Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
قلنا : وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب ، ودلت الآية على أن الصلاة لازمة للكافر ، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهاعلى وجه الكسل . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة ؟ بل الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جاريا مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود ، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعا من تقبل طاعتهم ، فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم . المسألة الرابعة : مضى تفسير الكسالى في سورة النساء . قال صاحب ( الكشاف ) : { كسالى } بالضم والفتح جمع الكسلان : نحو سكارى وحيارى في سكران وحيران . قال المفسرون : هذا الكسل معناه أنه إن كان في جماعة صلى ، وإن كان وحده لم يصل . قال المصنف : إن هذا المعنى إنما أثر في منع قبول الطاعات ، لأن هذا المعنى يدل على أنه لا يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفا من مذمة الناس ، وهذا القدر لا يدل على الكفر . أما لما ذكره الله تعالى بعد أن وصفهم بالكفر ، دل على أن الكسل إنما كان لأنهم يعتقدون أنه غير واجب ، وذلك يوجب الكفر . أما قوله : { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } فالمعنى : أنهم لا ينفقون لغرض الطاعة ، بل رعاية للمصلحة الظاهرة ، وذلك أنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرما وضيعة بينهم ، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله ، لأن الله تعالى ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق ، وهذا معنى قوله عليه السلام : ( أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم ) فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق . قال المصنف رضي الله عنه : حاصل هذه المباحث يدل على أن روح الطاعات الإتيان بها لغرض العبودية والانقياد في الطاعة ، فإن لم يؤت بها لهذا الغرض ، فلا فائدة فيه ، بل ربما صارت وبالا على صاحبها . المسألة الخامسة : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم } قرأ حمزة والكسائي { ءان يقبل } بالياء والباقون بالتاء على التأنيث . وجه الأولين : أن النفقات في معنى الإنفاق ، كقوله : { فمن جاءه موعظة } ووجه من قرأ بالتأنيث أن الفعل مسند إلى مؤنث . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { نفقاتهم } و { نفقاتهم } على الجمع والتوحيد . وقرأ السلمي { ءان يقبل منهم نفقاتهم } على إسناد الفعل إلى الله عز وجل . ! 7 < { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } . > 7 ! < < التوبة : ( 55 ) فلا تعجبك أموالهم . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا ، فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا ، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم ، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم ، بين مالهم في الآخرة من العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة . ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سببب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند هذا يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا . ومن الله التوفيق . وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الخطاب ، وإن كان في الظاهر مختصا بالرسول عليه السلام ، إلا أن المراد منه كل المؤمنين ، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين ، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ( طه : 131 ) الآية . المسألة الثانية : الإعجاب : السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله ، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره ، والإنسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام : ( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ) وكان عليه السلام يقول : ( هلك المكثرون ) وقال عليه السلام : ( مالك من مالك / إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ) وذكر عبيد بن عمير ، ورفعه إلى الرسول عليه السلام : ( من كثر ماله اشتد حسابه ، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه ، ومن ازداد من السلطان قربا ، ازداد من الله بعدا ) والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة ، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا ، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها . قال بعض المحققين : الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام : الأول : الذي يكون أزليا أبديا ، وهو الله جل جلاله والثاني : الذي لا يكون أزليا ولا أبديا وهو الدنيا . والثالث : الذي يكون أزليا ولا يكون أبديا وهذا محال الوجود ، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . والرابع : الذي يكون أبديا ولا يكون أزليا وهو الآخرة وجميع المكلفين ، فإن الآخرة لها أول ، لكن لا آخر لها ، وكذلك المكلف سواء كان مطيعا أو كان عاصيا فلحياته أول ، ولا آخر لها . وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبني الآخرة أشد من المناسبة بنيه وبين الدنيا ، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا ، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا . أما قوله : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال النحويون : في الآية محذوف ، كأنه قيل : إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم ، ويجوز أيضا أن يكون هذا اللام بمعنى ( أن ) كقوله : { يريد الله ليبين لكم } ( النساء : 26 ) أي أن يبين لكم .
المسألة الثانية : قال مجاهد والسدي وقتادة : في الآية تقديم وتأخير . والتقدير : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . وقال القاضي : وههنا سؤالان : الأول : وهو أن يقال : المال والولد لا يكونان عذابا ، بل هما من جملة النعم التي من الله بها على عباده ، فعند هذا التزم هؤلاء التقديم والتأخير ، إلا أن هذ الالتزام لا يدفع هذا السؤال . لأنه يقال : بعد هذا التقديم والتأخير ، فكيف يكون المال والولد عذابا ؟ فلا بد لهم من تقدير حذف في الكلام بأن يقولوا أراد التعذيب بها من حيث كانت سببا للعذاب ، وإذا قالوا ذلك فقد استغنوا عن التقديم والتأخير ، لأنه يصح أن يقال يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا من حيث كانت سببا للعذاب ، وأيضا فلو أنه قال : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم وقال إنما اتخذتم } لم يكن لهذه الزيادة كثير فائدة ، لأن من المعلوم أن الإعجاب بالمال والولد لا يكون إلا في الدنيا ، وليس كذلك حال العذاب ، فإنها قد تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة ، فثبت أن القول بهذا التقديم والتأخير ليس بشيء . / المسألة الثالثة : الأموال والأولاد يحتمل أن تكون سببا للعذاب في الدنيا ، ويحتمل أن تكون سببا للعذاب في الآخرة . أما كونها سببا للعذاب في الدنيا فمن وجوه : الأول : أن كل من كان حبه للشيء أشد وأقوى ، كان حزنه وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب ، وكان خوفه على فواته أشد وأصعب ، فالذين حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد إن كانت تلك الأشياء باقية عندهم كانوا في ألم الخوف الشديد من فواتها ، وإن فاتت وهلكت كانوا في ألم الحزن الشديد بسبب فواتها . فثبت أنه بحصول موجبات السعادات الجسمانية لا ينفك عن تلك القلب إما بسبب خوف فواتها وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها . والثاني : أن هذه يحتاج في اكتسابها وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ، ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها ، فكان حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه ، فالمشغوف بالمال والولد أبدا يكون في تعب الحفظ والصون عن الهلاك ، ثم إنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال ، فالتعب كثير والنفع قليل . والثالث : أن الإنسان إذا عظم حبه لهذه الأموال والأولاد ، فإما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد إلى آخر عمره ، أولا تبقى ، بل تهلك وتبطل . فإن كان الأول ، فعند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته ، لأن مفارقة المحبوب شديدة ، وترك المحبوب أشد وأشق ، وإن كان الثاني وهو أن هذه الأشياء تهلك وتبطل حال حياة الإنسان عظم أسفه عليها ، واشتد تألم قلبه بسببها ، فثبت أن حصول الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا . الرابع : أن الدنيا حلوة خضرة والحواس مائلة إليها ، فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرفت النفس بكليتها إليها ، فيصير ذلك سببا لحرمانه عن ذكر الله ، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوة وقهر ، وكلما كان المال والجاه أكثر . كانت تلك القسوة أقوى ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب الله وحب الآخرة عن القلب وفي حصول حب الدنيا وشهواتها في القلب ، فعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة الأقرباء والأحباء إلى موضع الكربة والغربة ، فيعظم تألمه وتقوى حسرته ، ثم عند الحشر حلالها حساب ، وحرامها عقاب . فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة .
فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكل / فما الفائدة في تخصيص هؤلاء المنافقين بهذا العذاب ؟ قلنا : المنافقون مخصوصون بزيادات في هذا الباب : أحدها : أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فبهذا العلم يفتر حبه للدنيا ، وأما المنافق لمااعتقد أنه لا سعادة / إلا في هذه الخيرات العاجلة عظمت رغبته فيها ، واشتد حبه لها ، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه ، وتقوى عند قرب الموت وظهور علاماته ، فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب حب الأموال والأولاد . وثانيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه الخيرات ، ويكلفهم إرسال أموالهم وأولادهم إلى الجهاد والغزو ، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل ، والقوم كانوا يعتقدون أن محمدا ليس بصادق في كونه رسولا من عند الله وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة ، وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة ، ولا شك أن هذا أشق على القلب جدا ، فهذه الزيادة من التعذيب ، كانت حاصلة للمنافقين . وثالثها : أنهم كانوا يبغضون محمدا عليه الصلاة والسلام بقلوبهم ، ثم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم ونفوسهم في خدمته ، ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة . ورابعها : أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهورا تاما ، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار ، وحينئذ يتعرض الرسول لهم بالقتل ، وسبي الأولاد ونهب الأموال ، وكلما نزلت آية خافوا من ظهور الفضيحة ، وكلما دعاهم الرسول خافوا من أنه ربما وقف على وجه من وجوه مكرهم وخبثهم وكل ذلك مما يوجب تألم القلب ومزيد العذاب . وخامسها : أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء ، كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ، شهد بدرا وكان من الله بمكان ، وهم خلق كثير مبرؤن عن النفاق وهم كانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق ، ويقدحون فيهم ، ويعترضون عليهم ، والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به واستيحاشه منه ، فصار حصول تلك الأولاد سببا لعذابهم . وسادسها : أن فقراء الصحابة وضعافهم كانوا يذهبون في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الغزوات ، ثم يرجعون مع الاسم الشريف والثناء العظيم والفوز بالغنائم . وهؤلاء المنافقون مع الأموال الكثيرة والأولاد الأقوياء ، كانوا يبقون في زوايا بيوتهم أشباه الزمنى والضعفاء من الناس ، ثم إن الخلق ينظرون إليهم بعين المقت والازدراء والسمة بالنفاق ، وكأن كثرة الأموال والأولاد صارت سببا لحصول هذه الأحوال ، فثبت بهذه الوجوه أن كثرة أموالهم وأولادهم صارت سببا لمزيد العذاب في الدنيا في حقهم . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله : { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } قالوا : لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر . / أجاب الجبائي فقال : معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما كانوا كافرين ، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريدا للكفر ، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب : أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، فهذه الإرادة لا توجب كونه مريدا لمرض نفسه ، وقد يقول للطبيب : أريد أن تطيب جراحتي ، وهذا لا يقتضي أن يكون مريدا لحصول تلك الجراحة ، وقد يقول السلطان لعسكره : اقتلوا البغاة ، حال إقدامهم على الحرب ، وهذا لا يدل على كونه مريدا لذلك الحرب ، فكذا ههنا .
والجواب : أن الذي قاله تمويه عجيب ، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها حاصلها يرجع إلى حرف واحد ، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء ، فإذا قال المريض للطبيب : أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، كان معناه : أريد أن تسعى في إزالة مرضي ، وإذا قال له : أريد أن تطيب جراحتي كان معناه : أريد أن تزيل عني هذه الجراحة ، وإذا قال السلطان : اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب ، كان معناه : طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها ، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مرادا بخلاف هذه الآية ، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره ، وليس أيضا مستلزما لتلك الإزالة ، بل هما أمران متناسبان ، ولا منافاة بينهما البتة ، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين ، وجب أن يكون مريدا لكونهم كافرين حال حصول ذلك الإزهاق ، كما أنه لو قال : أريد ألقى ( أن ) فلانا حال كونه في الدار ، فإنه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار ، وتمام التحقيق في هذا التقدير : أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر ، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته ، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر ، وثبت أن من أراد شيئا فقد أراد جميع ما هو من ضروراته ، لزم كونه تعالى مريدا لذلك الكفر ، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه . ! 7 < { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولاكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } . > 7 < التوبة : ( 56 - 57 ) ويحلفون بالله إنهم . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا ، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا ، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم ، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال : { ويحلفون بالله } أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم { إنهم لمنكم } أي على دينكم . ثم قال تعالى : { وما هم منكم } أي ليسوا على دينكم { ولاكنهم قوم يفرقون } القتل ، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق ، وهو كقوله تعالى : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن } ( البقرة : 14 ) والفرق الخوف ، ومنه يقال : رجل فروق . وهو الشديد الخوف ، ومنها : أنهم لو وجدوا مفرا يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم ، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب ، فقوله : { لو يجدون ملجأ } الملجأ : المكان الذي يتحصن فيه ، ومثله اللجأ مقصورا مهموزا ، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم ، ومثله التجأ والجأته إلى كذا ، أي جعلته مضطرا إليه ، وقوله : { أو مغارات } هي جمع مغارة ، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه ، أي يستتر . قال أبو عبيد : كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك ، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين . وقوله : { مدخلا } قال الزجاج : أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالا ، لأن التاء مهموسة ، والدال مهجورة ، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول ، كالمتلج من الولوج . ومعناه : المسلك الذي يستتر بالدخول فيه . قال الكلبي وابن زيد : نفقا كنفق اليربوع . والمعنى : أنهم لو جدوا مكانا على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، مع أنها شر الأمكنة { لولوا إليه } أي رجعوا إليه . يقال : ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله : { وهم يجمحون } أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء ، ومن هذا يقال : جمح الفرس وهو فرس جموح ، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام ، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة .
واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { مدخلا } من دخل و { مدخلا } من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب { متدخلا } وقرأ { لو ءاوى إليه } أي لالتجاؤا ، وقرأ أنس { يجمزون } فسئل عنه فقال : يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد . ! 7 < { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا مآ ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون } . > 7 < التوبة : ( 58 - 59 ) ومنهم من يلمزك . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون : إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : ( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ) فنزلت هذه الآية . قال الكلبي : قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أبالك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا ) فلما ذهب ، قال عليه الصلاة والسلام : ( احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون ) وروى أبو بكر الأصم رضي الله عنه في ( تفسيره ) : أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ( ما علمك بفلان ) فقال : مالي به علم إلا إنك ندنيه في المجلس وتجزل له العطاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره ) فقال : لو أعطيت فلانا بعض ما تعطيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه مؤمن أكله إلى إيمانه ، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده ) . المسألة الثانية : قوله : { من يلمزك } قال الليث : اللمز كالهمز في الوجه . يقال : رجل لمزة يعيبك في وجهك ، ورجل همزة يعيبك بالغيب . وقال الزجاج : يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر ، وألمزه بضم الميم إذا عيبته ، وكذلك همزته أهمزه همزا . إذا عيبته ، والهمزة اللمزة : الذي يغتاب الناس ويعيبهم ، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز . قال الأزهري : وأصل الهمز / واللمز الدفع . يقال : همزته ولمزته إذا دفعته ، وفرق أبو بكر الأصم بينهما ، فقال : اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه .
إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : يلمزك يغتابك . وقال قتادة : يطعن عليك . وقال الكلبي : يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ . قال أبو علي الفارسي : ههنا محذوف والتقدير : يعيبك في تفريق الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى الله : لفظ القرآن وهو قوله : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوها أخر سواها . فأحدها : أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقا غير جائز ، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز . أقصى ما في الباب أن يقال : يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء : فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول . فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود ، وهو أنهم قالوا : { إن الله فقير ونحن أغنياء } وثانيها : أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير ، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك . وثالثها : أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني : هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم ، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة ، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا . قال الضحاك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره ، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه . وأما المنافقون : فإن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله : { إذا هم يسخطون } كلمة { إذا } للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط . ثم قال : { ولو أنهم رضوا } الآية والمعنى : ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل ، وقالوا : كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى ، فيعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أعطانا اليوم ، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون . واعلم أن جواب ( لو ) محذوف ، والتقدير : لكان خيرا لهم وأعود عليهم ، وذلك لأنه غلب / عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم ، فيتوكلوا على الله حق توكله ، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل ، وهو كقولك للرجل : لو جئتنا ، ثم لا تذكر الجواب ، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما . المسألة الثانية : الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق . وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه ، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق ، والأصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء الله ، ألا ترى أنه قال : { ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } فذكر فيه مراتب أربعة :
المرتبة الأولى : الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور ، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولااعتراض عليه . والمرتبة الثانية : أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم ، وهو قوله : { وقالوا حسبنا الله } يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية ، فحسبنا الله . والمرتبة الثالثة : وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول : { حسبنا الله } نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول : { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير ، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل . والمرتبة الرابعة : أن يقول : { إنا إلى الله راغبون } فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا ، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة . وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال : { إنا إلى الله راغبون } ولم يقل : إنا إلى ثواب الله راغبون . ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال : ما الذي يحملكم عليه ؟ قالوا : الخوف من عقاب الله ، فقال : أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله ، فقال : ما الذي يحملكم عليه ، فقالوا : الرغبة في الثواب / فقال : أصبتم ، ثم مر على قوم قالق مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ، ولا للرغبة في الثواب ، بل لإظهار ذلة العبودية ، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته ، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته . فقال : أنتم المحقون المحققون . ! 7 < { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } . > 7 ! < < التوبة : ( 60 ) إنما الصدقات للفقراء . . . . . > > اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات ، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء ، ولا تعلق لي بها ، ولا آخذ لنفسي نصيبا منها ، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات . وههنا مقامات : المقام الأول : بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء ، وصرفها إلى المحتاجين من الناس . والمقام الثاني : بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية . أما المقام الأول : فنقول : الحكمة في إيجاب الزكاة أمور ، بعضها مصالح عائدة إلى معطى الزكاة . وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة .
أما القسم الأول : فهو أمور : الأول : أن المال محبوب بالطبع ، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها ، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال : إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم ، إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فوجب الانتهاء في الآشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوبا لذاته . والكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة كمال ، وصفة الكمال محبوبة لذاتها ، كانت القدرة محبوبة لذاتها . والمال سبب لحصول تلك القدرة ، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشر هو المال ، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب ، فكان المال محبوبا ، فهذا هو السبب في كونه محبوبا إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ، ليصير ذلك الإخراج كسرا من شدة الميل إلى المال ، ومنعا من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيها لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل / بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب ، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة . وهو المراد من قوله : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا . والوجه الثاني : وهو أن كثرة المال ، توجب شدة القوة وكمال القدرة ، وتزايد المال يوجب تزايد القدرة ، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة ، وتزايد تلك اللذات ، يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سببا لحصول هذه اللذات المتزايدة ، وبهذا الطريق تصير المسألة مسألة الدور ، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة ، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال ، ولما صارت المسألة مسألة الدور ، لم يظهر لها مقطع ولا آخر ، فأثبت الشرع لها مقطعا وآخرا وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه . والوجه الثالث : أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب ، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة ، والقدرة محبوبة لذاتها ، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه ، فالإنسان يصير غرقا في طلب المال ، فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع ، وهذا هو المراد بالطغيان ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن . والوجه الرابع : أن النفس الناطقة لها قوتان ، نظرية وعملية ، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله ، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله ، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق ساعيا في إيصال الخيرات إليهم دافعا للآفات عنهم ، ولهذا السر قال عليه الصلاة والسلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) .
والوجه الخامس : أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيا في إيصال الخيرات إليهم ، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة ، على ما قاله عليه الصلاة والسلام : ( جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ) فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله ، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك المال أكثر ، أمدوه بالدعاء والهمة ، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت تلك الدعوات سببا لبقاء ذلك / الإنسان في الخير والخصب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض } ( الرعد : 17 ) وبقوله عليه الصلاة والسلام : { حصنوا أموالكم بالزكاة ) . والوجه السادس : أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء ، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه ، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره ، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام ، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفة الحق ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق ، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء بالشيء . فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء ، إلى المقام الذي هو أعلى منه ، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء . والوجه السابع : أن المال سمي مالا لكثرة ميل كل أحد إليه ، فهو غاد ورائح ، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق ، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق . فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله ، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، وسمعت واحدا يقول : الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر ، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة . والوجه الثامن : وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء ، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين ، فكان البذل أولى . والوجه التاسع : أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى ، والسعي في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله ، وذلك منتهى كمالات الإنسانية . والوجه العاشر : أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء : الروح والبدن والمال . فإذا أمر بالإيمان فقد صار جوهر الروح مستغرقا في هذا التكليف . ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقا بالذكر والقراءة ، والبدن مستغرقا في تلك الأعمال ، بقي المال ؛ فلو لم يصر المال مصروفا إلى أوجه البر والخير لزم أن يكون شح الإنسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه ، وذلك جهل ، لأن مراتب السعادات ثلاثة : أولها : السعادات الروحانية . وثانيها : السعادات البدنية وهي المرتبة الوسطى . وثالثها : السعادات الخارجية وهي المال والجاه . فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية ، فإذا صار الروح مبذولا في مقام العبودية ، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة أعلى من المخدوم الأصلي ، وذلك جهل . فثبت أنه يجب على العاقل أيضا بذل المال في طلب مرضاة الله تعالى . / والوجه الحادي عشر : أن العلماء قالوا : شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم ، والزكاة شكر النعمة ، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن شكر المنعم واجب .
والوجه الثاني عشر : أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألف بالمودة بين المسلمين ، وزوال الحقد والحسد عنهم ، وكل ذلك من المهمات ، فهذه وجوه معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطي الزكاة ، فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة إلى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة ، الأول : أن الله تعالى خلق الأموال ، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها . فإن الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل ، بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد ، فالإنسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بإمساكه لأنه يشاركه سائر المحتاجين في صفة الحاجة ، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعيا في تحصيل ذلك المال ، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره ، وأما إذا فضل المال على قدر الحاجة ، وحضر إنسان آخر محتاج ، فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال . أما في حق المالك ، فهو أنه سعى في اكتسابه وتحصيله ، وأيضا شدة تعلق قلبه به ، فإن ذلك التعلق أيضا نوع من أنواع الحاجة . وأما في حق الفقير ، فاحتياجه إلى ذلك المال يوجب تعلقه به ، فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الإلهية رعاية كل واحد من هذين السببين بقدر الإمكان . فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه به ، وحصل للفقير حق الاحتياج ، فرجحنا جانب المالك ، وأبقينا عليه الكثير وصرفنا إلى الفقير يسيرا منه توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان . الثاني : أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلا عن المقصود الذي لأجله خلق المال ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى ، وهو غير جائز ، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية . الثالث : أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله ، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة ، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي ، ولا يملك ملء بطنه طعاما ، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفوا صفوا . إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه : اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي . الوجه الرابع : أن يقال : المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه ، وإهمال جانب الفقير / العاجز عن الكسب بالكلية ؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير . الوجه الخامس : أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزأ قليلا ، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان . أما الفقير ليس له شيء أصلا ، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلا وليس له ما يجبره ، فكان ذلك أولى . الوجه السادس : أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين ، أو على الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها .
الوجه السابع : قال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان نصفان ، نصف صبر ونصف شكر ) والمال محبوب بالطبع ، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر ، وكأنه قيل : أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين / فأخرج من يدك نصيبا منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين ، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ، ولكني أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني ، فصرت من الشاكرين ، فكان إيجاب الزكاة سببا في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معا . الوجه الثامن : كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة ، ولكني جعلت نفسي مديونا من قبلك ، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالا كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك ، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه ، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار . فإن قال الغني : قد أنعمت عليك بهذا الدينار ، فقل أيها الفقير بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار ، وفي الآخرة من عذاب النار ، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية ، وبعضها إقناعية ، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله . والله أعلم . المقام الثاني : في تفسير هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { إنما الصدقات للفقراء } الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات / لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية ، وذلك مجمع عليه ، وأيضا فلفظة { إنما } تفيد الحصر ويدل عليه وجوه : الأول : أن كلمة { إنما } مركبة من ( إن ) و ( ما ) وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي ، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم ، فوجب أن يفيد الثبوت المذكور ، وعدم ما يغايره . الثاني : أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الربا في النسيئة ) ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، وأيضا تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الماء من الماء ) ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك . وقال تعالى : { إنما الله إلاه واحد } ( النساء : 171 ) والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث : الشعر . قال الأعشى : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق : أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فثبت بهذه الوجوه أن كلمة { إنما } للحصر ، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل : ( إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس ، وداء في البطن ) وقال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ) . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات ، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية ، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه ، وقد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة ، والمصلحة اللازمة ، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة . فكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( ما أوتيكم شيئا ولا أمنعكم ، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت ) .
المسألة الثالثة : مذهب أبي حنيفة رحمه الله : أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف فقط ، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية والنخعي ، وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلي ، وقال الشافعي رحمه الله : لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية ، وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز : واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب . ثم أكدها بقوله : { فريضة من الله } قال : / ولا بد في كل صنف من ثلاثة ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء . قال : ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية ، مثل أنك إن وجدت خمسة أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة دراهم ، جعلت العشرة خمسة أسهم كل سهم درهمان ، ولا يجوز التفاضل . ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل عددهم ثلاثة ، ولا يلزمك التسوية بينهم ، فلك أن تعطي فقيرا درهما وفقيرا خمسة أسداس درهم وفقيرا سدس درهم ، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي رحمه الله . قال المصنف الداعي إلى الله رضي الله عنه : الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي رحمه الله ، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية ، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء الثمانية . والدليل عليه العقل والنقل . أما النقل : فقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول } ( الأنفال : 41 ) الآية ، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف الخمس ، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فإنه يحب تفرقته على هذه الطوائف ، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف ، فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعا على كل هؤلاء فلا ، فكذا ههنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية . فإما أن يقال : إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية ، فاللفظ لا يدل عليه البتة . وأما العقل : فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع ، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء . فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره ، والذي يدل على صحة قولنا وجوه : الأول : أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين دينارا لما وجب عليه إخراج نصف دينار ، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسما لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر . الثاني : أن هذا التوقيف لو كان معتبرا لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة ، ولو كان الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر الأكابر ، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه ، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر . الثالث : وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات ، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة ، ولا يمر به أحد من الغرباء ، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديونا فكيف تكليفه ؟ فإن قلنا : وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه / من الزكاة إلى بلد يجد هذه الأصناف فيه ، فذاك قول لم يقل به أحدا وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب . والله أعلم .
المسألة الرابعة : في تعريف الأصناف الثمانية ، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين ، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خرجهم بدخلهم . ثم اختلفوا فقال بعضهم : الذي يكون أشد حاجة هو الفقير ؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وأصحابه . وقال آخرون : الذي أشد حاجة هو المسكين ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الفقراء والمساكين ، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين ، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، واختيار أبي علي الجبائي ، وفائدته تظهر في هذه المسألة ، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين / فالذين قالوا : الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث ، والذين قالوا : الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف . وقال الجبائي : إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية . وأيضا الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم . واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا ، وهو أن رجلا لو قال : أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين ، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله من كان أشد حاجة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله إلى من كان أقل حاجة ، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل عى أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة ، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي ، ومن فضل عليا على عثمان يقول علي وعثمان ، وأنشد عمر قول الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال هلا قدم الإسلام على الشيب ؟ فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين . الوجه الثاني : قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيرا لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من / التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد : لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : { وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } ( القيامة : 24 ، 25 ) جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . الوجه الثالث : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يتعوذ من الفقر ، وقال : ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) ثم قال : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة . الوجه الرابع : أن كونه مسكينا ، لا ينافي كونه مالكا للمال بدليل قوله تعالى : { أما السفينة فكانت لمساكين } ( الكهف : 79 ) فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيرا مع أنه يملك شيئا .
فإن قالوا : الدليل عليه قوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( محمد : 38 ) فوصف الكل ، بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحدا سوى الله تعالى لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى الله فصح قولنا . الوجه الخامس : قوله تعالى : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة } ( البلد : 14 16 ) والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي يذ ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه { ذا متربة } وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئا / فهذا يدل على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء . الوجه السادس : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئا ، قال : وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس . وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين . / الوجه السابع : أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئا فقد سكن قلبه ، وزال عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم ؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير ، ويقال : تمسكن الرجل إذا لان وتواضع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي : ( تأن وتمسكن ) يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن المسكين هو السائل . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال في آية أخرى : { وفى أموالهم حق للسائل والمحروم } ( الذاريات : 19 ) فلما ثبت بما ذكرنا ههنا أن المسكين هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين . الوجه الثامن : أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أحيني مسكينا ) الحديث ، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكينا ، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء ، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) فثبت بهذا أن الفقر أشد حالا من المسكنة . الوجه التاسع : أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : الترفع والتمسكن ضدان ؛ فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكتا عن جوابهم متضرعا إليهم . قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا : إنه مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينا ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله .
الوجه العاشر : قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة : ( خذها من أغنيائهم ، وردها على فقرائهم ) ولو كانت الحاجة في المساكين أشد ، لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالا من الفقير بوجوه : الأول : احتجوا بقوله تعالى : { أو مسكينا ذا متربة } ( البلد : 16 ) وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة ، وأيضا أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني : احتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سيد / سماه فقيرا وله حلوبة . الثالث : قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع : نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا : الفقير الذي له ما يأكل . والمسكين الذي لا شيء له ، وقال يونس : الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له ، وقلت لأعرابي أفقير أنت ؟ قال : لا والله بل مسكين . والجواب : عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا ، فإنه لما قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله : أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات إليه ، قلنا : نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة ، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين . والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيرا فقد كانت له حلوبه ثم السيد لم يترك له شيئا ، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيرا ؟ والجواب عن قولهم : المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت . قلنا : بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال ، وسمي مسكينا إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه ، وإما لسكون قلبه بسبب علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم ، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله ، وأيضا نقل القفال في ( تفسيره ) عن جابر بن عبد الله أنه قال : الفقراء فقراء المهاجرين ، والمساكين الذين لم يهاجروا ، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته ، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي يسأل ، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون ، والمساكين الذين يسألون ، قال مولانا الداعي إلى الله : هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل ، والمسكين يسأل ، ومن سأل وجد ، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة .
الصنف الثالث : قوله تعالى : { والعاملين عليها } وهم السعاة لجباية الصدقة ، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك : يعطون الثمن من الصدقات ، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل ، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات ليناله منها ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملا على / الصدقات ، وقال : أما علمت أن مولى القوم منهم . وإنما قال : { والعاملين عليها } لأن كلمة على تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان واليا عليه . الصنف الرابع : قوله تعالى : { والمؤلفة قلوبهم } قال ابن عباس : هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلا ، أبو سفيان ، والأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وحويطب بن عبد العزى ، وسهل بن عمرو من بني عامر ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو الجهني ، وأبو السنابل ، وحكيم بن حزام . ومالك بن عوف ، وصفوان بن أمية ، وعبد الرحمن بن يربوع ، والجد بن قيس ، وعمرو بن مرداس . والعلاء بن الحرث أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام ، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل ، فقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أحدا من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة ، ثم سأله فزاده عشرة ، وهكذا حتى بلغ مائة ، ثم قال حكيم : يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( بل التي رغبت عنها ) فقال : والله لا آخذ غيرها : فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالا وشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا لكن ألفهم بذلك . قال المصنف رحمه الله : هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات ، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية ، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة ، فأما أن يجعل ذلك تفسيرا لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس ، ونقل القفال أن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة ، وقال المقصود أن يستعين الإمام بهم على استخراج الصدقات من الملاك . قال الواحدي : إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين ، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين ، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسما من الزكاة إليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل البتة ، وأيضا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال : { والمؤلفة قلوبهم } وهذا عام في المسلم وغيره ، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن للإمام أن يتألف قوما على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة لأنه ( لا ) دليل على نسخه البتة .
/ الصنف الخامس : قوله : { وفي الرقاب } قال الزجاج : وفيه محذوف ، والتقدير : وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في ( تفسيره ) في سورة البقرة في قوله : { والسائلين وفي الرقاب } ( البقرة : 177 ) ثم في تفسير الرقاب أقوال : القول الأول : إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله ، والليث بن سعد ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قوله : { وفي الرقاب } يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى } ( النور : 33 ) . والقول الثاني : وهو مذهب مالك وأحمد وإسحق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري به عبيد فيعتقون . والقول الثالث : قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي ، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكنه يعطي منها في رقبة ويما بها مكاتب لأن قوله : { وفي الرقاب } يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاما فيه . والقول الرابع : قول الزهري : قال سهم الرقاب نصفان ، نصف للمكاتبين من المسلمين ، ونصف يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا ، وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة ، قال أصحابنا : والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب ، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك وهو قوله : { إنما الصدقات للفقراء } ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال : { وفي الرقاب } فلا بد لهذا الفرق من فائدة ، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا وأما { فى الرقاب } فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق ، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا ، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم ، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك . والحاصل : أن في الأصناف الأربعة الأول ، يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة . الصنف السادس : قوله تعالى : { والغارمين } قال الزجاج : أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم ، وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا ولازما ، ومنه : فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسمي الدين غراما لكونه شاقا على الإنسان ولازما له ، فالمراد بالغارمين المديونون ، ونقول : الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية ، لأن المقصود من صرف / المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعصية لا تستوجب الإعانة ، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان : دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة ، ودين حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين ، والكل داخل في الآية ، وروى الأصم في ( تفسيره ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين ، قال العاقلة : لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة : ( أعنهم بغرة من صدقاتهم ) وكان حمد على الصدقة يومئذ . الصنف السابع : قوله تعالى : { وفى سبيل الله } قال المفسرون : يعني الغزاة . قال الشافعي رحمه الله : يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا وهو مذهب مالك وإسحق وأبي عبيد . وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله : لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا .
واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله : { وفى سبيل الله } لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل القفال في ( تفسيره ) عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ، لأن قوله : { وفى سبيل الله } عام في الكل . والصنف الثامن : ابن السبيل قال الشافعي رحمه الله : ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة . قال الأصحاب : ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة ، جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل ، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية . المسألة الخامسة : في أحكام هذه الأقسام . الحكم الأول اتفقوا على أن قوله : { إنما الصدقات } دخل فيه الزكاة الواجبة ، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } ( التوبة : 103 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال : تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات ههنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية ، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة ، الثاني : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية ، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة ، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر ، لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد ، والرباطات ، والمدارس ، وتكفين / الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه . الثالث : أن قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } إنما يحسن ذكره لوكان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام إليه ، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام إليها . الحكم الثاني دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخدها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قبله / والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيها ، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات ، وتأكد هذا النص بقوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر ، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى : { وفى أموالهم حق للسائل والمحروم } فإذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء . الحكم الثالث نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق ، واختلفوا في أن الإمام هل له فيه حق ؟ فمنهم من أثبته قال : لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته ، فالعامل في الحقيقة هو الإمام ، ومنهم من منعه وقال : الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية ، والإمام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال إليه . الحكم الرابع
اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنيا هل يأخذ النصيب ؟ قال الحسن : لا يأخذ إلا مع الحاجة وقال الباقون : يأخذ وإن كان غنيا لأنه يأخذه أجرة على العمل ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : للعامل في مال الزكاة الثمن ، لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن ، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه ، وقال الأكثرون : بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع . الحكم الخامس اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط ؟ وقد سبق ذكر دلائل هاتين المسألتين ، إلا أنا إذا قلنا يجوز وضعه في بعض / الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل ، وأما وضعه بالكلية في العالم فذلك غير جائز بالاتفاق . الحكم السادس أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان ، ففيه الأصناف الستة والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي ، لأنه الغاية في الاحتياط ، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه . الحكم السابع عموم قوله : { للفقراء والمساكين } يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم . قال : { فريضة من الله } قال الزجاج : { فريضة } منصوب على التوكيد ، لأن قوله : { إنما الصدقات } لهؤلاء جار مجرى قوله : فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه ) والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف . ثم قال : { والله عليم } أي أعلم بمقادير المصالح { حكيم } لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح والله أعلم . ! 7 < { ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } . > 7 ! < < التوبة : ( 61 ) ومنهم الذين يؤذون . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة عنه { أذن خير } مرفوعين منونين ، على تقدير : إن كان كما تقولون إنه أذن . فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، والباقون { أذن خير لكم } بالإضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر ، وقرأ نافع { أذن } ساكنته الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟