Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

قسم V02/P101–V02/P102

قال : إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ، وأتممتها بنور وجهي ، فجعلت أسرارهم موضع نظري إلى الأرض ، وقطعت من قلوبهم طرقا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل يوم شوقا إلي ، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خروا لي سجدا فأقول : إني لم أدعكم لعبادتي ، ارفعوا روؤسكم أركم قلوب المشتاقين إلي فوعزتي وجلالي إن سمواتي لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، معنى قول لداود عليه السلام : ولا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي الأنبياء كما غلط في هذا بعض الناس ، ففضل العارف على النبي ، ولكنه ذكر ذلك لداود عليه السلام ليسأله إياه فيعطيه ، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق إليه ، فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين ، وإنما أراد أن يجعل ذلك على لسانه ليريه فضل مكانه ، ويظهر له ذلك عن مسألته ليفضله ويشرفه بسرعة إجابته ، كما أن قول داود عليه السلام : وماالشوق ؟ ليس أنه لم يعرف الشوق وقد اتاه الحكمة والنبؤة ، ولكن سكت بين يديه استحياء منه ، واعترف لديه بالجهل لأنه عند علام الغيوب ، واراد أن يسمع منه حقيقة وصفه لأنه أصدق القائلين وأمدح الواصفين . وأما الغيرة فحال سنية من أحوال المحبين ، لأنه قد أظهرهم على معاني نفسه فضنوا بها لما امتلأت بها قلوبهم ، وحارت فيها عقولهم ، إلا أن هؤلاء خصوص أصحاب اليمين ، وهم عموم المحبين ، إلا إنه إذا رفعهم إلى مقام التوحيد فأشهدهم الإيجاد بالوحدانية والانفراد بالفردانية نظروا ، فإذا هو لم يعط منه لسواه شيئا ولا أظهر من معانيه وصفا ، فانطوت الغيرة من توحيدهم لماعرفوا بيقين التوحيد أنه مانظر إليه سواه ، ولا عرفه إلا إياه ، فتسقط هممهم بالغيرة عليه ، وعرفوا حكمته بتعريفه أنواع ما يظهر وأقسام ما ينشر ، وأنه في غيب غيبه لايظهر عليه سواه وفي سرسره لا يشهده إلا إياه ، فقام لهم مقام المعرفة بالتوحيد مقام الغيرة عليه ، فهذا إذا طولعوا به مقام الموحدين من الصديقن ، وقد روينا في دلائل المحب وأوصافه أبياتا عن يحي بن معاذ ، وأبي تراب النخشبي ، وعن أبي سعيد الخراز أي أيضا على قافية واحدة في معان متقاربة ، وهي جامعة مختصرة في نعت المحبين من المريدين ، وفي وصف السائحين من المرادين بالتقرب والانقطاع أولى الأحوال والمشاهدات الرفاع ، فالذي روينا عن أبي تراب هذه الأبيات : لا تخدعن فللمحب دلائل . . . ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه . . . وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة . . . والفقر إكرام ولطف عاجل ومن اللطائف أن يرى من عزمه . . . طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسما . . . والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما . . . لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفا . . . متحفظا من كل ما هو قائل والذي رويناه عن يحيي بن معاذ : ومن الدلائل أن تراه مشمرا . . . في خرقتين على شطوط الساحل ومن الدلائل حزنه ونحيبه . . . جوف الظلام فما له من عاذل ومن الدلائل أن تراه مسافرا . . . نحو الجهاد وكل فعل فاضل ومن الدلائل زهده فيما يرى . . . من دار ذل والنعيم الزائل ومن الدلائل أن تراه باكيا . . . أن قد رآه على قبيح فاعل ومن الدلائل أن تراه مسلما . . . كل الأمور إلى المليك العادل ومن الدلائل أن تراه راضيا . . . بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى . . .

قسم V02/P102–V02/P104

والقلب محزون كقلب الثاكل والذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه عنهما ، وأحسب أنه أخذه منها لأنهما أقدم منه ، إلا أن قوله كان أحد عشر بيتا فقط ، وجميع ما قدمنا ذكره من العلامات والدلالات هي أوصاف المحبين ، وكل محب لله فعن محبة الله ، لأن وجود العبد لمحبته لله علامة غيب محبة الله له ، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة إلا أن في المحبة مقامين ، مقام تعريف ومقام تعرف ، فمقام التعريف هومعرفة العموم وهذا قبل المحبة الخاصة ، ومقام التعرف معرفة الخصوص وهذا بعد محبة العموم ، وهو مزيد الحب الأول ، وهذا محبة خصوص ، وكذلك في المحبة مقامان ، مقام محب وأعلى منه مقام محبوب ، وهذا كما عبروا عن قولهم مريد ومراد ، وعلى الحقيقة كل مريد لله فهو مراد بذلك ، إلا أنهم جعلوا اسم مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز معه المبتدئ من المبادئ ، والمنيب من المجتبي ، والطالب من المطلوب ، والراغب من المرغوب ، والحافظ من المحفوظ ، فكذلك لعمري ليس الحامل مثل المحمول ، ولا الزائر كالمزور ولا الاشتياق كالحضور ، ولا المحب مثل المحبوب ، قال أبو موسى الدبيلي : عرضت على أبي يزيد البسطامي كتاب صاحبنا عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلا حكاية أبي عاصم الشامي في الشوق ، يعني أن عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال : قيل لأبي عاصم وافد أهل الشام يشتاق إلى الله ، فقال : لا ، قيل : ولم ؟ قال : إنما يشتاق إلى غائب ، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ قلت : سقط الشوق ، وهذا مقام محبوب ، وفي المشاهدة مقامان ؟ مقام شوق ومقام أنس ، فالشوق حال من القلق والانزعاج عن مطالعة العزة ومعاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب بخفايا الألطاف ، وفي هذا المقام الحزن والانكسار ، والأنس حال من القرب عن مكاشفة الحضور بلطائف القدرة ، ففي هذا المقام السرور والاستبشار ، وقال ضيغم : عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلا ، وعجبت لهاكيف أنست بسواك ، وقال الجنيد : علامة كمال الحب دوام ذكره في القلب بالفرح والسرور والشوق إليه والأنس به ، وأثرة محبة نفسه ، والرضا بكل ما يصنع وعلامة أنسه بالله استلذاذ الخلوة ، وحلاوة المناجاة ، واستفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها ، ولا يحمل هذا على الأنس بالخلق ، فيرتب على مدراج المعقول ، كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول ، لأنه حال منها ، أو إنما هو طمأنينة وسكون إليه ، ووجد حلاوة منه ، واستراحة وروح بما أوجدهم ، وقد أنكر الأنس من لا مقام له فيه ، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها لأنه تخيل فيه محبة المخلوق ، وتمثل لها صفاتهم ، فقال : لا يعرف المحبة ولا يعقلها إلا لمخلوق وليس إلا الخوف والهيبة ، وممن ذهب إلى هذا القول : أحمد بن غالب المعروف بغلام خليل ، أنكر على الجنيد وأبي سعيد والثوري كلامهم في المحبة ، وليس هذا مذهب السلف ولا طريقة العارفين ، كتب عامر بن عبد الله إلى بعض إخوانه : آنسك الله بنفسه ، وقيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل : من أين أقبلت ؟ قال : من الأنس بالله وأنشدونا لبعض العارفين : الأنس بالله لا يحويه بطال . . . وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب . . .

قسم V02/P104–V02/P105

وكلهم صفوة لله عمال وقد روينا في التفسير عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله عز وجل : ( الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله ) الرعد : 28 ، قال : هشت إليه وأنست به ، وفي مقام الأنس يكون التملق والمناجاة ، ومعه تكون المحادثة والمجالسة ، ومعنى من البسط ، ولا يحب الله تعالى هذا النوع من الإدلال إلا ممن أقامه مقام الأنس ، ولا يحسن ذلك إلا منهم لنحو قول موسى عليه السلام في مقام الأنس : يا رب لي ماليس لك ، قال : وماهو ؟ قال : لي مثلك وليس لك مثل نفسك ، قال : صدقت ، معنى قوله : مثلك أي لي أنت كقوله تعالي : ( ليس كمثله ) الشورى : 11 ، معناه ليس كهو شيء لأنه لا مثل له ، فيكون لمثله مثل إذ لا يكون لمثله مثل ، والعرب تعبر بالمثل عن نفس الشيء وفوق هذا من البسط ما أخبر الله تعالى عنه أنه قال مواجها للجليل العظيم : إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ، وأعظم من هذا قوله : اذهب إلى فرعون ، فقال مجيبا له ، فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب ، ومثله قوله : إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري فحسن هذا منه ، لأنه أقامه مقام البسط بين يديه والأنس به ، ولأن مكانه لديه مكان محبوب ، فأدل به عليه فحمله ذلك ، وهذا من غير موسى في غير هذا المقام من سوء الأدب بين يدي المرسل ، ولم يحتمل ليؤنس عليه السلام خاطرا من هذا القول لما أقيم مقام القبض والخوف ، حتى عوقب بالسجن في بطن الحوت في البحر ، في ظلمات ثلاث ، ونودي عليه إلى يوم الحشر ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، وقيل : عراء القيامة ، ونهي الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به في القول والفعل فقال تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادي وهو مكظوم ) القلم : 48 ، وقد قال تعالى : ( منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ) البقرة : 253 ، واحتمل لإخوة يوسف ما عزموا عليه واعتقدوه وما فعلوه وما أسروه من قولهم : اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم إلى نحو ذلك من الكلام والفعال ، ولقد عددت من أول قولهم ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشر من أخباره عنهم في قوله ، وكانوا فيه من الزاهدين نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض ، قد يجتمع في الكلمة الواحدة الأربعة والخمسة من الخطايا ، ودون ذلك وفوقه بدقائق الاستخراج ومعرفة خفايا الذنوب ، فغفر لهم ذلك إن كانوا في مقام محبوبين ، ولم يحتمل لعزير مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ديوان النبوة ، وقد قال الله تعالى فوق ذلك كله : ( ثم اتخذتم العجل من بعده ) البقرة : 92 ، ما جاءتكم البينات فعفونا عن ذلك ، فإن شاء أن يعفو عفا عن العظائم فلم يعظم عليه شيء ، وإن شاء طالب وناقش على الصغائر ، ولا تصغر الذرة والخردلة عن مطالبته ، وكيف يصغر ذنب ممن واجه به الملك الجبار ؟ ألا ترى من كشف عورته بين يدي نبي كفر لانتهاك حرمة النبوة فكيف بالعظيم الأكبر لولا فضله ورحمته ؟

قسم V02/P105

وفي قوله سبحانه : ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) آل عمران : 129 ، قيل : يغفر لمن يشاء على الذنب العظيم ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير ، وقيل : يشترك الجماعة في المعصية فيغفرها لبعضهم ويبدلها حسنات ، فلا تضره بل تكون عاقبتها ما يسره ، ويعذب البعض بذنبه ولا يغفر له ، وقد لا ينفعه معه عمل لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون له الخلق والأمر ، يحكم بأمره في خلقه ما يشاء ، كيف شاء ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، واحتمل لآصف بن برخيا فوق ذلك كله ، يقال : إنه كان أحد المسرفين ، ولا يصلح أن تذكر ذنوبه لمكان علمه ولحسن عطف الله عليه ، ثم تداركه مولاه ، واجتباه ، وأعطاه العلم والفضل ، وأيد به نبيه وخليفته ، وجعله وزيره ، وأطلعه على الاسم الأعظم بعد ما كان منه ما يتعاظم لئلا ييأس محب من عطفه ، ولكيلا يقنط متحجب من لطفه ، ولم يسمح لبلعم بن باعوارء بذنب واحد من ذنوب آصف بن برخيا إلا إن بلعم أكل دنياه بدينه وأدخل الهوى على العلم فضل بذلك وهلك واشتد مقت الله له ، وآصف كانت معاصيه في جوارحه بينه وبين خالقه ، فكان آصف مستبدلا به من بلعم لما أري تلك الآيات ، فانسلخ منها بعد العبادات ، إذ لم يرد بحقائقها والنيات فيه ، ويقال : إنه أوتي الاسم الأعظم المتصل بكل المتصلة بكان ، وقد قيل : كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات فسكن إلى الدنيا وهوى في الهالكات ، ولم ينفعه ما كان منه من العبادة والزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره ، ولئلا يدل عالم عليه بما أظهره ، وكان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات لأنه بوصف مراد وفي مقام محبوب ، هذا بحضرة نبي الله وخليفته في الأرض سليمان عليه السلام . ، وقد قيل : كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات فسكن إلى الدنيا وهوى في الهالكات ، ولم ينفعه ما كان منه من العبادة والزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره ، ولئلا يدل عالم عليه بما أظهره ، وكان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات لأنه بوصف مراد وفي مقام محبوب ، هذا بحضرة نبي الله وخليفته في الأرض سليمان عليه السلام .

قسم V02/P105–V02/P106

فأما قصة بلعم فهي أشهر من أن نذكرها ، ولها مقدمات فيها قصص وإطالة لا نشتغل بذكره ، ولكن نذكر بعض ما انتهى إلينا من قصة آصف ، وليس كل أحد على قصته يقف ، حدثونا أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام : يا ابن رأس العابدين ويا ابن محجة الزاهدين ، إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عنه مرة بعد مرة ، فوعزتي وجلالي لئن أخذته عطفة من عطفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده ، قال : فلما دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى الله إليه ، فخرج حتى علا كثيبا من رمل ، ثم رفع يديه نحو السماء وهو يقول : إلهي وسيدي أنت أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن فأوحى الله إليه : صدقت أنت أنت وأنا أنا أستقبل التوبة إلي فقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم ، وهذا كلام مدل به عليه ، وهارب منه إليه ، ومتملق له منه ومن إدلال المحبوبين من المستأمنين مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله كليمه أن يسأله أن يستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، واستسقي لهم موسى في سبعين ألفا ، فأوحى الله إلى موسى كيف أستجيب لهم ، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم وسرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ، ارجع فإن عبدا من عبادي يقال له برخ قل له يخرج حتى أستجيب له ، فسأل عنه موسى فلم يعرف ، فبينا موسى عليه السلام ذات يوم يمشي في طريق فإذا بعبد أسود استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله فسلم عليه وقال : ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ قال : فأنت طلبتنا منذ حين ، اخرج فاستسق لنا ، قال : فخرج فقال في كلامه : ماهذا من فعالك وما هذا من حلمك ، فما هذا الذي بدا لك ؟ أنقصت عليك غيوثك ، أم عاندت عن طاعتك الرياح ، أم نفد ما عندك ، أم اشتد غضبك على المذنبين ، ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة ، وأمرت بالعطفة فتكون لما تأمر من المخالفين ، أم ترينا إنك ممتنع ، أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب ، قال : فرجع برخ ، قال : ففي هذا ذكري الراجين ، وأنس المشتاقين ، وطمع للعالمين ، وتحبب إلى المطيعين ؛ هذا كما قال بعض العارفين : الحبيب لا يحاسب والعدو لا يحسب .

قسم V02/P106–V02/P107

وروي عن الله سبحانه أنه أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة : كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم ، وقد اشترك عبدان في اسم المعصية ثم تباينا في الاجتباء والعصمة ؛ آدم عليه السلام وإبليس لعنة الله عليه ، ثم اجتبى آدم وهذا لما سبق له من الاصطفاء والكلمة الحسنى ، وإبليس أبلس من رحمته وأغوى لما سبق له من الشقوة والكلمة السوء ، وقد عاتب الله نبيه على الإعراض عن عبد ، وكره له الإقبال على عبد فقال تعالى : ( وأما من يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ) عبس 8 - 9 - 10 وقال تعالى في الأخرى : ( أما من استغنى ) ( فأنت له تصدى ) ( وما عليك ألا يزكى ) عبس : 5 - 6 - 7 ، وربهما واحد ، وبمثله أمره بالإقبال والسلام على طائفة ، وأمره بالإعراض وترك القعود مع طائفة فقال تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) الأنعام : 45 ، ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) الكهف : 82 ، ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) الأنعام : 68 ( وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) الأنعام : 68 وكلهم عبيد لواحد ومثل المحبوب من المحب مثل مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم من مقام موسى عليه السلام ، قال موسى : رب اشرح لي صدري ، وقال لمحمد : ألم نشرح لك صدرك ؟ وقال موسى : واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ، وقال لمحمد : ورفعنا لك ذكرك ، أي تقرن بي في الشهادة والآذان ، لا أوازرك بغيري لأنك من أهلي ، والوزير القرين والظهير ، أي فأنت من أهلي فقد وزرتك وقرنتك بذكري ، فأنا ظهيرك ومعينك لا أشد أزرك بغيري ، فأشبه هذا ما رويناه عن ليث عن مجاهد في قوله عز وجل : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) الإسراء : 79 قال يقعده على العرش فكان العرش مكان الربوبية بمشيئته في الدنيا وهو مستغني عنه بقدرته ، فوهبه لحبيبه في الآخرة فجعله مكانه تفضلا له وتشريفا ، ليكون هناك فوق المرسلين في الجلالة ، كما كان ههنا آخرهم في الرسالة ، وقال لموسى عليه السلام بعد المقام : قد أوتيت سؤالك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى ، ففي هذا تحديد ، وقال لمحمد عليه السلام بعد المقامات وقل : رب زدني علما فلم يحد له حدا ، فهذا غاية المزيد .

قسم V02/P107–V02/P108

وقال موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك أي في محل العبودية ، وقال لمحمد عليه السلام : ما زاغ البصر وما طغى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ؛ أي مكان الربوبية ، فبين المحب والمحبوب في التقليب ، كما بين موسى ومحمد عليهما السلام في التقريب ، كم بين من رأى ما رأى عند نفسه في مكانه وبين من رأى ربه في علوه ، كم بين من عجل إليه شوقا منه ليرضى عنه وبين من عجل به شوقا إليه ليرضاه إليه لرضاه عنه ، كم بين من رأى ما رأى فلم يثبت ، ففاضت عليه الأنوار لضيقه ، وبين من رأى ما رأى فثبت له وغاضت فيه الأنوار لسعته ، فقد جاوز المحبوب مقام المحب في التمكين ، كما جاوز محمد صلى الله عليه وسلم مقام موسى عليه السلام في المكان أدخل بينه وبين موسى لام الملك وأقام محمدا مقامه في الملك وقال تعالى لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) طه : 41 وقال لمحمد : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : ، 1 ، فكم بين من صنعه لنفسه وبين من جعله بدلا من نفسه تفضلا وتعظيما ، كم بين من فصل مدحه من وصفه وبين من وصل مدحه بوصفه ، فقال تعالى في الفصل : ( وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) طه : 39 وقال في الوصل : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ) الفتح : 9 الآية ، وقال في مثله : والله ورسوله أحق أن ترضوه ، وقد قيل في قوله تعالى : ( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) الاعراف : 144 أي خذ ما آتيتك من الكلام فتلا : واصطفيتك به على الناس ، فاشكر عليه والنظر فقد خصصت به محمدا ، وعن ابن عباس وكعب أن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فأعطى موسى الكلام وخص محمدا بالرؤية ، ومما يؤيد هذا القول أن الذي آتاه الكلام هو الذي ثبت له فدل أنه هو الذي أريد به لأن الله تعالى إذا أراد عبدا بشيء ثبته فيه وقواه عليه ، وقد ثبت محمدا لما آتاه من الرؤية وقواه لها ومكنه فيه ، لأنه أراد بها ، ومن وصف مقام المحبوب ما قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : صف لنا أصحابك ، فقال : عن أيهم تسألون ؟ قالوا : عن سلمان ، قال : أدرك علم الأول والآخر ، قالوا : فعمار ، قال : مليء إيمانا إلى مشاشه ، قالوا : حذيفة ، قال : صاحب السر أعطى علم المنافقين ، قالوا : فأخبرنا عن نفسك فقال : إياي أردتم بهذا كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتدأت ؛ فهذا مقام محبوب ، لأنه إذا سأل سمع منه فاستجيب له ، وإذا سكت نظر إليه فعطف عليه ، وقد روينا عنه من أحب من لا يعرف فإنما يمازح نفسه ، أي من لا يعرف صفات حبيبه وأخلاقه وأفعاله وأحكامه فيحبه بعد خبره فيسارع إلى مرضاته ويجانب مكارهه فإنما يمازح نفسه ؛ أي يلهو بها ويلعب ليس فيه شيء من حد المحبين ولا حقيقة العارفين إذا لا يأمن انقلاب محبته لتقليب أفعال محبوبه ، ولا يأمن تغيير حبه لابتلاء حبيبه واختلاف أحكامه فكأنه كان مازحا بحبه لا محقا به ، وفي مثل هذا المقام من جهل المحبين بأفعال المحبوب اغترار عظيم .

قسم V02/P108–V02/P109

ومن المحبة كتمان المحبة إجلالا للحبيب وهيبة له وتعزيزا وتعظيما له وحياء منه ؛ وهذا وصف المخصوصين من عقلاء المحبين وهو من الوفاء عند أهل الصفاء ، إذ كانت المحبة سر المحبوب في غاية القلوب ؛ فإظهارها وابتذالها من الخيانة فيها وليس من الأدب ولا الحياء النسبة إليها ولا الإشارة بها ، لأن في ذلك اشتهارا فتدخل عليه دقائق الدعوى والاستكبار ، وقد قال بعض العارفين : أبعد الناس من الله أكثرهم إشارة به هو الذي يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التزين والتصنع بذكره عند كل أحد هذا ممقوت عند المحبين لله والعلماء به . دخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلي ببلاء يجل عن الوصف فقال ذو النون ، لا يحبه من وجد ألم ضربه ، فقال الرجل : لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضربه ، فقال ذو النون : لكني أقول : لا يحبه من شهر نفسه بحبه ، فقال الرجل : أستغفر الله وأتوب إليه ؛ وهذا كما قال ذو النون هو من علامة الإخلاص في المحبة إذ كانت أعمال القلوب ، فوجود الإشفاق والحذر من إظهارها خشية السلب والاستبدال ، وخوف المكر والاستدراج علامة التحقق بها ودفعها عن النفس ، وسترها عن أبناء الجنس ، وترك التظاهر بها علامة الظفر بها ، لأن المحبوب غيور ، وغيرته على نفسه وعلى ظهور محبته أشد من غيرته على إظهار محبته ، وغيرته على إظهارهم لغير أبناء جنسهم أشد من غيرة جميع محبيه عليه ؛ وهذا كلام على عالم صاح في مقام صحو مكين ، فأما السكرن بحاله والولهان بوجده فمغلوب ، والمغلوب معذور ، قال رجل لأبي محفوظ ، وقد رأى من بعض المحبين شيئا استجهله فيه فأخبر معروفا بذلك فتبسم ثم قال : ياأخي له محبون صغار وكبار ومجانين وعقلاء ، فهذا الذي رأيته من مجانينهم ومن المحبة كتمان بلاء الحبيب بعد الرضا به لأن ذلك من السر عنده وحسن الأدب لديه ، وعوتب سهل في العلة التي كانت به علة مهولة كان يداوي الناس منها ولا يداوي نفسه فقيل له في ذلك فقال : ضرب الحبيب لا يوجع ، وكان حينئذ يقول : من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها عند نزول البلاء ، إذ هو لطف من مولاه وفيه الغربة إلى محبوبه وقلة التأذي بكل بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه ، وقد كان بعض المحبين يقول : أصفى ما أكون ذكرا إذا ما كنت محموما ، وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في المحبة عند بعض المحبين فقال له المحب : أرأيت هذا الذي تذكر محبته أهممت بسواه قط ؟ قال : نعم ، قال : فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا ؟

قسم V02/P109–V02/P110

قال : لا ، قال : لولا أني أستحي لأخبرتك أن محبتك معلولة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في ليلتك ، ثم قال : لكني لا أدعي محبته وعلى ذلك ما اهتممت بسواه مذ عرفته ، وربما رأيته في ليلة سبع مرار ، وذكر بعض المحبين ممن كان بدلا عن إبراهيم بن أدهم ممن تكلم في علم طريقه ووصفه حاله وذكر القصة بطولها قال : رأيت الله عز وجل مائة وعشرين مرة وسألته عن سبعين مسألة أظهرت منها أربعة فأنكرها الناس فأخفيت الباقي ، وفيما ذكر من وصف المحب كفاية وغيبة عن وصف المحبوب وليس يمكننا وصف المحبوب إذ كان حاله يجل عن الوصف ، وكيف يوصف من يسمع ويبصر من يحبه ويبطش ويعقل عن محبوبه فيكون هو سمعه وبصره وقلبه ويده ومؤيده ، كما جاء في الخبر : إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، وقلبه الذي يعقل به ، وإن سألني أعطيته وإن سكت ادخرت له ، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم ؛ فهذا كله في مقام محبوب ، ويقال : إن هذه الآيات والقدر من سرائر الغيوب وخفايا الملكوت التي تسميها العامة المعجزات والآيات وتسميها العلماء الكرامات والإجابات ؛ وهي آيات الله في أرضه مودعة وقدرته في عباده جارية ، وعنايات له في ملكه مستقرة ، ليس للعباد منها إلا كشفها ونظرهم إليها إذا أقيموا مقام الأنس من مقام محبوب ، ويقال : إنها توجد في المقام السابع عشر من مقامات المعرفة ، إذا أقيم العبد هذا المقام في المعرفة يؤدي بها ظهرت له وفوقها ثلاثة وثمانون مقاما من مقامات العارفين ، أفضل من ذلك ، ويقال : إنها لا تكون لأبدال المرسلين من الصديقين ، وإنما يعطاها أبدال النبيين من الصالحين ، فأبدال المرسلين فضلهم على أبدال النبيين كفضل المرسلين على النبيين وكفضل الصديقين على من دونهم من الصالحين ، كيف وقد قال بعض العلماء : ما رأيت هذه الكرامات أظهرت إلا على أيدي البله من الصادقين . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من يدخل الجنة من أمتي البله ، وعليون لذوي الألباب ، فأولو الألباب هم المواجهون بالخطاب ، الشهداء عليه ، المستحفظون للكتاب ، كما قال تعالى : ( بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) المائدة : 44 ، والعامة يحسبون أنها من أعلى مقامات المعرفة فجميع تلك الأسرار من الغيوب التي تكنها الحجب والأستار لا يظهر عليه إلا مطلوب ، والمطلوب عن نفسه مسلوب ، فمن بقيت عليه من نفسه بقية ، أو نظر إلى حركته وسكونه بعينه نظرة خفية فسترها عليه رحمة له ، لأنه لو كوشف هلك في حيرة الهوى ، وغرق في بحر الدنيا ، ونفس حبه لها ، وعين طلبه إياها هو حجابها عنه واستثارها منه ، حتى يكون كارها لظهورها كراهته لظهور الخلق عليه في معصيته ، وخائفا منها خيفته من نفسه في تظاهرها عليه بهلكته ، فإذا بقي بباق وحي بحياة حي صرفا منه وصرفا عنه بلا طلب ولا نظر ولا سبب ولا فكر ، أدى لعجائبه ، وفتح له كنوز غرائبه ، ويفعل الله ما يشاء . وقال بعض العارفين ممن يكشف عن مشاهدته : عبدت الله ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود ، واستفراغ الطاقة ، حتى ظننت أن لي عند الله شيئا ، فذكر أشياء من مكاشفات السموات في قصة طويلة قال في آخرها : فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت : ما أنتم ؟

قسم V02/P110–V02/P111

قالوا : نحن المحبوب لله نعبده ههنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ماخطر على قلوبنا قط طلب لسواه ولا ذكرنا غيره ، قال : فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنهم في جهنم ، وقال بعض العلماء : كل مقام أعبر عنه إلا مقام المحبة ، قيل : ولم ؟ قال : لأن الشيء يعبر عنه بألطف منه ولا شيء ألطف من المحبة ، وقيل لمعروف : أخبرنا عن المحبة أي شيء هي ؟ قال : ياأخي ليس المحبة من تعليم الناس ، المحبة من تعليم الحبيب ، وقد كان الحذاق من العلماء لا يخبرون بحقائق أربع مقامات ؛ حقيقة التوحيد ، وحقيقة المعرفة ، وحقيقة المحبة ، وحقيقة الإخلاص ، وقال بعض العارفين : كل المقامات عن أنوار الأفعال والصفات ، إلا المحبة فإنها عن نور حقيقة الذات ، فلذلك عز وصفها ، وعزب علمها ، وقل من المؤمنين المتحقق بها ؛ وذلك أنها سر كالمعرفة إذا ظهر المحبوب أحببته كما إذا رأيت المعروف عرفته ؛ وذلك متعلق به وهو الظاهر لظاهر المعرفة والمحبة الباطن لباطن المحبة ، والمعرفة عن وصف باطن ، ومن أدرك مقام المحبة لله لم يضره فوت شيء من المقامات ، ومن فاته المحبة لم يغبط بدرك شيء ، وقد قيل في قوله عز وجل : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) الطلاق : 3 ، إن الهاء عائدة على التوكل أي فالتوكل حسبه من جميع المقامات والتوكل حال من مقام المحبة . وقد قال الله تعالى : ( ورضوان من الله أكبر ) ، والرضا مقام من المحبة فقد جلت المحبة أن توصف ودقت عن العلوم بالعقول أن يعرف مثلها مثل العلم بالله ؛ فكذلك أي قلب أجل من قلب يكون محبوبه الله ، ولا أعلم من معلومه الله ، وقيل : إن للقلب حبة هي باطنه عليها يتعلق ، المحبة ، ومنه سميت محبة ؛ كان اشتقاقه من حبة القلب وهي التي يقال لها سويداؤه ، والميم في الأسماء قد تزاد للمبالغة في الوصف ، ومن هذا قول الله عز وجل : ( قد شغفها حبا ) يوسف : ، 3 لما وصفها بنهاية الوصف في الحب ؛ أي قد خرق حبه شغاف قلبها فوصل إلى حبة القلب ، وخرق الشغاف وهو حجاب القلب ، وحبا منصوب على التفسير كأنه قيل : قد شغفها أي خرق شغافها ، فقيل : ماذا ؟

قسم V02/P111–V02/P112

فقيل : حبا ، فالحب إذا وصل إلى هذا الموضع من العبد لم يملك المحب نفسه ، ففرغ قلبه له ، وامتلأ به ، ولم يجر على ترتيب ما رسمناه ، وربما خرج إلى الوله والاستهتار وجاوز معيار العقل في التصريف والأذكار ، والعرب تقول : قد دمغه وأرأسه وقاده وركبته ، كذلك قولهم أشغفه إذا أصاب شغاف قلبه فهتك حجابه وقد قرئت بالعين ، ومعنى قد شغفها بلغ أعلى القلب ونهايته لأن الشغف أعلى كل شيء وأبعده ، فالمعنى ذهب به الحب أقصى المذاهب وغايته ، فحينئذ يملكه الحب فيكون أسيره ، ويغلب عليه الحبيب فيصبر مأسوره فيحكم عليه ولا يجاوز ، ويفرغ له قلبه من كل شيء رسمه ، ويمتلئ به فلا يبقى فيه شيء رسمه ، ولا يقدر على الكذب لظهور سلطان قهر الحب ، فحينئ يكشف قناعه ويرسل عذاره فيه ويصفه الحب بالحب وهو صامت بخيفة المحب إلا لمن أحب ، وهو ظاهر ، وليس يكون هذا إلا في مقام شكر وحال عليه ، فمن لم يعرف هذا المقام أنكر هذا الكلام إلا أن يربط قلبه بتأبيده ويحفظ سره بتمكينه كما قال تعالى : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ) القصص : 10 أي من المصدقين إنا نرده إليها ولا تظهر أنه ابنها فيقتل ، وكما لطف للفتية الذين آمنوا وهم أصحاب الكهف لما غلب حب الإيمان على قلوبهم ، إذ قاموا فقالوا : ربنا رب السموات والأرض لئلا يظهروا إيمانهم لما غلب حبه عليهم فيقتلوا ؛ فهذه لطائف الحكيم وخفي صنع العليم ، فالمحبون له حافظون للغيب بما حفظ ، وقال سمنون لبعض الفقراء في قصة ذكرها يفرح بحبه ويذكر المحبة ، وقال بعض الناس في وصف المحبين أقامهم مقام المحبة فلم يزن الملك في قلوبهم حبة فمحبة غير الله في محبة الله شرك عند المحبين ؛ وهي خيانة عند بعضهم ، وهو من نقض العهد وقلة الوفاء بالعقد . وقال سهل : من أحب الدرهم لا يحب الآخرة ، ومن أحب الخبز لم يحب الله عز وجل ، ولا يخرج حب الوالد والولد المحبين من المحبة ، لأن ذلك جعل الله في القلوب نصيبا لهم ولا يخرجه أيضا حب الزوجة بمعنى الرفق بها والرحمة لها ، ولا يخرجه أيضا حب مصالح الدنيا من حاجات الأقسام والقلوب مما لا بد منه ، وليس ذلك كله يكون في مكان محبة الله ، لأن محبة الله في أنوار الإيمان ، ومحبة هذه الأشياء في مكان العقل ، هكذا عندي في الفرق بين محبة الله ومحبة المخلوق ، ويخرجه جميع ذلك عند بعض المحبين من السلف ، فأما الاشتغال بهده الأشياء بالإيثار لها على التفرغ لمرضاة الله والإنحطاط في أهوائها دون محبة الله فإن ذلك يخرجه عند الكل وعندي يخرج العبد من حقيقة المحبة السكون إلى غير الله ، والفرح بسواه ، والحزن على فوت غيره إياه ، وقيل لبعض العارفين من الأبدال : الناس يقولون إنك محب فقال لست محبا المحب متعوب ولكني محبوب وقيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة ، فقال : أنا كل السبعة ، وقال هذا إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا ، قيل : كيف وأنت شخص واحد ؟ قال : لأني قد رأيت أربعين بدلا فأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه ، وقيل له : بلغنا أنك ترى الخضر فتبسم ثم قال : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحجب عنه فلا يقدر عليه ولعمري أن من كان عند الله لم يره بشر ولا ملك .

قسم V02/P112–V02/P113

حدثونا أن الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من الحجاج ، فسعى به فدخل عليه الشرط ، ففزع الحسن وذهب ليتسور الحائط ويهرب ، فقال له حبيب أبو محمد : اقعد حتى نبصر ، فقال : فدخل عليه الشرط فقالوا : أين الحسن ؟ قيل لنا إنه عندك ، فقال : هل ترون شيئا ؟ ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه ، فقال له الحسن : كيف لم ينظروا إلي ؟ قال لأنك كنت عند الله فلم يروك ، ولو كنت عندي لأبصروك ، قال له الحسن : إني قد رأيتك لما دخلوا هممت بشيء ، فهل ذكرت اسم الله الأعظم ؟ قال : لا ، ولكن قلت اللهم اجعله عندك حتى لا يبصروه ، وهذا هو واحد من أصحاب الحسن ، وقد كان الحسن فوقه بدرجات أحوجه الله إليه ، وقيل لأبي يزيد بلغت جبل قاف ؟ فقال : جبل قاف أمره قريب الشأن في جبل كاف وجبل عين وجبل صاد ، قال : وما هذا ؟ قال : هذه جبال محيطة بالأرضين السفلى ، حول كل أرض جبل بمنزلة جبل قاف محيط بهده الدنيا ، وهو أصغرها ، وهذه أصغرالأرضين ، وقد كان أبو محمد يخبر أنه صعد جبل قاف ، ورأى سفينة نوح مطروحة فوقه ، وكان يصفه ويصفها ، وقال لله عبد بالبصرة يرفع رجله وهو قاعد فيضعها على جبل قاف ، وقد قيل : الدنيا كلها خطوة للولي ، وإن وليا لله خطا خطوة واحدة خمسمائة عام ، ورفع رجله على جبل قاف والأخرى على جانب الجبل الآخر ، فعبر الأرض كلها ، وقيل لأبي يزيد : دخلت إرم ذات العماد فقال : قد دخلت ألف مدينة لله في ملكه ، أدناها ذات العماد ، ثم عدد كلها ؛ البيت وتأويل وباريس وجايلق وجابرس ومسك ، ولعل قائلا يقول : فقد قال الله في وصفها : ( التي لم يخلق مثلها في البلاد ) الفجر : 8 ، قيل : فإن معناه في بلاد اليمن لأنهم خوطبوا بما في بلادهم ، كما قال تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) المائدة : 33 ، يعني أرض بلادهم ، فذات العماد مدينة عاد في اليمن بين إبتر والشحر ، يقال : لها سور له ألف باب ما بين البابين ، فرسخ مركبة على أعمدة الذهب والفضة والياقوت والزبرجد ، فيها مائة ألف عمود من ذلك ، كانت الجن اصطنعتها لعاد بن شداد بن سام بن نوح ، استخرجت الجن هذه العمد من قعور البحار والقفار ، وكانت سخرت الجن له قبل سليمان بن داود بأربعة آلاف عام ، تجتمع في يهذه المدينة طائفة من الأبدال ليالي الجمع وفي الأعياد ، يقال : فيها صناديق من حجارة ، طول كل صندوق عشرة أذرع ، فيها قبور الأنبياء ؛ أجسادهم صحيحة باقية إلى يومنا هذا ، وهي محجوبة عن أبصار العباد ، وقد كان سهل رحمه الله يزورها في كل جمعة ، وهذا واحد من المحبوبين وهذه آيات يسيرة من قدرة الله الكبيرة .

قسم V02/P113–V02/P114

وقيل لهذا العبد : حدثنا عن مشاهدتك من الله ، فطاح ثم قال : ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك ، قيل : فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله ، فقال : وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه ، قيل : فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتها ، قال : نعم ، دعوت نفسي إلى الله في بعض الأمور فتلكعت علي ، فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق الغمض سنة ، فوفت لي بذلك ، وحكى عنه بجير بن معاذ في بعض مشاهداته أنه رآه من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر مستوفزا على صدور قدميه ، رافعا أخمصها وعقبيه على الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لا يطرف ، قال : ثم سجد عند السحر ثم قعد فقال : اللهم ، إن قوما طلبوك فأعطيتهم طي الأرض فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك ، وإن قوما طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والهوى فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك ، وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فانقلبت لهم الأعيان فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك ، حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء ، قال : ثم التفت فرآني ، فقال يحيى : قلت نعم ياسيدي ، قال : منذ متى أنت ههنا ؟ قلت : من صلاة العشاء ، فسكت فقلت : ياسيدي ، حدثني بشيء فقال : أخبرك بما يصلح لك ، أدخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلي ، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى ، ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش ، ثم أوقفني بين يديه فقال لي : سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك ، فقلت : ياسيدي ، مارأيت شيئا أستحسنته فأسألك إياه ، فقال : أنت عبدي حقا ، تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك ذكر أشياء ، قال يحيى بن معاذ : فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه ، فقلت : ياسيدي ، ولم لاسألته المعرفة به ، وقد قال : سلني ماشئت ، فصاح في صيحة وقال : اسكت ، ويلك غرت عليه مني ، وقد كان أبو تراب النخشبي رحمه الله معجبا ببعض المريدين ، فكان يؤويه ويقوم بمصالحه ، والمريد مشغول بعبادته ومواجيده ، فقال له أبو تراب يوما : لو رأيت أبا يزيد ، فقال المريد : إني عنه مشغول ، فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لو رأيت أبا يزيد ، هاج وجد المريد فقال : ويحك ماأصنع بأبي يزيد ، قد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد ، قال أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت له : ويلك لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة ، كان أنفع لك من أن ترى الله عز وجل سبعين مرة ، فبهت المريد من قولي وأنكره وقال : وكيف ذلك ؟ فقلت له : ويلك ، إنما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره ، قال : فعرف ما أقول فقال : احملني إليه ، فذكر قصة قال في آخرها : فوقفنا على تل ننتظره يخرج إلينا من النهر ، قال : فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره ، فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه قال : فنظر إليه الفتى فصعق ، فحركناه فإذا هو ميت ، قال : فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد : ياسيدي ، نظره إليك قتله ؟

قسم V02/P114–V02/P115

قال : لا ولكن كان صاحبك صادقا وأسكن قلبه سر لم يكن ينكشف له بوصفه ، فلما رآنا كشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك ، فهذه جمل من أوصاف المحبوب المزاد ، ورزق بغير حساب من المحب الجواد ، بتيسير من الطالب للمطلوب وعناية من المحب للمحبوب ، ومقام الحبيب أعز من أن يظهر وأخفى من أن يعرف ، غيرة من عليهم سترهم بأفعالهم وضنا منه بهم حجبهم بأوصافهم ، أهل المقامات يشتاقون إليه وهو يشتاق إليهم ، وأهل القرب ينظرون إليه وهو ينظر إليهم ، وأهل المحبة يحبون أن يسمعوا كلامه وهو يحب أن يسمع كلامهم ، وأهل الأحوال يسألونه وهو حسبهم ويحب أن يسألوه ، وأهل المشاهدات يزورنه وهو في قلوبهم يزورهم ، وأهل الآخرة ينظرون إليه في الآخرة وهو ينظر إليهم في الدنيا ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء كما ذكرنا في قصة داود الملك الرسول ؛ إذ أرسله الملك الجليل إلى أحبائه الأربعة عشر الأولياء أن يسألهم أن يسألوه حاجة ، فلما رأوه نفروا منه لئلا يشغلهم عنه ، فذكرناها قبل هذا فلا تنكرن من هذا شيئا فإنه يعطي المحبوب في الدنيا أول عطاء أهل الجنة في الآخرة ؛ وهو : كن ، فيزهدون في ذلك لأجل بقائه ويكرهون ذلك لحبه ، قد جاوزوا معارف من سواهم ، فإذا أعطاهم كن أمرهم أن يقولوا : كن في أمر الساعة ولا يقولوا : كن في كشف الغطاء عن النيران والجنان ، وما وراءها من الكون والمكان للعيان قبل اللقاء ، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها مستورة بالصنع للإيقان ، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر والهم ، وسألهم أن لا يظهروا ما في الحكمة والعقل إخفاؤه ، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق ولا يستقيم عليه أمر المملكة ، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير ، وفيه سقوط الأحكام ووقوع الهلكة للأنام ، فإذا رأوا ذلك منه وما قد استثناه عليهم منها استجابوا له أحسن استجابة ، وردوها إليه أسرع مرد وأبلغه في مرضاته ، وهو أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى منها لوجهه ، ورضوا بتصريف قدرته في مجاري حكمته . ن للعيان قبل اللقاء ، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها مستورة بالصنع للإيقان ، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر والهم ، وسألهم أن لا يظهروا ما في الحكمة والعقل إخفاؤه ، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق ولا يستقيم عليه أمر المملكة ، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير ، وفيه سقوط الأحكام ووقوع الهلكة للأنام ، فإذا رأوا ذلك منه وما قد استثناه عليهم منها استجابوا له أحسن استجابة ، وردوها إليه أسرع مرد وأبلغه في مرضاته ، وهو أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى منها لوجهه ، ورضوا بتصريف قدرته في مجاري حكمته . وهذا غاية الجهد ونهاية الزهد والحب ، فيشكر لهم ذلك أحسن شكر ويدخر لهم عنده أفضل ذخر ، ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال ، اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا : لو سألت الله عز وجل في هذا الأمر ، ولو دعوت ، فسكت ثم قال : لله تعالى عباد في هذه البلدة ، لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة ، ولكن لا يفعلون ، قيل : ولم ؟

قسم V02/P115

قال : لأنهم لايحبون ما لا يحب ، ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا نستطيع ذكرها ، حتى قال : لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها ، واعلم أن العبد إذا بلغ من الله تعالى هذا المكانة حتى يعطيه كن اقتضته الحال أن يقول : وفقني لما تحب واعصمني مما تكره ، فإني بشر جاهل لا أحسن التدبير ولا أعرف المقادير ولا علم لي بعواقب الأمور ، وأخاف أن يكون في قولي تفاوت وفي إرادتي اضطراب ، وإذا أجابه تعالى إلى ذلك ، سكت فلم ينطق وسلم ، ورضي بالتدبير فأطرق لأن الذي يحب الله تعالى يحب أن تكون الأمور على ماهي عليه ، لأنها عن تدبير يظهر بمعاني الخير والشر لأنه تولى التدبير بنفسه كما استوى على العرش بوصفه ، ولم يجعل على العباد تدبير الملك إنما جعل عليهم الصبر والرضا للملك ، فمرجع العبد إلى الصمت والأدب في نفوذ المراد كما كان ، وترك العبد الفضول والاعتراض وحصل له مقام التوكل والرضا ، ولذلك كان أبو محمد رحمه الله تعالى إذا قيل له : مامراد الله تعالى من الخلق ؟ يقول : ماهم عليه ، فكيف تريد ما لا يريد وهو محب لصفاته التي عنها تظهر المرادات ، ومنها تبدو الأحكام ، ولا بد مما يكون كما لابد مما كان ، وكن منطو تحت كان ولولا كان لم يكن ، فكان أحب إليهم من كن لأن له ولهم مثل كن أمثال وليس لهم ولا له مثل كان مثل ، فهؤلاء هم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، وهم المحبون لله من عباده الزاهدون في ملكوته لوداده ، وكذلك صنعوا مثل هذا فيما استخلفهم فيه من الأموال لما سمعوه يقول : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فأخرجوا الكل لأجله ، فكان هو خلفا لهم بعد أن كانوا وكلاء ؛ فإذا قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل يقول الله تعالى لهم فانقلبوا بنعمة الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله رضي الله عنهم ورضوا عنه لأنهم عملوا بما قالوا ، فتحققوا بالإيمان ، وقيل : إن الإيمان قول وعمل ، ولا ينوب القول عن العمل ، وإذا قالوا : إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى : صدقتم لأنهم لا يخدمون ولا يذلون لسواه ، ولا يعدون للنوائب إلا إياه ، ولا يستعينون بغيره ، ولذلك صاروا صديقين لتصديق الصادق لهم ، كما بلغنا أن العبد ليقرأ قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ولو كنت إياي تعبد لم تخف ولم ترج سواي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى مالك وأهلك ، وكذلك بلغنا أن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلي عليه حتى يفرغ منها ، إذا عمل بها فهذا صديق ، وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها ، إذا لم يعمل بما يقول فهذا كذاب ، فأين الإيمان ؟

قسم V02/P115–V02/P117

ولا إيمان إلا بعمل فليس هذا مؤمنا حقا ، فالأولياء حققوا القول بالعمل ، وشهدوا الإيمان باليقين ، فإذا قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر توكلوا عليه ورضوا عنه وتألهوا إليه ، ولم يكن في صدورهم غيره فيقول الله تعالى : صدقتم ، فيكونون صديقين كما يقول للشيء : كن فيكون ، فتدبروا فإذا قال : ونعم الوكيل ، قاموا مقام التوكل فصار لهم في الصدق مقامات ، يقول الصادق : صدقتم ، فيكونون صديقين ، فيقول : عبادي ، أنتم خيرتي من ذوي ودادي ، وأنا وكيلكم رضيتم بي وأنا حسبكم ، فهؤلاء الذين انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله فأعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة والفضل والتوكل عليه وصرف السوء واتباع الرضا برضاهم عنه رضي الله عنهم ، فالحبيب يعتذر له ، والعدو لا يقبل عذره ، والمحبوب لا يحاسب ، والمبغض لا يحسب له ، وقد قال بعض الأدباء في معناه : من لم يكن للوصال أهلا . . . فكل إحسانه ذنوب وقال آخر في وصف آخر : في وجهه شافع يمحو إساءته . . . من القلوب ويأتي بالمعاذير وأنشدت لبعض المريدين المتحققين : أني جعلت منظري في مهجتي . . . وجعلت ودك لي إليك شفاعة ولو إن وقتا منك بالدهر كله . . . لكان قليلا ألف عام بساعة فليتق الله تعالى عبد لم يطلعه الله عز وجل على ماذكرناه ، فيزهد فيه ويعلو همه عنه بمشاهدة قدرة عظيمة ، ومعاينة آيات كثيرة ظاهرا وباطنا ، أن يدعى المعرفة أو يتوهم المحبة فما عنده منها إلا أماني وغرور وظنون وزور ، والله تعالى يعطي قوما الظنون كما يعطي أولياءه اليقين ، ويعطي قوما المزورات لعلل القلوب كما يعطي أحباءه المحققات في مقام محبوب ، بآيات بينات وشواهد من اليقين ، بإثبات آيات في القرآن وآيات الرسول ، ولا يظهرهم على كن حتى ينكشف الكون عن قلوبهم ، وفي الكون ما فيه من نفيس الملكوت وعظيم الرغبوت ، مما لا يصلح ذكره ، واعلم أن آفات النفوس وزينة الملك : حجب قلوب العموم وحظوظ العقل وشهوات الأرواح من رغبوت الملكوت ، حجب قلوب الخصوص وسمو القلب إلى معاني الدرجات التي يشاهدها ، ووقوفها مع خصائص الرحموت والرغبوت التي يطالع بها ، حجب قلوب المحبوبين لأنهم إذا جاوزوا شهوات النفوس ورفعت بحبهم عنه حجب العقول وقعوا في شهوات الأرواح ، فلا يواجهون بالوجه ولا ينظرون إلى الوصف حتى يجاوزوا أيضا شهوات الأرواح وينكشف عنهم أيضا ، حجب الأنوار فيخلفوا الرسم ويغيروا الوسم ، فإذا انكشفت المقامات وانقطعت الفضائل وحققت المطالعات وسقطت المنازل والدرجات ، اصطلم الطالب وغلب المطلوب وفنى الراغب وبقي المرغوب ، أظهر لهم التعلق بالاسم وهو آخر الحجب وأول القرب ، يبتليهم به لينظر كيف يعملون في الوسم ، فعندها حقت كل من عليها فان ويبقى وجه ربك الآية ، وهناك صح له هذا المقام وفي معناه : ظهرت لمن أفنيت بعد بقائه . . .

قسم V02/P117–V02/P118

فصار بلا كون لأنك كنته فهذا مكان وجده بموجوده وقيامه بقيوميته بعد أن كان واجدا بكونه وقائما بقيامه ، وقد كان أبو يزيد يقول : إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين ، فاطلب ما وراء ذلك ، فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة ، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به ، وهذا هو بلاء مثلهم في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، فإذا لم ينظر العبد إلى جميع المطلوب ولم يقف على كون مرغوب أقامه حينئذ مقام محبوب ، فآواه في ظلة وعطف عليه بحنانه ، ونظر إليه بعينه وواجهه بوجهه فتوجه إليه ولم ينتن ، وسارع إلى قربه ولم ين فلم يشهد في وجهه وجها ، ولا رأى في يده يدا ، وقام بشهادته لقيوميته مشاهدا فهذا غاية الطالبين من العارفين ، وقد قال بعض العارفين المحبين : كوشفت بأربعين حوراء ، رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من فضة وذهب وجوهر يتخشخشن ، وتنثني معهن ، فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما ، قال : ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء ؛ فوقهن في الحسن والجمال ، وقيل : انظر إليهن قال : فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر ، وقلت : أعوذ بك مما سواك ، لاحاجة لي بهذا ، فلم أزل أتضرع حتى صرفن عني ، ولله عز وجل مثل هذا العبد في كل قرن وزمان ما يكثر عدده ، متفرقين في أرضه ومنتشرين في بلاده ومخمولين مختبين تحت ستره في عباده ، لا تستطيع العقول حمل وصفهم لضعفها ، ولا يثبت في القلوب حق نعتهم لوصفها أقل مايوصفون به الإخلاص في الحركة والسكون ، وهو أجل ماعندنا ، والإخلاص عند المخلصين خراج الخلق من معاملة الخالق ، فإذا لم يدخلوا كيف يخرجون ؟ وأول الخلق النفس ، فإذا لم يتكدر القلب بها كيف يصفى منها ؟ والإخلاص عند المحبين أن لا يعمل عملا لأجل نفس ، ولا دخل عليه مطالعة العرض والتشرف إلى حظ طبع ، بل للتعظيم ، ولا يشرك محبوبا في حب ذي الجلال والإكرام ولا يعلق قلبه بما يروق نظره من جمال لما ملاه من نهاية الحسن وغاية الجمال ، ولا سبيل إلى هذا إلا بعد معرفته ، ولا معرفة قبل معاينته إذ ليس الخبر كالمعاينة ، ولا معاينة إلا بنور اليقين ، ولا حق يقين بوجود هوى نفس ، فإذا انكشف الحجاب وهوى الهوى طلعت عين اليقين ، فأنوار الصفات من الحسن والجمال والبهاء والكمال ، في عين اليقين عينا بعد عين كنور فوق نور ، إلى نور النور ، والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال ، ومن الإخلاص في الصدق عند الصديقين سؤال الحجبة في قلوب الناس ، كما قال بشر وقد سئل : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟ فقال : كنت أكاتم الله تعالى حالي : معناه أسأله أن يكتم علي ويخفي أمري ، وحدثت أنه رأى الخضر عليه السلام فقال : ادع الله تعالى لي فقال : يسر الله تعالى عليك طاعته ، قال ، قلت : زدني فقال : وسترها عليك ، فقيل في تأويل ذلك معنيان ؛ منهم من قال : وسترها عليك أي يسترك حتى لا تعرف بها كما ذكرنا آنفا .

قسم V02/P118–V02/P119

وقال بعضهم : أراد سترها عنك حتى لا تنظر أنت إليها ، وقال بعضهم : قلقني الشوق إلى الخضر ، فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ، ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي ، قال : فرأيته ، فما غلب على قلبي ولا همني إلا أن قلت له : يا أبا العباس ، علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة ، فلم يكن لي فيها قدر ، ولم يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة ، فقال : قل : اللهم أسبل علي كثيف سترك وحط علي سرادقات حجبك ، واجعلني في مكنون غيبك واحجبني في قلوب خليقتك ، قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك ، قال فما تركت أن أقول هذه الكلمات في كل يوم ، فحدثت أن هذا كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون به في الطريق ، يحملونه الأشياء في الطريق لسقوطه عندهم ، وكان الصبيان يولعون به ، وكانت راحته في ذلك ووجود قلبه به واستقامة حاله عليه ، وهذا طريق جماعة من السلف وحال طبقة من صادقي الخلف ، أخفوا أنفسهم وأسقطوا منازلهم فسموا عقلاء المجانين ، وهذا من الزهد في النفس وحقيقة التواضع ، إلا أنه زهد مجانين الأولياء وتواضع موقني الضعفاء ؛ فالتكبر يكون بثلاثة معان : تكبر على الناس عجبا بالنفس ، وتكبر في قلوب الناس عزة من النفس ، أي يحب أن يكبر في قلوبهم فيكون ذلك تكبرا منه ، وتكبر في القلب عن نظره إلى صلاحه ودينه فيكبر ذلك عنده فيدل به ، ولذلك رآه من نفسه لقصور علم اليقين منه ، وهذا أدق معاني التكبر ولا يتخلص منه إلا صحيحو التوحيد ، صادقو اليقين مخلصو الصالحين ، وأما التكبر الظاهر الذي هو التطاول والفخر والتظاهر ، فذاك جلي وهو من أكثف حجب القلب وأقوى صفات النفس ، فلذلك فزع العلماء من دقائقه لما عرفوه ، فطلبوا القلة والذلة للنفس ليمتهنوها بخفايا التواضع ، لينتفي عنهم دقائق الكبر لتخلص لهم الأعمال ، والتواضع عند المتواضعين هو حقيقة أن يكون العبد ذليلا صفة لا متذللا متعمدا للذلة ، وأن يكون عند نفسه في نفسه وحيدا حقيرا معتقدا لصغره وحقارته في نفسه ، لا متواضعا متكلفا ، وعلامة ذلك أن لا يغضب إذا عابه ونقصه عائب ، ولا يكره أن يذمه ويقذفه بالكبائر ذام ، وبيان ذلك في وجده أن لا يجد طعم الذل في ذلة ولا يشهد الضعة في تواضعه ، إذ قد صار ذلك له صفة ، فمن ذل ووجد ذوق ذله فهو متعمل للتواضع ، ومن تواضع وشهد تواضعه وضعته فهذا متعذر ؛ وهي علامة بقية الأنفة في نفسه لنفسه ، ومتى غضب أو كره ذمه من غيره فهو يفرح ويرضى بمدحه ، فإذا كانت فيه هذه العلامات فهو محجوب عن جميع ما ذكرناه من المقامات ، ومتى ذل نفسه وتواضع عند نفسه فلم يجد لذله ذوقا ولا لضعته حسا فقد صار الذل والتواضع كونه ، فهذا لا يكره الذم من الخلق لوجد النقص في نفسه ، ولا يحب المدح منهم لفقد القدر والمنزلة من نفسه ، فصارت الذلة والضعة صفته لا تفارقه ، لا زمة له لزوم الزبالة للزبال والكساحة للكساح ؛ هما صنعتان لهما كسائر الصنائع ، وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما ، فهذه ولاية عظيمة له من نفسه ، قد ولاه على نفسه وملكه عليها فقهرها بعزه ، وهذا مقام محبوب وبعده المكاشفات بسائر العيوب ، أول ذلك دخول نور الحكمة في القلب وينبوع الحكم من قلبه ، كما روينا أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال : يابني إسرائيل ، أين ينبت الزرع ؟

قسم V02/P119–V02/P120

قالوا : في التراب فقال : بحق أقول لكم : لا تنبع الحكمة إلا في قلب مثل التراب ، ومن كان حاله مع الله تعالى الذل طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارقه العز ساعة تكدر عليه عيشه لأن ذلك عيش نفسه ، وممن روينا عنه اختيار الذل وإسقاط المنزلة والقدر عند الناس ومحو جاهه وموضعه من قلوبهم ، وأظهر على نفسه ألوان معاني الذم أكثر من أن يحصى ، وذكرهم يطول ، وذاك أن حالهم الصدق فتقتضيهم القيام بحكمها فلا بد من قيامهم بمقتضى حالهم . حدثني بعض الأشياخ عن أبي الحسن الكريني أستاذ الجنيد ، أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يرده ، فرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله المنزل في المرة الرابعة ، فسأله عن ذلك ، فقال : قد رضيت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمي له عظم فيجيء وزاد غيره ، وقال : لو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت ، وحدثني شيخ آخر عن أستاذه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح ، فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب فاخر فسرقتها ولبستها ، ثم لبست مرقعتي فوقها ، وخرجت وجعلت أمشي قليلا قليلا ليفطن بي فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب ، وصفعوني وأوجعوني ضربا ، فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام فسكنت نفسي ، وحدثت عن بعض الصوفية أنه وقف على رجل يأكل ، فمد يده إليه فقال : إن كان ثم شيء لله فقال له : اجلس فكل ، فقال : أعطني في كفي ، فأعطاه في كفه فقعد في مكانه يأكله ، فسأله عن امتناعه من الجلوس معه ، فقال : إن حالي مع الله عز وجل الذل ، فكرهت أن أفارق حالي ، وكان هذا ربما مديده إلى الهراس فيضع فيها هريسته والعرب تأنف أن يوضع الشيء في أكفها لعزة نفوسها ، حتى روينا عن بعض الصحابة من المهاجرين ؛ الأول في أول النبوة فقال جعت ثلاثا لم أطعم شيئا ، فبلغني أن إنسانا يتصدق بزبيب ، فسألته فقال : هات كفك فقلت : إني رجل من العرب ولا آخذ في كفي فاجعله لي في شيء ، قال فجعله في كيل ثم ناولنيه ، فلما فرغته رددته إليه ، فكانت فيه عزة نفس ، لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أنت رجل فيك جاهلية فقال : على ما أنا عليه من كبر السن ؟ قال : نعم ، وكان قدخاصم رجلا فأرى عليه تعززا ، وإنما نبهنا ببعض ما ذكرناه له : العقول المستيقظة وحركنا بما بينا القلوب الحية ، ليحيا من حي عن بينة بذكر أوصاف الصادقين وطرقات المخلصين ليستدل على الكثير باليسير ، وقد كان شاهد من شهود بسطام عظيم القدر فيهم لا يفارق مجلس أبي يزيد فقال له يوما : ياأبا يزيد ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر ، وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي شيئا من هذا العلم الذي تذكر ، وأنا أصدق به وأحبه ، فقال له أبو يزيد : لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة ، قال : ولم ؟ لأنك محجوب بنفسك ، قال : أفلهذا دواء ؟

قسم V02/P120–V02/P123

قال : نعم ، قال : قل لي حتى أعلمه قال : لا تقبل ، قال : فاذكره لي ، قال : اذهب الساعة إلى المزين واحلق رأسك ولحيتك ، وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا ، واجمع الصبيان حولك وقل : كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة ، وادخل الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك ، فقال الرجل : سبحان الله تقول لي مثل هذا ؟ فقال أبو يزيد : قولك سبحان الله شرك قال : كيف ؟ قال : لأنك عظمت نفسك فسبحتها قال : هذا لا أفعله ، ولكن دلني على غيره قال : ابتدئ بهذا قبل كل شيء فقال : لا أطيقه فقال : قد قلت لك إنك لا تقبل ، فهذا لما قال سبحان الله كان مشركا عنده لأنه سبحه برسم النفس ، وقد كان أبو يزيد يقول : سبحاني ما أعظم شأني وهو موحد لأنه وحد بأولية بدت . وهذا الذي ذكره دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ، ثم سقم بنظر الناس إليه لزمه سد نظره إلى نظرهم ، ليس لها من دون الله كاشفة إلا إن هذا من طب المجانين ، يصلح لضعفاء اليقين ، ولو أدخل الطبيب الأعلى ذرة من عين اليقين ، أخرج بها من قلبه كل نظرة فاستراح من كل دواء ، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة بشواهد الحق ، ويحيا من حي عن بينة بشاهد الحق ، ويتلوه شاهد منه فلا تنكرن من جميع ما ذكرناه شيئا ، فتخسر أقل أنصبة المؤمنين من علم القدرة واليقين ، لأن للمؤمنين أنصبة من هذا العلم ؛ منها المشاهدة لما وصفناه ، والإدراك لما رمزناه ، ومنها الوجد والحال ، ومنها المعاملة ، والمنازلة ، ومنها الذوق والشم ، منه وآخرها التصديق والقبول ، فأقل النصيب من علم المعرفة إن لم يشهد فلا يجحد ، وإن لم يعرف فليتعرف ، ويكون معقله التسليم وليس وراء هذا مكان ، وهذه المقامات التي شرحناها وهي مقامات اليقين ؛ أولها التوبة إلى هذا المقام من المحبة ، منوط بعضها ببعض ، إن أعطي العبد حقيقة من أحدها أعطي من كل مقام حاله ومع كل حال مشاهدة ، ولكل مشاهدة علم ، إلا من شهد بالحق ، وهم يعلمون وكلها مجموعة في حقيقة الإيمان ، إن أعطي العبد حقيقة من إيمان ويقين حتى يكون مؤمنا حقا ، غير مرتد عنه ولا مستبدل به في علم الله تعالى ، وكان إيمانه منة وهبة لا عارية ولا وديعة ، فيسترد ويرتد على إظهار لبس أو إدراج مكر ، محنة من الله تعالى وخبرة ، ويكون مستبدلا لا بدلا ، فإذا لم يكن كذلك وكان بدلا من مستبدل به أعطي من جميعها حالا فحالا ، وشهادة شهادة ، وإن تفاوتوا في العلوم وتعالوا في القرب وذاك هو كمال الإيمان ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف كمال الإيمان ، ثلاثة أحاديث من أصول هذه الأحوال وأساس هذه الأفعال منها ؛ أنه قال : لا يستكمل العبد إيمانه حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرة الشيء ، وحتى لا يعرف أحب إليه من أن يعرف ، فهذان حالا الصادق الزاهد ، وهما أول الطريق المؤدي إلى التحقيق وأس البنيان الرافع ، إلى أنه ألا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ، آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا ، فهذه أحوال المحب لله تعالى ، المخلص بمعاملة الله عز وجل ، الراغب فيما عند الله تبارك وتعالى ، والحديث الثالث قوله صلى الله عليه وسلم : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون فيه ثلاث خصال ؛ من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر لم يتناول ماليس له ، فهذه تجمع أحوال العدل والفضل والمراقبة والزهد ، وهي أصول المقامات ويشبه هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الرابع : ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ، العدل في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى ، والفقر وخشية الله تعالى في السر والعلانية ، وتفسير ما ذكرناه قبل ، من أن هذه المقامات مرتبطة بعضها ببعض ، وأن من أعطي حقيقة من أحدها أعطي جميعها حالا ، إذ يجمع ذلك كله الإيمان بالله تعالى ليتوب العبد إلى من آمن به ، وإلى ما آمن به من الوعد وما آمن به من الوعيد ، ليحق إيمانه ويصح يقينه ، وليستقيم توحيده ، كما قال تعالى : إن الذين قالوا : ربنا الله ، ثم استقاموا ، وقال تعالى : ( فاستقيم كما أمرت ومن تاب معك ) هود : 112 وقال : فآمن له لوط وقال : إني مهاجر إلى ربي فذهب إليه لما آمن به ، وهو الرجوع وهي التوبة ، ثم يزهد فيما تاب منه من هواه لتصح توبته وتخلص نيته ، فيكون نصوحا ، كما قال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ، وقال : والآخرة خير وأبقى ، وقال : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين لما أخرجوه من أيديهم وتركوه ، وتابوا إلى أ بيهم ، وزهدوا فيه ، ثم يصبر عما زهد فيه ليحق زهده ، كما قال : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، وقال عزوجل : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، ثم يشكر على ما صبر عنه ليكمل صبره ، كما قال : ( لا قوة إلا بالله ) الكهف : 39 ، ( وما بكم من نعمة فمن الله ) النحل : 53 ، ( واذكروا نعمة الله عليكم ) البقرة : 231 ، ثم يرجو من شكر له ليزيده من فضله فيعطيه فوق سؤله بحسن ظنه به ، كما قال تعالى : ( ويرجو رحمة ربه ) الزمر : 9 ، وقد ذم من أيس من رحمته بقوله : ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ، إنه ليؤس كفور ، ثم يخاف فوت ما رجا ويخاف من تقصيره في الشكر لما أولى ، لتحق غبطته برجائه ويتم إشفاقه من تبديل الآية ويخاف نقصان المزيد كما قال سبحانه : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 ، وقال مخبرا عن أوليائه : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا وقد عاب الله من فرح بما أظهر له وفخر بما أوتي ومن عود البلاء ونسي أنه كان مبتلي ، في قوله تعالى : ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ، ثم يتوكل على من خافه فيسلم نفسه إليه ويستسلم بين يديه ، أن يحكم فيه ما أحب لقوله تعالى : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) المائدة : 23 ، وقوله : نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ، ثم يرضى بمن توكل عليه وعمن توكل له لعلمه بحكمته البالغة وتدبيره الحسن لقوله تعالى : ( رضي الله عنهم رضوا عنه ) المائدة : 119 ، ولقوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) البقرة : 2 ، 7 ، ثم يحب من رضي به و رضي عنه ، إذ كان قد اختاره على ما سواه وإذ صار حسبه لما رآه ، فصارت هذه المقامات التسع كمقام واحد ، بعضها منوط ببعض ، ودليلها كتاب الله تبارك وتعالى الحق اليقين النور المبين ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه من طريق الهوى ، ولا من خلفه من خيل الأعداء ، فأشبهت دعائم الإسلام الخمس في مقام العموم من طريق الإسلام ، إذ بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام الخصوص من طريق المقربين ، ثم يرجع بعد مقام المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة ، ثم يتردد في مقام المحبة رتبة رتبة ، وليس فوق حال الرضا مقام يعرف ، ولا فوق مقام المحبة حال يوصف ، وهما موجب المعرفة ومنتهاها المعروف وقرارها المألوف ، وإن إلى ربك المنتهى ، إلى ربك يومئذ المستقر ، فليس للرضا نهاية إذ ليس للمحبوب غاية ، وإن الرضا مزيد أهل الجنة ، في الجنة وليس للحب نهاية لأنه عن الوصف ولا غاية للصفات وليس لطلب المحب حد لأنه عن القرب ، ولا غاية للقرب لأنه عن وصف قريب ، ولا حد لقرب فيترافع المؤمنون في الحب مقامات على تجلي الحبيب بمعاني الصفات ، ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم في علو المشاهدات ، ويتعالى أهل عليين في العلو غايات على قدر أنصبتهم من قوة الإيمان وصفاء اليقين .

الأسئلة