Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V15/P115–V15/P116

المسألة الأولى : أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن الحق وأنهم لا يقبلونه البتة ، ولا ينتفعون به البتة . فنقول : وجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالا ، لأنه لو صدر الإيمان ، لكان إما أن يوجد ذلك الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقا أو مع انقلابه كذبا والأول محال ، لأن وجود الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال . والثاني محال ، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذبا محال . لا سيما في الزمان الماضي المنقضي ، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلا ، وتقريره سبق مرارا . المسألة الثانية : النحويون يقولون : كلمة { لو } وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره ، فإذا قلت : لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنه ما حصل المجيء ، وما حصل الإكرام . ومن / الفقهاء من قال : إنه لا يفيد إلا الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية ، فهي هذه الآية ، وتقريره : أن كلمة { لو } لو أفادت ما ذكروه لكان قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم } يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم . ثم قال : { ولو أسمعهم لتولوا } فيكون معناه : أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول الخير ، وذلك متناقض . فثبت أن القول بأن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب أن لا يصار إليه . وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) فلو كانت لفظة ( لو ) تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه ، وذلك متناقض . فثبت أن كلمة { لو } لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنما تفيد مجرد الاستلزام . واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء . المسألة الثالثة : أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام : أحدها : جملة الموجودات . والثاني : جملة المعدومات . والثالث : أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما فكيف يكون حاله . الرابع : أن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع ، فقوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم } من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين : { لئن أخرجتم لنخرجن معكم وإن قوتلتم لننصرنكم } وقال تعالى : { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار } ( الحشر : 11 ، 12 ) فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجودا كيف يكون حاله ، وأيضا قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجودا كيف يكون حاله . ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } . > 7 ! < < الأنفال : ( 24 ) يا أيها الذين . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : قال أبو عبيد والزجاج { استجيبوا } معناه أجيبوا وأنشد قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب المسألة الثانية : أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وتمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين :

قسم V15/P116–V15/P117

الوجه الأول : أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه . فإن قيل : قوله : { استجيبوا لله } أمر . فلم قلتم : إنه يدل على الوجوب ؟ وهل النزاع إلا فيه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب ، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال . والجواب : أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه مندوب إليه ، فلو حملنا قوله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } على هذا المعنى كان هذا جاريا مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث ، فوجب حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صونا لهذا النص عن التعطيل ، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } جار مجرى التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب . الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب . ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : ( ما منعك عن إجابتي ) قال كنت أصلي قال : ( ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول ) فقال : لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك ، والاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة ، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب ، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب ، مسألة قطعية ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف ، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية ، بل هي عندنا مسألة ظنية ، لأن المقصود منها العمل ، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية . فإن قالوا : إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله : { إذا دعاكم لما يحييكم } فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر ؟ قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين ، وأيضا فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة . لأن إحياء الحي محال . فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز / بالثواب ، وكل ما دعا الله إليه ورغب فيه فهو مشتمل على ثواب ، فكان هذا الحكم عاما في جميع الأوامر وذلك يفيد المطلوب .

قسم V15/P117–V15/P118

المسألة الثالثة : ذكروا في قوله : { إذا دعاكم لما يحييكم } وجوها : الأول : قال السدي : هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته ، يدل عليه قوله تعالى : { يخرج الحى من الميت } ( الروم : 19 ) قيل المؤمن من الكافر . الثاني : قال قتادة : يعني القرآن أي أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة ، وإنما سمي القرآن بالحياة لأن القرآن سبب العلم . والعلم حياة ، فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة . الثالث : قال الأكثرون : { لما يحييكم } هو الجهاد / ثم في سبب تسمية الجهاد بالحياة وجوه : أحدها : هو أن وهن أحد العدوين حياة للعدو الثاني . فأمر المسلمين إنما يقوى ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار . وثانيها : أن الجهاد سبب لحصول الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) وثالثها : أن الجهاد قد يفضي إلى القتل ، والقتل يوصل إلى الدار الآخرة ، والدار الآخرة معدن الحياة . قال تعالى : { وإن الدار الاخرة لهى الحيوان } ( العنكبوت : 64 ) أي الحياة الدائمة . والقول الرابع : { لما يحييكم } أي لكل حق وصواب ، وعلى هذا التقدير فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة . والمراد من قوله : { لما يحييكم } الحياة الطيبة الدائمة قال تعالى : { يعملون من عمل } ( النحل : 97 ) . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } يختلف تفسيره بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر . أما القائلون بالجبر ، فقال الواحدي حكاية عن ابن عباس والضحاك : يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته ، فالسعيد من أسعده الله ، والشقي من أضله الله . والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه . وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه . قلت : وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أن الأمر كذلك وذلك لأن الأحوال القلبية إما العقائد وإما الإرادات والدواعي . أما العقائد : فهي إما العلم ، وإما الجهل . أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلا إذا علم كونه علما ولا يعلم ذلك إلا إذا علم كون ذلك الإعتقاد مطابقا للمعلوم ولا يعلم ذلك إلا إذا سبق علمه بالمعلوم وذلك يوجب توقف الشيء على نفسه وأما الجهل فالإنسان البتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك الإعتقاد علم ، ولا يحصل له هذا الظن / إلا بسبق جهل آخر ، وذلك أيضا يوجب توقف الشيء على نفسه ، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث ، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى ، والأول باطل ، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال ، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى ، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله ، والدلائل العقلية دلت على ذلك ، فثبت أن الحق ما ذكرناه . أما القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، وبيانه من وجوه :

قسم V15/P118–V15/P119

الوجه الأول : قال الجبائي : إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز ، وأمر العاجز سفه ، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء ، وقد أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائما ، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى ؟ وقد قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) وقال في المظاهر : { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } ( المجادلة : 4 ) فأسقط فرض الصوم عمن لا يستطيعه . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول . وذكر هذا الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة ، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذرا قويا في ترك الإجابة ، ولا يكون زجرا عن ترك الإجابة . الوجه الثالث : أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار ، لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالى لما منعنا من الإيمان فكيف يأمرنا به ؟ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر ، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوها : الأول : أن الله تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت ، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لا بد منه ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة . قال القاضي : ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل عليه وهو قوله : { وأنه إليه تحشرون } والمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها . الثاني : أن المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل ، فكأنه قال : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم ، سال الوادي . الثالث : أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم بدر ، فكأنه قيل لهم ، سارعوا إلى الطاعة ولا تتمنعوا عنها / بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن ، فإن الله تعالى يغير تلك الأحوال فيبدل الضعف بالقوة ، والجبن بالشجاعة ، لأنه تعالى مقلب القلوب . الرابع : قال مجاهد : المراد من القلب ههنا العقل فكان المعنى أنه يحول بين المرء وقلبه . والمعنى فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون ، فإنكم لا تؤمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف . وجعل القلب كناية عن العقل جائز ، كما قال تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } ( ق: 37 ) أي لمن كان له عقل . الخامس : قال الحسن معناه ، أن الله حائل بين المرء وقلبه ، والمعنى أن قربه تعالى من عبده أشد من قرب قلب العبد منه ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء مما في باطن العبد ومما في ضميره ، ونظيره قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) فهذه جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب لأصحاب الجبر والقدر . ثم قال تعالى : { وأنه إليه تحشرون } أي واعلموا أنكم إليه تحشرون أي إلى الله ولا تتركون مهملين معطلين ، وفيه ترغيب شديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة . ! 7 < { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب } . > 7 ! < < الأنفال : ( 25 ) واتقوا فتنة لا . . . . .

قسم V15/P119–V15/P120

> > اعلم أنه تعالى كما حذر الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه ، فكذلك حذره من الفتن ، والمعنى : واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة بل تتعدى إليكم جميعا وتصل إلى الصالح والطالح . عن الحسن : نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة . قال الزبير : نزلت فينا وقرأناها زمانا وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها ، وعن السدي : نزلت في أهل بدر اقتتلوا يوم الجمل ، وروي أن الزبير كان يسامر النبي صلى الله عليه وسلم يوما إذ أقبل علي رضي الله عنه ، فضحك إليه الزبير فقال رسول الله : ( كيف حبك لعلي ، فقال يارسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد فقال : ( كيف أنت إذا سرت إليه تقاتله ) . فإن قيل : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ قلنا : فيه وجهان : الأول : أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي ، ومتى كان كذلك حسن إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي ، كقولك انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك ، وكقوله تعالى : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده } ( النمل : 18 ) الثاني : أن التقدير : واتقوا فتنة / تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص . وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة ، والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة . ثم قال تعالى : { واعلموا أن الله شديد العقاب } والمراد منه : الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله . فإن قيل : حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب وغيره ، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من لم يذنب ؟ قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء ، إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية ، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين ، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا ههنا . والله أعلم . ! 7 < { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الا رض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . > 7 ! < < الأنفال : ( 26 ) واذكروا إذ أنتم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء المعصية ، أكد ذلك التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة ، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة . أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم كانوا قليلين في العدد . وثانيها : أنهم كانوا مستضعفين ، والمراد أن غيرهم يستضعفهم ، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . والمعنى : أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب ، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات ، فأولها : أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة ، فصاروا آمنين من شر الكفار ، وثانيها : قوله : { وأيدكم بنصره } والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر ، وثالثها : قوله : { ورزقكم من الطيبات } وهو أنه تعالى / أحل لهم الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة .

قسم V15/P120–V15/P121

ثم قال : { لعلكم تشكرون } أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء ، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء ، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة ، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال ؟ ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم } . > 7 < الأنفال : ( 27 - 28 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات ، فههنا منعهم من الخيانة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال : الأول : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم ، وكان أهله وولد فيهم . فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاد فينا ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه ، أي أنه الذبح فلا تفعلوا ، فكان ذلك منه خيانة لله ورسوله . الثاني : قال السدي : كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم ، فيشقونه ويلقونه إلى المشركين ، فنهاهم الله عن ذلك . الثالث : قال ابن زيد : نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون ، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . الرابع : عن جابر بن عبد الله : أن أبا سفيان خرج من مكة ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه ، فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله هذه الآية . الخامس : قال الزهري والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها ، حكاه الأصم . والسادس : قال القاضي : الأقرب أن خيانة الله غير خيانة رسوله ، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة ، لأن العطف يقتضي المغايرة . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم ، وجعل ذلك خيانة له ، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها ، فمن خانها فقد خان الرسول ، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا فصارت وديعة ، والوديعة / أمانة في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ الخيانة ضد الأمانة ، قال : ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير : فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : معنى الخون النقص . كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء . لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . المسألة الثالثة : في قوله : { وتخونوا أماناتكم } وجوه : الأول : التقدير { ولا تخونوا أماناتكم } والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله { ولا تخونوا أماناتكم } الثاني : التقدير : لا تخونوا الله والرسول ، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء ، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك .

قسم V15/P121–V15/P122

وأما قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } فيه وجوه : الأول : وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح ، وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنها تشغل القلب بالدنيا / وتصير حجابا عن خدمة المولى . ثم قال : { وأن الله عنده أجر عظيم } تنبيها على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف ، وأعظم في الفوز ، وأعظم في المدة ، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له ، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم . ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله ، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى المال ، وذلك فتنة ، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله ، فالاشتغال به خير مما أفضى إلى الفتنة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! < < الأنفال : ( 29 ) يا أيها الذين . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما حذر عن الفتنة بالأموال والأولاد ، رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق من كان جاهلا بعواقب الأمور ، وذلك لا يليق بالله تعالى . والجواب : أن قولنا إن كان كذا كان كذا ، لا يفيد إلا كون الشرط مستلزما للجزاء ، فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللفظ ، سلمنا أنه يفيد هذا الشك إلا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك ، وعليه يخرج قوله تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ( محمد : 31 ) .

قسم V15/P122–V15/P123

المسألة الثانية : هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله تعالى ، وذلك يتناول اتقاء الله في جميع الكبائر . وإنما خصصنا هذا بالكبائر لأنه تعالى ذكر في الجزاء تكفير السيئات ، والجزاء يجب أن يكون مغايرا للشرط ، فحملنا التقوى على تقوى الكبائر وحملنا السيئات على الصغائر ليظهر الفرق بين الشرط والجزاء ، وأما الجزاء المرتب على هذا الشرط فأمور ثلاثة : الأول : قوله : { يجعل لكم فرقانا } والمعنى أنه تعالى يفرق بينكم وبين الكفار . ولما كان اللفظ مطلقا وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار فنقول : هذا الفرقان إما أن يعتبر في أحوال الدنيا أو في أحوال الآخرة . أما في أحوال الدنيا فإما أن يعتبر في أحوال القلوب وهي الأحوال الباطنة أو في الأحوال الظاهرة ، أما في أحوال القلوب فأمور : أحدها : أنه تعالى يخص المؤمنين بالهداية والمعرفة . وثانيها : أنه يخص قلوبهم وصدورهم بالانشراح كما قال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( الزمر : 22 ) وثالثها : أنه يزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم ويزيل المكر والخداع عن صدورهم ، مع أن المنافق والكافر يكون قلبه مملوءا من هذه الأحوال الخسيسة والأخلاق الذميمة ، والسبب في حصول هذه الأمور أن القلب إذا صار مشرقا بطاعة / الله تعالى زالت عنه كل هذه الظلمات لأن معرفة الله نور ، وهذه الأخلاق ظلمات ، وإذا ظهر النور فلا بد من زوال الظلمة . وأما في الأحوال الظاهرة ، فإن الله تعالى يخص المسلمين بالعلو والفتح والنصر والظفر ، كما قال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقين : 8 ) وكما قال : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) وأمر الفاسق والكافر بالعكس من ذلك . وأما في أحوال الآخرة ، فالثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة وكل هذه الأحوال داخلة في الفرقان . والنوع الثاني : من الأجزية المرتبة على التقوى قوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم } فنقول : إن حملنا قوله : { إن تتقوا الله } على الاتقاء من الكفر ، كان المراد بقوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم } جميع السيئات التي وجدت قبل الكفر ، وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر ، كان المراد من هذا تكفير الصغائر .

قسم V15/P123–V15/P124

والنوع الثالث : قوله : { ويغفر لكم } واعلم أن المراد من تكفير السيئات سترها في الدنيا ومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار . ثم قال : { والله ذو الفضل العظيم } ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به / وإنما قلنا : إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره لوجوه : الأول : أن كل ما سوى الحق سبحانه فإنه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في قلبه داعية الإفضال والإحسان ، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذي خلق تلك الداعية الموجبة لذلك الفعل . الثاني : أن كل من تفضل يستفيد به نوعا من أنواع الكمال إما عوضا من المال أو عوضا من المدح والثناء ، وإما عوضا من نوع آخر وهو دفع الألم الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به شيئا من الأعواض لأنه كامل لذاته ، وما كان حاصلا للشيء لذاته امتنع أن يستفيده من غيره . الثالث : أن كل من تفضل على الغير فإن المتفضل عليه يصير ممنونا عليه من ذلك المتفضل ، وذلك منفر ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الموجد لذات كل أحد بجميع صفاته ، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه . الرابع : أن كل من تفضل على غيره فإنه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضل إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة هاضمة . حتى ينتفع بذلك الإحسان ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت بهذه البراهين صحة قوله : { والله ذو الفضل العظيم } . ! 7 < { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } . > 7 ! < < الأنفال : ( 30 ) وإذ يمكر بك . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقوله : { واذكروا إذ أنتم قليل } ( الأنفال : 26 ) فكذلك ذكر رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه ، وهذه السورة مدنية . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل عليهم إبليس في صورة شيخ ، وذكر أنه من أهل نجد . فقال بعضهم : قيدوه نتربص به ريب المنون ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه ، لأنه يغضب له قومه فتسفك له الدماء . وقال بعضهم أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم . وقال أبو جهل : الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلا فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها ، فيرضون بأخذ الدية ، فقال إبليس : هذا هو الرأي الصواب ، فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة ، وأمر عليا أن يبيت في مضجعه ، وقال له : تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله سعيهم . وقوله : { ليثبتوك } قال ابن عباس : ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت ، لأنه لا يقدر على الحركة ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحه تمنعه من الحركة . فقد أثبت فلان فهو مثبت ، وقيل ليسجنوك ، وقيل ليحبسوك ، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه ، وقرأ بعضهم { ليثبتوك } بالتشديد وقرأ النخعى { ليثبتوك } من البيات وقوله : { أو يقتلوك } وهو الذي حكيناه عن أبي جهل لعنه الله { أو يخرجوك } أي من مكة ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال : { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) تفسير المكر في حق الله تعالى ، والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد والله تعالى نصره وقواه ، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى . قال القاضي : القصة التي ذكرها ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث إبليس ، فإنه زعم أنه كانت صورته موافقة لصورة الإنس وذلك باطل ، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل الله أو من فعل إبليس ، والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ليفتن الكفار في المكر ، والثاني أيضا باطل ، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يقدر إبليس على تغيير صورة نفسه .

قسم V15/P124–V15/P125

واعلم أن هذا النزاع عجيب ، فإنه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر إبليس على أنواع الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه ؟ فإن قيل : كيف قال : { والله خير الماكرين } ولا خير في مكرهم . / قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع { خير } موضع أقوى وأشد ، لينبه بذلك على أن كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى . وثانيها : أن يكون المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون خيرا وحسنا . وثالثها : أن يكون المراد من قوله : { خير الماكرين } ليس هو التفضيل ، بل المراد أنه في نفسه خير كما يقال : الثريد خير من الله تعالى . ! 7 < { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هاذآ إن هاذآ إلا أساطير الأولين وإذ قالوا اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 < الأنفال : ( 31 - 34 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد . حكى مكرهم في دين محمد ، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجرا ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم ، فيقرأ عليهم أساطير الأولين ، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين ، فهذا هو المراد من قوله : { قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هاذا إن هاذا إلا أساطير الاولين } وههنا موضع بحث ، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزا عن أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب / بالمعارضة ، فلم يأتوا بها ، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة ، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه . والجواب : أن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : { لو نشاء لقلنا مثل هاذا } يدل على أنه ما شاء ذلك القول ، وما قال . فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة ، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها ، وهذا ضعيف . لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة ، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه . والشبهة الثانية : لهم قولهم : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا .

قسم V15/P125–V15/P126

فإن قيل : هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين : الأول : أن قوله { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } حكاه الله عن الكفار ، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضا حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وذلك أيضا كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ، وذلك يدل على حصول المعارضة . الثاني : أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة ، وحيث أتوا بهذه المبالغة ، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة . والجواب عن الأول : أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة / لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور ، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام . والجواب عن الثاني : هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه . المسألة الثانية : قوله : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك } قال الزجاج : القراءة بنصب { الحق } على خبر { كان } ودخلت { هو } للفصل ولا موضع لها ، وهي بمنزلة ( ما ) المؤكدة ودخلت / ليعلم أن قوله : { الحق } ليس بصفة لهذا وأنه خبر . قال : ويجوز هو الحق رفعا ولا أعلم أحدا قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها ، ولكن القراءة سنة ، وروى صاحب ( الكشاف ) عن الأعمش أنه قرأ بها . واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى ، وهو قوله : { لو نشاء لقلنا مثل هاذا } ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية ، وهو قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا : اللهم إن كان محمد محقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، ذكر تعالى أن محمدا وإن كان محقا في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه ، وعلى منكري نبوته ، لسببين : الأول : أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضرا معهم ، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيما له ، وهذا أيضا عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين ، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها ، كما كان في حق هود وصالح ولوط . فإن قيل : لما كان حضوره فيهم مانعا من نزول العذاب عليهم ، فكيف قال : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } ( التوبة : 14 ) . قلنا : المراد من الأول عذاب الاستئصال ، ومن الثاني : العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة .

قسم V15/P126–V15/P127

والسبب الثاني : قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وفي تفسيره وجوه : الأول : وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون ، فاللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد بعضهم كما يقال : قتل أهل المحلة رجلا ، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد ، والمراد بعضهم . الثاني : وما كان الله معذب هؤلاء الكفار ، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه ، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم . الثالث : قال قتادة والسدي : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أي لو استغفروا لم يعذبوا ، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم . أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله . ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار ههنا بمعنى الإسلام والمعنى : أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا . منهم أبو سفيان بن حرب . وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب . والحرث بن هشام . وحكيم بن حزام . وعدد كثير ، والمعنى { وما كان الله معذبهم وأنت فيهم } مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان . قال أهل المعاني : دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب . قال ابن عباس : كان فيهم أمانان نبي الله / والاستغفار ، أما النبي فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ، ثم قال : { وما لهم ألا يعذبهم الله } واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم ، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، وقيل بل يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم ، فقال : { وهم يصدون عن المسجد الحرام } وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية ، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه ، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله : { وما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون } الذين يتحرزون عن المنكرات ، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية ، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن وليا للمسجد الحرام ، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا ، فقتلهم الله يوم بدر ، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه . ! 7 < { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . > 7 ! < < الأنفال : ( 35 ) وما كان صلاتهم . . . . .

قسم V15/P127–V15/P128

> > اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام . وقال : { إن أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية . قال صاحب ( الكشاف ) : المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر ، والمكاء الصفير . ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف ، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه . وأما التصدية فهي التصفيق . يقال : صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه ، وفي أصلها قولان : الأول : أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل . الثاني : قال أبو عبيدة : أصلها تصددة ، فأبدلت الياء من الدال . ومنه قوله تعالى : { إذا قومك منه يصدون } ( الزخرف : 57 ) أي يعجزون ، وأنكر بعضهم هذا الكلام ، والأزهري صحح قول أبي عبيدة . وقال : صدى أصله صدى ، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون / وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته ، وقال مقاتل : كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته . فعلى قول ابن عباس : كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم ، وعلى قول مجاهد ومقاتل ، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم . والأول أقرب لقوله تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } . فإن قيل : المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة ، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم . الثاني : أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي . أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا . الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له ، كما تقول العرب ، ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له . ثم قال تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي عذاب السيف يوم بدر ، وقيل : يقال لهم في الآخرة : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . ! 7 < { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم أولائك هم الخاسرون } . > 7 < الأنفال : ( 36 - 37 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية ، أتبعها بشرح أحوالهم في الطاعات المالية . قال مقاتل والكلبي : نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد ، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم / أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ، هكذا قاله صاحب ( الكشاف ) . ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله ، أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله ، وإن لم يكن عندهم كذلك .

قسم V15/P128–V15/P129

ثم قال : { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } يعني : أنه سيقع هذا الإنفاق ويكون عاقبته الحسرة ، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) وقوله : { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } ففيه بحثان : البحث الأول : أنه لم يقل : وإلى جهنم يحشرون ، لأنه كان فيهم من أسلم ، بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك . البحث الثاني : أن ظاهر قوله : { إلى جهنم يحشرون } يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم ، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر . واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق ، ثم قال : { ليميز الله الخبيث من الطيب } وفيه قولان : القول الأول : ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى : { كادوا يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) يعني لفرط ازدحامهم فقوله : { أولائك } إشارة إلى الفريق الخبيث . والقول الثاني : المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد ، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار ، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى : { فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ( التوبة : 35 ) واللام في قوله : { ليميز الله الخبيث } على القول الأول متعلق بقوله : { يحشرون } والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلق بقوله : { ثم تكون عليهم حسرة } ثم قال : { أولائك هم الخاسرون } وهو إشارة إلى الذين كفروا . ! 7 < { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الا ولين } . > 7 < الأنفال : ( 38 ) قل للذين كفروا . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية ، وعباداتهم المالية ، أرشدهم إلى طريق الصواب وقال : { قل للذين كفروا إن ينتهوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { قل للذين كفروا } أي قل لأجلهم هذا القول ، وهو : { إن ينتهوا يغفر لهم } ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا . المسألة الثانية : المعنى : أن هؤلاء الكفاء إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول ، ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وعداوتهم للرسول وإن عادوا إليه وإصروا عليه فقد مضت سنة الأولين . وفيه وجوه : الأول : المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر . الثاني : فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا . الثالث : أن معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) { ولقد سبقت كلمتنا } ( الصافات : 171 ) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر { أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) .

قسم V15/P129–V15/P130

المسألة الثالثة : اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ والصحيح أنها مقبولة لوجوه : الأول : هذه الآية ، فإن قوله : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } يتناول جميع أنواع الكفر . فإن قيل : الزنديق لا يعلم من حاله أنه هل انتهى من زنذقته أم لا ؟ قلنا : أحكام الشرع مبنية على الظواهر ، كما قال عليه السلام : ( نحن نحكم بالظاهر ) فلما رجع وجب قبول قوله فيه . الثاني : لا شك أنه مكلف بالرجوع ولا طريق له إليه إلا بهذه التوبة فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق . الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } ( الشورى : 25 ) . المسألة الرابعة : احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع ، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها ، لكان إما أن يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر . والأول باطل بالإجماع ، والثاني باطل ؛ لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء مما مر عليه في زمان الكفر وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهره هذه الآية . المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء / العبادات التي تركها في حالة الردة وقبلها ، ووجه الدلالة ظاهر . المسألة السادسة : قال عليه السلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) فإذا أسلم الكافر لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية وما كان له من جناية على نفس أو مال فهو معفو عنه وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه . وقال يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية أن توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة ، وتوحيد سبعين سنة كيف لا يقوى على هدم ذنب ساعة ؟ ا ! 7 < { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } . > 7 < الأنفال : ( 39 - 40 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . > >

قسم V15/P130–V15/P131

اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال عروة بن الزبير : كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله ، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فهذا هو المراد من الفتنة ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة . وفيه وجه آخر ، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم ، فالكافر أبدا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة ، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية . قال القاضي : إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم ، فقال : { حتى لا تكون فتنة } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان ، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية . إذا عرفت هذا فنقول : إما أن يكون المراد من الآية { وقاتلوهم } لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون المراد { وقاتلوهم } لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد / { ويكون الدين كله لله } في أرض مكة وما حواليها ، لأن المقصود حصل هنا ، قال عليه السلام : ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) ولا يمكن حمله على جميع البلاد ، إذ لوكان ذلك مرادا لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به ، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني ، وهو قوله : قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله ، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضا للإنسان ، فإنه يحصل ، فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل . ثم قال : { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير } والمعنى { فإن انتهوا } عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان { فإن الله بما يعملون بصير } عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم { وإن تولوا } يعني عن التوبة والإيمان { فاعلموا أن الله مولاكم } أي وليكم الذي يحفظكم ويرفع البلاء عنكم ، ثم بين أنه تعالى { نعم المولى ونعم النصير } وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته ، كان آمنا من الآفات مصونا عن المخوفات . ! 7 < { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير } . > 7 < الأنفال : ( 41 ) واعلموا أنما غنمتم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله : { وقاتلوهم } وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة ، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الغنم : الفوز بالشيء ، يقال : غنم يغنم غنما فهو غانم ، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب .

قسم V15/P131–V15/P132

المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : { ما } في قوله : { ما غنمتم من شىء } موصولة وقوله : { من شىء } يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط { فأن لله } خبر مبتدأ محذوف تقديره : فحق أو فواجب / أن لله خمسه ، وروى النخعي عن ابن عمر { فأن لله خمسه } بالكسر ، وتقديره : على قراءة النخعي فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب ، كأنه قيل : فلا بد من إثبات الخمس فيه ، ولا سبيل إلى الإخلال به ، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوها كثيرة من المقدرات كقولك ثابت : واجب ، حق ، لازم ، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد ، وقرىء { خمسه } بالسكون . المسألة الثالثة : في كيفية قسمة الغنائم . اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها ، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان : القول الأول : وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس ، فسهم لرسول الله ، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه السلام : ( إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه ) وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعند الشافعي رحمه الله : أنه يقسم على خمسة أسهم ، سهم لرسول الله ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والباقي للفرق الثلاثة وهم : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته ، وكذلك سهم ذوي القربى ، وإنما يعطون لفقرهم ، فهو أسوة سائر الفقراء ، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل . وقال مالك : الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل ، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض ، فله ذلك . واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه ، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها ، وكيف وقد قال في آخر الآية : { وقال موسى ياقوم إن } يعني : إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة ، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة ، لم يحصل الإيمان بالله . والقول الثاني : وهو قول أبي العالية : إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام ، فواحد منها لله ، وواحد لرسول الله ، والثالث لذوي القربى ، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا : والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله / ثم للطوائف الخمسة ، ثم القائلون بهذا القول / منهم من قال : يصرف سهم الله إلى الرسول ، ومنهم من قال : يصرف إلى عمارة الكعبة . وقال بعضهم : إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس ، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، وهو الذي سمى لله تعالى .

قسم V15/P132–V15/P133

والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن قوله : { لله } ليس المقصود منه أثبات نصيب لله . فإن الأشياء كلها ملك لله ، وملكه وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم ، كما في قوله : { قل الانفال لله والرسول } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال لهم في غنائم خيبر : ( مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ) فقوله : مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد ، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس ، وإن قلنا : إن السهمين يكونان للرسول . صار سهمه أزيد من الخمس ، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله : ( مالي إلا الخمس ) هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة ، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين . لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش ، والطير بالاصطياد ، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه . المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب ، كما هو قول الشافعي رحمه الله ، والدليل عليه : أن قوله : { فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة ، وإذا حصل الملك لهم فيه ، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك ، وذلك جائز بالاتفاق . المسألة الخامسة : اختلفوا في ذوي القربى . قيل : هم بنو هاشم . وقال الشافعي رحمه الله : هم بنو هاشم وبنو المطلب . واحتج بالخبر الذي رويناه . وقيل : آل علي ، وجعفر ، وعقيل ، وآل عباس ، وولد الحرث بن عبد المطلب ، وهو قول أبي حنيفة . المسألة السادسة : حكى صاحب ( الكشاف ) عن الكلبي : أن هذه الآية نزلت ببدر . وقال الواقدي رحمه الله : كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة . ثم قال تعالى : { وقال موسى ياقوم إن } والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه } يعني : إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان ، يوم بدر . والجمعان : الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات ، والملائكة ، والفتح في ذلك اليوم { والله على كل شيء قدير } أي يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم . ! 7 < { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولاكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم } . > 7 ! < < الأنفال : ( 42 ) إذ أنتم بالعدوة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قولان : أحدهما : أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذ أنتم كذا وكذا ، كما قال تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل } ( الأنفال : 26 ) والثاني : أن يكون قوله : { إذ } بدلا عن يوم الفرقان .

قسم V15/P133–V15/P134

المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { بالعدوة } بكسر العين في الحرفين . والباقون بالضم ، وهما لغتان . قال ابن السكيت : عدوة الوادي وعدوته جانبه ، والجمع عدى ، وعدي . قال الأخفش : الكسر كلام العرب لم يسمع عنهم غير ذلك . وقال أحمد بن يحيى : الضم في العدوة أكثر اللغتين . وحكى صاحب ( الكشاف ) : الضم والفتح والكسر . قال : وقرىء بهن و { بالعدية } على قلب الواو ياء ، لأن بينها وبين الكسر حاجزا غير حصين ، كما في الفتية . وأما { الحيواة الدنيا } فتأنيث الأدنى وضده { القصوى } وهو تأنيث الأقصى ، وكل شيء تنحى عن شيء ، فقد قصا ، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى . فإن قيل : كلتاهما فعلى من باب الواو ، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو ؟ قلنا : القياس قلب الواو ياء ، كالعليا . وأما القصوى ، فقد جاء شاذا ، وأكثر استعماله على أصله . المسألة الثالثة : المراد بالعدوة الدنيا ، ما يلي جانب المدينة ، وبالقصوى ، ما يلي جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون ، وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد { والركب } العير التي خرجوا لها كانت في موضع { أسفل منكم } إلى ساحر البحر { ولو تواعدتم } أنتم وأهل / مكة على القتال ، لخالف بعضكم بعضا لقلتكم وكثرتهم { ولاكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي أنه يثبتكم الله ، وينصركم ، ليقضي أمرا كان مفعولا ، واجبا أن يخرج إلى الفعل وقوله : { ليهلك من هلك } بدل من قوله : { ليقضي } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار ، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم ، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . فقوله : { ليهلك من هلك عن بينة } إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البينة هذه المعجزة . المسألة الثانية : اللام في قوله : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } وفي قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } لام الغرض ، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح / إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة . المسألة الثالثة : قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة .

قسم V15/P134–V15/P135

المسألة الرابعة : قوله : { ويحيى من حى عن بينة } قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي { من } بإظهار الياءين وأبو عمرو ، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام . فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من ( يحيى ) فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في { ولا يحيى } . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { وإن الله لسميع عليم } أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم . ! 7 < { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فى الا مر ولاكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ! < < الأنفال : ( 43 ) إذ يريكهم الله . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : { إذ يريكهم الله } منصوب بإضمار اذكر ، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله : { لسميع عليم } أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم . المسألة الثانية : قال مجاهد : أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلا فأخبر بذلك أصحابه . فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سببا لجراءتهم وقوة قلوبهم . فإن قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ؟ قلنا : مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن الحسن : هذه الأراءة كانت في اليقظة . قال : والمراد من المنام العين التي هو موضع النوم . ثم قال تعالى : { ولو أراكهم كثيرا } لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم { ولاكن الله سلم } أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ولكن الله سلمكم من التنازع { إنه عليم بذات الصدور } يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع . ! 7 < { وإذ يريكموهم إذ التقيتم فىأعينكم قليلا ويقللكم فىأعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } . > 7 ! / < < الأنفال : ( 44 ) وإذ يريكموهم إذ . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم بدر ، والمراد أن القليل الذي حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة . قال صاحب ( الكشاف ) : { وإذ يريكموهم } الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم أياهم ، و { قليلا } نصب على الحال . واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين ، وقلل أيضا عدد المؤمنين في أعين المشركين . والحكمة في التقليل الأول ، تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأيضا لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم ، والحكمة في التقليل . الثاني : أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر ، فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم . فإن قيل : كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلا ؟

الأسئلة