Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
النكتة السابعة : يمكن أيضا تنزيل هذه الأسماء الخمسة على المراتب الخمس المذكورة في الذكر المشهور - وهو قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - أما قولنا سبحان الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [ الإسراء : 1 ] وأما قولنا الحمد لله فهو فاتحة خمس سور وأما قولنا لا إله إلا الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي قوله : الم الله لا إله إلا هو [ آل عمران : 1 ] وأما قولنا الله أكبر فهو مذكور في القرآن لا بالتصريح في موضعين مضافا إلى الذكر تارة وإلى الرضوان أخرى فقال : ولذكر الله أكبر [ العنكبوت : 45 ] وقال : ورضوان من الله أكبر [ التوبة : 72 ] وأما قولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو غير مذكور في القرآن صريحا لأنه من الأذكار الخمسة فقولنا الله مبدأ لقولنا سبحان الله وقولنا رب مبدأ لقولنا الحمد لله وقولنا الرحمن مبدأ لقولنا لا إله إلا الله فإن قولنا لا إله إلا الله إنما يليق بمن يحصل له كمال القدرة وكمال الرحمة وذلك هو الرحمن ؛ وقولنا الرحيم مبدأ لقولنا الله أكبر ومعناه أنه أكبر من أن لا يرحم عباده الضعفاء وقولنا مالك يوم الدين مبدأ لقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لأن الملك والمالك هو الذي لا يقدر عبيده على أن يعملوا شيئا على خلاف إرادته والله أعلم . <
> الفصل الثامن < > < > في السبب المقتضي لاشتمال بسم الله الرحمن الرحيم على الأسماء الثلاثة < > وفيه وجوه ( الأول ) : لا شك أنه تعالى يتجلى لعقول الخلق إلا أن لذلك التجلي ثلاث مراتب : فإنه في أول الأمر يتجلى بأفعاله وآياته وفي وسط الأمر يتجلى بصفاته وفي آخر الأمر يتجلى بذاته قيل إنه تعالى يتجلى لعامة عباده بأفعاله وآياته قال : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام [ الشورى : 32 ] وقال إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات [ آل عمران : 190 ] ثم يتجلى لأوليائه بصفاته قال : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا [ آل عمران : 191 ] ويتجلى لأكابر الأنبياء ورؤساء الملائكة بذاته قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [ الأنعام : 91 ] إذا عرفت هذا فنقول : اسم الله عز وجل أقوى الأسماء في تجلي ذاته لأنه أظهر الأسماء في اللفظ وأبعدها معنى عن العقول فهو ظاهر باطن يعسر إنكاره ولا تدرك أسراره قال الحسين بن منصور الحلاج : اسم الله مع الخلق قد تاهوا به ولها ليعلموا منه معنى من معانيه والله ما وصلوا منه إلى سبب حتى يكون الذي أبداه مبديه وقال أيضا : يا سر سر يدق حتى يخفى على وهم كل حي فظاهرا باطنا تجلى لكل شيء بكل شيء وأما اسمه الرحمن فهو يفيد تجلى الحق بصفاته العالية ولذلك قال ^ { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى } ^ [ الإسراء : 110 ] وأما اسمه الرحيم فهو يفيد تجلي الحق بأفعاله وآياته ولهذا السبب قال ^ { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } ^ [ غافر : 7 ] . < > الفصل التاسع < > < > في سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة < > السبب فيه أن مراتب أحوال الخلق خمسة : أولها الخلق وثانيها التربية في مصالح الدنيا وثالثها التربية في تعريف المبدأ ورابعها التربية في تعريف المعاد وخامسها نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى دار المعاد فاسم الله منبع الخلق والإيجاد والتكوين والإبداع واسم الرب يدل على التربية بوجوه الفضل والإحسان واسم الرحمن يدل على التربية في معرفة المبدأ واسم الرحيم في معرفة المعاد حتى يحترز عما لا ينبغي ويقدم على ما ينبغي واسم الملك يدل على أنه ينقلهم من دار الدنيا إلى دار الجزاء ثم عند وصول العبد إلى هذه المقامات انتقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال : إياك نعبد كأنه يقول : إنك إذا انتفعت بهذه الأسماء الخمسة في هذه المراتب الخمس وانتقلت إلى دار الجزاء صرت بحيث ترى الله فحينئذ تكلم معه على سبيل المشاهدة لا على سبيل المغايبة ثم قال : إياك نعبد وإياك نستعين كأنه قال : إياك نعبد لأنك الله الخالق وإياك نستعين لأنك الرب الرازق إياك نعبد لأنك الرحمن وإياك نستعين لأنك الرحيم إياك نعبد لأنك الملك وإياك نستعين لأنك المالك . واعلم أن قوله مالك يوم الدين دل على أن العبد منتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة ومن دار الشرور إلى دار السرور فقال : لا بد لذلك اليوم من زاد واستعداد وذلك هو العبادة فلا جرم قال : إياك نعبد ثم قال العبد : الذي اكتسبته بقوتي وقدرتي قليل لا يكفيني في ذلك اليوم الطويل فاستعان بربه فقال : ما معي قليل فأعطني من خزائن رحمتك ما يكفيني في ذلك اليوم الطويل فقال : وإياك نستعين ثم لما حصل الزاد ليوم المعاد قال : هذا سفر طويل شاق والطرق كثيرة والخلق قد تاهوا في هذه البادية فلا طريق إلا أن أطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق فقال : اهدنا الصراط المستقيم ثم إنه لا بد لسالك الطريق من رفيق ومن بدرقة ودليل فقال : صراط الذين أنعمت عليهم والذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فالأنبياء هم الأدلاء والصديقون هم البدرقة والشهداء والصالحون هم الرفقاء ثم قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين وذلك لأن الحجب عن الله قسمان : الحجب النارية - وهي عالم الدنيا - ثم الحجب النورية - وهي عالم الأرواح - فاعتصم بالله سبحانه وتعالى من هذين الأمرين وهو أن لا يبقى مشغول السر لا بالحجب النارية ولا بالحجب النورية . <
> الفصل العاشر < > في هذه السورة كلمتان مضافتان إلى اسم الله واسمان مضافان إلى غير الله : أما الكلمتان المضافتان إلى اسم الله فهما قوله : بسم الله وقوله : الحمد لله فقوله بسم الله لبداية الأمور وقوله الحمد لله لخواتيم الأمور فبسم الله ذكر والحمد لله شكر فلما قال بسم الله استحق الرحمة ولما قال الحمد لله استحق رحمة أخرى فبقوله بسم الله استحق الرحمة من اسم الرحمن وبقوله الحمد لله استحق الرحمة من اسم الرحيم فلهذا المعنى قيل : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وأما قوله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين فالربوبية لبداية حالهم بدليل قوله ألست بربكم قالوا بلى [ الأعراف : 172 ] وصفة الرحمن لوسط حالهم وصفة الملك لنهاية حالهم بدليل قوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ غافر : 16 ] والله أعلم بالصواب وهو الهادي إلى الرشاد < > 1 ( سورة البقرة ) 1 < > مدنية إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجة الوداع وآياتها مائتان وست وثمانون ! 7 < { الم} . > 7 ! < < البقرة : ( 1 ) الم > > تفسير آلم حروف الهجاء : { الم } فيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة ، لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى ، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ( ضرب ) فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة ، فكانت لا محالة أسماء . فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ، لكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ) الحديث ، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما للحرف ، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور . معاني تسمية حروفها : فروع : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة ، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى ، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا . حكمها ما لم تلها العوامل : الثاني : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم ، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف ، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب ، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى ، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى ، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات . / كونها معربة : الثالث : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه ، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين . معاني آلم :
المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى : { الم } وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور ، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر . ثم أجرى من النهر جدول ، ثم أجرى من الجدول ساقية ، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده ، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده ، وهو المراد من قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } ( الرعد : 17 ) فبحور العلم عند الله تعالى ، فأعطي الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء ، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر ( للعلماء سر ، وللخلفاء سر . وللأنبياء سر ، وللملائكة سر ، ولله من بعد ذلك كله سر ، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سرالملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين ، وبادوا بائرين . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية / كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه ، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه . واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول . حجج المتكلمين بالآيات :
أما الآيات فأربعة عشر . أحدها : قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها } ( محمد : 24 ) أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله : { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي الناقص والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله : { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين } ( الشعراء : 192 195 ) فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذرا به ، وأيضا قوله : { بلسان عربى مبين } يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا / كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوما . ورابعها : قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله : { تبيانا لكل شىء } ( النحل : 89 ) وقوله : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } وسادسها : قوله : { هدى للناس } ( البقرة : 185 ) ، { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله : { حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) وقوله : { وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } ( يونس : 57 ) وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) وتاسعها : قوله : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ( العنكبوت : 51 ) وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى : { هاذا بلاغ للناس ولينذروا به } فكيف يكون بلاغا ، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية { وليذكر أولوا الالباب } ( إبراهيم : 52 ) وإنما يكون كذلك لو كان معلوما الحادي عشر : قوله : { قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ( النساء : 174 ) فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله : { فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا } ( طه : 123 ، 124 ) فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى : { الرسول بما إلى قوله سمعنا وأطعنا } ( البقرة : 285 ) والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما . الاحتجاج بالأخبار :
وأما الأخبار : فقوله عليه السلام : ( إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، هو الذي لا نزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . الاحتجاج بالمعقول : أما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا وسفها ، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول . احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات : أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم ، لقوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } والوقف ههنا واجب لوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { والرسخون في العلم } ( آل عمران : 7 ) لو كان معطوفا على قوله : { إلا الله } لبقي { يقولون ءامنا به } منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد ، لا يقال أنه حال ، / لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم ، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا آمنا به كل من عند ربنا وهذا كفر . وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه ، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم ، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما ، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } ( آل عمران : 7 ) . احتجاجهم بالخبر : وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا ، وروي أنه عليه السلام قال : ( أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله ) ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا ، لقوله عليه السلام ) أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . احتجاجهم بالمعقول :
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان . منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق ، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير ، والصوم سعي في كسر الشهوة . ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ، والرمل ، والاضطباع ، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني ، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه ، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم / لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم ، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر ، بل فيه فائدة أخرى ، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب ، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا ، ومتفكرا فيه أبدا ، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه ، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له ، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة ، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب . هل المراد من الفواتح معلوم :
القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم ، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوها . الأول : أنها أسماء السور ، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء ، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي ، وكقولهم للنحاس : صاد ، وللنقد عين ، وللسحاب غين ، وقالوا : جبل قاف ، وسموا الحوت نونا ، الثاني : أنها أسماء الله تعالى ، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول : ( يا كهيعص ، يا حم عسق ) الثالث : أنها أبعاض / أسماء الله تعالى ، قال سعيد بن جبير : قوله ( آلر ، حم ، ن) مجموعها هو اسم الرحمن ، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي ، الرابع : أنها أسماء القرآن ، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة الخامس : أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في ( آلم ) : الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد ، أول ، آخر ، أزلي ، أبدي ، واللام إشارة إلى أنه لطيف ، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان ، وقال في : { كهيعص } إنه ثناء من الله تعالى على نفسه ، والكاف يدل على كونه كافيا ، والهاء يدل على كونه هاديا ، والعين يدل على العالم ، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، والياء على أنه يجير ، والعين على العزيز والعدل . والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين ، وفي الثاني ليس كذلك ، السادس : بعضها يدل على أسماء الذات ، وبعضها على أسماء الصفات . قال ابن عباس في { الم } أنا الله أعلم ، وفي { المص } أنا الله أفصل ، وفي { الر } أنا الله أرى ، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه . السابع : كل واحد منها يدل على صفات الأفعال ، فالألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم مجده . قاله محمد بن كعب القرظي . وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه . الثامن : بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله ، فقال الضحاك : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، التاسع : كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال ، فالألف معناه ألف الله محمدا فبعثه نبيا ، واللام أي لامه الجاحدون ، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق .
وقال بعض الصوفية : الألف معناه أنا ، واللام معناه لي ، والميم معناه مني ، العاشر : ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجا على الكفار ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيها على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف / وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر ، الحادي عشر : قال عبد العزيز بن يحيى : إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال : اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك ، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولا مفردة ثم يتعلمون المركبات ، الثاني عشر : قول ابن روق وقطرب : إن الكفار لما قالوا : ( لا تسمعوا لهذاالقرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وتواصلوا بالأعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سببا لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن ؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم ، الثالث عشر : قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام ، وآجال / آخرين ، قال ابن عباس رضي الله عنه : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو سورة البقرة { الم ذالك الكتاب } ، ( البقرة : 1 ، 2 ) ثم أتى أخوه حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن آلم وقالوا : ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم كذلك نزلت ) ، فقال حيى إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين ، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيى فهل غير هذا ؟ فقال : نعم { المص } ، فقال يحيى : هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة ، فهل غير هذا ، قال : نعم { الر } ، فقال حيى هذا أكثر من الأولى والثانية ، فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة ، فهل غير هذا ؟ فقال : نعم { المر } ، قال حيى : فنحن نشهد أن من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ . فقال أبو ياسر : أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون ، فإن كان محمد صادقا فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود ، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله ، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ فذلك قوله تعالى : { هو الذى أنزل عليك الكتاب } . ( آل عمران : 7 ) الرابع عشر : هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر ، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب : إن العرب إذا استأنفت كلاما فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه ، فيجعلونه تنبيها للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد .
الخامس عشر : روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عز وجل به على نفسه ، السادس عشر : قال الأخفش : إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وأصول كلام الأمم ، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد ، هو الكل ، كما تقول قرأت الحمد ، وتريد السورة بالكلية ، فكأنه تعالى قال : أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ ، السابع عشر : أن التكلم بهذه الحروف ، وإن كان معتادا لكل أحد ، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة ، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخبارا عن الغيب ؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه . الثامن عشر : قال أبو بكر التبريزي : إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيها على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف ، فيجب أن لا يكون قديما . التاسع عشر : قال القاضي الماوردي : المراد من ( آلم ) أنه ألم بكم ذلك الكتاب . أي نزل عليكم ، والإلمام الزيارة ، وإنما قال تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر العشرون : الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة في أول الأمر ، وهو رعاية الشريعة ، قال تعالى : / { من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) واللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات ، وهو رعاية الطريقة ، قال الله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة ، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها ، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية ، وهو مقام الحقيقة ، قال تعالى : { قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } ( الأنعام : 91 ) الحادي والعشرون : الألف من أقصى الحلق ، وهو أول مخارج الحروف ، واللام من طرف اللسان ، وهو وسط المخارج ، والميم من الشفة ، وهو آخر المخارج ، فهذه إشارة إلى أنه لا بد وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلا الله تعالى ، على ما قال : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : 50 ) .
كون فوائح السور أسماءها : والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور ، والدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة ، أو تكون مفهومة ، والأول باطل ، أما أولا فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج ، وأما ثانيا فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى وذلك ينافي كونه غير معلوم . وأما القسم الثانيفنقول : إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء الألقاب ، أو أسماء المعني ، والثاني باطل ؛ لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون ، فيمتنع حملها عليها ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب ، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلا في لغة العرب ؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوها مختلفة ، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل ، وهو معتذر بالإجماع ؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة ، وليس فيهم من حملها على الكل ، أو لا يحمل على شيء منها ، وهو الباقي ، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب . جعلها أسماء ألقاب أو معاني : فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الألفاظ غير معلومة ، قوله : ( لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج ) قلنا : ولم لا يجوز ذلك ؟ وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة ، والسجيل والاستبرق فارسيان ، قوله : ( وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان ) قلنا : لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات ، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبيانا فكذا ههنا ، سلمنا أنها مفهومة ، لكن قولك : ( إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني ) إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع ، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى ، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا ، فحينئذ يهجم القرآن على أسماعهم ، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما ، فلم لا يجوز أن يقال : إنها من أسماء المعاني ؟ قوله : ( إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة ) قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء / ولكن لم لا يجوز أن يقال : إنها مع القرينة المخضوضة تفيد معنى معينا ؟ وبيانه من وجوه : / أحدها : أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم : إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها ، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله ، وثانيها : أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس ، وثالثها : أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة ، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ، ورابعها : أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب ، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيها على أسمائه تعالى . سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه : أحدها : أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في { الم } و { حم } فالاشتباه حاصل فيها ، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه .
فإن قيل : يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد ؛ فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية . قلنا : قولنا { الم } لا يفيد معنى ألبتة ، فلو جعلناه علما لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علما ، بخلاف التسمية بمحمد ، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين ، وهو التبرك به لكونه إسما للرسول ، ولكونه دالا على صفة من صفات الشرف ، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين ، بخلاف قولنا : { الم } فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين ، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثا محضا . وثانيها : لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالنواثر ؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب ، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نفلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة ، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوما بالتواتر وارتفع الخلاف فيه ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور ، وثالثها : أن القرآن نزل بلسان العرب ، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب ، وأنه غير جائز ، ورابعها : أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء ، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء ، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران ، وخامسها : هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها ، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة ، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة ، فلو جعلناها اسما للسورة لزم التقدم والتأخر معا ، وهو محال ، فإن قيل : مجموع قولنا : ( صاد ) اسم للحرف الأول منه ، فإذا جاز أن يكون المركب اسما لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسما لذلك المركب ؟ قلنا : الفرق ظاهر ؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد ، والاسم يتأخر عن المسمى ، فلو جعلنا المركب اسما للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين ، وذلك غير مستحيل ، أما لو جعلنا المفرد اسما للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدما ومن حيث أنه اسم كونه متأخرا ، / وذلك محال ، وسادسها : لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه ، ومعلوم أنه غير حاصل . الجواب : ( قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب ) قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أن كل ذلك عربي ، لكنه موافق لسائر اللغات ، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين : الثاني : أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولا في بلاد العرب ، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها ، فتكلموا بتلك الأسماء ، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضا . قوله : ( وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بيانا ) قلنا : كل مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل ، أو في الكتاب ، أو في السنة بيانه ، وحينئذ يخرج عن كونه غير مفيد ، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد الله منه . وقوله : ( لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب ؟ ) قلنا : لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذاالغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض ، وهو بالإجماع باطل .
وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا : ( آلم ) غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني ، فلا يجوز استعمالها فيه ، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب ، ولأنها متعارضة ، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض ؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر الهذيانات ، وذلك مما لا سبيل إليه . أما الجواب عن المعارضة الأولى : فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى حكمة خفية . وعن الثاني : أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام ، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر . وعن الثالث : أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسما واحدا على طريقة ( حضرموت ) فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز ؛ فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة ، والبيت من الشعر ، والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم . وعن الرابع : أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا ههنا . وعن الخامس : أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين ، ولفظ الاسم كذلك ، فيكون الاسم اسما لنفسه ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء اسما له . وعن السادس : أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة ، ولا يبعد أن تقتضي الحكمة / وضع الاسم لبعض السور دون البعض . على أن القول الحق : أنه تعالى يفعل ما يشاء ، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة . واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب : من أن المشركين قال بعضهم لبعض : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئا ، والإنسان حريص على ما منع ، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه ؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ، ويوضح ذلك المشكل . فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه . والذي يؤكد هذا المذهب أمران : أحدهما : أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور ، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا والثاني : أن العلماء قالوا : أن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئا يقوي قوله وينصر مذهبه ، فيصير ذلك سببا لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات ، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئا من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى . أقصى ما في الباب أن يقال : لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي . وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض ، وأيضا فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبيانا ، لكنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي وكان ذلك متضمنا لمثل هذه المصلحة فإن ذلك يكون جائزا ؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال ، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة / وقد يكون غيرها ، قوله : ( أنه يكون هذيانا ) قلنا : إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك ، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت أن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه ؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبيانا فذلك لا ينافي ما قلناه ؛ لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم .
القول بأنها أسماء السور : فروع على القول بأنها أسماء السور : الأول : هذه الأسماء على ضربين : أحدهما : يتأتى فيه الإعراب ، وهو أما أن يكون اسما مفردا ( كصاد ، وقاف ، ونون ) أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم ، وطس ويس ؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل ، وأما طسم فهو وإن كان مركبا من ثلاثة أسماء فهو كدر ابجرد ، وهو من باب ما لا ينصرف ، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث . والثاني : ما لا يتأتى فيه الإعراب ، نحو كهيعص ، والمر ، إذا عرفت هذا فنقول : أما المفردة ففيها قراءتان : إحداهما : قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح ، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو : اذكر ، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز / سيبويه مثله في حموطس ويس لو قرىء به ، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ ( يس ) بفتح النون ؛ وأن يكون الفتح جرا ، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية ، فقد جاء عنهم : ( الله لأفعلن ) غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة ، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم ( أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف ) ، وثانيتهما : قراءة بعضهم صاد بالكسر . وسببه التحريك لالتقاء الساكنين . أما القسم الثاني وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه فهو يجب أن يكون محكيا ، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك : ( دعني من تمرتان ) . الثاني : أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم : أربعة عشر سواء ، وهي : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والياء ، والعين والطاء ، والسين ، والحاء ، والقاف ، والنون في تسع وعشرين سورة . الثالث : هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد ، فوردت ( ص ق ن ) على حرف ، و ( طاه وطس ويس وحم ) على حرفين ، و ( آلم والر وطسم ) على ثلاثة أحرف ، والمص والمر على أربعة أحرف ، و ( كهعيص وحمعسق ) على خمسة أخرف ، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا . الرابع : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا ؟ فنقول : إن جعلناها أسماء للسور فنعم ، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله ، كما لا محل للجمل المبتدأ وللمفردات المعدودة . الإشارة في ( ذلك الكتاب ) : ! 7 < { ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . > 7 ! قوله تعالى : { ذالك الكتاب } < < البقرة : ( 2 ) ذلك الكتاب لا . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر ، و ( ذلك ) اسم مبهم يشار به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر ، وبيانه من وجوه : أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض ، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد ، فقوله : { ذالك } إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة ، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا ، قال الله تعالى : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له } ( الأعراف : 204 ) وقال حاكيا عن الجن { قل أوحى إلى أنه } ( الجن : 1 ) وقوله : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } ( الأحقاف : 30 ) وهم ما سمعوا إلا البعض ، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي ، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه ، / ويؤيده قوله : { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) وهذا في سورة المزمل ، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث ، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل ، لأن سورة البقرة مدنية ، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل ، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتابا فقال تعالى : { ذالك الكتاب } أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل ، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله : { وإنه فى أم الكتاب لدينا } ( الزخرف : 4 ) وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك ، فغير ممتنع أن يقول تعالى : { ذالك الكتاب } ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ . وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى ( آلم ) بعد ما سبق التكلم به وانقضى ، والمنقضى في حكم المتباعد ، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد ، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا احتفظ بذلك . وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب . ( ذلك ) يشار بها للقريب والبعيد :
المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر ، لكن لا نسلم أن لفظة . ( ذلك ) لا يشار بها إلا إلى البعيد ، بيانه أن ذلك ، وهذا حرفا إشارة ، وأصلهما ( ذا ) ؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) ومعنى ( ها ) تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا ، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على ( ذا ) للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل : ( ذلك ) فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد في أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض / وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع . العرفي ، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى : { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق إلى قوله وكل من الاخيار } ( ص: 45 48 ) ثم قال : { هاذا ذكر } ( الأنبياء : 24 ) وقال : { وعندهم قاصرات الطرف أتراب هاذا ما توعدون ليوم الحساب } ( ص: 52 ، 53 ) وقال : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } ( ق: 19 ) وقال : { فأخذه الله نكال الاخرة والاولى إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } ( النازعات : 25 ، 26 ) وقال : { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) ثم قال : { إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين } ( الأنبياء : 106 ) وقال : { فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحيى الله الموتى } ( البقرة : 73 ) أي هكذا يحيى الله الموتى ، وقال : { وما تلك بيمينك ياموسى موسى } ( طه : 17 ) أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ، / الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( آلم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر وهو السورة وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( آلم ) ، لا الذي هو مئنث وهو السورة . مدلول لفظ ( كتاب ) :
المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال : { كتاب أنزلناه إليك } ( ص: 29 ) والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا } ( النساء : 103 ) وثانيها : الحجة والبرهان { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } ( الصافات : 157 ) أي برهانكم . وثالثها : الأجل { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : 4 ) أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم } ( النور : 33 ) وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق . اشتقاق لفظ ( قرآن ) : وثانيها : القرآن { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان } ( الإسراء : 88 ) { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( الزخرف : 3 ) { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) . { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد ، كالخسران والخسارة واحد / والدليل عليه قوله : { فإذا قرأناه فاتبع قرءانه } ( القيامة : 18 ) أي تلاوته ، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته : الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت آيات ، والآيات جمعت فصارت سورا ، والسور جمعت فصارت قرآنا ، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية . معنى الفرقان : وثالثها : الفرقان { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده } ( الفرقان : 1 ) . { وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ) واختلفوا في تفسيره ، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة ، ودليله قوله تعالى : { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } ( الإسراء : 106 ) ونزلت سائر الكتب جملة واحدة ، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى : { وقالوا لولا نزل عليه وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان } ( الفرقان : 32 ) وقيل : وقال الذين كفروا سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والمجمل والمبين ، والمحكم والمؤول ، وقيل : الفرقان هو النجاة ، وهو قول عكرمة والسدي ، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة ، / وعليه حمل المفسرون قوله : { وإذا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ } ( البقرة : 53 ) . معنى تسميته بالذكر :
ورابعها : الذكر ، والتذكرة ، والذكرى ، أما الذكر فقوله : { وهاذا ذكر مبارك أنزلناه } ( الأنبياء : 50 ) { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) . { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره . والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به ، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته ، وأما التذكرة فقوله : { وإنه لتذكرة للمتقين } ( الحاقة : 48 ) وأما الذكرى فقوله تعالى : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) . تسميته تنزيلا وحديثا : وخامسها : التنزيل { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين } ( الشعراء : 192 193 ) . وسادسها : الحديث { الله نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) سماه حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث ، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به ، فإن الله خاطب به المكلفين . وسابعها : الموعظة { ترجعون ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( يونس : 57 ) وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى ، والآخذ جبريل ، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا تقع به الموعظة . تسميته بالحكم والحكمة : وثامنها : الحكم ، والحكمة ، والحكيم ، والمحكم ، أما الحكم فقوله : { وكذالك أنزلناه حكما عربيا } ( الرعد : 37 ) وأما الحكمة فقوله : { حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايات الله والحكمة } ( الأحزاب : 34 ) وأما الحكيم فقوله : { يس والقرءان الحكيم } ( يس : 1 ، 2 ) وأما المحكم فقوله : { كتاب أحكمت ءاياته } ( هود : 1 ) . معنى الحكمة : واختلفوا في معنى الحكمة ، فقال الخليل : هو مأخوذ من الأحكام والإلزام / وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة ، والحكمة تمنع من السفه . وتاسعها : الشفاء { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ( الإسراء : 82 ) وقوله : { وشفاء لما فى الصدور } وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض . والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر ، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض ، فقال : { فى قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) وبالقرآن يزول كل شك عن القلب ، فصح وصفه بأنه شفاء . كونه هدي وهاديا : وعاشرها : الهدى ، والهادي : أما الهدى فلقوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . { هدى للناس } ( آل عمران : 4 ، الأنعام : 91 ) . { وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } ( يونس : 57 ) وأما الهادي { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وقالت الجن : { قل أوحى إلى أنه يهدى إلى الرشد } . الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن ، وقال : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } .
والثاني عشر : الحبل : { واعتصموا بحبل الله جميعا } ( آل عمران : 103 ) في التفسير : إنه القرآن ، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا ، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك ، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال : ( إن هذا القرآن / عصمة لمن اعتصم به ) لأنه يعصم الناس من المعاصي . الثالث عشر : الرحمة { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ( الإسراء : 88 ) وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات . تسميته بالروح : الرابع عشر : الروح { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) . { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح ، وسمي جبريل بالروح { فأرسلنا إليها روحنا } ( مريم : 17 ) وعيسى بالروح { ألقاها إلى مريم وروح منه } ( النساء : 171 ) . الخامس عشر : القصص { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) سمي به لأنه يجب اتباعه { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين ، ومنه قوله تعلى : { إن هاذا لهو القصص الحق } ( آل عمران : 62 ) . السادس عشر : البيان ، والتبيان ، والمبين : أما البيان فقوله : { هاذا بيان للناس } ( آل عمران : 138 ) والتبياني فهو قوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء } ( النحل : 89 ) وأما المبين فقوله : { تلك ءايات الكتاب المبين } ( يوسف : 1 ) . السابع عشر : البصائر { هاذا بصائر من ربكم } ( الأعراف : 203 ) أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص . الثامن عشر : الفصل { إنه لقول فصل وما هو بالهزل } ( الطارق : 13 ، 14 ) واختلفوا فيه ، فقيل معناه القضاء ، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار ، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة ، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار . تسميته بالنجوم : التاسع عشر : النجوم { فلا أقسم بمواقع النجوم } ( الواقعة : 75 ) { والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) لأنه نزل نجما نجما . العشرون : المثاني : { مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ( الزمر : 23 ) قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار . تسميه القرآن نعمة وبرهانا : الحادي والعشرون : النعمة : { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) قال ابن عباس يعني به القرآن . الثاني والعشرون : البرهان { قد جاءكم برهان من ربكم } ( النساء : 174 ) وكيف لا يكون برهانا وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله . الثالث والعشرون : البشير والنذير ، وبهذا الاسم وقعت المشاركة بينه وبين الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل : { مبشرين ومنذرين } ( النساء : 165 ، الأنعام : 48 ) وقال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } ( الفتح : 8 ) وقال في صفة القرآن في حم السجدة { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم } ( فصلت : 4 ) يعني مبشرا بالجنة لمن أطاع وبالنار منذرا لمن عصى ، ومن ههنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين القرآن . تسميته قيما :
الرابع والعشرون : القيم { فيما لينذر بأسا شديدا } ( الكهف : 2 ) والدين أيضا قيم { ذالك الدين القيم } ( التوبة : 36 ) والله سبحانه هو القيوم { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } ( البقرة : 255 ، آل عمران : 2 ) وإنما سمي قيما لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة . الخامس والعشرون : المهيمن { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) وهو مأخوذ من الأمين ، وإنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في / الدنيا والآخرة ، والرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء الله تعالى على خلقه كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) . السادس والعشرون : الهادي { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وقال : { يهدى إلى الرشد } ( الجن : 2 ) والله تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر ( النور الهادي ) . تسميته نورا : السابع والعشرون : النور { الله نور السماوات والارض } ( النور : 35 ) وفي القرآن { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ( الأعراف : 157 ) يعني القرآن وسمي الرسول نورا { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) يعني محمد وسمي دينه نورا { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } ( الصف : 8 ) وسمي بيانه نورا { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( الزمر : 22 ) وسمي التوراة نورا { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) وسمي الإنجيل نورا { وقفينا علىءاثارهم بعيسى ابن } ( المائدة : 46 ) وسمي الإيمان نورا { يسعى نورهم بين أيديهم } ( الحديد : 12 ) . الثامن والعشرون : الحق : ورد في الأسماء ( الباعث الشهيد الحق ) والقرآن حق { وإنه لحق اليقين } ( الحاقة : 51 ) فسماه الله حقا ؛ لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ( الأنبياء : 18 ) أي ذاهب زائل . التاسع والعشرون : العزيز { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ( الشعراء : 9 ، 68 ) وفي صفة القرآن { وإنه لكتاب عزيز } ( فصلت : 41 ) والنبي عزيز { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه } والأمة عزيزة { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) فرب عزيز أنزل كتابا عزيزا على نبي عزيز لأمة عزيزة ، وللعزيز معنيان : أحدهما : القاهر ، والقرآن كذلك ؛ لأنه هو الذي قهر الأعداء وامتنع على من أراد معارضته . والثاني : أن لا يوجد مثله . تسمية القرآن بالكريم :
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟