أقول بأهله ، ولو عرفت أحدا منهم ما كلمته ولا أجبته عن شيء ، وهجر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أبا ثور صاحب الشافعي لما سئل عن معنى قول النبي : إن الله تعالى خلق آدم على صورته قال : إن الهاء عائدة على آدم فغضب وقال : ويله وأي صورة كانت لآدم يخلقه عليها ؟ ويله يقول إن الله تعالى خلق على مثال فأي شيء يعمل في الحديث المفسر إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ، فبلغ ذلك أبا ثور فجاءه واعتذر وحلف أنه ما قلت عن اعتقاد وإنما هو رأي رأيته والقول ما قلت وهو مذهبي ، وهجر أيضا حارثا المحاسبي رحمه الله تعالى في رده على المبتدعة وكان من أهل السنة فقال : أين ترد عليهم وقد حكيت قولهم وأيضا فإنك تحملهم على التفكر والرأي فيما قلت فيكون سببا لرد الحق بالباطل ، وهجر أيضا يحيى بن معين في كلمة تكلم بها وهو قوله : لو أعطاني الشيطان شيئا أخذته ، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه : ليس من السنة أن تجادل عن السنة ولكن تخبر بها فإن قبل منك وإلا فاسكت ، وقيل لعبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنه : إن فلانا يرد على المبتدعة فقال : بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا : لا بل بالمعقول قال بئسما صنع رد بدعة ببدعة .

قسم V01/P286–V01/P287

وحدث زيد بن أحزم عن وهب بن جرير قال : سمعت شعبة رحمه الله تعالى يقول : أتيت الحرث العكلي فقلت : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا تبع أحدكم جنازة فلا يجلس حتى توضع قال : أرأيت إن جئنا ولم يحفر له ينبغي لنا أن نقوم قياما فحيث قال لي : أرأيت تركته وروى محمود بن غيلان أيضا عن وهب أيضا عن شعبة قال : أتيت المنهال بن عمرو أسأله عن حديث فسمعت من منزله صوت طنبور فرجعت ولم أسأله ثم ندمت بعد ذلك فقلت : هلا سألته فعسى : كان لا يعلم به ، ومما أحدثوا البيع والشراء على الطريق وكان الورعون لا يشترون شيئا ممن قعد يبيعه على طريق وكذلك إخراج الرواشن من البيوت وتقديم العضايد بين يدي الحوانيت إلى الطريق مكروه ، ومما كرهه أهل الورع البيع والشراء من الصبيان لأنهم لا يملكون وكلامهم غير مقبول ، وحدثت عن أبي بكر المروزي أن شيخا كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ذا هيبة فكان أحمد يقبل عليه ويكرمه فبلغه عنه أنه طين حائط داره من خارج قال : فأعرض عنه في المجلس فاستنكر الشيخ ذلك فقال : يا أبا عبد الله هل بلغك عني حدث أحدثته ؟ قال : نعم طينت حائطك من خارج قال : ولا يجوز قال : لا لأنك قد أخذت من طريق المسلمين أنملة قال : فكيف أصنع ؟ قال : إما أن تكشط ما طينته وإما أن تهدم الحائط وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج قال : فهدم الرجل الحائط وأخره أصبعا ثم طينه من خارج قال : فأقبل عليه أبو عبد الله كما كان ، ومما كرهه السلف طرح السنور والدابة على المزابل في الطرقات فيتأذى المسلمون بروائح ذلك ، وكان شريح وغيره إذا مات لهم سنور دفنوها في دورهم ومثله إخراج الميازيب وصيها إلى الطرقات ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأهل الورع يجعلون ميازييهم إلى داخل دورهم ، وقال إبراهيم النخعي رحمه الله : كان أحدهم يكذب مرتين ولا يشعر يقول : لا شيء إلا شيء ليس بشيء يعني قول الناس للشيء اليسير الذي لا يوصف بكثير لا شيء فاستعظم هذا ورآه كذبا مرتين . وروينا عن عمر رضي الله عنه : إنه قال لعوانه : كنت أرثي لك من العمى فصرت الآن غبطك به قال وكيف ؟ قال : صرت لا ترى أبا الصغري بعينيك مبتدع كان بالمدينة ، وقيل لقتادة : تود لو أنك بصير ؟ فقال : لا على من كنت أفتح عيني بل لو كان في وقت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أنظر إليهم ، وحدثونا عن الفضل بن مهران قال : قلت ليحيى بن معين : أخ لي يقعد إلى القصاص فقال : انهه فقلت : لا يقبل قال عظه قلت : لا يقبل أأهجره ؟ قال : نعم قال : فأتيت الإمام أحمد بن حنبل فذكرت له نحو ذلك فقال : قل له يقرأ في المصحف ويذكر الله تعالى في نفسه ويطلب حديث رسول الله لله قلت : فإن لم يفعل قال : بلى إن شاء الله تعالى فإن هذا الاجتماع محدث قلت : فإن لم يقبل أأهجره ؟ فتبسم وسكت ، وسأل رجل بشر بن الحارث رحمه الله تعالى عن مسألة من علم القلوب فتوقف ثم أجابه ثم سأله مسألة أخرى من علم المعاملات فسكت ونظر إليه ثم قال : من تجالس من الناس فقال : منصور بن عمار وابن السماك فقال : ألا تستحي تسألنا عن علم القلوب ثم تجالس القصاص ؟

قسم V01/P287–V01/P288

قال : وأعرض عنه حتى قلنا له : يا أبا نصر إنه لا بأس به ، إنه من أهل السنة وقد كانوا يكرهون الصلاة في المقصورة ويرونها أنها أول بدعة أحدثت في المساجد ويكرهون تزويق المساجد وكذا القبلة بالزخرف وتحلية المصاحف وهذا من البدع ، وفي الخبر : إذا ما زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم وقد كانوا يكرهون كثرة المساجد في المحلة الواحدة . روي أن أنس بن مالك رضي الله عنهما لما دخل البصرة جعل كلما خطا خطوتين رأى مسجدا فقال : ما هذه البدعة ؟ لما كثرت المساجد قل المصلون ، أشهد لقد كانت القبيلة بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد ، وكان أهل القبائل يتبانون المسجد الواحد في الحي من الأحياء واختلفوا في أيهما يصلي إذا اتفق مسجدان في محلة ، فمنهم من قال في أقدمهما وإليه ذهب أنس بن مالك وغيره من الصحابة ، قال : وكانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى المساجد العتق ، وكان الحسن يقول : يصلي في أقربهما منه ويقال : أول ما حدث من البدع أربع : الموائد ، والمناخل ، والأشنان ، والشبع ، وكانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير الخزف ولا يتوضأ أهل الورع في آنية الصفر والنحاس ، قال الجنيد : قال لي سري السقطي : اجتهد أن لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين ، ويقال : لا حساب عليه ، ومما كرهه السلف تشييد البناء بالجص والآخر ، يقال : أول من طبخ الطين هامان أمره به فرعون ، ويقال : هو بناء الجبابرة ، وكرهوا النقوش والتزويق في السقوف والأبواب ، وكانوا يغضون من النظر إلى ذلك وغاب الأحنف بن قيس غيبة فرجع وقد خضروا سقف بيته وصفروه فلما نظر إليه خرج من منزله وحلف أن لا يدخله حتى يقلعوا ذلك منه ويعيدوه كما كان ، وقال يحيى بن معاذ من أصحاب الثوري رحمه الله : كنت أمشي مع الثوري في طريق فمررنا بباب منقوش مزوق فنظرت إليه فجذبني سفيان حتى جزت فقلت : ما تكره من النظر إلى هذا ؟ فقال : إنما بنوه لينظر إليه ولو كان كل من مر به لا ينظر إليه ما بنوه ، فكأنه خشي أن يكون بنظره إليه معاونا له على بنائه ، ومما أحدث الناس مما كانوا يكرهونه الثياب الرقاق مثل القصب ورقيق بز مصر للنساء والرجال وهو للنساء أكره وأغلظ وكانوا يقولون : الثياب الرقاق لباس الفساق ومن رق ثوبه رق دينه ويقولون أول النسك الزي .

قسم V01/P288–V01/P289

وقال ابن مسعود رضي الله عنه لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب ، وخطب بشر بن مروان وعليه ثوب رقيق فجعل رافع بن خديج رضي الله عنه يهزأ به ويقول : انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق ، ولما جاء عبد الله بن عامر بن ربيعة في بزته إلى أبي ذر رضي الله عنه وسأله عن الزهد وأخذ يتكلم فيه فجعل أبو ذر يضرط به في كفه ثم أعرض عنه ولم يكلمه ، فغضب ابن عامر وكان قرشيا شريفا وشكاه إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال له : أنت فعلت نفسك تأني أبا ذر في هذه الثياب وتسأله عن الزهد ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد وصف نساء يكن في آخر الزمان فقال : كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن أمثال أسنمة البقر يعني المعاجر والأكوار لا يجدن رائحة الجنة ، كان ابن عباس يفسر التبرج أنه منه لبس ما رق من الثياب وقال في قوله تعالى : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) الأحزاب : 33 ، قال : كانت المرأة تلبس ثيابا قيمتها كذا وكذا لا توارى لها عورة مما لا يجوز فيه الصلاة لأنه يصف أو يشف فمكروه لبسه وإنما كانت ثياب السلف السنبلاني والقطواني وعصب اليمن ومعافري مصر والقباي مثل كسوة الكعبة والثياب السحولية اليمانية والكرابيس الحضرمية ، وهذه كلها غلاظ كثيفة ، وكانت الأثمان من خمسة دراهم إلى ثلاثين درهما وما بين ذلك ، ثم أحدث الناس الثياب الرقاق من كتان مصر وقطن خراسان ، وكان طول مئزر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أذرع ونصفا وثمنه إلى الأربعة والخمسة ، وكانت أثمان ثيابهم القمص من الخمسة إلى العشرة فيما بينهما من الثمن ، ولكن قد جاء في الخبر : لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وكان ابن عاس رضي الله عنهما يقول : لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع وإنما قيل منكر لأنه لا يعرف ، فإذا خفي الحق فلم يعرف وقع عليه اسم منكر ، وكذلك قيل معروف لأنه مشهور مألوف ، فإذا فشا الباطل وكثر الجهل حتى ألف وعرف وقع عليه اسم المعروف ، وكذلك قيل : يكثر الجور حتى يولد فيه من لا يعرف العدل . وكان الشعبي رحمه الله يقول : يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج وهذا قد أتى منذ زمان لأن الحجاج قد ابتدع أشياء أنكرها الناس عليه في زمانه هي اليوم سنن معروفة وأعمال مستحسنة يترحم الناس ويغبطن من أحدثها ويحسبون أنه مأجور عليها مشكور له سعيه فيها إلا أنهم لا يعرفون أنه أحدثها فهم وإن لم يفوهوا بالصلاة عليه قولا فإن استعمالهم لما أحدث واستحسانهم لما ابتدع ترحم منهم عليه ، والترحم هو الصلاة ، وأيضا فإنه ابتدع أشياء من الخير وداخله في أبواب الآخرة ثم ظهرت ولاة بعده أحدثوا احداثا من الجور وابتدعوا بدعا من الفسوق فصارت سننا بعدهم فوجب بذلك الصلاة على الحجاج إلى جنب ما أظهر بعده فمما أحدث هذه المحامل والقباب التي خالف بها هدي السلف بالتنعم والرفاهية وإنما كان الناس يخرجون على الرواحل والزوامل فيضحون للشمس وينصبون في سبيل الله تعالى ويشعثون ويغبرون ويقل أكلهم ونومهم وتكثر رفاهة الإبل وتقل المشقة والحمل عليها فيكون ذلك أثوب لهم وأزكى لحجهم وأدنى إلى السلامة لإبلهم ، ويوافقون به سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخرجهم من جميع ذلك بما أدخلهم فيه من بدعته فصاروا يخرجون في بيوت ظليلة مع الحمل على الإبل ما لا تطيق فيكون سبب تلفها فيشركونه فيه ويشركهم بسنته .

قسم V01/P289–V01/P290

وابتدع أيضا هذه الأخماس والعواشر ورؤوس الآي وحمر السواد وخضره وصفره فأدخل في المصحف ما ليس فيه من الزخرف وكان السلف يقولون : جردوا القرآن كما أنزله الله تعالى ولا تخلطوا به غيره ، فأنكر العلماء ذلك عليه حتى قال أبو رزين : يأتي على الناس زمان ينشأ فيه نشء يحسبون أن ما أحدث الحجاج في المصاحف هكذا أنزله الله تعالى يذمه بذلك وحتى نقل الاختلاف وأن بعضهم كان لا يقرأ في مصحف منقوط بحمرة لأن بعضهم كان لا يرى القراءة في مصحف منقوط كما نقل أن بعضهم كان يرى شراء المصحف ويكره بيعه أي : وكذلك إذا لم تنقطه أنت فلا بأس أن تقرأ فيما نقطه غيرك ، وقد كانوا يكرهون أخذ الأجر على تنقيط القرآن لأجل أنه مبتدع ، وقال أبو بكر الهذلي : سألت الحسن رحمه الله عن تنقيط المصاحف بالأجر قال : وما تنقيطها قلت : يعربون الكلم بالعربية فقال : أما إعراب القرآن فلا بأس به ، وقال خالد الحذاء : دخلت على ابن سيرين فرأيته يقرأ في مصحف منقوط وقد كان يكره النقط ، وقال فراس بن يحيى : وجدت ورقا منقوطا بالنحو في سجن الحجاج فعجبت منه وكان أول نقط رأيته فأتيت به الشعبي فأخبرته فقال لي : اقرأ عليه ولا تنقطه أنت بيدك ، ومنها أنه جمع من القراء ثلاثين رجلا فكانوا يعدون حروف المصحف ويعدون كلمه شهرا ، ولو رآهم عمر أو عثمان أو علي يصنعون هذا بالقرآن أي يعدون حروفه وكمله لأوجع رؤوسهم ضربا وهذا الذي كرهته الصحابة ووصفوا به قراء آخر الزمان أنهم يحفظون حروفه ويضيعون حدوده وكان الحجاج أقرأ القراء وأحفظهم لحروف القرآن كان يختم القرآن في كل ثلاث وكان أضيع الناس لحدوده ، ومنها أنه ابتدع إخراج الحصى والرمل من المساجد وفرشها بالبواري ، كما روى أن قتادة سجد فدخلت في عينه قصبة وكان ضريرا فقال لعن الله الحجاج ابتدع هذه البواري يؤذي بها المصلين وقد كانوا يستحبون السجود على الأرض والتراب تواضعا لله تعالى وتخشعا وذلا إلى غير ذلك من بدعه التي لم نقصد تعديدها عليه ولا جمعها فهي اليوم سنن معروفة وشرائع مألوفة مع ما أحدث غيره مما يكثر عدده منكر كله عند من عرف المعرو ف من سيرة المتقدمين وشمائل الصالحين . وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : يظهر المنكر والبدع حتى إذا غير منها شيء قيل غيرت السنة وقال في آخر حديثه : أكيسهم في ذلك الزمان الذي يروغ بدينه روغان الثعالب ، وقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه في سنة ثمانين وأيام الحجاج يقول : ما أعرف اليوم شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد غير إلا شهادة أن لا إله إلا الله قيل : فالصلاة يا أبا حمزة قال : أوليس قد أحدثوا في الصلاة ما علمتم يعني تأخيرها والتثويب قبلها وتعين السلام حتى أنهم يضاهون به الإقامة فجعلوه كالسنة ، وكان يقول للقراء إذا دخلو عليه مثل يزيد الرقاشي وزيد النميري وفرقد السنجي : ما أشبهكم بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيفرحون فيقول نعم رؤسكم ولحاكم فهذا كما قال المجنون : أما الخيام فإنها كخيامهم . . .

قسم V01/P290–V01/P291

وأرى نساء الحي غير نسائه وعن جماعة من الصحابة : لو نشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوكم لما عرفوا شيئا مما أنتم عليه الآن إلا الصلاة في جماعة ، وفي لفظ آخر : إلا أنكم تصلون جميعا ، وكان الحسن يقول : صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم مجانين ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق ، وقال أبو حازم : أدركت القراء وهم القراء حقا ولو كان حامل القرآن في مائة رجل لعرف بشدة تواضعه وحسن سمته وخشوعه وقد وقره القرآن في سمته وقد خضعه القرآن وأخشعه ، فأما هؤلاء فو الله ما هم بالقراء ولكنهم الجراء ، وقد قال بعضهم : كنا نشهد الجنازة فلا نعرف صاحب المصيبة ولا ندري من نعزي من شدة حزن القوم قال : وكان أحدهم يبقى بعد شهود الجنازة ثلاثا لا ينتفع به ، وكان الفضيل رحمه الله يحذر من قراء زمانه فقال : إياك وصحبة هؤلاء القراء فإنك إن خالفتهم في شيء كفروك ، وقال سفيان الثوري رحمه الله ما شيء أحب إلي من صحبة فتى ولا شيء أبغض إلي من صحبة قارئ ، وكان كثيرا يقول : من لم يحسن يتغنى لم يحسن يتقرى ، وكان بشر بن الحارث يقول : لأن أصحب فتى أحب إلي من أن أصحب قارئا فإياك وصحبة القراء فإنهم يذمون غير مذموم وإن تركت الصلاة معهم في جماعة تشاهدوا عليك ، كل ذلك لأنهم يجاوزون الحد في الشيء ويسرعون الإنكار إلى كل شيء لغلبة الجهل عليهم وقلة مجالستهم للعلماء ومعاناتهم للعلم وإنهم موصوفون بدقائق الرياء والتصنع للعامة فينكرون غير منكر ويتعصبون بالبغضة والهجر في الشيء اليسير الذي قد يغتفر مثله وهم غير موصوفين بمحاسن الأخلاق ولا موسومين بالبشاشة والانطلاق إذ فيهم كزازة وتغليظ على الناس ولزازة وحنق على الأغنياء حتى كأنهم يأكلون أرزاقهم وكأنهم يعملون العبادة لهم وفيهم كثرة مقت لأهل البشر والطلاقة ، فلذلك قال بعضهم : الشريف إذا تقرى تواضع والوضيع إن تقرى تكبر ، وقال آخر السفلة : إذا تقرى أكثر الأمر بالمعروف واعترض على جيرانه في كل شيء يعني أكثر الأمر بالمعروف ليعرف به ، فمن أجل ذلك رفضهم العلماء وذمهم الحكماء لأن العلم يبسط ويوسع وتكون معه الأخلاق الحسنة والآداب والمروءات الواسعة والعالم يضع الأشياء في مواضعها من الناس ولا يجاوز بها ولا بهم المقادير ويستخرج لهم المعاذير ، ومن صفة العلماء الانقباض في بسط خلق ، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله الانقباض على الناس مكسبة لعداوتهم فكن بين المنقبض والمنبسط . وفي الخبر : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فليسعهم منكم وجه طلق وخلق حسن ، وفي لفظ آخر : وبشر وبشاشة وهذا كله معدوم من القراء ولا يعرفونه ، وقد جعل الله تعالى لكل شيء قدرا فمن تعدى حد الشيء فقد أفسده ، وقال بعض السلف : قليل التواضع يكفي من كثير العمل وقليل الورع يكفي من كثير العلم ، ومن أخلاق السلف مما تهاون به الخلف أنهم كانوا يعدون من النفاق أن يتكلم الرجل فيمن يكلمه أو يكلم من تكلم فيه لأنهم كانوا إذا كلموا أحدا أو سلموا عليه سلمت له قلوبهم ولم يتكلموا فيه وإذا تكلموا في أحد لبدعته أو ظهور فسقه لم يكلموه وكانوا إذا مدحوا أحدا بقول لم يذموه بفعل وإذا ذموا واحدا يفعل يمدحوه بقول لأن في ذلك لسانين واختلاف وجهين واختلاف سر وعلانية وكانوا يقولون معنى سلام عليك إذا لقيته أي سلمت مني أن أغتابك وأذمك فكان اختلاف هذا عندهم من أبواب النفاق .

قسم V01/P291–V01/P292

وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه وفي حديث آخر : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار ، وكان بعضهم يقول : ما ذكر عندي إنسان قط إلا مثلته جالسا فقلت في غيبته بما يجب أن يسمع ، وقال آخر : ما ذكر عندي رجل إلا تصورت في نفسي مثاله فكل ما أحب أن يقال لي قلته له ، وقال بعض السلف : قليل التواضع يكفي عن كثير العمل وقليل الورع يكفي عن كثير العلم ، فهذه كانت صفات المسلمين الذي يسلم الناس على أيديهم وقلوبهم ، كان أحدهم إذا ذكر عنده غيره بسوء وقف وتفكر في شأن نفسه فإن كان فيه مثل ذلك السوء قطعه الحياء عن الكلام في أخيه فسكت وإن لم يكن ذلك فيه حمد الله عز وجل ورحم أخاه فشغله الشكر لمولاه إذ عافاه ، فهذه كانت سيرة السلف ، ويقال في بعض كتب الله تعالى : عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب ، وأعجب من ذلك من أحب نفسه على اليقين وأبغض الناس على الشك ، ومن طريقة السلف مما كانوا يشددون فيه حب المدح وطلب الحمد حتى قال بعضهم : من أحب المدح وكره الذم فهو منافق ، وقال عمر رضي الله عنه لرجل : من سيد قومك ؟ قال : أنا ، قال : لو كنت كذلك لم تقل ، وكتب محمد بن كعب فانتسب فقال القرظي قيل له : قل الأنصاري قال أكره أن أمن على الله عز وجل بما لم أفعل ، وقال الثوري رضي الله عنه : إذا قيل لك بئس الرجل أنت تغضب فأنت بئس الرجل ، وقال آخر : لا يزال فيك خير ما لم تر أن فيك خيرا ، وسئل بعض العلماء : ما علامة النفاق ؟ قال : الذي إذا مدح بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه ، وكان سفيان رضي الله عنه يقول : إذا رأيت الرجل يحب أن يحبه الناس كلهم ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق فهذا داخل في وصف الله تعالى المنافقين بقوله تعالى : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم و يأمنوا قومهم ) النساء : 91 ، فينبغي لمن أمن في أهل السنة أن يخاف في أهل البدع وهذا مما دخل على القراء الذي ذمهم العلماء مداخل الليل في النهار ولعل مغرورا جاهلا يتأول الحديث الذي جاء إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه على غير تأويله ويحمله على غير محمله فإنما قال ربا الإيمان ولم يقل ربا المؤمن فربو الإيمان زيادته وزيادته بالخوف والإشفاق من المكر به والاستدراج وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العلي إلى المومن الأعلى فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي به تولاه فيرد الصنعة إلى صانعها ويشهد في الفطرة فاطرها فيكون ذلك مدحا للصانع ووصفا للفاطر لا ينظر إلى نفسه لا يعجب بوصفه وهذه طرقات قد درست وانقطع سلاكها إلا من رحم ربك .

قسم V01/P292

باب تفضيل علم الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه ووبيان ما ذكرناه

قسم V01/P292–V01/P293

: اعلم أن كل علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا رغب فيه وحرص عليه لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل إلا علم الإيمان واليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيمان ، فهو آيات الله تعالى وعهده عن مكاشفة قدرته وعظمته وآيات الله تعالى لا تكون للفاسقين وعهده لا ينال الظالمين وعظمته وقدرته لا تكون شهادة للزائغين ولا وجد للمبطلين إذ في ذلك توهين لآيات الله وحججه وانتقاص لبراهينه وقدرته ودخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين والذين هم بقية الله من عباده واشتباه الباطل بالحق الذي هو وصف أهل الصدق الذين هم أدلته عليه من أهل وداده وهذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة على غيره قال الله عز وجل : ( أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) الشعراء : 197 ، وقال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت : 49 ، وقال سبحانه وتعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) الحجر : 75 ، وقال : ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) ، البقرة : 118 وقال عز وجل : ( ولنبينه لقوم يعلمون ) ، الأنعام : 105 فهؤلاء العلماء بالله تعالى الناطقون عن الله عز وجل جعل لهم أنصبة منه ومكانا عنده ، ولا يكون ذلك لمن ليس أهلا له ولا حقيقا به لأنهم آيات الله تعالى وبيناته وشهوده وبصائره كاشفو طريقه ومظهرو بيانه إذ يقول تعالى : ( ثم إن علينا بيانه ) القيامة : 19 ، ثم قال تعالى : ( خلق الإنسان ) ( علمه البيان ) الرحمن : 3 - 4 بعد قوله : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) الروم : 47 ، مع قوله تعالى : ( وكانوا أحق بها وأهلها ) الفتح : 26 فنصروه بما نصرهم به وتحققوا بما حققهم منه وشهدوا له ما شهد لهم عنه فكانوا للمتقين إماما وإلى الهداية أعلاما . وقال بعض أهل المعرفة : من لم تكن له مشاهدة من هذا العلم لم يعر من شرك أو نفاق لأنه عار من علم اليقين ومن عري من اليقين وجد فيه دقائق الشك ، وقال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله وقال آخر من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم شيء بدعة أو كبر ، وقال طائفة من أهله : من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به ، وقال أبو محمد سهل : أقل عقوبة من أنكر هذا العلم أن لا يرزق منه شيء أبدا ، واتفقوا على أنه علم الصديقين وأن من كان له منه نصيب فهو من المقربين وينال درجة أصحاب اليمين ، وأعلم أن علم التوحيد ومعرفة الصفات مباين لسائر العلوم ، فالاختلاف في سائر العلوم الظاهرة رحمة والاختلاف في علم التوحيد ضلال وبدعة والخطأ في علم الظاهر مغفور وربما كانت حسنة إذا اجتهد والخطأ في علم التوحيد وشهادة اليقين كفر من قبل أن العباد لم يكلفوا حقيقة العلم عند الله تعالى في طلب العلم الظاهر وعليهم واجب طلب موافقة الحقيقة عند الله في التوحيد ومن ابتدع شيئا ردت عليه بدعته وكان مسؤولا عنه ولم يكن حجة لله تعالى على عباده ولا غيثا نافعا في بلاده بل كان موصوفا بالدنيا وفيها من الراغبين ولم يكن دليلا على الله عز وجل ولا من دعاة الدين ولا إماما للمتقين ، وقد جاء في الخبر : العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم ، والخبر المشهور : من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد .

قسم V01/P293–V01/P294

وقد روينا عن عيسى عليه السلام وقيل له : من أشد الناس فتنة فقال : زلة عالم إذا زل بزلته عالم ، وقد روينا معناه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : مما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق في القرآن ، وكان بعض السلف يقول : مثل العالم إذا زل مثل سفينة إذا غرقت غرق معها خلق كثير ومثل كسوف الشمس يصيح الناس يا غافلون الصلاة وإنها عند العامة آية يفزع منها . ويروى في خبر غريب : من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قيل : يا رسول وما غش أمتك ؟ قال : أن يبتدع بدعة في الإسلام يحمل الناس عليها ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل للعالم من الأتباع وويل للأتباع من العالم يزل العالم بزلة فيتبعه عليها فئام من الناس وتبلغ الآفاق وما أعلم أحدا أعظم جرما ممن ابتدع في دين الله عز وجل فنطق في كتاب الله تعالى وفي علم المعرفة بما لم يأذن به الله ثم لم يعبأ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو حجة الله تعالى على جميع خلقه وطريق مقربيه من عباده فأضل بذلك عباد الله عز وجل فإن مثل من ابتدع في الدين واتخذ وليجة دون الكتاب والسنة وبين طريق المؤمنين إلى جنب من يكاثر في أمور الدنيا وارتكب فيها شهوات الأهواء كمثل من اجترح المظالم بين الناس في الأموال والدماء إلى جنب من ظلم نفسه بكسب الذنوب بينه وبين ربه ، إن مظالم العباد أعظم وهو الديوان الذي لا يترك ، كذلك التمويه في الدين أعظم لأنه مظالم الآخرة وقطع طرقات المؤمنين ومحو شريعة المرسلين ، ومثله أيضا مثل من أذنب وجحد ذنبه واحتج لنفسه إلى من أذنب واعترف بذنبه واعتذر من نفسه فهو أقرب للعفو وأرجى للرحمة من الآخر ، كذلك من اعتل بالتقصير والتفريط في العمل ولم ينصح لنفسه إلا أنه أظهر حقيقة العلم ونصح لله تعالى ولرسوله ببيان كتابه وذكر سنته أقرب إلى حسن الإخلاص وأولى بالتدارك في العافية ممن شرع في دين الله تعالى وابتدع في الأمة ما يخالف به الكتاب والسنة ، هكذا كأنه قد قلب ملة وبدل شريعة ، فهذا يولد النفاق في قلبه حتى يختم له به ومثل من ابتدع في الملة مخالفا للسنة إلى من أساء إلى نفسه بالذنوب مثل من عصى الملك في قلب دولته وتظاهر عليه في ملكه بالإزالة إلى جنب من عصى أمره وقصر في حقه من الرعية ، وقد قال بعض الحكماء : ثلاث لا يحسن من الملك أن يغفرها ، من قلب دولة من رعيته ، أو عمل فيما يوهن الملك ، أو أفسد حرمة من حرمه .

قسم V01/P294–V01/P296

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعته ، وقال علي كرم الله وجهه : الهوى شريك العمى ، وقال الله تعالى : ( ومن أصدق من الله ) النساء : 87 قيلا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ، ثم قال تعالى : ( أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) الأنعام : 93 فسوى بين الكذاب في العزية على الله تعالى وبين المتشبه المضاهي للربوبية ، وكذلك من أعظم المنكر بعد هذا إنكار الحق من أهله ورده عليهم بالتكذيب ، وقد سوى تعالى أيضا بين التكذيب بالحق وبين ابتداء الكذب على الخالق في قوله عز وجل : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ) العنكبوت : 68 ، وقال تعالى في مثله : ( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ) الزمر : 32 كذلك أيضا في ضده سوى كما سوى عز وجل بين الصادق بالصدق والمصدق به فقال تعالى : ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) الزمر : 33 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العالم والمتعلم شريكان في العلم ، وقال عيسى عليه السلام بمعناه : المستمع شريك القائل ولكن الله تعالى قد جعل هذه الطائفة من أهل العلم بالله تعالى ترد على جميع الطوائف من الشاطحين والمبتدعين أهل الجهالة بالدين والحيدة عن سبيل المؤمنين بما أراهم الله تعالى من علم اليقين وبما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعلم والتعديل في قوله : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، فالغالون هم الشاطحون لأنهم قد جاوزوا العلم ومحوا الرسم فأسقطوا الحكم ، والمبطلون هم المدعون المبتدعون لأنهم جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق وافتروا بالدعوى وابتدعوا بالرأي والهوى ، والجاهلون هم المنكرون لغرائب العلم المفترون لما عرفوا من ظاهر العقل ، كما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز وجل ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الإغترار بالله تعالى : ولا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما فإن الله عز وجل لم يحقره إذ أتاه وكل من تأول السنن بالرأي أو المعقول أو نطق بما لم يسبق إليه السلف من القول أو بمعناه فهو متكلف مبطل ، فأهل العلم بالله تعالى يردون علوم المعقول بعلم اليقين وعلم الرأي بعلم السنة يثبتون أهل الآثار ويؤيدون نقلة الأخبار بما يفصلون من أخبارهم ويفسرون من حديثهم مما لم يجعل للنقلة طريق إليه ولم يهتد الرواة إلى كشف منه بما أشهدهم الله عز وجل واستودعهم ونور به قلوبهم ونطقهم فهم ينطقون عن الله سبحانه وتعالى فيما يخبرون عنه ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون . وقد قال بعض العلماء : ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء وما سكت عنه السلف فالكلام فيه تكلف وقال آخر : الحق ثقيل من جاوزه ظلم ومن قصر عنه عجز ومن وقف معه اكتفى وقال علي رضي الله عنه عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه العالي ويرتفع عنه القالي وهكذا سيرة السلف إنه لا يستمع إلى مبتدع لأنه منكر ولا يرد عليه بالجدال والنظر لأنه بدعة ، ولكن يخبر بالسنن ويحتج بالأثر فإن قيل فهو أخوك في الله عز وجل ووجبت عليك موالاته وإن لم يرجع وأنكر نقض بإنكاره وعرف ببدعته وحقت عداوته وهجر في الله تعالى ، وهذا طريق لا يسلكه في وقتنا هذا إلا من عرف فضله وطريقه السلف فيه .

قسم V01/P296

وحدثت عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة فرجعوا إليه محسورين فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : ما رأينا مثل هؤلاء القوم ما نصيب منهم شيئا قد أتعبونا فيقول : إنك لا تقدرون عليهم قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ربهم ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم ، فلما جاء التابعون بث جنوده فيهم فرجعوا إليه منكسرين منكوسين ، فقال : ما شأنكم ، قالوا : ما رأينا أعجب من هؤلاء القوم نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الخطايا فإذا كان من آخر النهار أخذوا في الاستغفار فتبدل سيئاتهم حسنات فقال : إنكم لن تنالوا من هؤلاء شيئا لصحة توحيدهم واتباعهم سنة نبيهم ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم تلعبون بهم لعبا وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم إن استغفروا لم يغفر لهم ولا يتوبون فتبدل حسناتهم سيئات قال : فجاء قوم بعد القرن الأول فبعث فيهم الأهواء وزين لهم البدع فاستحلوها واتخذوها دينا لا يستغفرون منها ولا يتوبون إلى الله قال فتسلطت عليهم الأعداء وقادتهم أين شاؤوا ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه : إن للضلالة حلاوة في قلوب أهلها . وقد قال الله تعالى : ( اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) الأنعام : 70 ، وقال تعالى : ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) فاطر : 8 كما قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 فالعلم رحمك الله هو الذي كان عليه السلف الصالح المقتفي آثارهم والخلف التابع المقتدي بهديهم وهم الصحابة أهل السكينة والرضا ثم التابعون لهم بإحسان من أهل الزهد والنهي والعالم هو الذي يدعو الناس إلى مثل حاله حتى يكونوا مثله فإذا نظروا إليه زهدوا في الدنيا لزهده فيها كما كان ذو النون رحمه الله يقول : جالس من يكلمك علمه لا من يكلمك لسانه ، وقد قال الحسن رضي الله عنه قبله : عظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك ، وقال سهل رحمه الله : العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، وقد روينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : أي جلسائنا خير فقال : من ذكركم بالله تعالى رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله ، فأما الذي يطلب دنياهم حتى يكون مثلهم فإذا رأوه اعتبطوا بحالهم فهذا شر منهم لأنه يدعو إلى نفسه لا إلى مولاه ولأنه طامع فيهم وهم زاهدون فيه ، فالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء هم الورعون في دين الله عز وجل ، الزاهدون في فضول الدنيا الناطقون بعلم اليقين والقدرة لا علم الرأي والهوى ، والصامتون عن الشبهات والآراء لا يختلف هذا إلى يوم القيامة عند العلماء الشهداء على الله تعالى برأي قائل ولا بقول مبطل جاهل .

قسم V01/P296–V01/P297

كما روي عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم : صلح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل ، وقال يوسف بن أسباط : كتب إلى حذيفة المرعشي ما ظنك بمن قد بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما وكانت مذاكرته معصية وذلك أنه لا يجد أهله قلت ليوسف : يا أبا محمد وتعرفهم قال : لا يخفون علينا ويقال : إن الأبدال إنما انقطعوا في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء هذا الوقت ولا يصبرون على الاستماع لكلامهم لأنهم عندهم جهال بالله تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء ، فقد صاروا من أهل الجهل وأهل الجهل بالجهل على الوصف الذي قال سهل رحمه الله : إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة أيسر عندهم لأنهم لا يعدمون ذلك حيث كانوا من أطراف الأمصار لأن العامة لا يموهون في الدين ولا يغرون المؤمنين ولا يدعون أنهم علماء لأنهم يتعلمون وبالجهل معترفون ، فهم إلى الرحمة أقرب ومن المقت أبعد . وكان أبو محمد أيضا يقول : قسوة القلب بالجهل بالعلم أشد من القسوة بالمعاصي لأن الجاهل بالعلم تارك ومدع والعاصي بالفعل مقر بالعلم ، ويقول أيضا : لأن العلم دواء به تصلح الأدواء فهو يزيل فساد الأعمال بالتدراك ، والجهل داء يفسد الأعمال بعد صلاحها فهو يزيل الحسنات فيجعلها سيئات ، فكم بين ما يصلح الفاسد وبين ما يفسد الصالحات ، وقد قال الله تعالى : ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) يونس : 81 ، وقال تعالى : ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) الأعراف : 170 فهذا من أدل دليل على فضل العالم المقصر على العابد المجتهد ، وأعلم أن العبد إذا باين الناس في كل شيء من أحوالهم انفرد عن جمعهم ولم يألف أحدا منهم وإن باينهم في أكثر أحوالهم اعتزل عن الأكثر منهم فإن فارقهم في بعض الأحوال ووافقهم في بعض حاله خالط أهل الخير وفارق أهل الشر .

قسم V01/P297

باب تفضيل الأخبار وبيان طريق الإرشاد وذكر الرخصة والسعة في النقل والرواية

قسم V01/P297–V01/P299

جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة وعن التابعين وتابعيهم رسمناه حفظا وسقناه على المعنى إلا يسيرا اتفق وجوده في أيدينا وقرب تناوله منا من أخبار فيها طول فإنا نقلناها من مواضعها وما بعد علينا فلم نفقه ولم نشغل همتنا به فما كان فيه من صواب وبيان وتثبت فمن الله تعالى بحسن توفيقه وقوة تأييده ، وما كان فيه من خطأ وعجلة وهوى فمنا بالسهو والغفلة ومن عمل الشيطان بالعجلة والنسيان ، كذلك رويناعن ابن مسعود رضي الله عنه في قضيته التي قضاها برأيه وقولنا لرأيه تبع . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيان والتثبت من الله عز وجل والعجلة والنسيان من الشيطان يعني بواسطته وبقلة التوفيق ، ولم أعتبر ألفاظ الأخبار في أكثره ولم آل عن سياق المعنى في كله إذ ليس تحرير الألفاظ عندي واجبا إذا أتيت بالمعنى بعد أن تكون عالما بتصريف الكلام وبتفاوت وجوه المعاني مجتنبا لما يكون به تحريف أو إحالة بين اللفظين وقد رخص في سوق الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة منهم : علي وابن عباس وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو هريرة ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم منهم : إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة رضي الله عنهم نقلنا ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ ، وقال ابن سيرين : كنت أسمع الحديث من عشرة المعنى واحد والألفاظ مختلفة ، ولذلك اختلف الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من يرويه تاما ومنهم من يجيء به مختصرا ومنهم من يرويه على المعنى وبعضهم يغاير بين اللفظتين ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى ولم يحل البغية وكلهم لا يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ومعنى ما سمع ولا يحيل البغية فلذلك وسعهم وكانوا يقولون : إنما الكذب على من تعمده . وقد روينا عن عمران بن مسلم قال : قال رجل للحسن : يا أبا سعيد إنك تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا وأجود تحبيرا وأفصح به لسانا منا إذا حدثتنا به ، فقال : إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك ، وقد قال النضر بن شميل : كان هشام لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة يعني بالإعراب وكان النضر نحويا ونحن قائلون في جميع ما رويناه أو كما قيل ونحوه وشبهه ، وبمعناه كذلك قال ابن مسعود في حديثه : وكان سليمان التميمي يقوله في كل ما يحدث به وقد كان سفيان رحمه الله يقول : إذا رأيت الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه يقول : اعرفوني قال : وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه فقال له يحيى : يا هذا ليس في أيدينا أجل من كتاب الله تعالى ، وقد رخص بالقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد ، وفي بعض ما رويناه مراسيل ومقاطع ومنها ما في سنده مقال وربما كان المقطوع والمرسل أصح من بعض المسند إذ رواه الأئمة وجار لنا رسم ذلك لمعان أحدها أنا لسنا على يقين من باطلها والثاني أن معنا حجة بذلك وهو روايتنا له وأنا قد سمعنا فإن أخطأنا الحقيقة عند الله تعالى فذلك ساقط عنا ، كما قال الأسباط : وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين في قولهم : إن ابنك سرق فأخطؤوا الحقيقة عند الله تعالى إلا أنهم كانوا معذورين لوجود الدليل وهو شهادتهم للصاع مستخرج من رحل أخيهم والثالث أن الأخبار الضعاف غير مخالفة الكتاب والسنة لا يلزمنا ردها بل فيهما ما يدل عليها والرابع أنا متعبدون بحسن الظن منهيون عن كثير من الظن مذمومون بظن السوء والخامس أنه لا يتوصل إلى حقيقة ذلك إلا من طريق المعاينة ولا سبيل إليها فاضطررنا إلى التقليد والتصديق بحسن الظن بالنقلة مع ما تسكن إليه قلوبنا وتلين له أبشارنا ونرى أنه حق كما جاء في الخبر وأيضا فإنه ينبغي أن نعتقد في سلفنا المؤمنين أنهم خير منا ثم نحن لا نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على التابعين فكيف نظن بهم أن يكذبوا وهم فوقنا على أنه قد جاءت أحاديثا ضعاف بأسانيد صحاح فكذلك يصلح أن نورد أحاديث صحاحا بسند ضعيف لاحتمال أن يكون قد روي من وجه صحيح إذ لم نحط بجملة العلم أو لأن بعض من يضعفه أهل الحديث يقويه بعضهم وبعض من يجرحه ويذمه أحد يعد له ويمدحه آخر فصار مختلفا فيه فلم يرد حديثه بقول واحد دون من فوقه أو مثله أو لأن بعض ما يضعف به رواة الحديث وتعلل به أحاديثهم لا يكون تعليلا ولا جرحا عند الفقهاء ولا عند العلماء بالله تعالى مثل أن يكون الراوي مجهولا لإيثاره الخمول ، وقد ندب إليه أو لقلة الأتباع له إذ لم يقم لهم الأثرة عنه أو ينفرد بلفظ أو حديث حفظه أو خص به دون غيره من الثقات أو يكون غير سائق للحديث على لفظة أو لا يكون معتنيا بحفظ ودرسه وقد يتكلم بعض الحفاظ بالإقدام والجراءة فيجاوز الحد في الجرح ويتعدى في اللفظ ويكون المتكلم فيه أفضل منه ، وعند العلماء بالله تعالى : أعلى درجة فيعود الجرح على الجارح أو يكون رأى عليه لباسا أو سمع منه كلاما يجرحه عند الفقهاء علله به بعض القراء من الرواة وأن بعض من يضعفه أصحاب الحديث هو من علماء الآخرة ومن أهل المعرفة بالله تعالى وله في الرواية والحديث مذاهب غير طريقة بعض أصحاب الحديث فيعمل في روايته بمذهبه فلا يكون أصحاب الحديث حجة عليه إلا كان هو حجة عليهم إذ ليس هو عند أصحابه من العلماء دون أصحاب الحديث ممن ضعفه إذ رأى غير رأي مذهبه .

قسم V01/P299–V01/P300

وقال بعض العلماء : الحديث وإن كان شهادة فقد وسع فيه بحسن الظن كما جوز فيه قبول شهادة واحد أي للضرورة كشهادة القابلة ونحوها ، وروينا معناه عن الإمام أحمد بن حبنل رضي لله عنه : والحديث إذا لم ينافه كتاب أو سنة وإن لم يشهدا له إن لم يخرج تأويله عن إجماع الأمة فإنه يوجب القبول والعمل بقوله صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل : والحديث الضعيف عندي آثر من الرأي والقياس وهذا مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والحديث إذا تداوله عصران أو رواه القرون الثلاثة أو دار في العصر الواحد فلم ينكره علماؤه وكان مشهورا لا ينكره الطبقة من المسلمين احتمل ووقع به حجة وإن كان في سنده قول إلا ما خالف الكتاب والسنن الصحيحة أو إجماع الأمة أو ظهر كذب ناقليه بشهادة الصادقين من الأئمة ، وقال وكيع بن الجراح : ما ينبغي لأحد أن يقول هذا الحديث باطل لأن الحديث أكثر من ذلك ، وقال أبو داود : قال أبو زرعة الرازي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف عين تطرف ، كل واحد قد روى عنه ولو حديثا ولو كلمة أو رواية فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يحصى وذكر رجل عند الزهري حديثا فقال : ما سمعنا بهذا فقال : أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت ؟ قال : لا ، قال : فثلثاه ؟ قال : لا ، قال : فنصفه فسكت وقال : عد هذا من النصف الذي لم تسمعه ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه : كان يزيد بن هارون يكتب عن الرجل وهو يعلم أنه ضعيف وكان له ذكاء وعلم بالحديث وقال إسحاق بن راهويه : قيل للإمام أحمد بن حنبل : هذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن نكتب الجيد منها ، فقال : المنكر أبدا منكر قيل له : فالضعفاء ؟ قال : قد يحتاج إليه في وقت كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا . وقال أبو بكر المروزي عنه : إن الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه ومما يدلك على مذهبه في التوسعة أنه أخرج حديثه كله في المسند المأثور عنه الذي رويناه عن أشياخنا عن ابنه عبد الله عنه ولم يعتبر الصحيح منه وفيه أحاديث كثيرة يعلم الثقات أنها ضعيفة وهو أعلم بضعفها منهم ثم أدخلها في مسنده لأنه أراد تخريج المسند ولم يقصد تصحيح السند فاستجاز رواياتها كما سمعها وقد كان قطع أن يحدث الناس في سنة ثمان وعشرين وتوفي في سنة إحدى وأربعين فلم يسمع أحد منه في هذه المدة إلا ابنه عبد الله وابن منيع جزءا واحدا بشفاعة جده أحمد بن منيع ، وحدثونا عنه أعني الإمام أحمد قال : كان عبد الرحمن ينكر الحديث ثم يخرج إلينا بعد وقت فيقول : هو صحيح قد وجدته ، قال : وأما وكيع فلم ينكر ولكن يقول إذا سئل عنه لا أحفظه ، وحدثونا عن ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قال : كان خالي قد خط على أحاديث ثم صحح عليها بعد ذلك وقرأتها عليه فقلت : قد كنت خططت عليها قال : نعم ، ثم تفكرت فإذا إني إن ضعفتها أسقطت عدالة ناقليها فإن جاءتني بين يدي الله تعالى وقال : لم أسقطت عدالتي رأيتني سمعت كلامي لم يكن لي حجة ، هذا كان مذهب الورعين من السلف ، وقد كان بعضهم يقول : كنا نترك مجالسة شعبة لأنه كان يدخلنا في الغيبة وإنما كان كلامه في التضعيف وقال بعضهم في تضعيف الرواة : إن خلصت نيتك يعني أن أردت الله عز وجل والدين بذلك لم يكن لك ولا عليك فهذه الفصول الذي ذكرناها هي أصول في معرفة الحديث وهو علم لأهله وطريق هم سالكوه ثم حدثت قوم لم يكن لهم علم يختصون به ولا حال من علم يوصفون به ولا شغل من عبادة تقطعهم فجعلوا لنفوسهم علما تشاغلوا به وشغلوا من استمع إليهم فصنفوا كتبا وأخذوا يتكلمون في نقلة الأخبار بالتعليل وتتبع العثار فطرقوا لأهل البدع إلى رد السنن وإيثار الرأي والمعقول عليها لما يرون من طعنهم فيها واغتبطوا بالقياس والنظر لما وجدوا من زهدهم في السنة والخبر سيما في زمانك هذا والأحاديث في الترغيب في الآخرة والتزهيد في الدنيا والترهيب لوعد الله تعالى وفي فضائل الأعمال وتفضيل الأصحاب متقبلة محتملة على كل حال مقاطيعها ومراسيلها لا تعارض ولا ترد ، وكذلك في أهوال القيامة ووصف زلازلها وعظائمها لا تنكر بعقل بل تتقبل بالتصديق والتسليم كذلك كان السلف يفعلون لأن العلم قد دل على ذلك والأصول قد وردت به ، وقد روينا من بلغه عن الله فضيلة أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أعطاه الله ثواب ذلك وإن لم يكن ما قيل والخبر الآخر من روى عني حقا فأنا أقوله وإن لم أكن قلته ومن روى باطلا فإني لا أقول بالباطل ، وفي كل ما رسمنا من هذا الكتاب نقول : الله أعلم وأحكم وعلمه المقدم وعنده حقائق العلوم وإليه ترجع الأمور وما شاء كان والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهذا آخر كتاب العلم وتفصيل العلوم ووصف طريق السلف ونشر ما أحدث بعدهم الخلف .

قسم V01/P300–V01/P301

الفصل الثاني والثلاثون فيه شرح مقامات اليقين وأحوال الموقنين أصول مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة ، أولها التوبة ، والصبر ، والشكر ، والرجاء ، والخوف ، والزهد ، والتوكل ، والرضا ، والمحبة وهذه محبة الخصوص وهي محبة المحبوب . ذكر فروض التوبة وشرح فضائلها ووصف التوابين

قسم V01/P301–V01/P302

قال الله تعالى في البيان الأول من خطاب العموم : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) النور : 31 معناه : ارجعوا إليه من هوى نفوسكم ومن وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم في المعاد وكي تبقوا بقاء الله عز وجل في نعيم لا زوال له ولا نفاد ولكي تفوزوا وتسعدوا بدخول الجنة وتنجوا من النار فهذا هو الفلاح ، وقال في البيان الثاني من مخاطبته الخصوص : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) التحريم : 8 ، فنصوحا من النصح جاء على وزن فعول للمبالغة في النصح ، وقد قرئت نصوحا بضم النون فتكون حينئذ مصدر نصحت له نصحا ونصوحا فمعناه خالصة لله تعالى وقيل اشتقاقه من النصاح وهو الخيط أي مجردة لا تتعلق بشيء ولا يتعلق بها شيء وهو الاستقامة على الطاعة من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب وأن لا يحدث نفسه بعود إلى ذنب متى قدر عليه وأن يترك الذنب لأجل الله تعالى خالصا لوجهه كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه وشهوته ، فمتى أتى الله عز وجل بقلب سليم من الهوى وعلم خالص مستقيم على السنة فقد ختم له بحسن الخاتمة ، فحينئذ أدركته الحسنى السابقة وهذا هو التوبة النصوح وهذا العبد هو التواب المتطهر الحبيب وهذا إخبار عمن سبقت له من الله الحسنى ومن تداركه نعمة من ربه رحمه بها من تلوث السوأى وهو وصف لمن قصده بخطابه إذ يقول في كتابه : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) البقرة : 222 ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وسئل الحسن عن التوبة النصوح : فقال هي ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود إليه . وقال أبو محمد سهل رحمه الله ليس من الأشياء أوجب على هذا الخلق من التوبة ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة وقد جهل الناس علم التوبة وقال : من يقول إن التوبة ليست بفرض فهو كاف ، ومن رضي بقوله فهو كافر وقال : التائب الذي يتوب من غفلته في الطاعات في كل طرفة ونفس ، وقد جعل علي كرم الله وجهه ترك التوبة مقاما في العمى وقرنه باتباع الظن ونسيان الذكر فقال في الحديث الطويل : ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة ففرض التوبة الذي لا بد للتائب منه ولا يكون محقا صادقا إلا به الإقرار بالذنب والاعتراف بالظلم ومقت النفس على الهوى وحل الإصرار الذي كان عقده على أعمال السيئات وإطابة الغذاء بغية ما يقدر عليه لأن الطعمة أساس الصالحين ثم الندم على ما فات من الجنايات .

قسم V01/P302–V01/P304

وحقيقة الندم إن كان حقا إذ لكل حق حقيقة أن لا يعاود إلى مثل ما وقع الندم عليه ثم اعتقاد الاستقامة على الأمر ومجانبة النهي وحقيقة الاستقامة أن لا يقابل ما استقبل من عمره بمثل ما وقع الاعوجاج به وأن يتبع سبيل من أناب إلى الله وأن لا يصحب جاهلا فيرديه ثم الاشتغال بإصلاح ما أفسد في أيام بطالته ليكون من المصلحين الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوا فإن الله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين كما لا يضيع أجر المحسنين ثم الاستبدال بالصالحات من السيئات والصالحات من الحسنات ليكون ممن تبدل سيئاته حسنات لتحققه بالتوبة وحسن الإنابة لأن التبديل يكون في الدنيا يبدل بالأعمال السوأى أعمالا حسنى بدليل قوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد : 11 فإذا غير ما بهم من سيء حسنا بدل سيئاتهم حسنات ثم الندم ودوام الحزن وحقيقة الندم والحزن على الفوت أن لا يفرط ولا يني في وقت دركه ولا يرجع ولا ينثني في حيز استبداله فيفوت نفسه وقتا ثانيا إذ كان يعمل في درك ما فات ولا يفوت ما أدرك في حال تيقظه فتكون يقظته شبيها بما مضى من غفلته إذ كان في درك ما فات شبيها بما مضى من غفلته إذ لا يدرك الفوت بالفوت ولا ينال النعيم بالنعيم ليكون كما وصف الله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا علما صالحا وآخر سيئا ) قيل : الاعتراف والندم ، وقال أبو سليمان الداراني : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على فوت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف بمن يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله . وقال سهل بن عبد الله : التائب لا يقله شيء يكون قلبه متعلقا بالعرش حتى يفارق النفس ولا عيش له إلا الضرورة للقوام ويغتم على ما مضى والجد في الأمر ومباينة النهي فيما بقي ولا يتم له ذلك إلا باستعمال علم اليقين في كل شيء ثم المتابعة بأعمال الصالحات ليكون ممن قال الله تعالى : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 الآية أي يدفعون ما سلف من السيئات بما يعلمون من الحسنات . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر فإذا عملت سيئة فأعمل بعدها حسنة السر بالسر والعلانية بالعلانية وفي وصية معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها وليدخل في الصالحين كما قال الله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) العنكبوت : 9 ، ثم المسارعة إلى الخيرات إذا قدر عليها ليدرك بها ما ضيع وفات ليكون من الصالحين وفي هذا المقام يصلح لمولاه فيحفظه ويتولاه كما قال الله : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وجمل ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال ، أولها فرض عليه أن لا يعصي الله تعالى ، والثانية إن ابتلى بمعصية لا يصر عليها ، والخصلة الثالثة التوبة إلى الله تعالى منها ، والرابعة الندم على ما فرط منه ، والخامسة عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت ، والسادسة خوف العقوبة ، والسابعة رجاء المغفرة ، والثامنة الاعتراف بالذنب ، والتاسعة اعتقاد أن الله تعالى قدر ذلك عليه وأنه عدل منه ، والعاشرة المتابعة بالعمل الصالح ليعمل في الكفارات لقوله صلى الله عليه وسلم : وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وفي جميع هذه الخصال جمل آثار رويناها عن الصحابة والتابعين يكثر ذكرها ، ويقال : إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين قال : فيبدو للعبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا من أولها إلى آخرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها أو يستبدل بها فلا يجد إلى ذلك سبيلا ، وهذا تأويل قوله عز وجل : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) سبأ : 54 قيل : التوبة وقيل : الزيادة في العمر وقيل : حسن الخاتمة حيل بينهم وبين ذلك كما فعل بأشياعهم من قبل أي بنظرائهم وأهل فرقتهم قال : فإذا كل ساعة تمضي على العبد فهي بمنزلة هذه الساعة قيمتها الدنيا كلها إذا عرف قيمة ذلك فلذلك قيل ليس لما بقي من عمر العبد قيمة إذا عرف وجه التقدير من الله تعالى بالتصريف والحكمة وقيل في معنى قوله تعالى : ( من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ) المنافقون : 10 قال : الوقت القريب أن يقول العبد عند كشف الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوما أعبد فيه ربي وأعتب فيه ذنبي وأتزود صالحا لنفسي فيقول : فنيت الأيام فلا يوم ، فيقول : أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة ، قال : فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة فيغلق باب التوبة ويحجب عنه وتنقطع الأعمال وتذهب الأوقات وتتصاع الأنفاس يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه فيدركه ما سبق له من السعادة فتخرج روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة أو يدركه ما سبق له من الشقوة فتخرج روحه على الشرك فهذا الذي قال الله عز وجل : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) النساء : 18 ، فهذا سوء الخاتمة نعوذ بالله منه وقيل : هذا هو المنافق ويقال : المدمن على المعاصي المصر عليها .

قسم V01/P304

وقد قال الله تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) النساء : 17 ، قيل : قبل الموت وقبل ظهور آيات الآخرة وقبل الغرغرة أي تغرغر النفس في الحلقوم لأنه تعالى قد حكم أن التوبة بعد ظهور إعلام الآخرة لا تقبل ، ومنه قوله عز وجل : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الأنعام : 158 يعني من قبل معاينة الآيات أو كسبت في إيمانها خيرا قيل : التوبة هي كسب الإيمان وأصول الخيرات وقيل : الأعمال الصالحة هي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان وقد قيل : ثم يتوبون من قريب أي عن قريب عهد بالخطيئة لا يتمادى فيها ولا يتباعد عن التوبة وتوبته من قريب أن يعقب الذنب عملا صالحا ولا يردفه ذنبا آخر وأن يخرج من السيئة إلى الحسنة ولا يدخل في سيئة أخرى وقيل : أول من يسأل الرجعة من هذه الأمة من لم يكن أدى زكاة ماله أو لم ييكن حج بيت ربه فذلك تأويل قول الله تعالى : ( فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10 ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول : هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد هذا لقوله تعالى في أولها : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 ، وقد قيل : لا يسأل عبد الرجعة عندا لموت وله عند الله عز وجل مثقال ذرة من خير . وروينا بمعناه من كان له في الآخرة مثقال ذرة من خير لو أن له الدنيا بما فيها من أولها إلى أخرها لم يحب أن يعود إلى الدنيا ، وقال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه يوجده ذلك بإلهام يلهمه ، أحدهما إذا ولد وخرج من بطن أمه يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك عمرك ائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وأنظر كيف تلقاني كما أخرجتك ، وسر عند خروج روحه يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ ، فهذا داخل في قوله عز وجل : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) المؤمنون : 8 ، وفي قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) البقرة : 40 عمر العبد أمانة عنده إن حفظه فقد أدى الأمانة وإن ضيعه فقد خان الله ، إن الله لا يحب الخائنين ، وفي خبر ابن عباس رضي الله عنه من ضيع فرائض الله عز وجل خرج من أمانة الله وعند التوبة النصوح تكفير السيئات ودخول الجنات ، وكان بعضهم يقول : قد علمت متى يغفر الله لي قيل : ومتى ؟

الأسئلة