Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V12/P176–V12/P177

المسألة الثالثة : ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة مخالطة عالم الملائكة ، وأما إن كانت شقية جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات ، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعبا ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا : صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طائر إلا وهي أمثالنا ، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة ، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة . ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه ، وقالوا : قد ثبت هذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة ، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها ، واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطوير أمم . ثم إنه تعالى قال : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ( فاطر : 24 ) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله إليها . ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد ، وقصة النمل ، وسائر القصص المذكورة في القرآن . واعلم أن القوم بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول ، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمرة المذكورة ، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ . والله أعلم . ثم قال تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } وفي المراد بالكتاب قولان : القول الأول : المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السماوات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام ، كما قال عليه السلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . والقول الثاني : أن المراد منه القرآن ، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن ، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن . إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول : كميف قال تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم ، وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟ والجواب : أن قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، ولإحاطة بها وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ التفريط لا يستعمل نفيا وإثباتا إلا فيما يجب أن يبين لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه . الثاني : أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولا على ذلك المقيد . أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع . فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء ههنا قولان : الأول : أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد الأصول الثلاثة / كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن ، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة :

قسم V12/P177–V12/P178

المثال الأول : روي أن ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن أمرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا بان أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ( الحشر : 7 ) وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة ) وأقول : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله } ( النساء : 117 ، 118 ) فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله { ولامرنهم العالمون خلق الله } ( النساء : 119 ) وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن . المثال الثاني : ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام فقال : ( لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى ) فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال : ( لا شيء عليه ) فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات ، وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وقال : { ولا يسئلكم أموالكم } ( محمد : 36 ) وقال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ( النساء : 29 ) فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة . وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : أولها : التمسك بعموم قوله { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ( الحشر : 7 ) وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التسمك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ، وثالثها : بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئا ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب . المثال الثالث : قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ) ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله .

قسم V12/P178–V12/P179

وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال : { لتبين للناس ما أنزل إليهم } ( النحل : 44 ) وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلا تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة / فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتا بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى : { وما فرطنا فى الكتاب من شىء } هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة دي مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال : اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلا من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجبا لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصارا منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول . والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف ، وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع ، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية ، والتنصيص على ما لا نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلا لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمدا عليه السلام بتبليغ ذلك الألف تكليف آخر ، ثم أكد هذه الآية بقوله { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) وبقوله : { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } ( الانعام : 59 ) فهذا تقرير مذهب هؤلاء ، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه ، والله أعلم . ولنرجع الآن إلى التفسير ، فنقول : قوله { من شىء } قال الواحدي { من } زائدة كقوله : ما جاء لي من أحد . وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئا لم نبينه . وأقول : كلمة { من } للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه ، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئا مما يحتاج الملكف إلى معرفته في هذا الكتاب . وأما قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة . ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وإذا الوحوش حشرت } ( التكوير : 5 ) وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتص للجماء من القرناء ) وللعقلاء فيه قولان :

قسم V12/P179–V12/P180

القول الأول : أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة . وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ، ولما كان إيصال العوض إليها واجبا ، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها . والقول الثاني : قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال ، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية . واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور : الحجة الأولى : أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزما للذم محال / لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزما للذم بسبب أمر منفصل ، لأن ما بالذات لا يبطل عنه عروض أمر من الخارج . والحجة الثانية : أنه تعالى مالك لكل المحدثات ، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض . والحجة الثالثة : أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض ، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل ، فثبت أن القول بالعوض باطل . والله أعلم . إذا عرفت هذا : فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب . الفرع الأول : قال القاضي : كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام ، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا ، فإنه يجب على الله حشره عقلا في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلا ، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل ، فمن حيث السمع يقطع بذلك . وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض ألبتة ، لأنها ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا . فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لا بد وأن يحصل معه شيء من الإيلام ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض ألبتة . الفرع الثاني : كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله . وهي أقسام : منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية ، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية ، ومنها آلمها بالأمراض ، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم . فإن قيل : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة . الفرع الثالث : المراد من العوض منافع عظيم بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والأضرار . الفرع الرابع : مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع . قال القاضي : وهو قول أكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . قال أبو القاسم البخلي : يجب أن يكون العوض دائما واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البخلي على قوله ، بأن قال : إنه لا يمكن قطع ذلكالعوض إلا بإماتة تلك البهيمة ، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضا آخر ، وهكذا إلى ما لا آخر له . والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام . والله أعلم .

قسم V12/P180–V12/P181

الفرع الخامس : أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا ، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على الله تعالى فإنه ينقل ذلك العوض إلى المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . والله أعلم . ! 7 < { والذين كذبوا بأاياتنا صم وبكم فى الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } > 7 ! < < الأنعام : ( 39 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه النظم قولان : الأول : أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } ( الأنعام : 36 ) فذكر هذه الآية تقريرا لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله { وما من دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } ( الأنعام : 38 ) في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم ، وفي أن عناية الله محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم ، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاما ألبتة ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صما وبكما وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عميا فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة { صم بكم عمى } ( البقرة : 18 ) . ثم قال تعالى : { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . قالت المعتزلة : الجواب عن هذا من وجوه : الوجه الأول : قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صما وبكما يوم القيامة عند الحشر . ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صما وبكما في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار ، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم . والوجه الثاني : قال الجبائي أيضا ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا ، فيكون توسعا من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه .

قسم V12/P181–V12/P182

والوجه الثالث : قال الكعبي قوله { صم وبكم } محمول على الشتم والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى : { من يشإ الله يضلله } فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه ههنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) وقوله { وما يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) وقوله { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وقوله { يهدى به الله من اتبع رضوانه } ( المائدة : 16 ) وقوله { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } ( إبراهيم : 27 ) وقوله { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم } ( العنكبوت : 69 ) فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه : الأول : أن المراد من قوله { الظلمات من يشإ الله يضلله } محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني : { من يشإ الله يضلله } يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب / ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة . وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين . وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيدا جدا ، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي ، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله ، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل ، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر ، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسدا قطعا ، وأيضا فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) وفي سائر الآيات ، فلا حاجة إلى الإعادة ، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة ، وعلى ما قالوه : فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { والذين كفروا بئاياتنا } اختلفوا في المراد بتلك الآيات ، فمنهم من قال : القرآن ومحمد ، ومنهم من قال : يتناول جميع الدلائل والحجج ، وهذا هو الأصح . والله أعلم . ! 7 < { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما تشركون } > 7 < الأنعام : ( 40 - 41 ) قل أرأيتكم إن . . . . . > > أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضا أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفرزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته ، وفي الآية مسائل :

قسم V12/P182–V12/P183

المسألة الأولى : قال الفراء للعرب في ( أرأيت ) لغتان : إحداهما : رؤية العين ، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد : أهل رأيت نفسك ؟ ثم يثنى ويجمع . فنقول : أرأيتكما أرأيتكم ، والمعنى الثاني : أن تقول أرأيتك ، وتريد : أخبرني ، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول : أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن . إذا عرفت هذا فنقول : مذهب البصريين : أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك : أرأيتك لا محل له من الاعراب ، والدليل قوله تعالى : { قال أرءيتك هاذا الذى كرمت } ( الإسرار : 62 ) ويقال أيضا : أرأيتك زيدا ما شأنه ، ولو جعلت الكاف محلا لكنت كأنك تقول : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وذلك كلام فاسد ، فثبت أن الكاف لا محل له من الاعراب ، بل هو حرف لأجل الخطاب ، وقال الفراء : لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع على التاء ، كما يقعان عليها عند عدم الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقعت علامة الجمع على الكاف ، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد . ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها . أجاب الواحد عنه : بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك ، فإن علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب ، مجرد عن الاسمية ، والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ نافع { أرأيتكم } وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن ، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن ، والباقون بالهمزة . أما تخفيف الهمزة ، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي . وأما مذهب الكسائي فحسن ، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر ، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا : وسله ، وكما أنشد أحمد بن يحيى : وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا بحذف الهمزة . أراد فألبسوني بإثبات الهمزة . وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم . المسألة الثالثة : معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام : قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند قيام الساعة ، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه إلى الله تعالى ؟ ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان ، لا جرم قال { تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون } يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى . ثم قال : { فيكشف ما تدعون إليه } أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به ، وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع . الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ، وهذا قول الحسن لأنه قال : يعرضون إعراض الناسي ، ونظيره قوله تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان } ( يونس : 22 ) ولا يذكرون الأوثان . المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه ، لأنه تعالى قال : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } ولقائل أن يقول : إن قوله { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) يفيد الجزم بحصول الإجابة ، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين .

قسم V12/P183–V12/P184

والجواب أن نقول : تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم ، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا ، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة ، ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين . المسألة الخامسة : حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لبدة الأوثان : إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأثان ، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة ؟ وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولا . أما لو كان ذلك مردودا وكان الواجب هو محض التقليد ، كان هذا الكلام ساقطا ، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل . والله أعلم . ! 7 < { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون فلولاإذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } . > 7 < الأنعام : ( 42 - 43 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوما من الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) الأمراض والأوجاع . ثم قال : { لعلهم يتضرعون } والمعنى : إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوال بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أليس قوله { بل إياه تدعون } يدل على أنهم تضرعوا ؟ وههنا يقول : قست قلوبهم ولم يتضرعوا . قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الاخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن النفس والاثبات . ثم قال تعالى : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } معناه نفي التضرع . والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا . وذكر كلمة ( لولا ) يفيد أنه ما كان لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم والله أعلم . المسألة الثانية : احتج الجبائي بقوله { لعلهم يتضرعون } فقال : هذا يدل على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم ، وإنما سلط البأساء والضراء عليهم ، لإرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الإيمان والطاعة من الكل .

قسم V12/P184–V12/P186

والجواب : أن كلمة ( لعل ) تفيد الترجي والتمني ؛ وذلك في حق الله تعالى محال وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب ، ونحن نحمله على أنه تعالى عاملهم معاملة لو صدرت عن غير الله تعالى لكان المقصود منه هذا المعنى ، فإما تعليل حكم الله تعالى ومشيئته فذلك محال على ما ثبت بالدليل . ثم نقول إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه فإنها تدل على ضد قولكم من وجه آخر ، وذلك لأنها تدل على أنهم لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل أن الشيطان زين لهم أعمالهم . فنقول : تلك القسوة إن حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل ، وإن حصلت بفعل الله فالقول قولنا ، وأيضا هب أن الكفار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان ، إلا أن نقول : ولم بقي الشيطان مصرا على هذا الفعل القبيح ؟ فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير النهاية ، وإن بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى أن كل أحد إنما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر ، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه ، ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد الله تعالى فحينئذ يصح قولنا ويفسد بالكلية قولهم ، والله أعلم . ! 7 < { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إلاه غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الا يات ثم هم يصدفون } . > 7 < الأنعام : ( 44 - 46 ) فلما نسوا ما . . . . . > > واعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبين الله تعالى أنه أخذهم أولا بالبأساء والضراء لكي لا يتضرعوا ، ثم بين في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونقلناهم من البأساء والضراء غلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء ، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضا . وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه . حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا اقدام على اعتذار وتوبة ، فلا جرم أخذناهم بغتة . واعلم أن قوله { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } معناه فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير ، { حتى إذا فرحوا } أي حتى إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء ما كان على سبيل الانتقام من الله ، ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت ، في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال صلى الله عليه وسلم < < إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى > > ثم قرأ هذه الآية . قال أهل المعاني : وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليمون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله { فإذا هم مبلسون } أي أيسون من كل خير . قال الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس الشديد الحسرة الحزين ، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية . وهذه المعاني متقاربة .

قسم V12/P186–V12/P187

ثم قال تعالى { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم . قالل أمية بن أبي الصلت : فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصرا وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله . وقوله { والحمد لله رب العالمين } فيه وجوه : الأول : معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جاريا مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء . والثاني : أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال : إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم ، فكانوا يستوجبون به مزيد العقاب والعذاب . فكان افناؤهم واماتتهم في تلك الحالة موجبا أن يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب . فكان ذلك جاريا مجرى الإنعام عليهم . والثالث : أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود انعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن ، وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء ، ثم نقلهم إلا الآلاء والنعماء ، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم ، فلما لم يزدادوا إلا انهماكا في الغي والكفر ، افناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم ، فكان قوله { الحمد لله رب العالمين } على تلك النعم الكثيرة المتقدمة . قوله تعالى { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } < < الإسراء : ( 101 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار ، وتقريره أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة ، والقلب محل الحياة والعقل والعلم . فلو زالت هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين . ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها وصونها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله . وإذا كان الأمر كذلك ، كان المنعم بهذه النعم العالية والخيرات الرفيعة هو الله سبحانه وتعالى فوجب أن يقال المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة . المسألة الثانية : ذكروا في قوله { وختم على قلوبكم } وجوها : الأول : قال ابن عباس : معناه وطبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى . الثاني : معناه وأزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين . والثالث : المراد بهذا الختم الاماتة أي يميت قلوبكم . المسألة الثالثة : قوله { من إلاه غير الله } { من } رفع بالابتداء وخبره { إله } و { غير } صفة له وقوله { يأتيكم به } هذه الهاء تعود على معنى الفعل . والتقدير : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم . المسألة الرابعة : روي عن نافع { به انظر } بضم الهاء وهو على لغة من يقرأ { فخسفنا به وبداره الارض } ( القصص : 81 ) فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار { به انظر } والباقون بكسر الهاء . وقرأ حمزة والكسائي { يصدفون } باشمام الزاي والباقون بالصاد أي يعرضون عنه . يقال : صدف عنه أي أعرض والمراد من تصريف الآيات إيرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحث يكون كل واحد منها يقوي ما قبل في الايصال إلى المطلوب فذكر تعالى أن مع هذه المبالغة في التفهيم والتقرير والإيضاح والكشف ، انظر يا محمد أنهم كيف يصدفون ويعرضون .

قسم V12/P187–V12/P188

المسألة الخامسة : قال الكعبي : دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم ، ولم يخلق فيهم الاعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى . واحتج أصحابنا بعين هذه الآية وقالوا : إنه تعالى بين أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها وتنقيجها وإزالة جهات الشبهات عنها ، ثم إنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا تماديا في الكفر والغي والعناد ، وذلك يدل على أن الهدى والضلال لا يحصلان إلا بهداية الله وإلا بإضلاله فثبت أن هذه الآية دلالتها على قولنا أقوى من دلالتها على قولهم والله أعلم . ! 7 < { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 47 ) قل أرأيتكم إن . . . . . > > اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصا بأخذ السمع والبصر والقلب وهذا عام في جميع أنواع العذاب ، والمعنى : أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه ، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله سبحانه ، فوجب أن يكون هو المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره . فإن قيل : ما المراد بقوله { بغتة أو جهرة } قلنا العذاب الذي يجيئهم إما أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أو مع سبق هذه العلامة . فالأول : هو البغتة . والثاني : هو الجهرة . والأول سماه الله تعالى بالبغتة ، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهرة ، لأن نفس العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه . وعن الحسن أنه قال : { بغتة أو جهرة } معناه ليلا أو نهارا . وقال القاضي : يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلا وقد عاينوا مقدمته ، لم يكن بغتة ولو جاءهم نهارا وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن جهرة . فأما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره ، استقام الكلام . فإن قيل : فما المراد بقوله { هل يهلك إلا القوم الظالمون } مع علمكم بأن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز . قلنا : إن الهلاك وإن عم الأبرار والأشرار في الظاهر ، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين ، لأن الأخيار يستوجبون بسبب نزول تلك المضار بهم أنواعا عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى ، فذاك وإن كان بلاء في الظاهر ، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة ؟ أما الظالمون فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معا ، فلذلك وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو السعيد ، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء وأن الفاسق الكافر هو الشقي ، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله ، والله أعلم . ! 7 < { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بأاياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } . > 7 < الأنعام : ( 48 - 49 ) وما نرسل المرسلين . . . . . > >

قسم V12/P188–V12/P189

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار فيما تقدم أنهم قالوا { لولا نزل عليه ءاية من ربه } ( الأنعام : 37 ) وذكر الله تعلى في جوابهم ما تقدم من الوجوه الكثيرة ثم ذكر هذه الآية والمقصود منها أن الأنبياء والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات ، بل ذاك مفوض إلى مشيئة الله تعالى وكلمته وحكمته فقال : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } مبشرين بالثواب على الطاعات ، ومنذرين بالعقاب على المعاصي ، فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو عمل القلب والاصلاح الذي هو عمل الجسد { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بئاياتنا يمسهم العذاب } ومعنى المس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل . قال القاضي : إنه تعالى علل عذاب الكفار بكونهم فاسقين ، وهذا يقتضي أن يكون كل فاسق كذلك ، فيقال له هذا معارض بما أنه خص الذين كذبوا بآيات الله بهذا الوعيد وهذا يدل على أن من لم يكن مكذبا بآيات الله أن يلحقه الوعيد أصلا . وأيضا فهذا يقتضي كون هذا الوعيد معللا بفسقهم فلم قلتم أن فسق من عرف الله وأقر بالتوحيد والنبوة والمعاد ، مساو لفسق من أنكر هذه الأشياء ؟ والله أعلم . ! 7 < { قل لا أقول لكم عندى خزآئن الله ولاأعلم الغيب ولاأقول لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الا عمى والبصير أفلا تتفكرون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 50 ) قل لا أقول . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله { لولا نزل عليه ءاية من ربه } ( الأنعام : 37 ) فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام ، إنما بعثت مبشرا ومنذرا ، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة ، أولها : قوله { لا أقول لكم عندى خزائن الله } فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولا من عند الله ، فاطلب من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها ، ويفتح علينا أبواب سعادتها . فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله ، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة ، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه ، بحيث لا تناله الأيدي . وثانيها : قوله { ولا أعلم الغيب } ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولا من عند الله فلا بد وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار ، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ، ولدفع تلك المضار . فقال تعالى : قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب ؟ والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات الواسعة ، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب ، ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار والمفاسد . وثالثها : قوله { ولا أقول لكم إنى ملك } ومعناه أن الوقم كانوا يقولون { مال هاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } ( الفرقان : 7 ) ويتزوج ويخالط الناس . فقال تعالى : قل لهم إني لست من الملائكة . واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال الثلاثة ؟ فالقول الأول : أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه الواضع لله والخضوع له والاعتراف بعبوديته ، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام .

قسم V12/P189–V12/P191

والقول الثاني : أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية ، كقولهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوة ، وأما هذه الأمور التي طلبتموها ، فلا يكن تحصيلها إلا بقدرة الله ، فكان المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه . والقول الثالث : أن المراد من قوله { لا أقول لكم عندى خزائن الله } معناه إني لا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالإله تعالى . وقوله { ولا أعلم الغيب } أي ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى . وبمجموع هذين الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية . ثم قال : { ولا أقول لكم إنى ملك } وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى حالا من الملائكة ، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي الملكية ولكني أدعي الرسالة ، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر ، فكيف أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي ؟ المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء ، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل وإلا لم يصح ذلك . قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع ؛ فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل ، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة ، لم يدل على كونهم أفضل . المسألة الثالثة : قوله { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين . الحكم الأول أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي ، ويتأكد هذا بقوله { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 3 / 4 ) . الحكم الثاني إن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه ، لقوله تعالى : { فاتبعوه } ( سبأ : 20 ) وذلك ينفي جواز العمل بالقياس ، ثم أكد هذا الكلام بقوله { قل هل يستوى الاعمى والبصير } وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير . ثم قال : { أفلا تتفكرون } والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلا عن معرفته ، والله أعلم . ! 7 < { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون } > 7 < الأنعام : ( 51 ) وأنذر به الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ( الإنذار ) الاعلام بموضع المخافة وقوله { به } قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ( الأنعام : 50 ) وقال الضحاك { وأنذر به } أي بالله ، والأول أولى ، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى .

قسم V12/P191–V12/P192

وأما قوله { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } ففيه أقوال : الأول : أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقا ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه . والقول الثاني : أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم . والقول الثالث : أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو كان شاكا فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائما في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل ، وكان مأمورا بالتبليغ إلى الكل ، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر ، لأن انتفاعهم بذلك الانذار أكمل ، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد . المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { أن يحشروا إلى ربهم } وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصا بمكان وجهة لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية . والجواب : المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم . المسألة الثالثة : قوله { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } قال الزجاج : موضع { ليس } نصب على الحال كأنه قيل : متخلين من ولي ولا شفيع ، والعامل فيه يخافون . ثم ههنا بحث : وذلك لأنه إن كان المراد من { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } الكفار ، فالكلام ظاهر ، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) والله كذبهم فيه وذكر أيضا في آية أخرى فقال { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ( غافر : 18 ) وقال أيضا { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) وإن كان المراد المسلمين ، فنقول : قوله { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين ، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله / كانت في الحقيقة من الله تعالى . المسألة الرابعة : قوله { لعلهم يتقون } قال ابن عباس : معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي . قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة ، والكلام على هذا النوع من الاستدلال قد سبق مرارا . ! 7 < { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 52 ) ولا تطرد الذين . . . . . > > فيه مسائل :

قسم V12/P192–V12/P193

المسألة الأولى : روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ أطردهم عن نفسك ، فلعلك إن طردتهم اتبعناك ، فقال عليه السلام : ( ما أنا بطارد المؤمنين ) فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت ، فقال ( نعم ) طمعا في إيمانهم . وروي أن عمر قال له : لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون ، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام : أكتب لنا بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية ، فرمى الصحيفة ، واعتذر عمر عن مقالته ، فقال سلمان وخباب : فينا نزلت ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام ، فنزل قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ( الكهف : 28 ) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال : ( الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات ) . المسألة الثانية : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد ، فكان ذلك الطرد ذنبا . والثاني : أنه تعالى قال : { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد ثبت أنه طردهم ، فيلزم أن يقال : إنه كان من الظالمين . والثالث : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } ( هود : 29 ) ثم إنه تعالى أمر محمدا عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة ، حيث قال : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم ، فلما طردهم كان ذلك ذنبا . والرابع : أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف ، فزاد فيها فقال : { تريد زينة الحيواة } ( الكهف : 28 ) ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال { ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيواة الدنيا } ( طه : 131 ) فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا ، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنبا . الخامس : نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة فكان عليه السلانم يقول ( مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم ) أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل أيضا على الذنب . والجواب عن الأول : أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعله عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانيا : إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين .

قسم V12/P193–V12/P194

فجوابه : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أو أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأ ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { بالغداة والعشى } بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين . قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها . فأما ( غدوة ) فمعرفة وهو علم صيغ له ، وإذا كان كذلك ، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه ، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف . وكتبة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم ، ألا ترى أنهم كتبوا ( الصلوة ) بالواو وهي ألف فكذا ههنا . قال سيبويه ( غدوة وبكرة ) جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حبين اسما لدابة معروفة . قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوما من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون . فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة ، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة ، والله أعلم . المسألة الرابعة : في قوله { يدعون ربهم بالغداة والعشى } قولان : الأول : أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد . وقيل : المراد من الغداة والعشى طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيها على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس . والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء ههنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار . المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله { يريدون وجهه } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله { ويبقى وجه ربك } ( الرحمن : 27 ) . وجوابه أن قوله { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) يقتضي الوجدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لا بد من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله { يريدون وجهه } المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) . ثم قال تعالى : { ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء } اختلفوا في أن الضمير في قوله { حسابهم } وفي قوله { عليهم } إلى ماذا يعود ؟ والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر .

قسم V12/P194–V12/P195

القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله { فتطردهم فتكون من الظالمين } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء / فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله { ما عليك من حسابهم من شىء } قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) . فإن قيل : أما كفى قوله { ما عليك من حسابهم من شىء } حتى ضم إليه قوله { وما من حسابك عليهم من شىء } قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه . القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم . وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) فأجابهم نوح عليه السلام و { قال وما علمى بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون } ( الشعراء : 112 ، 113 ) وعنوا بقولهم { الارذلون } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك ههنا . وقوله { فتطردهم } جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله { فتكون من الظالمين } يجوز أن يكون عطفا على قوله { فتطردهم } على وجه التسبب لأن كونه ظالما معلوم طردهم ومسبب له . وأما قوله { فتكون من الظالمين } ففيه قولان : الأول : { فتكون من الظالمين } لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلما لهم ، والله أعلم . ! 7 < { وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهاؤلاء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين } > 7 ! < < الأنعام : ( 53 ) وكذلك فتنا بعضهم . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه ، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية ، فكان ذلك يشق عليهم . ونظيره قوله تعالى : { الذكر عليه من بيننا بل } ( القمر : 25 ) { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة .

قسم V12/P195–V12/P197

فقال تعالى : { وكذالك فتنا بعضهم ببعض } فأحد الفريقين يرى الآخر متقدما عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدما عليه في المناصب الدنيوية ، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله الله علينا ، وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه ، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب المصلحة على ما هو قول المعتزلة ، فكانوا صابرين في وقت البلاء ، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال الله تعالى ف حقهم { أليس الله بأعلم بالشاكرين } . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجهين : الأول : أن قوله { وكذالك فتنا بعضهم ببعض } تصريح بأن إلقاء تلك الفتنة من الله تعالى ، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على الله في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على الله كفر وذلك يدل على أنه تعالى هو الخالق للكفر . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } والمراد من قوله { من الله عليهم } هو أنه عليهم بالإيمان بالله ومتابعة الرسول ، وذلك يدل على أنم هذه المعاني إنما تحصل من الله تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، فالله ما من عليه بهذا الإيمان ، بل العبد هو الذي من على نفسه بهذا الإيمان ، فصارت هذه الآية دليلا على قولنا في هذه المسألة من هذين الوجهين : أجاب الجبائي عنه ، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد ، وإنما فعلنا ذلك ليقولوا أهؤلاء ؟ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } بالإيمان ؟ وأجاب الكعبي عنه بأن قال : { وكذالك فتنا بعضهم ببعض } ليصبروا أو ليشكروا ، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } على ميثاق قوله { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر ، وذلك لأنه لما كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة ، والأنفة توجب العصيان والاصرار على الكفر ، وموجب الموجب موجب ، كان الالزام واردا ، والله أعلم . المسألة الثالثة : في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه : الأول : أن الغنى والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام ، وكما قال في قصة قوم صالح { وقال الذين استكبروا إنا بالذىءامنتم به كافرون } ( الاعراف : 76 ) والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع . والثالث : ابتلاء الذكي بالأبله . وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها ، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال . فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق ، وعاش عيشا طيبا في الدنيا والآخرة ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قال هشام بن الحكم : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند حدوثها ، واحتج بهذه الآية ، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان ، وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة . ! 7 < { وإذا جآءك الذين يؤمنون بأاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } . > 7 ! / < < الأنعام : ( 54 ) وإذا جاءك الذين . . . . . > > في الآية مسائل :

قسم V12/P197–V13/P003

المسألة الأولى : اختلفوا في قوله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته . وقال آخرون : بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم ، فأكرمهم الله بهذا الإكرام . وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولا عن طردهم ، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام . قال عكرمة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول : ( الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها . وقال للرسول عليه السلام ، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية . وقال بعضهم : بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب ، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف ، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها ، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف . ولي ههنا إشكال ، وهو : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة ، وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه ؟ المسألة الثانية : قوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } مشتمل على أسرار عالية ، وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى ، وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه ، وآيات وحدانيته ، وما سوى الله فلا نهاية له ، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام ، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار ، وكالسابح في تلك البحار . ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات ، وهذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله . ثم إن العبد إذا صار موصوفا بهذه الصفة فعند هذا أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم { سلام عليكم } فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة . وقوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة . أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات ، وأما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات ، والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال .

قسم V13/P003–V13/P004

المسألة الثالثة : ذكر الزجاج عن المبرد . أن السلامة في اللغة أربعة أشياء ، فمنها سلمت سلاما وهو معنى الدعاء ، ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى ، ومنها الإسلام ، ومنها اسم للشجر العظيم ، أحسبه سمي بذلك لسلامته من الآفات ، وهو أيضا اسم للحجارة الصلبة ، وذلك أيضا لسلامتها من الرخاوة . ثم قال الزجاج : قوله : { سلام عليكم } السلام ههنا يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يكون مصدر سلمت تسليما وسلاما مثل السراح من التسريح ، ومعنى سلمت عليه سلاما ، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه . فالسلام بمعنى التسليم ، والثاني : أن يكون السلام جمع السلامة ، فمعنى قولك السلام عليكم / السلامة عليكم . وقال أبو بكر بن الأنباري : قال قوم السلام هو الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أي على حفظكم وهذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله { فقل سلام عليكم } ولو كان معرفا لصح هذا الوجه . وأقول كتبت فصولا مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة التوبة ، وهي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث والله أعلم . أما قوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ففيه مسائل : / المسألة الأولى : قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب . ولكمة ( على ) أيضا تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب . فهذا يقتضي كونه سبحانه راحما لعباده رحيما بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا : له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة : إن كونه عالما بقبح القبائح وعالما بكونه غنيا عنها ، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلما ، والظلم قبيح ، والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضا قوله تعالى : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسما لكان مركبا والمركب ممكن وأيضا أنه أحد ، والأحد لا يكون مركبا ، وما لا يكون مركبا لا يكون جسما وأيضا أنه غني كما قال { والله الغنى } والغني لا يكون مركبا وما لا يكون مركبا لا يكون جسما وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسما لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة قوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ينافي أن يقال : إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه أبد الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه عن الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان ، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان . وجواب أصحابنا : أنه ضار نافع محيي مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين .

الأسئلة