Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V16/P154–V16/P155

فإن قيل : كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني . قلنا : التعليل وقع بمجموع الأمرين ، أعني كون مسجد الضرار سببا للمفاسد الأربعة المذكورة ، ومسجد التقوى مشتملا على الخيرات الكثيرة . ومن الروافض من يقول : بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك . وثبت أن عليا ما كفر بالله طرفة عين ، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره . وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة ، فزال هذا السؤال . واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو ؟ قيل : إنه مسجد قباء ، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه ، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال سعيد بن المسيب : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام ، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه ، فقال أحدهما : مسجد الرسول ، وقال آخر : قباء . فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا . وقال القاضي : لا يمنع دخولهما جميعا تحت هذا الذكر لأن قوله : { لمسجد أسس على التقوى } هو كقول القائل ، لرجل صالح أحق أن تجالسه . فلا يكون ذلك مقصورا على واحد . فإن قيل : لم قال أحق أن تقوم فيه ، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر ؟ قلنا : المعنى أنه لو كان ذلك جائزا لكان هذا أولى ، للسبب المذكور . / ثم قال تعالى : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين : أحدهما : أنه بني على التقوى / وهو الذي تقدم تفسيره . والثاني : إن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا ، وفي تفسير هذه الطهارة قولان : الأول : المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي ، وهذا القول متعين لوجوه : أولها : أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه . والثاني : أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين ، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم . وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي . والثالث : أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، ولم تحصل نظافة الظاهر ، كأن طهارة الباطن لها أثر ، فكان طهارة الباطن أولى . الرابع : روى صاحب ( الكشاف ) : أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : ( أمؤمنون أنتم ) فسكت القوم ثم أعادها . فقال عمر : يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم ؛ فقال عليه السلام : ( أترضون بالقضاء ) قالوا نعم . قال : ( أتصبرون على البلاء ) قالوا : نعم ، قال : ( أتشكرون في الرخاء ) قالوا : نعم ، قال عليه السلام : ( مؤمنون ورب الكعبة ) ثم قال : ( يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء ) قالوا : نتبع الماء الحجر . فقرأ النبي عليه السلام : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } الآية . والقول الثاني : أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر . وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار .

قسم V16/P155–V16/P156

والقول الثالث : أنه محمول على كلا الأمرين ، وفيه سؤال : وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية ، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب ، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا لا يجوز . والجواب : أن لفظ النجس اسم للمستقذر ، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير ، فإنه يزول السؤال ، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول ، وهو كون المسجد مبنيا على التقوى ، فقال : { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير } وفيه مباحث . البحث الأول : البنيان مصدر كالغفران ، والمراد ههنا المبني ، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور ، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد ، والمراد مضروبه ومنسوجه ، وقال الواحدي : يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسما ، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد . / البحث الثاني : قرأ نافع وابن عامر { أفمن أسس بنيانه } على فعل ما لم يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله : { على تقوى من الله ورضوان } أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه ، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة ، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه ، والرغبة في ثوابه ، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله ، أما قوله : { من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به فى نار جهنم } ففيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم { جرف } ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان ، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق . البحث الثاني : قال أبو عبيدة : الشفا الشفير ، وشفا الشيء حرفه ، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه ، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة . فذلك الشيء هو الجرف ، وقوله : { هار } قال الليث : الهور مصدر هار الجرف يهور ، إذا انصدع من خلفه ، وهو ثابت بعد في مكانه ، وهو جرف هار هائر ، فإذا سقط فقد انهار وتهور . إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول : المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير ، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل ؟ والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه { شفا جرف هار } كان مشرفا على السقوط ، ولكونه على طرف جهنم ، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم ، ولا نرى في العالم مثالا أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثالا وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه ، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر ، فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء ، وكان الثاني خسيسا واجب الهدم .

قسم V16/P156–V16/P157

ثم قال تعالى : { لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة فى قلوبهم } والمعنى : أن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم ، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببا للريبة . وفي كونه سببا للريبة وجوه : الأول : أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار ، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته . الثاني : أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد ، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات ، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه / أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم ؟ الثالث : أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد ، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه ؟ الرابع : بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية ؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد ، والصحيح هو الوجه الأول . ثم قال : { إلا أن تقطع قلوبهم } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة { أن تقطع } بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع ، فحذفت إحدى التاءين ، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله ، وعن ابن كثير { تقطع } بفتح الطاء وتسكين القاف { قلوبهم } بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع ، وقوله : { تقطع قلوبهم } أي تجعل قلوبهم قطعا ، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء ، فحينئذ تزول تلك الريبة . والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدا ويموتون على هذا النفاق . وقيل : معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم . وقيل حتى تنشق قلوبهم غما وحسرة ، وقرأ الحسن { إلى أن } وفي قراءة عبد الله { ولو قطعت قلوبهم } وعن طلحة { ولو قطعت قلوبهم } على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل مخاطب . ثم قال : { والله عليم حكيم } والمعنى : عليم بأحوالهم ، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم . ! 7 < { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذالك هو الفوز العظيم } . > 7 < التوبة : ( 111 ) إن الله اشترى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، فلما / تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم ، وفرع على كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال القرطبي : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا ، قال عبد الله بن رواحة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قالوا : فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا ؟ قال : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت هذه الآية . قال مجاهد والحسن ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم .

قسم V16/P157–V16/P158

المسألة الثانية : قال أهل المعاني : لا يجوز أن يشتري الله شيئا في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك ، ولهذا قال الحسن : اشترى أنفسا هو خلقها ، وأموالا هو رزقها ، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في الدعاء إلى الطاعة ، وحقيقة هذا ، أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل ، فتذهب روحه ، وينفق ماله في سبيل الله ، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل . فجعل هذا استبدالا وشراء . هذا معنى قوله : { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } أي بالجنة ، وكذا قراءة عمر بن الخطاب والأعمش . قال الحسن : اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة ، بايع الله بها كل مؤمن ، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة . وقال الصادق عليه الصلاة والسلام : ( ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها ) وقوله : { وأموالهم } يريد التي ينفقونها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم ، وفي الآية لطائف : اللطيفة الأولى المشتري لا بد له من بائع ، وههنا البائع هو الله والمشتري هو الله ، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء ، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة العظيمة ، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيها بالطفل الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه ، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة التامة ، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة ، والعفو عن الذنوب ، والإيصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات . واللطيفة الثانية : أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال إليهم فوجب أن كون الأنفس والأموال مضافة إليهم يوجب أمرين مغايرين لهم ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن الأنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي ، وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب ، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب ، فالحق سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال / بالجنة ، وهو التحقيق . لأن الإنسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير المتبدل ، وهو البدن والمال ، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات الشريفة ، فإذا انقطع التفاته إليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن للقتل / والمال للإنفاق في طلب رضوان الله ، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على الهوى ، والمولى على الدنيا ، والآخرة على الأولى ، فعند هذا يكون من السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار ، فالبائع هو جوهر الروح القدسية والمشتري هو الله ، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني ، والعوض الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة ، فالربح حاصل والهم والغم زائل ، ولهذا قال : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } .

قسم V16/P158

ثم قال : { يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون } قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { يقاتلون } فيه معنى الأمر كقوله : { وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } وقيل جعل { يقاتلون } كالتفسير لتلك المبايعة ، وكالأمر اللازم لها . قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين ، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول . أما تقديم الفاعل على المفعول فظاهر ، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين . وأما تقديم المفعول على الفاعل ، فالمعنى : أن طائفة كبيرة من المسلمين ، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة ، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء . قاتلين لهم بقدر الإمكان ، وهو كقوله : { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله } ( آل عمران : 146 ) أي ما وهن من بقي منهم . واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا ؟ فمنهم من قال : هو مختص بالجهاد بالمقاتلة ، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله : { يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون } ومنهم من قال : كل أنواع الجهاد داخل فيه ، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة . وأيضا فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثارا من القتال ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : ( لأن يهدي الله على يدك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس ) ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة . وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن الجهاد بالمقاتلة . والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام في هذا العالم ، ولا فساد في ذاته ، إنما الفساد في الصفة القائمة به ، وهي الكفر والجهل . ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة ، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى . ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه ، لا جرم حث الشرع على إبقائه ، فقال : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة ، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة ، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات ، فكان المقام الأول أولى وأفضل . / ثم قال تعالى : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان } قال الزجاج : نصب { وعدا } على المعنى ، لأن معنى قوله : { بأن لهم الجنة } أنه وعدهم الجنة ، فكان وعدا مصدرا مؤكدا . واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو ؟ فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت ، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن . والقول الثاني : المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين في القرآن . والقول الثالث : أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع . ثم قال تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله } والمعنى : أن نقض العهد كذب . وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها ، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله : { ومن أوفى بعهده } استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله .

قسم V16/P158–V16/P160

ثم قال : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذالك هو الفوز العظيم } واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات : فأولها : قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد . والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . وثالثها : قوله : { وعدا } ووعد الله حق . ورابعها : قوله : { عليه } وكلمة ( على ) للوجوب . وخامسها : قوله : { حقا } وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها : قوله : { في التوراة والإنجيل والقرءان } وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة . وسابعها : قوله : { ومن أوفى بعهده من الله } وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : قوله : { وذالك هو الفوز } وعاشرها : قوله : { العظيم } فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم . قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك / الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة عن بيان الوجوب . ! 7 < { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الا مرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } . > 7 ! < < التوبة : ( 112 ) التائبون العابدون الحامدون . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في رفع قوله : { التائبون العابدون الحامدون السائحون } وجوه : الأول : أنه رفع على المدح ، والتقدير : هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله : { اشترى من المؤمنين أنفسهم } هم التائبون . الثاني : قال الزجاج : لا يبعد أن يكون قوله : { التائبون } مبتدأ ، وخبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا ، وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } وهذا وجه حسن . لأن على هذا التقدير يكون الوعد بالجنة حاصلا لجميع المؤمنين ، وإذا جعلنا قوله : { التائبون } تابعا لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلا للمجاهدين . الثالث : { التائبون } مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله : { يقاتلون } الرابع : قوله : { التائبون } مبتدأ ، وقوله : { العابدون } إلى آخر الآية خبر بعد خبر ، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال . وقرأ أبي وعبد الله { التائبين } بالياء إلى قوله : { والصائمات والحافظين } وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك نصبا على المدح . الثاني : أن يكون جرا ، صفة للمؤمنين . المسألة الثانية : في تفسير هذه الصفات التسعة .

قسم V16/P160–V16/P161

فالصفة الأولى : قوله : { التائبون } قال ابن عباس رضي الله عنه : التائبون من الشرك . وقال الحسن : التائبون من الشرك والنفاق . وقال الأصوليون : التائبون من كل معصية ، وهذا أولى ، لأن التوبة قد تكون توبة من الكفر ، وقد تكون من المعصية . وقوله : { التائبون } صيغة عموم محلاة بالألف واللام ، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم . / واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة : { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) . واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة : أولها : احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه ، وثانيها : ندمه على ما مضى ، وثالثها : عزمه على الترك في المستقبل ، ورابعها : أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته ، فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض ، فهو ليس من التائبين . والصفة الثانية : قوله تعالى : { العابدون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم . وقال المتكلمون هم الذين أتوا بالعبادة ، وهي عبارة عن الإتيان بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم ، ولابن عباس رضي الله عنهما : أن يقول إن معرفة الله والإقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب ، وحصول الاسم في جانب الثبوت يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية . قال الحسن : { العابدون } هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء . وقال قتادة : قوم أخدوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم . الصفة الثالثة : قوله : { الحامدون } وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم / وقد ذكرنا التسبيح والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا ، وهم الملائكة ، لأنه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك ، وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا . لأنه تعالى أخبر عن أهل الجنة بأنهم يحمدون الله تعالى ، وهو { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) وهم المرادون بقوله : { والحامدون } . الصفة الرابعة : قوله : { الحامدون السائحون } وفيه أقوال : القول الأول : قال عامة المفسرين هم الصائمون . وقال ابن عباس : كل ما ذكر في القرآن من السياحة ، فهو الصيام . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( سياحة أمتي الصيام ) وعن الحسن : أن هذا صوم الفرض . وقيل هم الذين يديمون الصيام ، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم ، وجهان : الأول : قال الأزهري : قيل للصائم سائح ، لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد معه ، كان ممسكا عن الأكل ، والصائم يمسك عن الأكل ، فلهذه المشابهة سمي الصائم سائحا . الثاني : أن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة ، وترك المشتهي ، وهو الأكل والشرب والوقاع ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه أبواب الشهوات ، انفتحت عليه / أبواب الحكمة ، وتجلت له أنوار عالم الجلال ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( من أخلص لله أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام ، ومن درجة إلى درجة ، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات .

قسم V16/P161–V16/P162

والقول الثاني : أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم ، وهو قول عكرمة ، وعن وهب بن منبه : كانت السياحة في بني إسرائيل ، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله . فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئا ، فقال : يا رب ما ذنبي بأن أساءت أمي ، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين وأقول للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس ، فلا بد له من الصبر عليها ، وقد ينقطع زاده ، فيحتاج إلى التوكل على الله ، وقد يلقى أفاضل مختلفين ، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة ، وقد يلقى الأكابر من الناس ، فيستحقر نفسه في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة ، فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته ، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين . والقول الثالث : قال أبو مسلم : { السائحون } السائرون في الأرض ، وهو مأخوذ من السيح ، سيح الماء الجاري ، والمراد به من خرج مجاهدا مهاجرا ، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد ، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين ، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه الصفات . الصفة الخامسة والسادسة : قوله : { الركعون الساجدون } والمراد منه إقامة الصلوات . قال القاضي : وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة ، وهو قيامه وقعوده . والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود ، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن يقال : القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها . فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيها على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم . الصفة السابعة والثامنة : قوله : { الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر } واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف / والنهي عن المنكر ؛ كتاب كبير مذكور في علم الأصول . فلا يمكن إيراده ههنا . وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد ، لأن رأس المعروف الإيمان بالله ، ورأس المنكر الكفر بالله . / والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان ، والزجر عن الكفر . والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأما دخول الواو في قوله : { والناهون عن المنكر } ففيه وجوه : الوجه الأول : أن التسوية قد تجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى . قال تعالى : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول } ( غافر : 3 ) فجاء بعض بالواو ، وبعض بغير الواو . الوجه الثاني : أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ذكر الصفات الستة ، ثم قال : { الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر } والتقدير : أن الموصوفين بالصفات الستة ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه ؛ هو الجهاد ، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا . الوجه الثالث : في إدخال الواو على هؤلاء ، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه ، ولا تعلق لشيء منها بالغير . أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير ، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة ، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله ، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات ، فأدخل عليها الواو تنبيها على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة .

قسم V16/P162

الصفة التاسعة : قوله : { والحافظون لحدود الله } والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي محصورة في نوعين : أحدهما : ما يتعلق بالعبادات . والثاني : ما يتعلق بالمعاملات . أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا ، بل لمصالح مرعية في الدين ؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذور وسائر أعمال البر . وأما المعاملات فهي : إما لجلب المنافع وإما لدفع المضار . والقسم الأول : وهو ما يتعلق بجلب المنافع : فتلك المنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية ؛ أما المنافع المقصودة بالأصالة ، فهي المنافع الحاصلة من طرف الحواس الخمسة : فأولها : المذوقات : ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه . ولما كان الطعام قد يكون نباتا ، وقد يكون حيوانا ، والحيوان لا يمكن أكله إلا بعد الذبح ، والله تعالى شرط في الذبح شرائط مخصوصة ، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصيد والذبائح ، وكتاب الضحايا . وثانيها : الملموسات : ويدخل فيها باب أحكام الوقاع من جملتها ما يفيد حله ، وهو باب النكاح ، ومنه أيضا باب الرضاع ، ومنها ما هو بحث عن لوازم النكاح مثل المهر والنفقة والمسكن ويتصل به أحوال القسم والنشوز ، ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنكاح ، ويدخل فيه كتاب الطلاق والخلع والإيلاء والظهار / واللعان . ومن الأحكام المتعلقة بالملموسات : البحث عما يحل لبسه وعما لا يحل ، وعما يحل استعماله وعما لا يحل استعماله ؛ وما لا يحل . كاستعماله الأواني الذهبية والفضية ؛ وطال كلام الفقهاء في هذا الباب . وثالثها : المبصرات وهي باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل . ورابعها : المسموعات : وهو باب هل يحل سماعه أم لا ؟ وخامسها : المشمومات ، وليس للفقهاء فيها مجال . وأما المنافع المقصودة بالتبع فهي الأموال ، والبحث عنها من ثلاثة أوجه : الأول : الأسباب المفيدة للملك وهي إما البيع أو غيره . أما البيع فهو إما بيع الأعيان ، أو بيع المنافع وبيع الأعيان . فأما أن يكون بيع العين بالعين ، أو بيع الدين بالعين وهو السلم ، أو بيع العين بالدين كما إذا اشترى شيئا في الذمة / أو بيع الدين بالدين . وقيل : إنه لا يجوز . لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالىء بالكالىء ، ولكن حصل له مثال في الشرع وهو تقاضي الدينين . وأما بيع المنفعة فيدخل فيه كتاب الإجارة ، وكتاب الجعالة ، وكتاب عقد المضاربة . وأما سائر الأسباب الموجبة للملك فهي الإرث ، والهبة ، والوصية ، وإحياء الموات ، والالتقاط ، وأخد الفيء والغنائم ، وأخذ الزكوات وغيرها . ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك إلا بالاستقراء . والنوع الثاني : من مباحث الفقهاء الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف في الشيء ، وهو باب الوكالة والوديعة وغيرهما .

قسم V16/P162–V16/P163

والنوع الثالث : الأسباب التي تمنع المالك من التصرف في ملك نفسه ، وهو الرهن والتفليس والإجارة وغيرها ، فهذا ضبط أقسام تكاليف الله في باب جلب المنافع . وأما تكاليف الله تعالى في باب دفع المضار فنقول : أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما أن تحصل في النفوس أو في الأموال أو في الأديان أو في الأنساب أو في العقول ، أما المضار الحاصلة في النفوس فهي إما أن تحصل في كل النفس ، والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة ، وإما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها ، والواجب فيه إما القصاص أو الدية أو الإرش ، وأما المضار الحاصلة في الأموال ، فذلك الضرر إما أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار ، وهو كتاب الغصب أو على سبيل الخفية وهو كتاب السرقة ، وأما المضار الحاصلة في الأديان ، فهي إما الكفر وإما البدعة ، أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين ، وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما ، ويدخل فيه أيضا باب حد القذف وباب اللعان ، وههنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه ، لأنه ربما كان ضعيفا فلا يلتفت إليه خصمه ، فلهذا السر / نصب الله تعالى الإمام لتنفيد الأحكام ، ويجب أن يكون لذلك الإمام نواب وهم الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير مقبولا على الغير إلا بالحجة ، فالشرع أثبت لإظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة ، ولا بد أن يكون للدعوى ولإقامة البينة شرائط مخصوصة فلا بد من باب مشتمل عليها ، فهذا ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده ، ولما كانت كثيرة والله تعالى إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل ، وتارة بأن أمر الرسول عليه السلام حتى يبينها للمكلفين ، لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية ، فقال : { والحافظون لحدود الله } وهو يتناول جملة هذه التكاليف . واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه في بيان التكاليف وليس الأمر كذلك ، فإن أعمال المكلفين قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح ، فأما التكاليف المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتة ولم ينصفوا لها كتبا وأبوابا وفصولا . ولم يبحثوا عن دقائقها ، ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى . لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه : { والحافظون لحدود الله } متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول والإحاطة . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال : { وبشر المؤمنين } والمقصود منه أنه قال في الآية المتقدمة : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } فذكر هذه الصفات التسعة ، ثم ذكر عقيبها قوله : { وبشر المؤمنين } تنبيها على أن البشارة المذكورة في قوله : { فاستبشروا } لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات . فإن قيل : ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ، ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة ؟

قسم V16/P163–V16/P165

قلنا : لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله ، والسياحة لطلب العلم ، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته ، فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل ، وأما البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء ، ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضا فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن كانت أعمال الجوارح ، إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب ، وقد عرفت أن رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا القسم على سبيل التفصيل ، وذكر هذا القسم / على سبيل الإجمال . ! 7 < { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } . > 7 < التوبة : ( 113 - 114 ) ما كان للنبي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم ، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم ، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها . الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة والسلام ( أي أبويه أحدث به عهدا ) قيل أمك ، فذهب إلى قبرها ووقف دونه ، ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمر وقال : نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء ، ثم زرت وبكيت ، فقال : قد أذن لي فيه ، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله وإني لا أغني عنها من الله شيئا بكيت رحمة لها . الثاني : روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة والسلام : ( يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب . فقال : أنا على ملة عبد المطلب فقال عليه الصلاة والسلام : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فنزلت هذه الآية قوله : { إنك لا تهدى من أحببت } قال الواحدي : وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا ، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام ، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد ، فأي بأس أن يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية ، فإن / التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضا يفعل ذلك ، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه ، فهذا غير مستبعد في الجملة . الثالث : يروى عن علي أنه سمع رجلا يستغفر لأبويه المشركين قال : فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية . الرابع : يروى أن رجلا أتى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : كان أبي في الجاهلية يصل الرحم ، ويقري الضيف ، ويمنح من ماله . وأي أبي ؟ فقال : أمات مشركا ؟ قال : نعم . قال : في ضحضاح من النار ، فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( إن أبي وأباك وأبا إبراهيم في النار ، إن أباك لم يقل يوما أعوذ بالله من النار ) .

قسم V16/P165

المسألة الثانية : قوله : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين } يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف ، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي : فالأول : معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين . والثاني : معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان . وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله : { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } وأيضا قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار . فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز . وأيضا لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم . فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين ، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته ، وأيضا أنه قال : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين ، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئا بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله ، واحتج عليه بقول أهل النار { ربنا أخرجنا منها } ( المؤمنون : 107 ) مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك ، وهذا في غاية البعد من وجوه : الأول : أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون ، وذلك ممنوع ، بل نص القرآن يبطله . وهو قوله : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ( الأنعام : 24 ) والثاني : أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم ، أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز ، لأنه يوجب نقصان منصبه . والثالث : أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثا أو معصية . وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام . / المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار ، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد ، فلهذا السبب قال تعالى : { ولو كانوا أولى قربى } وكون سبب النزول ما حكينا ، يقوي هذا الذي قلناه . أما قوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمدا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه . والثاني : أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم . ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام ، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضا في دين إبراهيم عليه السلام ، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى . الثالث : أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليما أي قليل الغضب ، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس ، والمقصود أن من كان موصوفا بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدا ، فكأنه قيل : إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفا بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعا من هذا المعنى كان أولى .

قسم V16/P165–V16/P166

المسألة الثانية : دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . قال تعالى حكاية عنه { واغفر لابى إنه كان من الضالين } ( الشعراء : 86 ) وأيضا قال عنه : { ربنا اغفر لى ولوالدى } ( إبراهيم : 41 ) وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } ( مريم : 47 ) وقال أيضا : { لاستغفرن لك } ( الممتحنة : 4 ) وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز . فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه } ( التوبة : 114 ) وفيه قولان : الأول : أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه ، وترك ذلك الاستغفار . الثاني : أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن { وعدها أباه } بالباء ، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين . الوجه الأول : المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان / الذي يوجب المغفرة ، فهذا هو الاستغفار ، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصرا على الكفر ترك تلك الدعوة . والوجه الثاني : في الجواب أن من الناس من حمل قوله : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين } ( التوبة : 113 ) على صلاة الجنازة ، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه ، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين ، وهو قوله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ( التوبة : 84 ) وفي هذه الآية عم هذا الحكم ، ومنه من الصلاة على المشركين ، سواء كان منافقا أو كان مظهرا لذلك الشرك وهذا قول غريب . المسألة الثالثة : اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله . فقال بعضهم : بالإصرار والموت . وقال بعضهم : بالإصرار وحده . وقال آخرون : لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي ، وعند ذلك تبرأ منه . فكان تعالى يقول : لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه ، فكونوا كذلك ، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله : { واتبع ملة إبراهيم } ( النساء : 125 ) .

قسم V16/P166–V16/P168

واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة . قال : { إن إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه ، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه ، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ ، وللمفسرين فيه عبارات ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الأواه : الخاشع المتضرع ) وعن عمر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه ، فقال : ( الدعاء ) ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه ، فأنكر عمر ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( دعها فإنها أواهة ) قيل يا رسول الله وما الأواهة ؟ قال : ( الداعية الخاشعة المتضرعة ) وقيل : معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها ، كلما ذكر لنفسه تقصيرا أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقا من ذلك واستعظاما له . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الأواه ، المؤمن بالخشية . وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم . واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام ، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل ، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده ، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه ، لما ظهر له إصراره على الكفر ، فأنتم بهذا المعنى أولى ، وكذلك وصفه أيضا بأنه حليم ، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب ، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب . ! 7 < { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السماوات والا رض يحى ويميت وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير } . > 7 < التوبة : ( 115 - 116 ) وما كان الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما منه المؤمنين من أن يستغفروا للمشركين ، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية ، فإنهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر ، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين . وأيضا فإن أقواما من المسلمين الذين استغفروا للمشركين ، كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية ، فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم ، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية ، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه . فهذا وجه حسن في النظم . وقيل : المراد إن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين ، ووجوب مباينتهم ، والاحتراز عن موالاتهم ، فكأنه قيل : إن الإله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين ؟ فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة . وفي قوله تعالى : { ليضل } وجوه : الأول : أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة ، أي صرفه عنه ومنعه من التوجه إليه . والثاني : قالت المعتزلة : المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم بالضلال . واحتجوا بقول الكميت : وطائفة قد أكفروني بحبكم

قسم V16/P168–V16/P169

وقال أبو بكر الأنباري : هذا التأويل فاسد ، لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا : ضلل يضلل ، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل ، لأنه لا يلزم من قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل . / وليس كل موضع صح فيع فعل صح أفعل . ألا ترى أنه يجوز أن يقال كسره ، ولا يجوز أن يقال أكسره ، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع . والوجه الثالث : في تفسير الآية ، وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى ، حتى يكون منهم الأمر الذي به يستحق العقاب . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : حاصل الآية أنه تعالى لا يؤاخذ أحدا إلا بعد أن يبين له كون ذلك الفعل قبيحا ، ومنهيا عنه . وقرر ذلك بأنه عالم بكل المعلومات ، وهو قوله : { أن الله بكل شىء عليم } وبأنه قادر على كل الممكنات ، وهو قوله : { له ملك السماوات والارض لا إلاه } فكان التقدير : أن من كان عالما قادرا هكذا ، لم يكن محتاجا ، والعالم القادر الغني لا يفعل القبيح والعقاب قبل البيان . وإزالة العذر قبيح ، فوجب أن لا يفعله الله تعالى ، فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا الوجه ، وهذا يقتضي أنه يقبح من الله تعالى الابتداء بالعقاب وأنتم لا تقولون به . والجواب : أن ما ذكرتموه يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين ، وإزالة العذر وإزاحة العلة ، وليس فيها دلالة على أنه تعالى ليس له ذلك ، فسقط ما ذكرتموه في هذا الباب . ثم قال تعالى : { له ملك السماوات والارض لا إلاه } في ذكر هذا المعنى ههنا فوائد : إحداها : أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أنه له ملك السموات والأرض / فإذا كان هو ناصرا لكم ، فهم لا يقدرون على إضراركم ، وثانيها : أن القوم من المسلمين قالوا : لما أمرتنا بالانقطاع من الكفار ، فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا لأنه ربما كان الكثير منهم كافرين ، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم . فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض والمحيي والمميت ناصركم ، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم . وثالثها : أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي وتكليفي لكوني إلهكم ولكونكم عبيدا لي . ! 7 < { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والا نصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم } . > 7 < التوبة : ( 117 ) لقد تاب الله . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين عنها ، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير ، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها . ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى ، وصدر أيضا عن المؤمنين نوع زلة ، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات . فقال : { لقد تاب الله على النبى } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقا شديدا على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين ، على ما سيجيء شرحها ، وهذا يوجب الثناء ، فكيف يليق بها قوله : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين } .

قسم V16/P169–V16/P170

والجواب من وجوه : الأول : أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) وأيضا لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها ، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة ، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول عزموا عليه ، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها . فقال : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه } . والوجه الثاني : في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات ، إما من باب الصغائر ، وإما من باب ترك الأفضل . ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشدائد والمحن ، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائما مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها . فلهذا السبب قال تعالى : { لقد تاب الله على النبى } الآية . والوجه الثالث : في الجواب : أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر ، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها ، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم ، قال تعالى : { لقد تاب الله على النبى } الآية . والوجه الرابع : لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدين . وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي / لأجلها ، ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة . المسألة الثانية : في المراد بساعة العسرة قولان : القول الأول : أنها مختصة بغزوة تبوك ، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدا في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته . قال جابر : حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد . أما عسرة الظهر : فقال الحسن : كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، وأما عسرة الزاد ، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة ، وكان معهم شيء من شعير مسوس / فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة . وأما عسرة الماء : فقال عمر : خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد ، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه . واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة ، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة . وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . والقول الثاني : قال أبو مسلم : يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين ، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها . وقد ذكر الله تعالى بعضها في كتابه كقوله تعالى : { وإذا زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر } ( الأحزاب : 10 ) وقوله : { لقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم } ( آل عمران : 152 ) الآية ، والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه السلام في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة ، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم . ثم قال تعالى : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } وفيه مباحث :

قسم V16/P170–V16/P171

البحث الأول : فاعل { كاد } يجوز أن يكون { قلوب } والتقدير : كاد قلوب فريق منهم تزيغ ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الأمر والشأن ، والفعل والفاعل تفسير للأمر والشأن ، والمعنى : كادوا لا يثبتون على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة لشدة العسرة . البحث الثاني : قرأ حمزة وحفص عن عاصم { يزيغ } بالياء لتقدم الفعل ، والباقون بالتاء لتأنيث قلوب ، وفي قراءة عبد الله { من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم } . البحث الثالث : { كاد } عند بعضهم تفيد المقاربة فقط ، وعند آخرين تفيد المقارية مع عدم الوقوع ، فهذه التوبة المذكورة توبة عن تلك المقاربة ، واختلفوا في ذلك الذي وقع في قلوبهم . فقيل : هم بعضهم عند تلك الشدة العظيمة أن يفارق الرسول ، لكنه صبر واحتسب . فلذلك قال تعالى : / { ثم تاب عليهم } لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر اليسير . وقال الأخرون بل كان ذلك لحديث النفس الذي يكون مقدمة العزيمة ، فلما نالتهم الشدة وقع ذلك في قلوبهم ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفا منه أن يكون معصية . فلذلك قال تعالى : { ثم تاب عليهم } . فإن قيل : ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار ؟ قلنا : فيه وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييبا لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة ، والمقصود منه تعظيم شأنهم . والوجه الثاني : أنه إذا قيل : عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه ، دل ذلك على أن ذلك العفو عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة ) وهذا معنى قول ابن عباس في قوله : { ثم تاب عليهم } يريد ازداد عنهم رضا . والوجه الثالث : أنه قال : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة } وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة ، ثم إنه تعالى زاد عليه فقال : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية ، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى لئلا يبقى في خاطر أحدهم شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس . ثم قال تعالى : { إنه بهم رءوف رحيم } وهما صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب ، ويشبه أن تكون الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضر / والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة . وقيل : إحداهما للرحمة السالفة ، والأخرى للمستقبلة . ! 7 < { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } . > 7 ! < < التوبة : ( 118 ) وعلى الثلاثة الذين . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : هذا معطوف على الآية الأولى ، والتقدير : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا ، والفائدة في هذا العطف أنا بينا أن من ضم ذكر توبته إلى توبة النبي عليه الصلاة والسلام ، كان ذلك دليلا على تعظيمه وإجلاله ، وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النبي عليه الصلاة والسلام وتوبة المهاجرين والأنصار في حكم واحد ، وذلك يوجب إعلاء شأنهم وكونهم مستحقين لذلك .

قسم V16/P171–V16/P172

المسألة الثانية : إن هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى : { وءاخرون مرجون لامر الله } واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم خلفين وذكروا وجوها : أحدها : أنه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف ، أو حصل الرضا من الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك ، بل هو كقولك لصاحبك أين خلفت فلانا فيقول : بموضع كذا لا يريد به أنه أمره بالتخلف بل لعله نهاه عنه وإنما يريد أنه تخلف عنه . وثانيها : لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كانوا على عزيمة الذهاب إلى الغزو فأذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام قدر ما يحصل الآلات والأدوات فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل فصح أن يقال : خلفهم الرسول . وثالثها : أنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله : { وءاخرون مرجون لامر الله } فالمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة عن الطائفة الأولى . قال كعب بن مالك وهو أحد هؤلاء الثلاثة : قول الله تعالى في حقنا : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } ليس من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ليشير به إلى قوله : { وءاخرون مرجون لامر الله } . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { خلفوا } أي خلفوا الغازين بالمدينة ، أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وفسدوا من الخالفة وخلوف الفم ، وقرأ جعفر الصادق { خالفوا } وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين . المسألة الرابعة : هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر ، وهلال بن أمية الذي نزلت فيه آية اللعان ، ومرارة بن الربيع ، وللناس في هذه القصة قولان : القول الأول : أنهم ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال الحسن : كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال : يا أرضاه ما خلفني عن رسول الله إلا أمرك ، إذهبي فأنت في سبيل الله فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ، وكان للثاني أهل فقال : يا أهلاه ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك فلأكابدن المفاوز حتى أصل إليه وفعل ، والثالث : ما كان له مال ولا أهل فقال : مالي سبب إلا الضن بالحياة والله لأكابدن المفاوز حتى / أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { تعملون وءاخرون مرجون لامر الله } .

قسم V16/P172–V16/P173

والقول الثاني : وهو قول الأكثرين أنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام قال كعب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي فلما أبطأت عنه في الخروج قال عليه الصلاة والسلام : ( ما الذي حبس كعبا ) فلما قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته وقلت : إن كراعي وزادي كان حاضرا واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبى الرسول ذلك ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة ، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت : يا رسول الله لقد بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوما أنزل الله تعالى : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين } وأنزل قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } فعند ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وهو عند أم سلمة فقال : ( الله أكبر قد أنزل الله عذر أصحابنا ) فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه وبشرهم بأن الله تاب عليهم ، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم ما نزل فيهم . فقال كعب : توبني إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال : ( لا ) قلت : فنصفه قال : ( لا ) قلت : فثلثه قال : ( نعم ) واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة . الصفة الأولى : قوله : { حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت } قال المفسرون : معناه : أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضا عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوما ، وقيل : أكثر ، ومعنى { وضاقت عليهم الارض بما رحبت } تقدم تفسيره في هذه السورة . والصفة الثانية : قوله : { وضاقت عليهم أنفسهم } والمراد ضيق صدورهم بسبب الهم والغم ومجانبة الأولياء والأحباء ، ونظر الناس لهم بعين الإهانة . الصفة الثالثة : قوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } ويقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه : ( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك ) ومن الناس من قال معنى قوله : { وظنوا } أي علموا كما في قوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء ، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه . وقال آخرون : وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن / عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة ، ولما وصفهم الله بهذه الصفات الثلاث ؛ قال : { ثم تاب عليهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار . والتقدير : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه . تاب عليهم ثم تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك . فإن قيل : فما معنى قوله : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } .

قسم V16/P173–V16/P174

قلنا فيه وجوه : الأول : قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله : { ثم تاب عليهم } يدل على أن التوبة فعل الله وقوله : { ليتوبوا } يدل على أنها فعل العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره { فليضحكوا } مع قوله : { وأنه هو أضحك وأبكى } وقوله : { كما أخرجك ربك } مع قوله : { إذ أخرجه الذين كفروا } وقوله : { هو الذى يسيركم } مع قوله : { قل سيروا } والثاني : المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيا لهم إلى التوبة في المستقبل . والثالث : أصل التوبة الرجوع ، فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين / وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك . الرابع : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي ليدوموا على التوبة ، ولا يراجعوا ما يبطلها . الخامس : { ثم تاب عليهم } لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلا قالوا : لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر . ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يوما أو أكثر ، ولو كان قبول التوبة واجبا عقلا لما جاز ذلك . أجاب الجبائي عنه بأن قال : يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر ، لكنه يقال : أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره . وأيضا لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة ، بل كان على سبيل التشديد في التكليف . قال القاضي : وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد ، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب ، فالذي يجري عليهم ، وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين . / والجواب : أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى : { ثم تاب عليهم } وكلمة { ثم } للتراخي ، فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة ، فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولا عن الظاهر من غير دليل . فإن قالوا : الموجب لهذا العدول قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } . قلنا : صيغة يقبل للمستقبل ، وهو لا يفيد الفور أصلا بالإجماع ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن الله هو التواب الرحيم } . واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب ، يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة والكرم ، لا لأجل الوجوب ، وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلا على الله قبول التوبة . ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 119 ) يا أيها الذين . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى ، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال : { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في مخالفة أمر الرسول { وكونوا مع الصادقين } يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات ، ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت ، وفي الآية مسائل :

الأسئلة