Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V10/P115–V10/P116

والجواب : أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله : { وأولى الامر منكم } على العلماء ، فاذا قلنا : المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة ، بل كان هذا اختيارا لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة ، فاندفع السؤال الأول : وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع ، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة ، والذي ذكرناه برهان قاطع ، فكان قولنا أولى ، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها : فأحدها : أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب ، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة ، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة ، وعن طاعة الله وطاعة رسوله ، بل يكون داخلا فيه ، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين ، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول ، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها / لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه ، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين ، فهذو أولى . وثانيها : أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية ، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق ، فاذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية ، فكان هذا أولى . وثالثها : أن قوله من بعد : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله } مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع . ورابعها : أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا ، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعا ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا ، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم ، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف ، فكان حمل الآية على الاجماع أولى ، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر } فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على / الفاجر الفاسق . وخامسها : أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوي العلماء ، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء ، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى ، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه : أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم ، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا ، وظاهر قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } يقتضي الاطلاق ، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال ، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة ، وهو قوله : { وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر . الثاني : أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر ، وأولو الأمر جمع ، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر . وثالثها : أنه قال : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال : فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الامام ، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه .

قسم V10/P116–V10/P117

المسألة الرابعة : اعلم أن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } يدل عندنا على أن القياس حجة ، والذي يدل على ذلك أن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء } إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الاجماع ، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة ، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } وحينئذ يصير قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } إعادة لعين ما مضى ، وإنه غير جائز . وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد : فان تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والاجماع ، واذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله : { فردوه إلى الله والرسول } طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة . فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له ، وذلك هو القياس ، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { فردوه إلى الله والرسول } أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضا فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص ؟ وأيضا لم يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام / إلى البراءة الأصلية ؟ قلنا : أما الأول فمدفوع ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين ، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد ، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول ، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت ، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك ، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات ، واذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة ، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث . وأما السؤال الثاني : فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل ، فلا يكون رد الواقعة اليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه ، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى ، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى .

قسم V10/P117–V10/P118

المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا ، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة ، سواء كان القياس جليا أو خفيا ، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا ، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أمر بطاعة الكتاب والسنة ، وهذا الأمر مطلق ، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة ، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى : أحدها : أن كلمة ( ان ) على قول كثير من الناس للاشتراط ، وعلى هذا المذهب كان قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول . الثاني : انه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة ، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة . الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله : ( فان لم تجد ) الرابع : انه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال : { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } ( البقرة : 34 ) ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية ، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا ، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز . الخامس : أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك ، بل هو مظنون من جميع الجهات ، والمقطوع راجح على المظنون . السادس : قوله تعالى / { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ( المائدة : 45 ) وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم . السابع : قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } ( الجمرات : 1 ) فاذا كان عموم القرآن حاضر ، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله . الثامن : قوله تعالى : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله } ( الأنعام : 148 ) إلى قوله : { إن يتبعون إلى الظن } ( النجم : 23 28 ) جعل اتباع الظن من صفات الكفار ، ومن الموجبات القوية في مذمتهم ، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس ، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص ، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل . التاسع : انه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا ذروه ) ولا شك ان الحديث أقوى من القياس ، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردودا فالقياس أولى به . العاشر : ان القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، والقياس يفرق عقل الانسان الضعيف ، وكل من له عقل سليم علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى .

قسم V10/P118–V10/P119

المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة : أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل ، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين : أحدهما : ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله : { بصيرا ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } والثاني : ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } فاذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة ، وإذا ثبت هذا فنقول : القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله عنه ، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه ، وإن كان مغايرا لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعا لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا . المسألة السابعة : زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، واعترض المتكلمون عليه فقالوا : قوله : { أطيعوا الله } فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب . وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل ، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين : الأول : أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على / الندبية فقوله : { أطيعوا } لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة . لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر ، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال : ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها ، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة . والثاني : أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } وهو وعيد ، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله : { فردوه إلى الله } قائم ، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله : { أطيعوا الله } وقوله : { فردوه إلى الله } قائم ، ولا شك أن الاحتياط فيه ، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله : { أطيعوا الله } موجبا للوجوب ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب ، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع . المسألة الثامنة : اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم اما القول واما الفعل ، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل . وذلك لأنا بينا ان قوله : { أطيعوا } يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام : { فاتبعوه } وهذا أمر ، فوجب أن يكون للوجوب ، فثبت أن متابعته واجبة ، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله ، فثبت ان قوله { أطيعوا الله } يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله ، وقوله : { وأطيعوا الرسول } يوجب الاقتداء به في جميع أقواله ، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة .

قسم V10/P119–V10/P120

المسألة التاسعة : اعلم أن ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه ، ويدل عليه وجوه : الأول : ان قوله : { أطيعوا الله } يصح منه استثناء أي وقت كان ، وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل ، فوجب أن يكون قوله : { أطيعوا الله } متناولا لكل الأوقات ، وذلك يقتضي التكرار ، والتكرار يقتضي الفور . الثاني : انه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة ، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة ، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة ، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا ، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص ، والتخصيص خير من الاجمال . الثالث : ان قوله : { أطيعوا الله } أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله ، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها ، فثبت من هذا الوجه ان المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية ، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة / وهذا أصل معتبر في الشرع . المسألة العاشرة : انه قال : { أطيعوا الله } فأفرده في الذكر ، ثم قال : { وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب ، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره ، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك ، بدليل انه قال : { وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } وهذا تعليم لهذا الأدب ، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : من أطاع الله والرسول فقد رشد ، ومن عصاهما فقد غوى ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله ) أو لفظ هذا معناه ، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة ، وهو سبحانه متعال عن ذلك . المسألة الحادية عشرة : قد دللنا على أن قوله : { وأولى الامر منكم } يدل على أن الاجماع حجة فنقول : كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول : مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة ، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول : الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر ، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء ، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه ، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث ، فدل على ما ذكرناه ، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء . وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر ؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر . الفرع الثاني : اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة ؟ والأصح أنه حجة / والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة ، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك ، فوجب أن يكون الكل حجة .

قسم V10/P120–V10/P121

الفرع الثالث : اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط ؟ والأصح أنه ليس بشرط ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين ، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض . / الفرع الرابع : دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية : { ذلك بأن الذين كفروا } ثم قال : { وأولى الامر منكم } فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين ، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم . المسألة الثانية عشرة : ذكرنا أن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } يدل على صحة العمل بالقياس ، فنقول : كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل ، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول : قد ذكرنا أن قوله : { فردوه إلى الله } معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها ، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها ، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة ، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي ، وحينئذ يتعذر الرد ، فعلمنا أنه لا بد وأن يكون المراد : فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة . ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر ، أما الخبر فانهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام : ( أرأيت لو تمضمضت ) يعني المضمضة مقدمة الأكل ، كما أن القبلة مقدمة الجماع ، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم ، فكذا القبلة . ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزى فقالت نعم : قال عليه الصلاة والسلام : فدين الله أحق بالقضاء ) وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك ، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله : { فردوه } أمر برد الشيء إلى شبيهة ، واذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص ، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله قياس الأشباه ، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد ، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله : { فردوه } هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة ، وهذا بحث فيه طول ، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات ، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب . الفرع الثاني : دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه } مشعر بهذا الاشتراط . الفرع الثالث : دلت الآية على أنه اذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان ، وبطل به قول من قال : لا يجوز استعمال القياس في الكفارات / والحدود وغيرهما ؛ لأن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء } عام في كل واقعة لا نص فيها . الفرع الرابع : دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص ، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله : { فردوه إلى الله والرسول } ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله .

قسم V10/P121–V10/P122

الفرع الخامس : دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن ، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وفي قوله : { فردوه إلى الله والرسول } وكذلك في خبر معاذ . الفرع السادس : دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله ، فان الأول مقدم على الثاني ، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس ، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين ، ولعل الانسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية . المسألة الثالثة عشرة : قوله : { وأولى الامر } معناه ذوو الأمر وأولو جمع ، وواحده ذو على غير القياس ، كالنساء والابل والخيل ، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ . المسألة الرابعة عشرة : قوله : { فإن تنازعتم } قال الزجاج : اختلفتم وقال كل فريق : القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب ، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله ، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده . ثم قال تعالى : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وإلى قوله : { فردوه إلى الله والرسول } والله أعلم . المسألة الثانية : ظاهر قوله : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا ، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد / . ثم قال تعالى : { ذالك خير وأحسن تأويلا } أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته . ! 7 < { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } . > 7 < النساء : ( 60 - 61 ) ألم تر إلى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وانما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث : أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله : { هاذا لله بزعمهم } أي بقولهم الكذب . قال الاصمعي : الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن الاعربي : الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت واني أدين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم اذا عرفت هذا فنقول : الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية نزلت في المنافقين .

قسم V10/P122–V10/P123

المسألة الثانية : ذكروا في أسباب النزول وجوها : الأول : قال كثير من المفسرين : نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي : بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الاشرف ، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، وكعب بن الاشرف كان يديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقا ، والمنافق كان مبطلا ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول ، والمنافق كان يريد كعب بن الاشرف ، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا اليه صلى الله عليه وسلم ، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي / على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا فقال نعم ، قال : اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال : انه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( أنت الفاروق ) وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف . الرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبي بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي / وقال المسلمون : بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن . الرواية الثالثة : قال الحسن : ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه ، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل . الرواية الرابعة : كانوا يتحاكمون إلى الأوثان ، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن ، فما خرج على القداح عملوا به ، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن . واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين ، ثم قال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب ، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى : { يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } إنما يليق بمثل هذا المنافق .

قسم V10/P123–V10/P124

/ المسألة الثالثة : مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه : الأول : انه تعالى قال : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله . الثاني : قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } إلى قوله : { ويسلموا تسليما } ( النساء : 65 ) وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام . الثالث : قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ( النور : 63 ) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : ان قوله تعالى : { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه ، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه ؟ الثاني : انه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة ؟ فلو كان تعالى مريدا لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى : { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 3 ) الثالث : ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به ، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب ، فانه يقال : إنما فعلوا لاجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم ، بل التعجب من هذا التعجب أولى ، فان من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى . واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم ، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم . ثم قال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت ، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . قال المفسرون : إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم ، وقيل : كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين . المسألة الثانية : يصدون عنك صدودا ، أي يعرضون عنك ، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل : صدودا أي صدود . ! 7 < { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا أولائك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فىأنفسهم قولا بليغا } . > 7 < النساء : ( 62 - 63 ) فكيف إذا أصابتهم . . . . . > >

قسم V10/P124–V10/P125

وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين : الأول : أن قوله : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } كلام وقع في البين ، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا : واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الاحسان والتوفيق ، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا ، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي ، وهذا يسمى اعتراضا ، وهو كقول الشاعر : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله : وبلغتها ، كلام أجنبي وقع في البين ، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت ، فان قوله : بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في / القول معه ، والآية أيضا كذلك ، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم ، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به ، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته ، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } أي فكيف حال تكل الشدة وحال تلك المصيبة ، فهذا تقرير هذا القول ، وهو قول الحسن البصري ، واختيار الواحدي من المتأخرين . الوجه الثاني : أنه كلام متصل بما قبله ، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه ، فلما ذكر ذلك قال : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا ، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب : انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له ، سواء غابوا أم حضروا ، وسواء بعدوا أم قربوا ، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله : { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال : هذا شيء لا يعلمه إلا الله ، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى ، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال : { فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار ، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم .

قسم V10/P125–V10/P126

المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : { أصابتهم مصيبة } وجوها : الأول : أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام ، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة ، وهذا اختيار الزجاج . الثاني : قال أبو علي الجبائي : المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ، وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 61 ) وقوله : { قل لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم ، فكانت معدودة في مصائبهم ، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم ، وعني بقوله : { ثم } أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح ، وكانوا في ذلك كاذبين لانهم أضمروا خلاف ما أظهروه ، ولم يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح . الثالث : قال أبو مسلم الاصفهاني : انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول ، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه ، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق . قال : ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا : كيف أنت اذا كان كذا وكذا ، ومثاله قوله تعالى : { عظيما فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) وقوله : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ( آل عمران : 25 ) ثم أمره تعالى اذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم . المسألة الثالثة : في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه : الأول : معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا ، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم ، ولما قدروا على التمرد من حكمه ، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم . الثاني : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول . الثالث : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر ، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان إلى الآخر ، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة . ثم قال تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله .

قسم V10/P126–V10/P127

ثم قال تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء : الأول : قوله : { فأعرض عنهم } وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به ، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه . والثاني : أن هذا يجري مجرى أن يقول له : اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم ، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم ، فان من هتك ستر / عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي باظهار العداوة فيزداد الشر / ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر . النوع الثاني : قوله تعالى : { وعظهم } والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة ، كما قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) . النوع الثالث : قوله تعالى : { وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : { فى أنفسهم } وجوه : الأول : أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا . الثاني : أن يكون التقدير : وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا ، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه ، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شرا من ذلك وأغلظ . الثالث : قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر ، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة . المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة ، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا ، وهو أن يقول لهم : إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار ، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان ، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر ، وحينئذ يلزمكم السيف . الثاني : أن القول البليغ صفة للوعظ ، فأمر تعالى بالوعظ ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار والثواب والعقاب ، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب ، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب . ! 7 < { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . > 7 ! < < النساء : ( 64 ) وما أرسلنا من . . . . . > > قوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } . ( النساء : 64 ) واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله : { وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ثم حكى ان بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم إلى الرسول ، وبين قبح طريقه وفساد منهجه ، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وفي / الآية مسائل :

قسم V10/P127–V10/P128

المسألة الأولى : قال الزجاج كلمة ( من ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير : وما أرسلنا رسولا ، ويمكن أن يكون التقدير : وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم . المسألة الثانية : قال أبو علي الجبائي : معنى الآية : وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى . قال : وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لانهم يقولون : انه تعالى أرسل رسلا لتعصى ، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر ، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية ، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى ، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا ، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله ، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع . واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه : الأول : ان قوله : { إلا ليطاع } يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد ، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الاوقات ، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه : وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الاوقات ، اللهم الا أن يقال : تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، الا أن الجبائي لا يقول بذلك ، فسقط هذا الاشكال على جميع التقديرات . الثاني : لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فانه لا بد وأن يقربه عند موته ، كما قال تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ( النساء : 159 ) أو يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم القيامة ، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت يكفي في حصول مسماه ثبوته في بعض الصور وفي بعض الأحوال . الثالث : أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان ، والضدان لا يجتمعان ، وذلك العلم ممتنع العدم ، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود ، والله عالم بجميع المعلومات ، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود ، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريدا له ، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعا ، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الارادة بل الأمر ، والتقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته ، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : { إلا ليطاع بإذن الله } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف ، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله / أمر بطاعته ، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية : وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح ، فوجب حمل الاذن على التوفيق والاعانة . وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا / وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول ، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون . وأما المحرومون من التوفيق والاعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم ، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا .

قسم V10/P128–V10/P129

المسألة الرابعة : الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ، اذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا ، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة ، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع . المسألة الخامسة : الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا ، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا ، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا ، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال . فان قيل : ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله : { إلا ليطاع } لا يفيد العموم ، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم . قلنا : ظاهر اللفظ يوهم العموم ، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر ، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم ، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق . قوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . وفيه مسائل : / المسألة الأولى : في سبب النزول وجهان : الأول : المراد به من تقدم ذكره من المنافقين ، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما . الثاني : قال أبو بكر الأصم : إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه ، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا ، فقال : ألا تقومون ، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم : قم يا فلان قم يا فلان حتى عد أثنى عشر رجلا منهم ، فقاموا وقالوا : كنا عزمنا على ما قلت ، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا ، فقال : الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار : وكان الله أقرب إلى الاجابة اخرجوا عني . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة ، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله ، وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه ، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره ، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم . الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمر ، فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار . الثالث : لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل / فاذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم .

قسم V10/P129–V10/P130

المسألة الثالثة : إنما قال : { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فان الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه . المسألة الرابعة : الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب ، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده : { لوجدوا الله توابا رحيما } وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله : { توابا رحيما } هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم / ولا يرد استغفارهم . ! 7 < { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فىأنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } . > 7 < النساء : ( 65 ) فلا وربك لا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي : ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق ، فهذه الآية متصلة بما قبلها ، وهذا القول هو المختار عندي . والثاني : انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى ، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل ، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك ) فقال الانصاري : لأجل أنه ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير : ( اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر ) . واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة ، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لاجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام ، وحمل خصمه على مر الحق . المسألة الثانية : ( لا ) في قوله : ( فلا وربك ) فيه قولان : الأول : معناه فوربك ، كقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في { لئلا يعلم } لتأكيد وجوب العلم و { لا يؤمنون } جواب القسم . والثاني : انها مفيدة ، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين : الأول : انه يفيد نفي أمر سبق ، والتقدير : ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم بقوله : { فوربك لا يؤمنون حتى يحكموك } والثاني : أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد ، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن .

قسم V10/P130–V10/P131

المسألة الثالثة : يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط ، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة ، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار ، لتداخل / بعضها في بعض . قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر ، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض ، وأما الحرج فهو الضيق . قال الواحدي : يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه : حرج ، وجمعه حراج ، وأما التسليم فهو تفعيل يقال : سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة ، وسلم هذا الشيء لفلان ، أي خلص له من غير منازع ، فاذا ثقلته بالتشديد فقلت : سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له ، هذا هو الأصل في اللغة ، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم : سلم عليه ، أي دعا له بأن يسلم ، وسلم اليه الوديعة ، أي دفعها اليه بلا منازعة ، وسلم اليه أي رضي بحكمه ، وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له . المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون } قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : أولها : قوله تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا . واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال : لأن قوله : { لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه / ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق ؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية . والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا أو اختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فاذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور ، وهو محال . / الشرط الثاني : قوله : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } قال الزجاج : لا تضيق صدورهم من أفضيتك . واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق .

قسم V10/P131–V10/P132

الشرط الثالث : قوله تعالى : { ويسلموا تسليما } واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : { ويسلموا تسليما } المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم . المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فهذا يدل على أن قوله : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن قوله : { لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) وأن قوله : { عبس وتولى } ( عبس : 1 ) كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب . المسألة السادسة : من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام ، ولا نزاع في أنه للوجوب . المسألة السابعة : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس ، وقوله : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس / فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم النص تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف . المسألة الثامنة : قالت المعتزلة : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض ، / وذلك لأن الرسول اذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول . والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية ، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول ، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله ، والرضا بقضاء الله واجب ، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل . لأنه قضاء الله ، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا ، وذلك محال . والجواب : أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة ، والمراد من قضاء الله التكوين والايجاد ، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض . ! 7 < { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لاتيناهم من لدنآ أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } . > 7 < النساء : ( 66 - 68 ) ولو أنا كتبنا . . . . . > >

قسم V10/P132–V10/P133

اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق ، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } بضم النون في ( أن ) وضم واو ( أو ) والسبب فيه نقل ضمة { اقتلوا } وضمة { أخرجوا } اليهما ، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو ، وقال الزجاج : ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية . وقال غيره : أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين ، وأما ضم الواو فلأن الضمة / في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو { اشتروا الضلالة } ( البقرة : 16 ) { ولا تنسوا الفضل } ( البقرة : 237 ) . المسألة الثانية : الكناية في قوله : { ما فعلوه } عائدة إلى القتل والخروج معا ، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء في قوله : { إلا قليل } فقرأ ابن عامر { قليلا } بالنصب ، وكذا هو في مصاحب أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ، والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات ، فإن قولك : ما جاءني أحد كلام تام ، كما أن قولك : جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبا في الإثبات فكذا مع النفي ، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في { فعلوه } وكذلك كل مستثنى من منفي ، كقولك : ما أتاني أحد إلا زيد ، برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد ( إلا ) على ما قبلها . وكذلك في النصب والجر ، كقولك : ما رأيت أحدا الا زيدا ، وما مررت بأحد إلا زيد . قال أبو علي الفارسي : الرفع أقيس ، فان معنى ما أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني الا زيد واحد ، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم : ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته .

قسم V10/P133–V10/P134

المسألة الثالثة : الضمير في قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد انه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم ، فقال تعالى : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال . الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، وأما الضمير في قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا ، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا ، فقال اليهودي : ان موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه ، فقال : يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي / لم يأمرنا بذلك . المسألة الرابعة : قال أبو علي الجبائي : لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم ، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى ، فيقال له : هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة ، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها ، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب ، ثم انه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون ، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم ، ومع ذلك فانه تعالى كلفهم ، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت . ثم قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } . اعلم أن المراد من قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا ، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع . فالنوع الأول : قوله : { لكان خيرا لهم } فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره ، لأن قولنا : ( خير ) يستعمل على الوجهين جميعا .

قسم V10/P134–V10/P135

النوع الثاني : قوله : { وأشد تثبيتا } وفيه وجوه : الأول : أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل . الثالث : أن الانسان يطلب أولا تحصيل الخير ، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا ، فقوله : { لكان خيرا لهم } إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله : { وأشد تثبيتا } إشارة إلى الحالة الثانية . النوع الثالث : قوله تعالى : { وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما } . واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء ، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم . قال صاحب ( الكشاف ) : و ( إذا ) جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت . فقيل : هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما ، كقوله : { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } ( النساء : 4 ) . / وأقول : إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة ، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر . أحدها : أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله : { ءاتيناه } وقوله : { من لدنا } والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية / وثانيها : قوله : { من لدنا } وهذا التخصيص يدل على المبالغة ، كما في قوله : { وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف : 65 ) وثالثها : أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم ، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة ، وكيف لا يكون عظيما ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . النوع الرابع : قوله : { ولهديناهم صراطا مستقيما } وفيه قولان : أحدهما : أن الصراط المستقيم هو الدين الحق ، ونظيره قوله تعالى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم صراط الله } ( الشورى : 52 53 ) والثاني : انه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة ، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر ، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر ، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر ، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى . ! 7 < { ومن يطع الله والرسول فأولائك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولائك رفيقا ذالك الفضل من الله وكفى بالله عليما } . > 7 < النساء : ( 69 - 70 ) ومن يطع الله . . . . . > >

الأسئلة