Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : أما الأول : فقوله { ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر } ومعنى القضاء الإتمام والإلزام . وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة . ثم هاهنا وجوه : الأول : أن إنزال الملك على البشر آية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما قال : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } إلى قوله { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، فإن سنة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال ، فهاهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني : أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون ، وتقريره : أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر . فإن كان الأول لم يبق الآدمي حيا ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصا على صورة البشر ، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكا أو بشرا . ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ، وأضياف لوط ، وكالذين تسوروا المحراب ، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشرا سويا . والوجه الثالث : أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء ، وإزالة الاختيار ، وذلك مخل بصحة التكليف . الوجه الرابع : أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر ، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه . وأما قوله { ثم لا ينظرون } فالفائدة في كلمة { ثم } التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . وأما الثاني : فقوله { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } < < الأنعام : ( 9 ) ولو جعلناه ملكا . . . . . > > أي لجعلناه في صورة البشر . والحكمة فيه أمور : أحدها : أن الجنس إلى الجنس أميل . وثانيها : أن البشر لا يطيق رؤية الملك ، وثالثها : ان طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر ، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي . ورابعها : أن النبوة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده ، سواء كان ملكا أو بشرا . ثم قال : { وللبسنا عليهم ما يلبسون } قال الواحدي : يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبسا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلا ، وأصله من التستر بالثوب ، ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشرا فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص . وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيرا لفعلهم في التلبيس ، وإنما كان ذلك تلبيسا لأن الناس يظنون أنه بشر مع أنه ليس كذلك ، وإنما كان فعلهم تلبيسا لأنهم يقولون للقومهم إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولا من عند الله تعالى . ! 7 < { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 10 ) ولقد استهزئ برسل . . . . .
> > اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكا من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء ، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سببا للتخفيف عن القلب لأن أحدا ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم . فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم ، فلست أنت فريدا في هذا الطريق . وقوله { فحاق بالذين سخروا منهم } الآية ونظيره قوله { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ) وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة وهي بأسرها متقاربة . قال النضر : وجب عليهم . قال الليث ( الحيق ) ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك به ، يقول أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم ، وقال الفراء ( حاق بهم ) عالد عليهم ، وقيل ( حاق بهم ) حل بهم ذلك . وقال الزجاج ( حاق ) أي أحاط . قال الأزهري : فسر الزجاج ( حاق ) بمعنى أحاط وكان مأخذخ من الحوق وهو ما استدار بالكمرة . وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة ( ما ) في قوله { ما كانوا به } فيها قولان : الأول : أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد عليه السلام . وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف ، والتقدير فحاق بهم عقاب ما كانوا به يستهزؤن . والقول الثاني : أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الإضمار . ! 7 < { قل سيروا فى الا رض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 11 ) قل سيروا في . . . . . > > اعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى ، فكذلك حذر القوم بهذه الآية ، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها ، بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة ، فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار ، فيكمل الاعتبار ، ويقوى الاستبصار . فإن قيل : ما الفرق بين قوله { الارض فانظروا } ( آل عمران : 137 ) وبين قوله { ثم انظروا } . قلنا : قوله { فانظروا } يدل على أنه تعالى جعل النظر سببا عن السير ، فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله { سيروا فى الارض ثم انظروا } فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة { ثم } لتباعد ما بين الواجب والمباح . والله أعلم . ! 7 < { قل لمن ما فى السماوات والا رض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 12 ) قل لمن ما . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع ، وتقرير المعاد وتقرير النبوة وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها ، ومتى كان كذلك ، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لا بد وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصه بتلك الصفة المعينة ، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى . وإذا ثبت هذا ، ثبت كونه قادرا على الاعادة والحشر والنشر ، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما ، فوجب صحة الاعادة ثانيا . وأيضا ثبت أنه تعالى ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، ولا بد من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق غير ممتنع . فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة . ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم . المسألة الثانية : قوله تعالى : { قل لمن ما فى السماوات والارض } سؤال . وقوله { قل لله } جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا . وهذا ، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ولما بينا أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم أمره بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا ، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة . وأيضا فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك لله ، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الطريق كممال إلاهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية ، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال : { كتب على نفسه الرحمة } فكأنه تعالى قال : إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالإنعام ، بل أبدا ينعم وأبدا يعد في المستقبل بالإنعام ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم . واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم : تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعالجلهم بالعقوبة في الدنيا . وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم . واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لما فرغ الله من الخلق كتب كتابا أن رحمتي سبقت غضبي ) . فإن قيل : الرحمة هي إرادة الخير ، والغضب هو إرادة الانتقام ، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى ، والمسبوق بالغير محدث ، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة . قلنا : المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان . وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة ، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق ، فبها يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين . أما قوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } ففيه أبحاث : الأول : ( اللام ) في قوله { ليجمعنكم } لام قسم مضمر ، والتقدير : والله ليجمعنكم .
البحث الثاني : اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله . فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ ، وذلك لأنه تعالى بين كمال إلهيته بقوله { قل لمن ما فى السماوات والارض قل لله } ثم بين تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال ، وبين أنه يجمعهم إلى يوم القيامة ، فقوله { كتب على نفسه الرحمة } أنه يمهلهم وقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا . والقول الثاني : أنع متعلق بما قبله والتقدير : كتب ربكم على نفسه الرحمة . وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة . وقيل : أنه لما قال : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } فكأنه قيل : وما تلك الرحمة ؟ فقيل : إنه تعالى { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط ، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا ، فكان قوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } كالتفسير لقوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } . البحث الثالث : أن قوله { قل لمن ما فى السماوات والارض قل لله } كلام ورد على لفظ الغيبة . وقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } كلام ورد على سبيل المخاطبة . والمقصود منه التأكيد في التهديد ، كأنه قيل : لما علمتم أن كل ما في السماوات والأرض لله وملكه ، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها ، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل ؟ البحث الرابع : ان كلمة { إلى } في قوله { إلى يوم القيامة } فيها أقوال : الأول : أنها صلة والتقدير : ليجمعنكم يوم القيامة . وقيل : { إلى } بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة . وقيل : فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة ، لأن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان . وقيل : ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة . أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه أبحاث : الأول : في هذه الآية قولان : الأول : أن قوله { الذين } موضعه نصب على البدل من الضمير في قوله { ليجمعنكم } والمعنى ليجعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم وهو قول الأخفش . والثاني : وهو قول الزجاج ، أن قوله { الذين خسروا أنفسهم } رفع بالابتداء ، وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، لأن قوله { ليجمعنكم } مشتمل على الكل ، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم ( والفاء ) في قوله { فهم } يفيد معنى الشرط والجزاء ، كقولهم : الذي يكرمني فله درهم ، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطا والدرهم جزاء . فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم ، والأمر على العكس . قلنا : هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان ، هو الذي حملهم على الامتناع من الايمان ، وذلك عين مذهب أهل السنة . ! 7 < { وله ما سكن فى اليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والا رض وهو يطعم ولا يطعم قل إنىأمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين قل إنىأخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } > 7 < الأنعام : ( 13 - 15 ) وله ما سكن . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى ، فقال : ذكر في الآية الأولى السموات والأرض ، إذ لا مكان سواهما ، وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما ، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات ، ومالك للزمان والزمانيات ؛ وهذا بيان في غاية الجلالة . وأقول ههنا دقيقة أخرى ، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات ، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات ، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة ، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى ، فهذا ما يتعلق بوجه النظم . المسألة الثانية : قوله { وله ما سكن في الليل والنهار } يفيد الحصر والتقدير : هذه الأشياء له لا لغيره . وهذا هو الحق لأن كل موجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد ، وما سوى ذلك الواحد ممكن . والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكا له ، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال { وله ما سكن في الليل والنهار } . المسألة الثالثة : في تفسير هذا السكون قولان : الأول : أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك ، فعلى هذا ، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب وجملة الحيوانات في البر والبحر ، وعلى هذا التقدير قالوا في الآية محذوف والتقدير : وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى { سرابيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة ، كذلك هنا حذف ذكر الحركة ، لأن ذكر السكون يدل عليه . والقول الثاني : أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة ، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول كما يقال : فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه ، ومنه قوله تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [ إبراهيم : 45 ] وعلى هذا التقدير ، كان المراد وله كل ما حصل في الليل والنهار . والتقدير : كل ما في الوقت والزمان سواء كان متحركا أو ساكنا ، وهذا التفسير أولى وأكمل . والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أن انقضى الماضي وسيجيء المستقبل ، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث ، والحدوث ينافي الأزلية والدوام ، فكل ما مر به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث ، وكل حادث فلا بد له من محدث ، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدما عليه ، والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدما على الوقت والزمان ، فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أن كان وسيكون . واعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات ، بين أنه سميع عليم ، يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين . والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات ، فنبه على أنه وإن كان مالكا لكل المحدثات ، لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى . ولما قرر هذه المعاني قال { قل أغير الله أتخذ وليا } .
واعلم انه فرق بين أن يقال { أغير الله أتخذ وليا } وبين أن يقال : أتخذ غير الله وليا . لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله وليا ، لا على اتخاذ الولي ، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعني فكان قوله { قل أغير الله أتخذ وليا } أولى من العبارة الثانية ، ونظيره قوله تعالى { أفغير الله تأمروني أعبد } [ الزمر : 64 ] وقوله تعالى { الله أذن لكم } [ يونس : 59 ] . ثم قال { فاطر السموات والأرض } وقرئ فاطر السموات بالجر صفة لله وبالرفع على إضمار هو والنصب على المدح . وقرأ الزهري فطر السموات وعن ابن عباي : ما عرفت فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها . وقال ابن الأنباري : أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه ، فقوله { فاطر السموات والأرض } يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض ، فلما كان الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح ، وفي حال أخرى شق إفساد . ففاطر السموات من الاصلاح لا غير . وقوله { هل ترى من فطور } [ الملك : 3 ] و { إذا السماء انفطرت } [ الانفطار : 1 ] من الإفساد ، وأصلهما واحد . ثم قال تعالى { وهو يطعم ولا يطعم } أي وهو الرزاق لغيره ولا يرزقه أحد . فإن قيل : كيف فسرت الاطعام بالرزق ، وقد قال تعالى { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } { الذاريات : 57 } والعطف يوجب المغايرة ؟ قلنا : لا شك في حصول المغايرة بينهما ، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة ~ . والمقصود من الآية : أن المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرئ { ولا يطعم } بفتح الياء ، وروى ابن المأمون عن يعقوب { وهو يطعم ولا يطعم } على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل ، وعلى هذا التقدير : فالضمير عائد إلى المذكور في قوله { أغير الله } وقرأ الأشهب { وهو يطعم ولا يطعم } على بنائهما للفاعل ، وفسر بأن معناه : وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى استطعمت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ويقدر ، ويغني ويفقر . واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى وليا . واحتج عليه بأنه فاطر السموات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم . ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره وليا . أما بيان أنه فاطر السموات والأرض ، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقع موجودا إلا بإيجاد غيره ، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه . فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره ؛ لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع ، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع . ولما كان واجبا لذاته كان لا محالة غنيا ومتعاليا عن الانتفاع بشيء آخر . فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السموات والأرض ، وصحة أن يطعم ولا يطعم ، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره وليا ، لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده . والحق سبحانه هو الغني لذاته ، الجواد لذاته . وترك الغني الجواد ، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل .
وإذا عرفت هذا فنقول : قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة : هو القريب . وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه . فقوله { قل أغير الله أتخذ وليا } يمنع من القرب من غير الله تعالى . فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى . ثم قال تعالى { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله { وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [ الأنعام : 163 ] ولقول موسى { سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } [ الأعراف : 143 ] ثم قال : { ولا تكونن من المشركين } ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك . ثم إنه تعالى لما بين كون رسوله مأمورا بالإسلام ثم عقبه بكونه منهيا عن الشرك قال بعده { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقا للعذاب العظيم . فإن قيل : قوله { قل إني أخاف غن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان ، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفا . والجواب : أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه ، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف . وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف ، ومثاله قولنا : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، وهذا يدل على أن الخمسة زوج ، ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم . وقوله تعالى { إني أخاف } قرأ ابن كثير ونافع { إني } بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال . ! 7 < { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين } . > 7 < الأنعام : ( 16 ) من يصرف عنه . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي { يصرف } بفتح الياء وكسر الراء . وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله { إنى أخاف إن عصيت ربى } ( الأنعام : 15 ) والتقدير : من يصرف هو عنه يومئذ العذاب . وحجة هذه القراءة قوله { فقد رحمه } فلما كان هذا فعلا مسندا إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان ، وعلى هذا التقدير : صرف العذاب مسندا إلى الله تعالى ، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى ، وأما الباقون فإنهم قرؤا { من يصرف عنه } على فعل ما لم يسم فاعله ، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في قوله { عذاب يوم عظيم } ( الإنعام : 15 ) فلذلك أضاف الصرف إليه . والتقدير : من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم . المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفا وذلك محال ، بل المراد عذاب ذلك اليوم ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما .
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب ، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال : { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه . وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعا على سبيل التفضل أما لو كان واجبا مستحقا لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد ، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه . أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه ، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل ، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله ، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ووضع يده فوق رأسه ، وطول بها صوته . المسألة الرابعة : قال القاضي : الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف عنه العقاب ، فلا بد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول : إن فيمن يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب ، لكنه يتفضل عليه . فإن قيل : أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم ؟ قلنا : هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه : الأول : أن التفضل يكون كالابتداء من قبل الله تعالى ، وليس يكون ذلك مطلوبا من الفعل والفوز هو الظفر بالمطلوب ، فلا بد وأن يفيد أمرا مطلوبا . والثاني : أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة ، وذلك لا يكون إلا ثوابا . والثالث : أن الآية معطوفة على قوله { إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } ( الأنعام : 15 ) والمقابل للعذاب هو الثواب ، فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جدا وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله أعلم . ! 7 < { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير } . > 7 ! < < الأنعام : ( 17 ) وإن يمسسك الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله وليا ، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها . والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما . والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع فإذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل . وإذا ثبت هذا الحصر فقد بين الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله ، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله . والدليل على أن الأمر كذلك ، أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ممكنا لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه فثبت أن اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا به ، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به ، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلت الآية عليه .
فإن قيل : قد نرى أن الإنسان بدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية . وأيضا فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى . ورأس الخيرات هو الإيمان ، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر عقابا ولا يفعل الإيمان ثوابا . وأيضا فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل الدواء ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية . والجواب عن الأول : أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى . وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات . المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير ، إلا أنه ميز الأول عن الثاني بوجيهين : الأول : أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر إمساس الخير ، وذلك تنبيه على أن جميع المضار لا بد وأن يحصل عقبيها الخير والسلامة . والثاني : أنه قال في إمساس الضر { فلا كاشف له إلا هو } وذكر في إمساس الخير { فهو على كل شىء قدير } فذكر في الخير كونه قادرا على جميع الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لايصال الخيرات غالبة على إرادته لايصال المضار . وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب الرحمة غالب ، كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) . ! 7 < { وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } . > 7 < الأنعام : ( 18 ) وهو القاهر فوق . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن صفات الكماب محصورة في القدرة والعلم فإن قالوا : كيف أهملتم وجوب الوجود . قلنا : ذلك عين الذات لا صفة قائمة بالذات لأن الصفة القائمة بالذات مفتقرة إلى الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكنا لذاته واجبا بغيره فيلزم حصول وجوب قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات ، وثبت أن الصفات التي هي الكمالات حقيقتها هي القدرة والعلم فقوله { وهو القاهر فوق عباده } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله { وهو الحكيم الخبير } إشارة إلى كمال العلم . وقوله { وهو القاهر } يفيد الحصر ومعناه أنه لا موصوف بكمال القدرة وكمال العلم إلا الحق سبحانه وعند هذا يظهر أنه لا كامل إلا هو ، وكل من سواه فهو ناقص . إذا عرفت هذا فنقول : أما دلالة كونه قاهرا على القدرة فلأنا بينا أن ما عدا الحق سبحانه ممكن بالوجود لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بترجيحه وتكوينه وإيجاده وإبداعه فيكون في الحقيقة هو الذي قهر الممكنات تارة في طرف ترجيح الوجود على العدم ، وتارة في طرف ترجيح العدم على الوجود ويدخل في هذا الباب كونه قاهرا لهم بالموت والفقر والاذلال ويدخل فيه كل ما ذكره الله تعالى في قوله { قل اللهم مالك الملك } ( آل عمران : 26 ) إلى آخر الآية . وأما كونه حكيما ، فلا يمكن حمله ههنا على العلم لأن الخبير إشارة إلى العلم فيلزم التكرار أنه لا يجوز ، فوجب حمله على كونه محكما في أفعاله بمعنى أن أفعاله تكون محكمة متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد والخبير هو العالم بالشيء المروي . قال الواحدي : وتأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به قال : والخبر علمك بالشيء تقول : لي به خبر أي علم وأصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم .
المسألة الثانية : المشبهة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى موجود في الجهة التي هي فوق العالم وهو مردود ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان موجودا فوق العالم لكان إما أن يكون في الصغر بحيث لا يتميز جانب منه من جانب وإما أن يكون ذاهبا في الأقطار متمددا في الجهات . والأول : يقتضي أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد فلو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إله العالم بعض الذرات المخلوطة بالهباآت الواقعة في كوة البيت وذلك لا يقوله عاقل ، وإن كان الثاني كان متبعضا متجزئا ، وذلك على الله محال . والثاني : أنه إما أن يكون غير متناه من كل الجهات وحينئذ يصح عليه الزيادة والنقصان . وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بمقداره المعين لتخصيص مخصص ، فيكون محدثا أو يكون متناهيا من بعض الجوانب دون البعض ، فيكون الجانب الموصوف بكونه متناهيا غير الجانب الموصوف بكونه غير متناه وذلك يوجب القسمة والتجزئة . والثالث : إما أن يفسر المكان بالسطح الحاوي أو بالبعد والخلاء . فإن كان الأول : فنقول أجسام العالم متناهية فخارج العالم لا خلا ولا ملا ولا مكان ولا حيث ولا جهة ، فيمتنع حصول ذات الله تعالى فيه . وإن كان الثاني فنقول الخلاء متساوي الأجزاء في حقيقته وإذا كان كذلك ، فلو صح حصول الله في جزء من أجزاء ذلك الخاء لصح حصوله في سائر الأجزاء ، ولو كان كذلك لكان حصوله فيه بتخصيص مخصص ، وكل ما كان واقعا بالفاعل المختار فهو محدث ، فحصول ذاته في الجزء محدث . وذاته لا تنفك عن ذلك الحصول وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، فيلزم كون ذاته محدثة ومفتقر إلى الموجد ويكون موجده قبله فيكون ذات الله تعالى قد كانت موجودة قبل وجود الخلاء والجهة والحيث والحيز . وإذا ثبت هذا : فبعد الحيز والجهة والخلاء وجب أن تبقى ذات الله تعالى كما كانت وإلا فقد وقع التغيير في ذات الله تعالى وذلك محال . وإذا ثبت هذا وجب القول بكونه منزها عن الأحياز والجهات في جميع الأوقات . والخامس : أنه ثبت أن العالم كرة . وإذا ثبت هذا فالذي يكون فوق رؤوس أهل الري يكون تحت أقدام قوم آخرين . وإذا ثبت هذا ، فإما أن يقال : إنه تعالى فوق أقوام بأعيانهم . أو يقال : إنه تعالى فوق الكل . والأول : باطل ، لأن كونه فوقا لبعضهم يوجب كونه تحتا لآخرين ، وذلك باطل . والثاني : يوجب كونه تعالى محيطا بكرة الفلك فيصير حاصل الأمر إلى أن إله العالم هو فلك محيط بجميع الأفلاك وذلك لا يقوله مسلم . والسادس : هو أن لفظ الفوقية في هذه الآية مسبوق بلفظ وملحوق بلفظ آخر . أما أنها مسبوقة فلأنها مسبوقة بلفظ القاهر ، والقاهر مشعر بكمال القدرة وتمام المكنة . وأما أنها ملحوقة بلفظ فلأنها ملحوقة بقوله { عباده } وهذا اللفظ مشعر بالمملوكية والمقدورية ، فوجب حمل تلك الفوقية على فوقية القدرة لا على فوقية الجهة . فإن قيل : ما ذكرتموه على الضد من قولكم إن قوله { وهو القاهر فوق عباده } دل على كمال القدرة . فلو حملنا لفظ الفوق على فوقية القدرة لزم التكرار ، فوجب حمله على فوقية المكان والجهة .
قلنا : ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون البعض وقوله { فوق عباده } دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل . والسابع : وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية ردا على من يتخذ غير الله وليا ، والتقدير : كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله وليا . وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية ، الفوقية بالقدرة والقوة . أما لو كان المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلا في جهة فوق أن يكون التويل عليه في كل الأمور مفيدا وأن يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازما . أما إذا حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ذكرناه ، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم . ! 7 < { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لا نذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } > 7 ! < < الأنعام : ( 19 ) قل أي شيء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى . ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول : يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى . أما الاحتمال الأول : فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله غيرك رسولا وما نرى أحدا يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة ، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إلي هذا القرآن وهذا القرآن معجز ، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا ، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي . والحاصل : أنهم طلبوا شاهدا مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو لله ، ثم بين أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فهذا تقرير واضح . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى . فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة ، وهي أنا نقول : المطالب على أقسام ثلاثة : منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع ، وإلا لزم الدور . ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلا ، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلا ، فالقطع على أحد الطرفين يعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي ، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معا ، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على العلم به ، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { قل الله شهيدا بينى وبينكم } في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه .
ثم قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب ، وأن القول بالشرك باطل مردود . المسألة الثانية : نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئا . واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتا موجودا وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته اعالى بكونه شيئا ، فيكون هذا خلافا في مجرد العبارة . واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله { قل الله } وهذا يوجب كونه تعالى شيئا ، كما أنه لو قال : أي الناس أصدق ، فلو قيل : جبريل ، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا ههنا . فإن قيل : قوله { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله لأن قوله { الله } مبتدأ ، وقوله { شهيد بينى وبينكم } خبره / وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها . قلنا الجواب في وجهين : الأول : أن نقول قوله { قل أى شىء أكبر شهادة } لا شك أنه سؤال ولا بد له من جواب : إما مذكور ، وإما محذوف . فإن قلنا : الجواب محذوف فنقول : هذا على خلاف الدليل ، وأيضا فبتقدير أن يكون الجواب محذوفا ، إلا أن ذلك المحذوف لا بد وأن يكون أمرا يدل المذكور عليه ويكون لائقا بذلك الموضع . والجواب اللائق بقوله { أى شىء أكبر شهادة } هو أن يقال : هو الله ، ثم يقال بعده { الله شهيد بينى وبينكم } وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضا على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل . وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) والمراد بوجهه ذاته ، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله { كل شىء } والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه ، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء . واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه : الأول : قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة ، والتقدير : ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثا باطلا لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة الشديدة . والثاني : قوله تعالى : دالله خالق كل شيء } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { والله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتا من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى الأسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله بهذا الاسم قال : إن هذا اللفظ ليس اسما من أسماء الله تعالى ألبتة . الرابع : أن اسم الشيء يتناول المعدوم ، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان الأول : قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } ( الكهف : 23 ) سمى الشيء الذي سيفعله غدا باسم الشيء في الحال والذي سيفعله غداف يكون معدوما في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم .
وإذا ثبت هذا فقولنا : إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجودا فيكون هذا لفظا لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة ، فكان عبثا مطلقا ، فوجب أو لا يجوز إطلاقه على الله تعالى . والجواب عن هذه الوجوه أن يقال : لما تعارضت الدلائل . فنقول : لفظ الشيء أعم الألفاظ ، ومتى صدق الخاص صدق العام ، فمتى صدق فيه كونه ذاتا وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئا وذلك هو المطلوب والله أعلم . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فالمراد أنه تعالى أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ، وهو خطاب لأهل مكة ، وقوله دومن بلغ ذ عطف على المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، وقيل من الثقلين ، وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة ، وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف ، والتقدير : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه ، كما يقال الذي رأيت زيد ، والذي ضربت عمرو . وفي تفسير قوله { ومن بلغ } قول آخر ، وهو أن يكون قوله { ومن بلغ } أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف ، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول الأول . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لانذركم به ومن بلغ أئنكم } فنقول : فيه بحثان . البحث الأول : قرأ ابن كثير : ( أينكم ) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة بلا مدة ، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد . والبحث الثاني : أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار . قال لفراء : ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال : { والله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال : { فما بال القرون الاولى } ( طه : 51 ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب . ثم قال تعالى : { قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه : أولها : قوله { قل لا أشهد } أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء . وثانيها : قوله { قل إنما هو إلاه واحد } وكلمة { إنما } تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء . وثالثها : قوله { إننى برىء مما تشركون } وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام . ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله { وإننى برىء مما تشركون } عقيب التصريح بالتوحيد . ! 7 < { الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } > 7 ! < < الأنعام : ( 20 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . .
> > اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى . وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح أن يقال : علمهم بنوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم ، وإن كان الثاني وجب أن كيون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ظهوره لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل لان إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم ، وحينئذ يسقط هذا الكلام . والجواب عن الأول : أن يقال المراد ب { الذين ءاتيناهم الكتاب } اليهود والنصارى ، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه . أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه قولان : الأول : أن قوله دالذين } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، وفي قوله { الذين خسروا } وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورث منزلة غيره . ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته إنه لا يفلح الظالمون ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } > 7 < الأنعام : ( 21 - 22 ) ومن أظلم ممن . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : الأول : أن كفرا مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره الله تعالى في قوله { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وكانوا يقولون { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله . والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال : { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان . وأما قوله { ويوم نحشرهم جميعا } ففي ناصب قوله { ويوم } أقوال : الأول : أنه محذوف وتقديره { ويوم نحشرهم } كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم . وأما قوله { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخا وتقريعا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله { الذين كنتم تزعمون } محذوف ، والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب . ! 7 < { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } > 7 < الأنعام : ( 23 - 24 ) ثم لم تكن . . . . . > > أعلم أن ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحفص عن عاسم { ثم لم تكن فتنتهم } بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي { ثم لم يكن } بالياء وفتنتهم بالنصب ، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسكونه اسم تكن ، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا : فتنة في المعنى ، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت ، ونصب فتنتهم ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لكونه اسم يكن ، وفتنتهم هو الخبر . قال الواحدي : الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ، فكما أن المظهر والمضمر ، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، فكذا ههنا تقول كنت القائم ، فجعلت المضمر اسما والمظهر خبرا فكذا ههنا ، ونقول قراءة حمزة والكسائي : والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن : أحدهما : بإضمار أعني وأذكر ، والثاني : على النداء ، أي والله يا ربنا ، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى . المسألة الثانية : قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ، وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه ، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه ، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين : ومثاله أن ترى إنسانا يحب عاريا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس : أنه قال { ثم لم تكن فتنتهم } معناه شركهم في الدنيا ، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة ، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن فررت منه وتركته . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي : أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان : الأول : وهو قول أبي علي الجبائي ، والقاضي : أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه : الأول : أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار ، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح ، وأنه لا يجوز ، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار ، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح ، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ءنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذ كانوا عقلاء إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا .
والجواب عن الأول : أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم : ويورد عليهم التوبيخ بقوله { أين شركاؤهم } ( الأنعام : 22 ) ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ، وأيضا فالمكلفون لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين . والجواب عن الثاني : أن النسيان : لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وءن بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرا طويلا ، ومع ذلك فقد نسيه ، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة . الحجة الثانية : أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال : إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب . الحجة الثالثة : أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، فتصير الدار الآخرة دار التكليف ، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما ، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب ، وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب . وإذا ثبت هذا : فعند ذلك قالوا يحمل قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك . فإن قيل : فعلى هذا التقدير : يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم ، فلماذا قال الله تعالى { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ولنا أنه ليس تحت قوله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا ، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة ، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } اختلاف الحالين ، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب . هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي .
والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا : والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه : الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ( المؤمنون : 107 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) والثاني : قوله تعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون } ( المجادلة : 18 ) بعد قوله { ويحلفون على الكذب } ( المجادلة : 14 ) فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . والثالث : قوله تعالى حكاية عنهم { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ( الكهف : 19 ) وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب . والرابع : قوله حكاية عنهم { ونادوا يامالك مالك ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص . والخامس : أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم { أنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر . ثم حمل قوله بعد ذلك { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد . أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول : لا يبعد أي يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول ، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك . وأما قوله ثانيا المكلفون لا بد أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات . فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم . أما قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } فالمراد إنكارهم كونهم مشركين ، وقوله { وضل عنهم } عطف على قوله { كذبوا } تقديره : وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم . ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هاذآ إلا أساطير الا ولين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 25 ) ومنهم من يستمع . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال { ومنهم من يستمع إليك } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال : لا أدري ما يقول لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره ، مثل عنان وأعنة ، والفعل منه كننت وأكننت . وأما قوله { أن يفقهوه } فقال الزجاج : موضع { ءان } نصب على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت ( اللام ) نصبت الكراهة ، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ( أن ) وقوله { وجعلنا على قلوبهم } قال ابن السكيت : الوقر الثقل في الأذن . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الإيمان ، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان ، وذلك هو المطلوب . قالت المعتزلة : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان ، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان ؟ الثاني : أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز وهو منفي بصريح العقل وبقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) الثالث : أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) وقال في آية أخرى { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( البقرة : 88 ) وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم فلي معرض الذم لهم امتنع أن يذكره هاهنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلا لزم التناقض . والرابع : أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون . والخامس أن هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين . والسادس : أن قوله { حتى إذا لكرهون يجادلونك } يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق من الباطل ، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم / وهو المراد من الأكنة ، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من قوله { وجعلنا على قلوبهم } والثاني : أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن ، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون . وإذا ثبت هذا فنقول : لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان .
والتأويل الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه ، فصار عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان ، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى . والتأويل الرابع : أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم منها ، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه فيقول { وجعلنا على قلوبهم أكنة } . والتأويل الخامس : أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) . والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان ، وهو أن نقول : بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان ، فقد صح قولنا إنه تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان . وأما إن قلنا : إن القادر على الكفر كان قادرا على الإيمان فنقول : يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر دون الإيمان ، إلا عند انضمام تلك الداعية ، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى ، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ، ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان ، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق لما دل عليه ظاهر هذه الآية . وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهرة هذه الآية ، وجب حمل هذه الآية عليه عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { ومنهم من يستمع إليك } فذكره بصيغة الإفراد ثم قال : { على قلوبهم } فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى . وأما قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } قال بان عباس : وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } لائقا بهذا الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟