Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

قسم V02/P184–V02/P185

وقد جاء في الخبر : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي ، لأن التقي تستعين به على البر والتقوى فيشركه في قصده ، وفي الخبر أيضا : أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين ، وفي لفظ آخر : أضف بطعامك من تحبه لله تعالى ، وينبغي للموقن أن يكون يفرح ويسر بقبول معروفه من الأتقياء ، لأن ذلك عمله ، إن لم يقبله منه عارف بالله تعالى وأحكامه ، وقد ردت عليه أعماله ، فينبغي أن يحزن بردها عليه إذ كان ذلك ردا من الله تعالى له ، ومن وصل فقيرا بمعروف فرده عليه فعظم الفقير في عينه فذلك يدل على جهل المعطي بربه ، لأنه لو أخذها فأسقط منزلته عنده ثم أخرجها سرا إلى من هو أحوج إليها منه كان بذلك فاضلا ، ومن رد عليه فقير بره فلم يحزنه ذلك أو سره ، ذلك دل على ضعف نيته في الإخراج وقلة إخلاصه بمعروفه ، لأن الصادق يسوءه رد معروفه إليه ويحزنه ، وينبغي أن لا يتملك ذلك أن رده عليه بل يدفعه إلى فقير آخر ، لأنه قد أخرجه لله تعالى ، فلا يرجع فيه ، والفقراء شركاء في العطاء يرد عليهم من بعضهم إلى بعض ، وكذلك إن أخرج صدقة باسم فقير بعينه ليعطيه إياها فصادف غيره فذكر من هو أحوج منه أو أفضل ووافق طالبا إليه في حق عليه فلا بأس أن يدفعها إلى من يدفعها إلى الثاني ما لم تخرج عن يده ، أو يكون قد وعده بها ، وكذلك إن دفعها إلى من يدفعها إلى فقير بعينه ثم رأى من أثر في قلبه فأخرج منه فله أن يسترجعها من المأمور ويدفعها إليه ، ما لم يكن قد نفدها أو أعلمه بها ، وينبغي أن يستبشر بقبول العارفين معروفه ، لأن ذلك قبول من الله تعالى لعلمه ، إذ كان العارف بالله تعالى وأيامه يتصرف عن الله تعالى في الأفعال ، كما أنه ينطق عنه في المقال ، وليس قبوله منه كقبول غيره ولا رده عليه كرد غيره ، إذ كان الشاهد فيه من الله سبحانه أقوى وأعلى من الشاهد في غيره ولما هو إلى التوفيق والعصمة أقرب مما سواه من الفقراء . حدثني بعض إخواني : أن فقيرا بمكة رد على بعض الأغنياء معروفه فأخذ يبكي ، فقال : أليس هذا عملي قد رد علي ؟ قيل له : فإن غيره يقبله ، فقال : من أين لي مثل هذه العين ؟

قسم V02/P185–V02/P186

وهذا كما قال ، لأن المؤمن ينظر بعين اليقين ونور الله تعالى ، فرده عن الله تعالى ، كما قال تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 ، والجاهل يتصرف بهواه عن نفسه فرده كقبوله ، لأنه يأخذه لنفسه ، ويرد بنفسه ، والعارف إن أخذ فبرب ، وإن رد فعن رب تعالى ، وليزدد في عينه من قبل منه معروفه نبلا وجلالة ، ويعظم في عينه محبة ومهابة ، لأنه قد أعانه على بره وتقواه ، وأكرمه بقبول جدواه ، فليشهد ذلك نعمة من الله تعالى وإحسانا منه إليه ، وعلى العبد أن يجتهد في طلب الأتقياء وذوي الحاجة من الفقراء ويبلغ غاية علمه بذلك ، فإن قصر علمه ولم تنفذ فراسته ومعرفته في الخصوص استعان بعلم من هو أعلم منه ، وأنفذ نظر ، أو أعرف بالصالحين وأهل الخير منه ، ممن يوثق بدينه وأمانته من علماء الآخرة ، لا من علماء الدنيا ، وعلماء الآخرة هم الزاهدون في الدنيا ، الورعون عن التكاثر منها ، فإن حب الدنيا غامض قد هلك فيه خلق كثير لم ينج منه إلا العلماء ، ولم يسلم من الدنيا إلا المتحققون بالعلم واليقين ؛ وهم المتقللون من الدنيا ، وقد قال الله تعالى : ( وتثبيتا من أنفسهم ) البقرة : 265 ، أي يقينا ، يعني أنهم يتثبتون في صدقاتهم أن لا يضعوها إلا في يقين يستروح إليه القلب وتطمئن به النفس ، وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء ؟ فقال : لا أفعل بل أؤثر هؤلاء على غيرهم ، قيل : ولم ؟ قال : لأن هؤلاء همهم الله سبحانه وتعالى ، فإذا طرقتهم فاقة تشتت هم أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله تعالى أحب إلي من أن أعطي ألفا من غيرهم ممن همه الدنيا ، فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد فاستحسنه ، وقال : هذا كلام ولي من أولياء الله تعالى ، ثم قال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، وبلغني أن هذا الرجل اختل حاله في أمر الدنيا حتى هم بترك الحانوت فوجه إليه الجنيد بمال كان صرف إليه فقال : اجعل هذا في بضاعتك ولا تترك الحانوت ، فإن التجارة لا تضر مثلك ، ويقال : إن هذا الرجل كان بقالا ولم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه ، وأما ابن المبارك رحمه الله تعالى فإنه كان يجعل معروفه في أهل العلم خاصة ، فقيل له : لو عممت به غيرهم ، فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب العالم بالحاجة أو العيلة لم يتفرغ للعلم ، ولا يقبل على تعليم الناس ، فرأيت أن أعينهم وأكفيهم حاجاتهم لتفرغ قلوبهم للعلم ، وينشطوا لتعليم الناس ؛ هذا طريق السلف الصالح ، والتوفيق من الله تعالى للعبد في وضع صدقته في الأفضل كالتوفيق منه إطعام الحلال الذي في غيبه يوفقه لأوليائه ويستخرجه لهم من علمه كيف شاء بقدرته .

قسم V02/P186

شرح رابع ما بني الإسلام عليه : وهو الصيام ذكر فرائض الصيام اعتقاد الصوم إيجابا لله تعالى عليه وقربة منه إليه ، وإخلاصا به له ، وسقوط فرض عنه ، وأن يجتنب الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر الثاني ، وأن يتم الصيام إلى سقوط قرص الشمس ، وأن لا ينوي في تضاعيف النهار الخروج من الصوم . ذكر فضائل الصوم ووصف الصائمين

قسم V02/P186–V02/P187

صوم الخصوص حفظ الجوارح الست : غض البصر عن الاتساع في النظر ، وصون السمع عن الإصغاء إلى محرم ، أو الوزر ، أو القعود ، مع أهل الباطل ، وحفظ اللسان عن الخوض فيما لا يعني جملة مما إن كتب عنه كان عليه وإن حفظ له لم يكن له ، ومراعاة القلب بعكوف الهم عليه ، وقطع الخواطر والأفكار التي كف عن فعلها ، وترك التمني الذي لا يجدي ، وكف اليد عن البطش إلى محرم من مكسب أو فاحشة ، وحبس الرجل عن السعي فيما لم يؤمر به ولم يندب إليه من غير أعمال البر ، فمن صام تطوعا بهذه الجوارح الست وأفطر بجارحتين : الأكل والشرب والجماع ؛ فهو عند الله تعالى من الصائمين في الفضل لأنه من الموقنين الحافظين للحدود ، ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتين : البطن والفرج ، فما ضيع أكثر مما حفظ ؛ فهذا مفطر عند العلماء صائم عند نفسه ، وقد قال أبو الدرداء : أيا حبذا نوم الأكياس كيف يعيبون قيام الحمقى وصومهم ، ولذرة من تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ومثل من صام عن الأكل وأفطر بمخالفة الأمر مثل مسح كل عضو ، فصلاته مردودة عليه لجهله ، ومثل من أفطر بالأكل والجماع وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو مرة واحدة وصلى ، فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للرضى بحسن العمل ، فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل وهو مفطر للسعة صائم في الفضل ، ومثل من صام من الأكل والجماع وصام بجوارحه الست عن الآثام ، كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا ، فقد جمع الفرض والفضل وأكمل الأمر والندب ؛ فهو من المحسنين ، وعند العلماء من الصائمين ، وهذا صوم الممدوحين في الكتاب الموصوفين بالذكر من أولي الألباب ، ومن فضائل الصوم أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء وفضول الحلال ، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات ، ولا يفطر إلا على حلال متقللا منه ، فبذلك يزكو الصيام ، ولا يقبل امرأته في صومه ولا يباشرها بظاهر جسمه فإن ذلك إن لم يبطل صومه فإنه ينقصه وتركه أفضل ، إلا لقوي متمكن مالك لأربه ، وليقل نومه بالنهار ليعقل صومه بعمارة الأذكار ، وليجد مس جوعه وعطشه ، وقد كانوا يتسحرون بالتمرتين والثلاث وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء ، ومنهم من كان يقضم من شعير دابته التماسا لبركة السحور ، وليكثر ذكر الله تعالى ، وليقلل ذكر الخلق بلسانه ، ويسقط الاهتمام بهم عن قلبه ؛ فذلك أزكى لصومه ، ولا يجادل ولا يخاصم وإن شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته ، يقال : إن الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته أو من أول النهار كتبت عليه خطيئة وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه ويشكر الله تعالى عز وجل كثيرا عليه . ومن فضائل الصيام التقلل من الطعام والشراب ، وتعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، وليفطر على رطب إن كان وإلا على تمر إن وجد فإنه بركة ، أو على شربة من ماء فإنه ظهور .

قسم V02/P187–V02/P188

هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يفطر على جرعة من ماء ، أو مذقة من لبن ، أو تمرات قبل أن يصلي ، وفي الخبر : كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش قيل : هو الذي يجوع بالنهار ويفطر على حرام ، وقيل : هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام ويفطر بالغيبة من لحوم الناس ، وقيل : هو الذي لا يغض بصره ولا يحفظ لسانه عن الآثام ويقال : إن العبد إذا كذب ، أو اغتاب ، أو سعى في معصية في ساعة من صومه ، خرق صومه ، وإن صوم يوم يلفق له في صيام أيام حتى يتم بها صوم يوم ساعة ساعة ، وفي الحديث : الصوم جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة ، وكانوا يقولون : الغيبة تفطر الصائم ، وقد كانوا يتوضؤون من أذى المسلم ، وروي عن جماعة في الوضوء مما مست النار : لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب ، وروي عن بشر بن الحرث عن سفيان : من اغتاب فسد صومه ، وروينا عن ليث عن مجاهد : خصلتان يفسدان الصوم : الغيبة والكذب ، وروي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس يفطرن الصائم : الكذب ، والغيبة ، والنميمة ، واليمين الكاذبة ، والنظر بشهوة ، ويقال : إن من الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في عشر رمضانات ، وفي عشرين ، مثل سائر الفرائض من الصلاة والزكاة التي يحاسب عليها العبد ، فإن وجدت كاملة وإلا تممت من سائر تطوعه ، ويقال : إن العبد يصح له صوم في خمسة أيام كما يصح له صلاة واحدة بخمس صلوات ترفع له الأوقات ، وفي الخبر : من اغتاب خرق صومه فليرقع صومه بالاستغفار ، ويقال : إن الله تعالى لم يفترض شيئا فرضي بدونه ، وأنه يطالب بما فرضه ويحاسب على ما أوجبه وعفو الله سبحانه وتعالى يأتي على كثير من الذنوب ، والمراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع والعطش ، كما ذكرناه من أمر الصلاة أن المراد بها الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه .

قسم V02/P188–V02/P189

شرح خامس ما بني الإسلام عليه : وهو الحج بالحج كمال الشريعة وتمام الملة ذكر فرائض الحج قال الله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) آل عمران : 97 ، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة ، فإذا وجد العبد زادا وراحلة لزمه فرض الحج ، فإن أخره بعد وجود ذلك كان مكروها ، فإن مات ولم يحج ، أو مات على عدم الإمكان بعد وجوده ، كان عاصيا لله تعالى من حين أمكنه إلى يوم موته ، ولم يكن كامل الإسلام ، لأن الله تعالى أكمل الإسلام بالحج لما أنزل هذه الآية في الحج يوم عرفة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 ، وفي الخبر : من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر ومات ولم يحج فلا يبالي مات يهوديا أو نصرانيا ، وقال عمر : لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا ، وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس : لو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه ، وبعضهم كان له جار موسر فمات قبل أن يحج فلم يصل عليه ، وكان ابن عباس يقول : من مات ولم يزك ولم يحج : سأل الرجعة إلى الدنيا ، وكان يفسره في هذ الآية قال : ( رب أرجعون ) ( لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) المؤمنون : 99 - 100 قال : أحج ومثله فيقول : ( رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10 قال : أزكي وأحج ، وكان يقول هذه الآية ، أشد شيء على أهل التوحيد ومن كان ذا قوة على المشي أو ممن يصلح له أن يؤجر نفسه وأمن التهلكة في خروجه فحج على ذلك كان فاضلا في فعله ، وللحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة ، وللراكب بكل خطوة تخطوها دابته سبعون حسنة ، والقوة على المشي من الاستطاعة عند بعض العلماء ، فأما فرائض الحج عند جملة العلماء فستة اختلفوا منها في ثلاث وهن : السعي ، والبيتوتة بمزدلفة عند المشعر ليلة النحر ، ورمي جمرة العقبة يوم النحر ، وأجمعوا على ثلاث وهن : الإحرام به ، والوقوف بعرفة ، وطواف الزيارة ، ولم يختلفوا في أن ما سوى هذه سنة واستحباب ، ومذهبي في هذا وهو مذهب الأكثر من العلماء أن فرائض الحج أربعة : أولها الإحرام به والوقوف بعرفة بعد زوال الشمس من يوم عرفة ، وآخر حد الوقوف قبل طلوع الفجر من يوم النحر ، وطواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة بعد رمي جمرة العقبة ، والسعي بين الصفا والمروة بعد الإحرام بالحج إن شئت قبل الوقوف بعرفة وإن شئت بعده ، وما سوى ذلك من المناسك فمسنون ومستحب ، وبعضه أوكد من بعض ، وفي ترك بعضه كفارة وفي بعضه لا حرج فيه ، وطواف الحج ثلاثة : واحد فريضة إن تركه بطل حجه وهو طواف الزيارة ، وواحد سنة إن تركه كان عليه دم وحجه تام وهو طواف الوداع ، وواحد مستحب إن تركه فلا شيء عليه وهو طواف الورود ، ولم نذكر من فرائض الحج وأحكامه وهيئاته في هذا الباب إلا قوت الأعمال ، مثل ما ذكرناه من سائر الأبواب في هذا الكتاب ، على ما يليق بيانه للمعنى الذي قصدناه فيه ، وقد أشبعنا أحكام الحج وما يقال في المشاعر في كتاب مناسك الحج المفرد . ذكر فضائل الحج وآدابه وهيئاته وفضائل الحجاج وطريق السلف السالكين للمنهاج

قسم V02/P189–V02/P190

قال الله سبحانه وتعالى : ( أالحج أشهر معلومات من فرض فيهن الحج ) البقرة : 196 ، يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، الرفث اسم جامع لكل لغو وخني وفجر من الكلام ومغازلة النساء ومداعبتهن والتحدث في شأن الجماع ، والفسوق جمع فسق وهو اسم جامع لكل خروج من طاعة ولكل تعدي حد من حدود الله تعالى ، والجدال وصف مبالغ للخصومة والمراء فيما يورث الضغائن وفيما لا نفع فيه ؛ فهذه ثلاثة أسماء جامعة مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى بتنزيه شعائره ومناسكه منها لأنها مشتملة على الآثام وهن أصول الخطايا والإجرام ، والحج في اللغة هو القصد إلى من يعظم ، وكانت العرب تقول نحج إلى النعمان أي نقصده تعظيما له وتعزيزا ، فينبغي أن يكون الحاج معظما لمن قصده بالحج ليتحقق بمعنى هذا الاسم ، والحج أيضا سلوك الطريق الواضح الذي يخرج إلى البغية ويوقف على المنفعة واشتقاقه من المحجة بمنزلة النسك ، وهو اسم للطريق مشتق من المنسك ، وهو من أسماء الطريق وإن كان أصله المذيح ومنه سمي الناسك لأنه سالك لطريق الآخرة ، فأول فضائل الحج حقيقة الإخلاص به لوجه الله تعالى ، وأن تكون النفقة حلالا واليد فارغة من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم ، ويكون الهم مجردا والقلب ساكنا مطمئنا مملوءا بالذكر فارغا من الهوى ناظرا أمامه غير ملتفت إلى ورائه ، وصحة القصد بحسن الصدق ثم طيب النفس بالبذل والإنفاق والتوسع في النفقة والزاد وبذل ذلك ، لأن النفقة في الحج بمنزلة النفقة في سبيل الله تعالى ؛ الدرهم بسبعمائة درهم ، والحج من سبيل الله ، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عمر وغيره : من كرم الرجل طيب زاده في سفره ، وكان يقول : أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقينا ، وفي حديث ابن المنكدرعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وقال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بر الحج ، قال : طيب الكلام وإطعام الطعام ، ويقال : إنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، وبعضهم يقول يسفر عن صفات النفس وجوهرها إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر حسنت صحبته في السفر ، وقال رجل لآخر : إنه يعرفه ، فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا ، قال : ما أراك تعرفه ، ولا يجادل ولا يخاصم ولا يكثر المراء ولا يرفث بلسانه .

قسم V02/P190–V02/P192

وروينا عن بشر بن الحرث قال : قال سفيان : من رفث فسد حجه ، وليتعلم أحكام المناسك ومعالم الحج وهيئاته وآداب المشاهد قبل الخروج ، وليكن ذلك أهم شيء إليه وليقدمه على جميع أسباب السفر ، فإن هذا هو المقصود والبغية فلا يتأبن عنه ، وليعد له رفيقا صالحا عالما محبا للخير معينا عليه ، إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وإن جبن شجعه ، وإن عجز قواه ، وإن أساء ظنه وضاق صدره وسع صدره وصبره وحسن ظنه ولا يخالف رفيقه ولا يكثر الاعتراض عليه ، وليحسن خلقه مع جميع الناس ، ويلين جانبه ويخفض جناحه ، ويكف أذاه عن الخلق ، ويحتمل أذاهم ؛ فبهذه المعاني يفضل الحج وإن يحج على رحل أو زاملة فإن ذلك حج المتقين وطريق السلف ، يقال : حج الأبرار على الرحال ، وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال : برزت من الكوفة إلى القادسية للحج ، ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل ، وما رأيت في جميعهم إلا محملين ، وقال مجاهد لابن عمر وقد دخلت القوافل : ما أكثر الحجاج ، فقال : ما أقلهم ، ولكن قل : ما أكثر الراكب ، قال : وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل والمحامل يقول : الحاج قليل والركب كثير ، ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحته جوالق فقال : هذا نعم الحاج ، فينبغي أن يكون رث الهيئة ، خفيف المؤونة ، متقللا من كل شيء ، لا يحمل معه من الزاد إلا ما لا بد له منه مما يحتاج إليه ، ولا يسرف في المبالغة والتناهي فيه ، ولا يقتر ، ولا يضيق على نفسه ورفيقه ، بل يستعمل الاقتصار في كل شيء والكفاية ، ويجتنب من الزي الحمرة فإن ذلك مكروه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان في سفر ، فنزل أصحابه منزلا ، فسرحت الإبل ، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال : أرى هذه الحمرة قد غلبت عليكم ، قال : فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل ، ثم ليجتنب من الزي الشهرة ، وكل منظور إليه من الأثاث ، ولا يتشبه بالمترفين ولا بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر فيكتب من المتكبرين ، ولا يكثر التنعم والرفاهة فإن ذلك غير مستحب في سبيل الله تعالى ، لأن المشقة والظمأ والمخمصة والأواء كلما كثر في سبيل الله كان أفضل وأثوب ، حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلة وكان تحته رحل رث وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم ، وطاف على الراحلة لينظر الناس إليه ويهتدوا بشمائله ، وقال عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم ، وكان يقول : لبيك اللهم لبيك ، حجا لا رياء فيه ولا سمعة ، وقال : لبيك ، أن العيش عيش الآخرة ، وأمر صلى الله عليه وسلم بالشعث والاختفاء ، ونهى عن التنعم والرفاهة ، في حديث فضالة بن عبيد ، وفي الخبر : إنما الحاج الشعث التفل ، يقول الله تعالى لملائكته : انظروا إلى زوار بيتي قد جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق ، وقال الله عز وجل : ( ثم ليقضوا تفثهم ) الحج : 29 ، التفث الشعث والأغبار ، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظافر ، وكتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد : اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان واستعملوا الخشونة من الأشياء ، وبعض أصحاب الحديث يصف هذه الحروف يقول : احلقوا من الحلق ، ولا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة كيف ، وقد قال لصبيغ حين توسم في مذهب الخوارج : اكشف رأسك ، فرآه ذا ضفيرتين فقال : لو كنت محلوقا لضربت عنقك ، ولينح مثال أهل اليمن في الزي والأثاث ، فإن الاقتداء بهم والاتباع لشمائلهم في الحج طريقة السلف على ذلك الهدى والوصف ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وما عدا وصفهم وخالف هديهم ، فهو محدث ومبتدع ، ولهذا المعنى قيل : زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على منهاج الصحابة وطريقة السلف ، وقيل في مدحهم بالتقلل والانفراد : لا يغلون سعرا ولا يضيقون طريقا ، وقد كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفين قد خرجوا إلى مكة يقولون : لا تقولوا خرج فلان حاجا ، ولكن قولوا : خرج مسافرا ، ويقال : إن هذه المحامل والقباب أحدثها الحجاج بن يوسف ، فركب الناس سنته ، وقد كان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها ، وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل ، ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول الشقة وقلة الطعم ، وينبغي أن يقلل من نومه على الدابة ، فإنه يقال : إن النائم يثقل على البعير ، وقد كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة ، وكانوا أيضا لا يقفون عليها الوقوف الطويل لأن ذلك يشق عليها .

قسم V02/P192–V02/P193

وفي الحديث : لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي ، ولا يحمل على الدابة المكتراة إلا ما قاضى عليه الجمال أو ما أعلمه به ، وقال رجل لابن المبارك : احمل لي هذا الكتاب معك ، فقال : حتى أستأمر الجمال ، فإني قد اكتريت ، ولينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك ، ففيه سنة وآثار عن السلف ، وقد كان بعض السلف يكتري لازما ويشترط أن لا ينزل ، ثم إنه ينزل للرواح ليكون ما رفه عن الدابة من حسناته محتسبا له في ميزانه ، وبعض علماء الظاهر يقول : إن الحج راكبا أفضل لما فيه من الإنفاق والمؤونة ، ولأنه أبعد لضجر النفس ، وأقل لأذاه وأقرب لسلامته وتمام حجه ، فهذا عندي بمنزلة الإفطار يكون أفضل إذا ساء عليه خلقه ، وضاق به ذرعه ، وكثر عليه ضجره ، لأن حسن الخلق وانشراح الصدر أفضل ، وقد يكون كذلك لبعض الناس دون بعض ممن يكون حاله الضجر ووصفه التسخط وقلة الصبر ، أو لم يمكن المشي ، وسألت بعض فقهائنا بمكة وكان ورعا عن تلك العمر التي تعتمر من مكة إلى التنعيم ، وهو الذي يقال له مسجد عائشة ، وهو ميقاتنا للعمرة في طول السنة أي ذلك أفضل المشي في العمرة ، أو يكتري حمارا بدرهم يعتمر عليه فيقال : يختلف ذلك على قدر شدته على الناس ، فإن كان إنفاق الدرهم أشد عليه من المشي فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه وشدته عليها ، ومن كان المشي عليه أشق فالمشي أفضل لما فيه من المشقة ، ثم قال : هذا يختلف لاختلاف أحوال الناس من أهل الرفاهية والنعمة ، فيكون المشي عليهما أشد ، وعندي أن الاعتمار ماشيا أفضل ، وكذلك الحج ماشيا لمن أطاق المشي ولم يتضجر به وكان له همة وقلب ، وقد روينا في خبر من طريق أهل البيت : إذا كان في آخر الزمان خرج الناس للحج أربعة أصناف ؛ سلاطينهم للنزهة ، وأغنياؤهم للتجارة ، وفقراؤهم للمسألة ، وقراؤهم للسمعة ، ويكره أخذ الأجرة على الحج فيجعل نصيبه وعناه لغيره ملتمسا عرض الدنيا ، وقد كره ذلك بعض العلماء ، ولأنه من أعمال الآخرة ويتقرب به إلى الله ، يجري مجرى الصلاة والأذان والجهاد فلا يأخذ على ذلك أجرا إلا في الآخرة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص : واتخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان أجرا ، وسئل عن رجل خرج مجاهد فأخذ ثلاثة دنانير فقال : ليس له من دنياه وآخرته إلا ما أخذ ، فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة واضطر إلى ذلك ، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا ، رجوت أن يسعه ذلك ، وفي الخبر : يؤجر على الحجة الواحدة ثلاثة ويدخلون الجنة : الموصي بها ، والمنفذ للوصية ، والحاج الذي يقيمها لأنه ينوي خلاص أخيه المسلم والقيام بفرضه ، وقد جاء مثل المجاهد الذي يأخذ أجرا على جهاده مثل أم موسى يحل أجرها وترضع ولدها ، هذا إذا كانت نيته الجهاد واحتاج إلى معونة عليه ، كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة ، والتقرب إلى الله تعالى بالطواف والعمرة بعد قضاء ما عليه ، لم يضره أخذ أجرة على حجه إن شاء الله تعالى .

قسم V02/P193–V02/P194

ومن فضائل الحج أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن المسجد الحرام بالمال ، فإن المعونة والتقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس ، والصد عن المسجد الحرام يكون بالمنع والإحصار ، ويكون بطلب المال ، فليحتل في التخلص من ذلك فإن بعض علمائنا كان يقول : ترك التنقل بالحج الرجوع عنه أفضل من تقوية الظالمين بالمال ، لأن ذلك عنده دخيلة في الدين ، ووليجة في طريق المؤمنين ، وإقامة وإظهار لبدعة أحدثت من الآخذ والمعطي ؛ وهذا كما قال لأنه جعل بدعة سنة ودخولا في صغار وذلة ومعاونة على وزر أعظم في الحرم من تكلف حج نافلة قد سقط فرضه كيف ، وفي ذلك إدخال ذلة وصغار على الإسلام والمسلمين مضاهاة للجزية ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام ، فإن ترك المسلمون فاشدد لئلا يؤتى الإسلام من قبلك ، وفي الخبر المشهور : المسلمون كرجل واحد ومثل المسلم من المسلمين كمثل الرأس من الجسد ، يألم الجسد لما يألم الرأس ويألم الرأس لما يألم الجسد ، وقد يترخص القائل في ذلك بتأويل أنه مضطر إليه ، وليس كما يظن ، لأنه لو رجع لما أخذ منه شيء ، ولو خرج في زي المترفين مما أحدث من المحامل لما أخذ منه شيء ، فقد زال الاضطرار وحصل منه بالطوع والشهوة الاختيار ، لعل هذا الذنب عقوبة ما حملوا على الإبل فوق طاقتها من البيوت المسقفة التي علوها عليها ، كان البعير يحمل الرجل ورحله فجعلوه يحمل مقدار أربعة وزيادة ، فأدى ذلك إلى تلفها ، فهم مطالبون بقتلها ، لأن من حمل بعيرا فوق طوقه حوسب بذلك وطولب ، أو لعله ذنب ما خرجوا به من التجارات وفضول الأسباب وشبهات الأموال أو لسوء النيات وفساد المقاصد ، وروينا أن أبا الدرداء قال لبعير له في الموت : يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك ، وقد يعاقب الله على الذنب بذنب مثله أو فوقه ، وينبغي أن يكون في المشاعر والمناسك أشعث أغبر فإنه سنة ، ويكثر ذكر الله في طريقه وجميع مناسكه ، ويذكر به الغافلين ويقل ذكر الناس ويلزم الصمت فيما لا يعنيه ، ولا يتكلف ما قد كفى ، ولا يدخل فيما لم يكلف ، وإن رأى موضعا للمعروف أمر به أو منكرا نهى عنه ، فهذه المعاني تضاعف أمر الحج وتفضل الحجاج واستحب أن يقرن بين حجة وعمرة من ميقاته لأن فيه إيجاب هدى يقربه وليكون جامعا بين نسكين من ميقات بلده ، ويكون قد أتى بالعمرة لأنها مقرونة بالحج في الكتاب ، ولأن مذهب كثير من العلماء أنها فريضة كالحج ، وجماعة من السلف كانوا يستحسنون الابتداء بالعمرة وتقديمها على الحج ، منهم : الحسن وعطاء وابن سيرين والنخعي .

قسم V02/P194–V02/P195

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وأهل بهما معا في حديث أنس ، وقد حدثت عن شقيق بن سلمة عن الضبي بن معبد قال : أردت الغزو فأشار علي رجل من أهل العلم أن أبدأ بالحج فاستشرت رجلا من أهل الفقه فأمرني أن أجمع بين حج وعمرة جميعا ، ففعلت ، فأنشأت إلي بهما حتى قدمنا على عمر فأخبرته بالذي فعلت ، فقال : هديت لسنة نبيك وإن قدم العمرة فحج متمتعا ثم أفرد الحج بعدها من عامه فهو أفضل ؛ وهذا اختيار جماعة من العلماء ، وإن حج مفردا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحج فيما روينا عن عائشة وجابر ، وإذا فرغ من حجه رجع إلى ميقات بلده فاعتمر من هناك فحسن ، وقد قال الله عز وجل : وأتموا الحج والعمرة لله فإفرادهما من إتمامهما ؛ وهذا قول عمر وعثمان في الإتمام ، وليطف لقرانه ويسع طوافين وسعيين ليخرج بذلك من اختلاف العلماء جمعهما أو فرقهما ، وليكثر العبد من التلبية في حال إحرامه فهي من أفضل الأذكار فيه ، وليرفع بها صوته وإن قال في تلبيته : لبيك يا ذا المعارج ، لبيك حجا حقا ، تعبدا ورقا ، والرغباء إليك والعمل ، فقد روي هذا عن الصحابة وإن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن ، وفيها كفاية وبلاغ وأحب أن يذبح وإن لم يجب عليه ويجتنب الأكل من يذبح ما كان واجبا عليه مثل نسك قران أو متعة أو كفارة ، واستحب أن يأكل مما لم يكن عليه واجبا وليجتنب المعايب الثمانية في ذبيحته التي وردت بها الآثار ، وكذلك في الأضحية فقد نهي أن يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء ، ونهى عن الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء ، التي لا تنقي ، يعني المهزولة ؛ وهذا جميع ما جاء في عيوب الأضاحي بأخبار متفرقة ، فالجدع في الأنف والأذن ، والقطع فيهما ، والعضب الكسر في القرن ، وفي نقصان القوائم ، والجرباء من الجرب ، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق ، والخرقاء المشقوقة من أسفل ، والمقابلة المخروقة الأذن من قدام ، والمدابرة المخروقة من خلف ، والتي لا تنقي المهزولة التي لا نقي لها ؛ والنقي هو المخ وقد روينا في تفسير قوله تعالى ذلك : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) الحج : 32 ، قيل : تسمين الهدي وتحسينه ، وأفضل الهدي بدنة ، ثم بقرة ، ثم كبش أقرن أبيض ، ثم الثني من المعز ، وإن ساق هديه من الميقات فهو أفضل من حيث لا يجهده ولا يكده ، وقد كانوا يغالون بثلاث ويكرهون المكاس ، فيهن الهدي والأضحية والرقبة ، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عندأهله ، وفي حديث ابن عمر أن عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا ، فنهاه عن ذلك وقال : بل أهدها فهذه سنة في تخير الهدى ، وحسن الأدب في المعاملة ، وترك الاستبدال بها طلبا للكثرة ، لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون ، إن في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين ، فكان الخالص الحسن كافيا من الكثير المتقارب ، وفي حديث ابن المنكدر عن جابر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بر الحج ؟ قال : العج والثج ، فالعج هو رفع الصوت بالتلبية ، والثج هو نحر البدن .

قسم V02/P195–V02/P196

وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما عمل آدمي يوم النحر عملا أحب إلى الله عز وجل من إهراق دم ، وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها فإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض ، طيبوا بها نفسا ، وفي الخبر : لكم بكل صوفة من شعرها وبكل قطرة من دمها حسنة ، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا ولا يضحى بجذع إلا من الضأن فقط ، وهو ما كان في آخر حوله ، وبالثني من المعز والبقر والإبل ، فالثني من المعز ما دخل في السنة الثانية ، والثني من البقر ما دخل في الثالثة ، والثني من الإبل ما دخل في السنة الخامسة ، وإن أحرم من بلده فقد قيل إنه من إتمام الحج والعمرة ومن عزائم الأعمال ، روينا عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما : وأتموا الحج والعمرة لله ، قالوا : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، ولتكن حاضر القلب ، مشاهد القرب عند المواطن المرجو فيها الإجابة ، وفي المشاهد المبتغي منها المنفعة ، كما قال الله سبحانه وتعالى : ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم ، واستحب له أن يمشي في المشاعر من حين يخرج من مكة إلى أن يقف بعرفة ، وإلى أن يرجع من طواف الزيارة إلى منى ، ومن استحب للحاج الركوب فإنه يستحب له المشي إلى مكة في المناسك إلى انقضاء حجه ، ولأن عبد الله بن عباس أوصى بنيه عند موته فقال : يا بني حجوا مشاة ، فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل : وما حسنات الحرم ؟ قال الحسنة بمائة ألف وأوكد ما مشي فيه من المناسك وأفضله ، من مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى الموقف ، ومن الموقف إلى المزدلفة في الإفاضة ، ومن المشعر الحرام غداة النحر إلى منى ، وفي أيام رميه الجمار وصومه يوم عرفة فيه فضل إن قوي معه على الدعاء والتلبية ولم يقطعه الصوم عن ذلك ، فإن أضعفه فالفطر أفضل ، ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا أبو بكر ولا عمر وصامه عثمان رضي الله عنه وعنهم ، وليعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من الحكمة والقدرة من تصريف الخلق ، وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت فيكون له في كل شيء عبرة ، ومن كل شيء موعظة ، فإنه على مثال طريق الآخرة ، وليكن له بكل شيء تذكرة ، وفي كل شيء فطنة وتبصرة ، ترده إلى الله تعالى ، وتدله عليه ، وتذكره به ، ويشهده منها فيتفكر في أمره ، ويستدل به على حكمته ، ويشهد منه قدرته . وسئل الحسن ما علامة الحج المبرور ؟

قسم V02/P196–V02/P198

فقال : أن يرجع العبد زاهدا في الدنيا ، راغبا في الآخرة ، وقيل في وصف الحج المبرور : هو كف الأذى ، واحتمال الأذى ، وحسن الصحبة ، وبذل الزاد ، ويقال : إن علامة قبول الحج ترك ما كان عليه العبد من المعاصي والاستبدال بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة ، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده ، ومن أصيب بمصيبة في نفسه وماله فهو من دلائل قبول حجه ، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله تعالى ، الدرهم بسبعمائة ، وبمثابة الشدائد في طريق الجهاد ، وليستكثر من الطواف بالبيت ، لأنه يستوعب بطواف أسبوع مائة وعشرين رحمة يكون بكل رحمة ما شاء الله ، لأنه سبحانه يختص برحمته من يشاء ، وأقل ماله بكل رحمة عشر حسنات ، لأن في حديث عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينزل الله على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرين رحمة ، ستون للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين ، وفي الحديث : استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أقل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة ، وأغبط عمل تجدونه ، ولا تتحدث في طوافك ، وعليك بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى من التسبيح والتهليل والحمد وتلاوة القرآن وامش بسكينة ووقار وخشوع وانكسار ، ولا تزاحمن أحدا ، واقرب من البيت ما أمكن ، واستلم الركنين اليمانيين مع تقبيل الحجر في كل وتر من طوافك إن أمكن . وقد روينا في الخبر : من طاف بالبيت حافيا حاسرا كان له كعتق رقبة ، ومن طاف أسبوعا في المطر غفر له ما سلف من ذنوبه ، روي ذلك عن الحسن بن علي قاله لأصحابه ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : واتق الهمة الردية والأفكار الدنية ، فيقال : إن العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك البلد ، وعن ابن مسعود : ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالإرادة قبل العمل إلا بمكة ، وقال أيضا : لو هم العبد أن يعمل سوءا بمكة عاقبه الله تعالى ، ثم تلا : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ؛ يعني أنه علق العذاب بالإرادة دون الفعل ، ويقال : إن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، وإن السيئات التي تكتسب هنالك لا تكفر إلا هناك ، وكان ابن عباس يقول : الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم ، وقيل : الكذب فيه من الإلحاد ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلي من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة ؛ وركية منزلة بين مكة والطائف ، وقد كان الورعون من السلف منهم عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وغيرهما يضرب أحدهم فسطاطا في الحرم وفسطاطا في الحل ، فإذا أراد أن يصلي أو يعمل شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل المسجد الحرام ، لأن المسجد الحرام عندهم في جميع ما يذكر إنما هو الحرم كله ، وإذا أراد أن يأكل أو يكلم أهله أو يتغوط خرج إلى فسطاط الحل ، ويقال : إن آل الحجاج في سالف الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوي تعظيما للحرم ، وقد سمعنا من لم يكن يتغوط ولا يبول في الحرم من المقيمين بمكة ورأينا بعضهم لا يتغوط ولا يبول حتى يخرج إلى الحل تعظيما لشعائر الله تعالى ، وتنزيها لحرمه وأمنه ، وأعمال البر كلها تضاعف بمكة ، والحسنة بمائة ألف حسنة على مثال الصلاة في المسجد الحرام ، روي معنى ذلك عن ابن عباس وأنس ، وعن الحسن البصري : أن صوم يوم بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف درهم ، ويقال : إن طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة ، وإن ثلاث عمر تعدل حجة ، وإن العمرة هي الحجة الصغرى ؛ وهذا في دليل الخطاب من قوله تعالى : يوم الحج الأكبر ، فدل أن الحج الأصغر هو العمرة ، ومن العرب من يسمي العمرة حجا ، وفي الخبر : عمرة في رمضان تعدل حجة ، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده .

قسم V02/P198

ذكر فضائل الحج والحاجين لوجه الله

قسم V02/P198–V02/P199

روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وفي حديث آخر : من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات أجري له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب ، وقيل له : أدخل الجنة ، وروي في الخبر حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها ، وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة ، وفي الحديث : الحجاج والعمار وفد الله تعالى وزواره ، إن سألوه أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، وإن دعوه استجيب لهم ، وإن شفعوا شفعوا ، وذكر بعضهم أن إبليس ظهر له في صورة شخص بعرفة ، فإذا هو ناحل الجسم ، مصفر اللون ، باكي العين ، مقصوم الظهر ، فقال له : ما الذي أبكى عينك ؟ فقال : خروج الحاج إليه بلا تجارة ، أقول قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك ، قال : فما الذي أنحل جسمك ؟ قال : صهيل الخيل في سبيل الله تعالى ، ولو كانت في سبيلي ، كان أحب إلي قال : فما الذي غير لونك ؟ قال : تعاون الجماعة على الطاعة ، ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي قال : فما الذي قصم ظهرك ؟ قال : قول العبد أسألك حسن الخاتمة ، أقول : يا ويلتي متى يعجب هذا بعمله ؟ أخاف أن يكون قد ، ولقي رجل ابن المبارك وقد أفاض من عرفة إلى مزدلفة فقال : من أعظم الناس جرما يا أبا عبد الرحمن في هذا الوقت ؟ فقال : من قال إن الله عز وجل لم يغفر لهؤلاء ، وقد روينا حديثا مسندا من طريق أهل البيت : أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله عز وجل لم يغفر له ، ويقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة ، وقد رفعه جعفر بن محمد فاسنده ، ويقال : إن الله عز وجل إذا غفر لعبد ذنبا في الموقف غفره لكل من أصابه في ذلك الموقف ، وزعم بعض السلف : إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف ، وهو أفضل يوم في الدنيا ، وفيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، ولم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها ، وعليه نزلت هذه الآية وهو وافق بعرفة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 وقال علماء أهل الكتاب : لو أنزلت علينا هذه الآية لجعلنا يومها عيدا ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أشهد لقد أنزلت في يوم عيدين اثنين ؛ يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة ، وقد روينا في تفسير قوله تعالى : ليشهدوا منافع لهم ؛ عن جماعة من السلف قال : غفر لهم ورب الكعبة ، وفي تفسير قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم ؛ قال : طريق مكة بصدهم عنه وروينا عن مجاهد وغيره من العلماء : دخل حديث أحدهما في الآخرة ، كانوا يتلقون الحاج يدعون لهم قبل أن يتدنسوا ويقولون : تقبل الله منا ومنكم ، وأن الحاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان الحمير واعتنقوا المشاة اعتناقا ، وقال الحسن : من مات يعقب شهر رمضان ، أو يعقب غروا ، أو يعقب حجا ، مات شهيدا ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : الحاج مغفور له ولمن استغفر له شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول ، وقد كان من سنة السلف أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم ، وفي الخبر : اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج .

قسم V02/P199–V02/P200

وحدثونا عن علي بن الموفق قال : حججت سنة فلما كان ليلة عرفة بت بمنى في مسجد الخيف ، فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه : يا عبيد الله ، فقال الآخر : لبيك يا عبد الله ، قال : تدري كم حج بيت ربنا في هذه السنة ؟ قال : لا أدري ، قال : حج بيت ربنا ستمائة ألف ، فتدري كم قبل منهم ؟ قال : لا ، قال : قبل منهم ستة أنفس ، قال : ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعا فاغتممت غما شديدا وأهمني أمري فقلت : إذا قبل حج ست أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس ؟ فلما أفضنا من عرفة وبت عند المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم ، فإذا الشخصان قد نزلا من السماء على هيئتهما فنادى أحدهما : يا عبد الله ، قال : لبيك يا عبد الله ، قال : تدري كم حج بيت ربنا ؟ قال : نعم ستمائة ألف ، قال : فتدري كم قبل منهم ؟ قال : نعم ستة أنفس ، قال : فتدري ماذا حكم ربنا في هذه الليلة ؟ قال : لا ، قال : فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف ، قال : فانتبهت وبي من السرور ما يجل من الوصف ، ذكر في هذه القصة ستة ولم يذكر السابع ؛ وهؤلاء هم الأبدال السبعة أوتاد الأرض المنظور إليهم كفاحا ، ثم ينظر إلى قلوب الأولياء من وراء قلوبهم ، فأنوار هؤلاء عن نور الجلال وأنوار الأولياء من أنوارهم ، وأنصبتهم وعلومهم من أنصبة هؤلاء وعلومهم ، فلم يذكر السابع وهو قطب الأرض ، والأبدال كلهم في ميزانه ، ويقال إنه هو الذي يضاهي الخضر من هذه الأمة في الحال ويجاريه في العلم ، وإنهما يتفاوضان العلم ويجد أحدهما المزيد من الآخرة ، فإنما لم يذكر والله أعلم لأنه يوهب له من مات ، ولم يحج من هذه الأمة لأنه أوسع جاها من جميعهم وأنفذ قولا في الشفاعة من الجملة . وقد روينا عن ابن الموفق قال : حججت سنة ، فلما قضيت مناسكي تفكرت فيمن لا يتقبل حجه ، فقلت : اللهم إني قد وهبت حجتي هذه وجعلت ثوابها لمن لا يتقبل حجه ، قال : فرأيت رب العزة في النوم ، قال لي : يا علي تتسخى علي وأنا خلقت السخاء وخلقت الأسخياء ، وأنا أجود الأجودين ، وأكرم الأكرمين ، وأحق بالجود والكرم من العالمين ، وقد وهبت كل من لم يقبل حجه لمن قبلته ، وكان ابن الموفق هذا قد حج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حججا وقال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن الموفق حججت عني ؟ قلت : نعم يارسول الله ، قال : ولبيت عني ؟ قلت : نعم ، قال : فهذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة والخلائق في كرب الحساب .

قسم V02/P200–V02/P201

ذكر فضائل البيت الحرام وما جاء فيه في الخبر : أن الله تعالى وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف فإن نقصوا كملهم الله تعالى بالملائكة ، وأن الكعبة تحشر كالعروس المزفوف وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخون معها ، وفي الخبر : أن الحجر ياقوتة من يواقيت الجنة ، وأنه يبعث يوم القيامة ، وله عينان ، ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبه كثيرا ، وروينا أنه سجد عليه وكان يطوف على الراحلة فيجعل المحجن عليه ، ثم يقبل طرف المحجن ، وقبله عمر ثم قال : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك ، ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فإذا علي ، فقال : يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات ، فقال علي : يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع ، قال : وكيف ؟ قال : إن الله عز وجل لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا ، ثم ألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ، ويشهد على الكافر بالجحود ، قيل : فذلك معنى قول الناس عند الاستلام : اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك يعنون هذا الكتاب والعهد ، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم آتي البقيع فيحشرون معي ، ثم آتي أهل مكة فأحشر بين الحرمين ، وفي الخبر : أن آدم لما قضى مناسكه لقيته الملائكة فقالوا : برجحك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام ، وجاء في الخبر : أن الله تعالى ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض ، فأول من ينظر إليه أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد الحرام ، فمن رآه طائفا غفر له ، ومن رآه منهم مصليا غفر له ، ومن رآه نائما مستقبل القبلة غفر له ، وذكرت الصلاة بعبادان لأبي تراب النخشي فقال : نومة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة بعبادان ، وكوشف بعض الأولياء قال : رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ورأيت عبادان ساجدة لجدة ، لأنها خزانة الحرم ، وفرضة أهل المسجد الحرام ، وكنت أنا بمكة سنة فأهمني الغلاء بها حتى ضقت ذرعا به ، فرأيت في النوم شخصين بين يدي ، يقول أحدهما للآخر : كل شيء في هذا البلد عزيز كأنه يعني الغلاء ، فقال الآخر : الموضع عزيز فكل شيء فيه عزيز ، فإن أردت أن ترخص الأشياء عليك فضحها إلى شرف الموضع حتى ترخص . ذكر من كره المقام بمكة

قسم V02/P201–V02/P202

كان سفيان الثوري يقول : والله ما أدري أي البلاد أسكن ، فقيل له : خراسان ، قال : مذاهب مختلفة وآراء فاسدة ، قيل : الشام ، قال يشار إليك بالأصابع ، قيل : فالعراق ، قال : بلدة الجبابرة ، قيل : مكة ، قال : تذيب الكيس والبدن ، وقال رجل للثوري : قد عزمت على المجاورة بمكة فأوصني ، قال : أوصيك بثلاث ؛ لا تصلين في الصف الأول ، ولا تصبحن قرشيا ، ولا تظهرن صدقة ، إنما كره له الصلاة في الصف الأول لأنه يفتقد فيسأل عنه إذا غاب فيشتهر ويعرف إذا واظب ، فيجب أن يرب الحال بلزوم الموضع ، فيذهب الإخلاص ويحصل التزين والتصنع ، وجاء رجل إلى سفيان بمكة فسأله فقال : أرسل معي رجل بمال فقال : ضعه في سدانة الكعبة ، أو قال : في سدنة الكعبة ، فما ترى ؟ قال سفيان : قد جهل فيما أمرك به ، وإن الكعبة لغنية عن ذلك ، قال : فما ترى ؟ قال : أصرفه للفقراء والأرامل ، وإياك وبني فلان فإنهم سراق الحاج ، وقد كان بعض السلف يكره المجاورة بمكة ويحب قصد البيت للحج والخروج منه ، إما لأجل الشوق إليه أو خشية الخطايا فيه ، أو حبا للعود ، وقد قال الله تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) البقرة : 125 ، أي يثوبون إليه يعودون مرة بعد مرة ولا يقضون منه وطرا وكان بعضهم يقول تكون في بلد وقلبك مشتاق متعلق بهذا البيت ، خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بمقامك أو قلبك متعلق إلى بلد غيره ، وروى ابن عيينة عن الشعبي : لأن أقيم بحمام أعين أحب إلي من أن أقيم بمكة ، قال سفيان يعني إعظاما لها وتوقيتا عن الذنب فيها وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول : يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم ، وكان ابن عباس يقول : أجور بيوت مكة حرام ولا تقوم الساعة حتى يستحل الناس اثنتين إتيان النساء في أدبارهن وأجور بيوت مكة ، وكان الثوري وبشر وجماعة من الفقهاء وأهل الورع يكرهون أن يدفع الرجل كراء بيت مكة ، حتى قال الثوري : إذا طالبوك ولم يكن لك بد من أن تعطيهم فخذ لهم من البيت قيمة ما أخذوا منك ، وقال بعض السلف من رجل بأرض خراسان أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به ويقال إن لله عبادا تطوف هم الكعبة تقربا إلى الله عز وجل ، وحدثني شيخ لنا عن أبي علي الكرماني شيخنا بمكة وكان من الأبدال إلا أني سمعت هذه الحكاية منه ، قال : سمعته يقول : رأيت الكعبة ذات ليلة تطوف بشخص من المؤمنين ، وقال لي هذا الشيخ : ربما نظرت إلى السماء واقعة على سطح الكعبة قد ماستها الكعبة ولزقت بها وأكثر الأبدال في أرض الهند والزنج وبلاد الكفرة ، ويقال لا تغرب الشمس من يوم إلا يطوف بهذا البيت رجل من الأبدال ، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ولا يرون لها أثرا وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا تذكر منه كلمة ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية ثم يخرج الدجال وينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله والساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب يتوقع ولادتها .

قسم V02/P202–V02/P204

روينا عن وهيب بن الورد المكي قال كنت ذات ليلة أصلي في الحجر فسمعت كلاما بين الكعبة والأستار يقول إلى الله تعالى أشكو ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولي تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا من ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه ، وفي الخبر لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والمقام ، وروي أن الحبشة يغزون الكعبة فيكون أولهم عند الحجر الأسود وآخرهم على ساحل البحر بجدة فينقضونها حجرا حجرا يناول بعضهم بعضا حتى يرمونها في البحر وكذلك يذكر عن بعض الصحابة وقراء الكتب السالفة كأني أنظر حبشيا أصلع أجدع قائما عليها يعني الكعبة هدمها بمعوله حجرا حجرا ، وفي الخبر استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة ورفعه الذي ذكرناه يكون بعد هدمه لأنه بيني من ذي قبل حتى يعود إلى مثل حاله ويحج مرارا ثم يرفع بعد ذلك . وروينا في حديث أبي رافع عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم أخرب الدنيا على أثره ، وليس بعد مكة مكان أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعمال فيها مضاعفة ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وكذلك قيل : إن فضل الأعمال بالمدينة كفضل الصلاة ، كل عمل بألف عمل ، وبعد ذلك الأرض المقدسة فإن فضل الصلاة فيها بخمسمائة صلاة ، وكل عمل يضاعف بخمسمائة مثله ، روينا عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجد المدينة بعشرة آلاف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة ، ثم يستوي الأرض بعد ذلك فلا يبقى مندوب إليه مقصود لفضل دل الشرع عليه ، كما جاء في الخبر : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ، وبعد ذلك فأي موضع صلح فيه قلبك ، وسلم لك دينك ، واستقام فيه حالك ؛ فهو أفضل المواضع لك ، وقد جاء في الخبر : البلاد بلاد الله تعالى ، والخلق عباده ، فأي موضع رأيت فيه رفقا ، فأقم واحمد الله تعالى ، وفي الخبر المشهور من حضر له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه ، وقال نعيم : رأيت الثوري قد جعل جرابه على كتفه وأخذ قلته بيده ، فقلت : إلى أين يا أبا عبد الله ؟ فقال : إلى بلد أملأ فيه جرابي بدرهم ، وفي حكاية أخرى : بلغني أن قرية فيها رخص فأخرج إليها ، فقلت : وتفعل هذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : نعم ، إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك ، وأقل لهمك ، وكان يقول : هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين ، هذا زمان تنقل الرجل ينتقل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن ، وقد كان الفقراء والمريدون يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين ، للنظر إليهم والتبرك والتأدب بهم ، وكان العلماء ينتقلون في البلاد ، ليعلموا ، ويردوا الخلق إلى الله تعالى ، ويعرفوا الطريق إليه ، فإذا فقد العالمون وعدم المريدون فالزم موضعا ترى فيه أدنى سلامة دين وأقرب صلاح قلب وأيسر سكون نفس ولا تنزعج إلى غيره فإنك لا تأمن أن تقع في شر منه وتطلب المكان الأول فلا تقدر عليه ، والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

قسم V02/P204–V02/P205

الفصل الرابع والثلاثون في تفصيل الإسلام والإيمان وعقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة

الأسئلة