Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V02/P064–V02/P066

! 7 < { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } . > 7 < البقرة : ( 16 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . > > واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به ، فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به ، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء ، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين ، أما قوله : { فما ربحت تجارتهم } فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها ؟ الجواب : هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري . السؤال الثاني : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب : هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه كما قال الشاعر : فولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر ، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر فكذا ههنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه ، تمثيلا لخسارتهم وتصويرا لحقيقته . أما قوله : { وما كانوا مهتدين } فالمعنى أن الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران : سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع ، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب العقائد الحقة . وقال قتادة : انتقلوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الطاعة إلى المعصية ، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة ، والله أعلم . ! 7 < { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } . > 7 ! < < البقرة : ( 17 ) مثلهم كمثل الذي . . . . . > > اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين : أحدها : أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، فيتأكد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحس مطابقا للعقل وذلك في نهاية الإيضاح ، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجردا عن ضرب مثل له / لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور ، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الأخبار بضعفه مجردا ، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله ، قال تعالى : { وتلك الامثال نضربها للناس } ( العنكبوت : 43 ، الحشر : 21 ) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير ، ويقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به بمورده : مثل ، وشرطه أن يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه .

قسم V02/P066

المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان . أحدهما : هذا المثل وفيه إشكالات . أحدها : أن يقال : ما وجه التمثيل بمن أعطي نورا ثم سلب ذلك النور منه مع أن المنافق ليس له نور . وثانيها : أن يقال : إن من استوقد نارا فأضاءت قليلا فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم ، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان فما وجه التمثيل ؟ وثالثها : أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور ، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات ، والمنافق لم يكتسب خيرا وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه ، فما وجه التشبيه ؟ والجواب : أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوها : أحدها : قال السدي : إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا ، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا ، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين . وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبدا من أول أمرهم فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله ، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، وعد ذلك نورا من أنوار الإيمان ، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلا قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلا ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته في أعقاب النور ، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة . وثالثها : أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نورا ، بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير ، والتحير فيمن كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة ، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة ، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة . ورابعها : أن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به ، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق ، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } فالنار مثل لقولهم : ( آمنا ) وذهابه مثل لقولهم للكفار : ( إنا معكم ) فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلا بالنور وهو حين تكلم بها أضمر خلافها ؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقادا له وعملا به لأتم النور لنفسه ، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره ، وإنما سمى مجرد ذلك القول نورا لأنه قول حق في نفسه . وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نورا لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحا بسببه فيما بينهم ، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر ، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال . وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات .

قسم V02/P066–V02/P067

وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى ، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار ، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ( المائدة : 64 ) وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم كإيقاد النار ، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور .

قسم V02/P067–V02/P068

المسألة الثالثة : فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب الله تعالى كثير ، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هاديا إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين ، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا ، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة ، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة ، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر ، فشبه تعالى أحدهما بالآخر ، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية ، بقيت ههنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل : السؤال الأول : قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد ، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر ؟ والجواب : استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد نارا ، وكذا قوله : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة { ولله المثل الاعلى } ( النحل : 60 ) أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة { مثلهم فى التوراة } ( الفتح : 29 ) أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا : فلان مثله في الخير والشر ، فاشتقوا / منه صفة للعجيب الشأن . السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة بالواحد ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع ( الذي ) موضع ( الذين ) كقوله : { وخضتم كالذي خاضوا } ( التوبة : 69 ) وإنما جاز ذلك لأن ( الذي ) لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالا بصلته فهو حقيق بالتخفيف ، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين . وثانيها : أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا . وثالثها : وهو الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومثله قوله تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار } ( الجمعة : 5 ) وقوله : { ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت } ( محمد : 20 ) ورابعها : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله : { يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) أي يخرج كل واحد منكم . السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار ؟ وما الإضاءة ؟ وما النور ؟ ما الظلمة ؟ الجواب : أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها ، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء ، حار محرق ، واشتقاقها من ( نارينور ) إذا نفر ؛ لأن فيها حركة واضطرابا ، والنور مشتق منها وهو ضوؤها ، والمنار العلامة ، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه . ويقال أيضا للشيء الذي يوضع السراج عليه ، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة ، ومصداق ذلك قوله تعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ( يونس : 5 ) و ( أضاء ) يرد لازما ومتعديا . تقول : أضاء القمر الظلمة ، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر : فأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

قسم V02/P068–V02/P069

وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به ، تقول دار حوله وحواليه ، والحول السنة لأنها تحول ، وحال عن العهد أي تغير ، وحال لونه أي تغير لونه ، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص ، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالبا له ، والحول انقلاب العين ، والحول الانقلاب ، قال الله تعالى : { لا يبغون عنها حولا } والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير ، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم ، أي فما نقص حق الشبه ، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعا والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيها له بالثلج . السؤال الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : كلاهما جائز ، يقال : أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلما ، وههنا الأقرب أنها متعدية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ( ضاء ) السؤال الخامس : هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله : { فلما أضاءت } ؟ الجواب : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم / ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نورا والغرض إزالة النور عنهم بالكلية . ألا ترى كيف ذكر عقيبه : { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } والظلمة عبارة عن عدم النور ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله : { لا يبصرون } السؤال السادس : لم قال : { ذهب الله بنورهم } ولم يقل أذهب الله نورهم والجواب : الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ، ويقال ذهب به إذا استصحبه / ومعنى به معه ، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى : { فلما ذهبوا به } ( يوسف : 15 ) { إذا لذهب كل إلاه بما خلق } ( المؤمنون : 91 ) والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه { وما يمسك فلا مرسل له } ( فاطر : 2 ) فهو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني ( أذهب الله نورهم ) . السؤال السابع : ما معنى ( وتركهم ) ؟ والجواب : ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير ، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله : { وتركهم في ظلمات } أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزئين . السؤال الثامن : لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون ؟ الجواب : أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوي ، كأن الفعل غير متعد أصلا . ! 7 < { صم بكم عمى فهم لا يرجعون } . > 7 < البقرة : ( 18 ) صم بكم عمي . . . . . > > @70@

قسم V02/P069

اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب ، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم ، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى ، أما قوله : { فهم لا يرجعون } ففيه وجوه : أحدها : أنهم لا يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذ الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبدا . وثانيها : أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، وعن الضلالة بعد أن اشتروها . وثالثها : أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه . ! 7 < { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فىءاذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلمآ أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير } . > 7 < البقرة : ( 19 - 20 ) أو كصيب من . . . . . > >

قسم V02/P069–V02/P070

اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه : أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته . وتعظم الظلمة في عينه ، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون ، وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين . وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم ، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل ، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار . وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماتع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق . وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين ، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات / والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه } أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين : { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه : أحدها : لأن ( أو ) في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك .

قسم V02/P070

كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى : { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله : { أو كصيب } معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } ( البقرة : 135 ) وقوله : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } ( الأعراف : 4 ) وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى : { ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على } ( النور : 61 ) وقال الشاعر :

قسم V02/P070–V02/P071

فوقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها وهذه الوجوه مطردة في قوله : { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) السؤال الثالث : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل يكون أيضا مركبا من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر / من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب ، قلنا لولا طلب الراجع في قوله : { يجعلون أصابعهم فىءاذانهم } ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع : ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب ، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد ، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود . كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( اللهم اجعله صيبا هنيئا ) أي مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب صيب قال الشماخ : وأسحم دان صادق الوعد صيب

قسم V02/P071–V02/P072

وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، كما تنكرت النار في التمثيل الأول ، وقرىء ( أو كصائب ) وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة . السؤال الخامس : قوله من السماء . ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال . أو كصيب فيه ظلمات . احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض / أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة التركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا ، الثاني : من الناس من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى ، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء ، كذا قوله : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ( الفرقان : 48 ) وقوله : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } ( النور : 43 ) السؤال السادس : ما الرعد والبرق ؟ الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع . السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل ، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل . السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب . الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام . السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما الرعد فإنه نوع واحد ، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع . السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات . الجواب : لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف / وبرق خاطف . السؤال الحادي عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في ( يجعلون ) . الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال : { يكاد البرق يخطف أبصارهم } ( البقرة : 20 ) السؤال الثاني عشر : رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله : { فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) المراد بعضهما . السؤال الثالث عشر : ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود . السؤال الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين .

قسم V02/P072–V02/P073

الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه عالم بهم قال تعالى : { وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } ( الطلاق : 12 ) وثانيها : قدرته مستولية عليهم { والله من وراءهم محيط } ( البروج : 20 ) وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى : { إلا أن يحاط بكم } ( يوسف : 66 ) السؤال الخامس عشر : ما الخطف . الجواب : إنه الأخذ بسرعة ، وقرأ مجاهد ( يخطف ) بكسر الطاء ، والفتح أفصح ، وعن ابن مسعود ( يختطف ) وعن الحسن ( يخطف ) بفتح الياء والخاء وأصله يختطف ، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء ، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله : { ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) أما قوله تعالى : { كلما أضاء لهم مشوا فيه } ( البقرة : 20 ) فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه ، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرد فأعماهم . وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، فالمفعول محذوف ، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ( كلما ضاء ) فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما ، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم حراص على إمكان المشيء ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف ، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم ، ومنه قامت السوق ، وقام الماء جمد ، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وههنا مسألة ، وهي أن المشهور أن ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم } يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم وقوله : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا ، وما علم فيهم خيرا وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة ( لو ) لا تفيد إلا الربط والله أعلم .

قسم V02/P073–V02/P074

وأما قوله : { إن الله على كل شىء قدير } ففيه مسائل : المسألة الأولى : منهم من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال : لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب : لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئا ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئا . المسألة الثانية : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئا ، واحتج أيضا على ذلك بقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) قال لو كان هو تعالى شيئا لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله : { ليس كمثله شىء } فوجب أن لا يكون شيئا حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا بوجهين : الأول : قوله تعالى : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } . ( الأنعام : 19 ) والثاني : قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئا . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافا لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورا لله تعالى . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافا للمعتزلة / فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشيء إنما يكون مقدورا قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدورا ترك العمل به فبقي معمولا به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوما في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادرا على إيجاده . المسألة الخامسة : تخصيص العام جائز في الجملة ، وأيضا تخصيص العام جائز بدليل العقل ، لأن قوله : { والله على كل شيء قدير } ( البقرة : 284 ) يقتضي أن يكون قادرا على نفسه ثم خص بدليل العقل ، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعا للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذبا ، وذلك يوجب الطعن في القرآن ، قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع . فقد يستعمل مجازا في الأكثر ، / وإذا كان ذلك مجازا مشهورا في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبا والله أعلم . القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد ! 7 < { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذى جعل لكم الا رض فراشا والسمآء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . > 7 < البقرة : ( 21 - 22 ) يا أيها الناس . . . . . > > اعلم أن في هذه الآيات مسائل :

قسم V02/P074–V02/P075

المسألة الأولى : أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة ، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } وفيه فوائد : أحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث : إن فلانا من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزبد تحريك لذلك الثالث . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول . جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولا ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . وثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلا بالعبودية فإنه يكون أبدا في الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ، انتقل من الغيبة إلى الحضور . ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف ، ففيه كلفة ومشقة فلا بد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفا شاقا فلو شافهه المولى وقال : أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذا لأجل ذلك الخطاب . المسألة الثانية : حكي عن علقمة والحسن أنه قال : كل شيء في القرآن : { يذهبكم أيها الناس } فإنه مكي ، وما كان { خبيرا يأيها الذين ءامنوا } فبالمدينة ، قال القاضي : هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة / فهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ، ومرة باسم جنسهم ، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة ، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها ، فالخطاب في الجميع ممكن . المسألة الثالثة : اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي : إما الألفاظ أو غيرها ، أما الألفاظ فهي : كالاسم والفعل والحرف ، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء ، هو في نفسه لفظ مخصوص ، وغير الألفاظ : فكالحجر والسماء والأرض ، ولفظ النداء لم يجعل دليلا على شيء آخر ، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه . فأما الذين فسروا قولنا : ( يا زيد ) بأنادي زيدا ، أو أخاطب زيدا فهو خطأ من وجوه : أحدها : أن قولنا . أنادي زيدا ، خبر يحتمل التصديق والتكذيب ، وقولنا يا زيد ، لا يحتملها . وثانيها : أن قولنا يا زيد ، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال ، وقولنا أنادي زيدا ، لا يقتضي ذلك ، وثالثها : أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيدا لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا . ورابعها : أن قولنا أنادي زيدا ، إخبار عن النداء ، والأخبار عن النداء غير النداء ، والنداء هو قولنا : يا زيد ، فإذن قولنا : أنادي زيدا ، غير قولنا يا زيد ، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول . ثم ههنا نكتة نذكرها وهي : أن أقوى المراتب الاسم ، وأضعفها الحرف / فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف ، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى ، وأضعفها البشر { وخلق الإنسان ضعيفا } فقالت الملائكة : أي مناسبة بينهما { أتجعل فيها من يفسد فيها } فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء ، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع { ربنا ظلمنا أنفسنا } ، { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } .

قسم V02/P075

المسألة الرابعة : ( ياء ) حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جدا ، وأما نداء القريب فله : أي والهمزة ، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلا له منزلة البعيد . فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله : ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ) أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي . المسألة الخامسة : ( أي ) وصلة إلى نداء ما فيه الألف اللام كما أن ( ذو ) و ( الذي ) وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه ، فلا بد وأن يردفه اسم جنس ، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان : الأولى : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه . والثانية : وقوعها عوضا / مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام ، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها ، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد .

قسم V02/P075–V02/P076

المسألة السادسة : اعلم أن قوله : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصا للعموم . وههنا أبحاث . البحث الأول : أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم ، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم ، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ( االحجر : 15 ) ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله : { كلهم } تأكيدا بل بيانا ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه . البحث الثاني : لما ثبت أن قوله تعالى : { يذهبكم أيها الناس } يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا ؟ والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله : { يا أيهاالناس } خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضا فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة ، وما لا يكون موجودا لا يكون إنسانا وما لا يكون إنسانا لا يدخل تحت قوله : { يذهبكم أيها الناس } فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعا . قلنا : لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم . البحث الثالث : قوله : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة ؟ الحق لا ، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود ، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه ، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آت بالعبادة ، والآتي بالعبادة آت بتمام ما اقتضاه قوله : { اعبدوا } وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالا على العموم نقول : الأمر بالعبادة لا بد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف ، لا سيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم ، وههنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها ، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول ، وإذا ثبت أن كون عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأمورا بها ، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة . البحث الرابع : لقائل أن يقول : قوله : { قدير ياأيها الناس اعبدوا } لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن / يكونوا مأمورين بالإيمان ، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة ، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفا بالله تعالى ، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفا بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر ، وذلك تكليف ما لا يطاق ، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفا بالله فذالك محال ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير ممكن .

قسم V02/P076–V02/P077

فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأمورا بتحصيل المعرفة ، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأمورا بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفا على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعا كان الأمر بالعبادة أيضا ممتنعا ، وأيضا يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين ، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : من الناس من قال : الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة ، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب ، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية ، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال : الأمر بالعبادة حاصل ، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة ، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته ، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجبا ، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى ، فوجبت ، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت ، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها ، فكان السعي واجبا ، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطبا بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولا ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك . بقي لهم : الأمر بتحصيل المعرفة محال ، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمرا على العلم به ، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات . فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك ؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر بتناول المؤمنين ؟ قوله لأنه يصير ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها ، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة ، فصح تفسير قوله : ( اعبدوا ) بالزيادة في العبادة . البحث الخامس : قال منكرو التكليف : لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه : أحدها : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر ، فإن كان الأول فهو محال ، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق ، وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع ؛ لأن المرجوح حال ما كان مساويا للراجح كان ممتنع الوقوع ، وإلا فقد / وقع الممكن لا عن مرجح ، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفا بإيجاد ما يجب وقوعه ، وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفا بما يمتنع وقوعه ، وكلاهما تكليف ما لا يطاق . وثانيها : أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه ، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك ، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم ، فكان الأمر بإيقاعه أمرا بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولا بالجهل على الله تعالى وهو محال ، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي ، وحينئذ لا يكون في الطاعة فائدة .

قسم V02/P077–V02/P078

وثالثها : أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة ، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يكون كاملا بغيره ، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده ، وأما إلى العابد فمحال ؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم ، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثا ، والعبث غير جائز على الحكيم . ورابعها : أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدا له وإذا لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل ، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل . وخامسها : أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة ، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر . والجواب : عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين : الأول : أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض . الثاني : أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك ، والمالك لا اعتراض عليه في فعله . البحث السادس : قالوا : الأمر بالعبادة وإن كان عاما لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون والغافل والناسي ، وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 233 ) .

قسم V02/P078

ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد ، لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة مواليهم ، واشتغالهم بطاعة الموالي يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة ، والأمر الدال على وجوب طاعة المولى / أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص يقدم على العام والكلام في هذا المعنى مذكور في أصول الفقه . المسألة السابعة : قال القاضي : الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من خلقه لنا والإنعام علينا . واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لا يستحق بفعله الثواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا سببا لوجوب العبادة فحينئذ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب ، والإنسان لا يستحق بأداء الواجب شيئا فوجب أن لا يستحق العبد على العبادة ثوابا على الله تعالى أما قوله : { ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ففيه مسائل :

قسم V02/P078–V02/P079

المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات : المقام الأول : في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه : أحدها : أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم . وثانيها : أن العلم إما أن يكون دينيا أو غير ديني ، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني ، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول ، أو ما عداه ، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول ، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى ، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم ، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم ، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله ، وذلك فرع على التوحيد والنبوة ، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول ، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم . وثالثها : أن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده ، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد علم الأصول هو الكفر والبدعة ، وهما من أخس الأشياء ، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء . ورابعها : أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه ، وقد يكون لقوة براهينه ، وعلم الأصول مشتمل على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظرا إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب ، وإن كان الطب أشرف منه نظرا إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة ، وعلم الحساب أشرف منهما نظرا إلى أن براهين علم الحساب أقوى . أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات ، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور ، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا ، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة ، ومن جهلها / استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين . وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر ، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم ، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيبا يقينيا وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم . وخامسها : أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير ، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم ، فوجب أن يكون أشرف العلوم . وسادسها : أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) و { الرسول بما } ( البقرة : 285 ) وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله : { ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) وقوله : { يظلمون يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين } ( البقرة : 282 ) وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل .

قسم V02/P079–V02/P080

وسابعها : أن الآيات الواردة في ا لأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين ، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل ، ونشير إلى معاقد الدلائل : أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه . أولها : ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وخلق السماء وخلق الأرض ، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض ، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض ، فالمقصود منه ذلك ، وأما الذي يدل على الصفات . أما العلم فقوله : { إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء } ثم أردفه بقوله : { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } ( آل عمران : 5 ، 6 ) وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال واتقانها على علم الصانع ، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالما بالأشياء ، وقال : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ( االملك : 14 ) وهو عين تلك الدلالة وقال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وذلك تنبيه على كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر ، فلولا كونه عالما بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك ، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادرا مختارا لا موجبا بالذات ، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم ، ولا في مكان قوله : { قل هو الله أحد } فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث ، وإذا كان أحدا وجب أن لا يكون جسما وإذا لم يكن جسما لم يكن في المكان ، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } و ( الأنبياء : 22 ) قوله : { إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } ( الأسراء : 42 ) وقوله : { ولعلا بعضهم على بعض } ( المؤمنون : 91 ) وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) وأما المعاد فقوله : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وأنت لو فتشت علم / الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها ، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلا مسلما يقول ذلك ويرضى به .

الأسئلة