Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V19/P028–V19/P029

البحث الأول : قال الواحدي : القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها ؟ أي كم تبلغ في الوزن ، فما يكون مساويا لها في الوزن فهو قدرها . البحث الثاني : { فسالت أودية بقدرها } أي من الماء ، فإن صغر الوادي قل الماء ، وإن اتسع الوادي كثر الماء . أما قوله : { فاحتمل السيل زبدا رابيا } ففيه بحثان : البحث الأول : قال الفراء : يقال أزبد الوادي إزبادا ، والزبد الاسم ، وقوله : { رابيا } قال الزجاج : طافيا عاليا فوق الماء . وقال غيره : زائدا بسبب انتفاخه ، يقال : ربا يربو إذا زاد . أما قوله تعالى : { ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء ، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار ، وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { يوقدون } بالياء ، واختاره أبو عبيدة لقوله : { ينفع الناس } وأيضا فليس ههنا مخاطب . والباقون بالتاء على الخطاب ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان . الأول : أنه خطاب للمذكورين في قوله : { قل أفاتخذتم من دونه أولياء } . ( الرعد : 16 ) والثاني : أنه يجوز أن يكون خطابا عاما يراد به الكافة ، كأنه قال : ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون . البحث الثاني : الإيقاد على الشيء على قسمين : أحدهما : أن لا يكون ذلك الشيء في النار ، / وهو كقوله تعالى ) { فأوقد لى ياهامان ياهامان على الطين } ( القصص : 38 ) والثاني : أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار ، فلهذا السبب قال ههنا : { ومما يوقدون عليه فى النار } . البحث الثالث : في قوله : { ابتغاء حلية } قال أهل المعاني : الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة ، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص ، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله : { زبد مثله } أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل . ثم قال تعالى : { وكذالك يضرب الله الحق والباطل } والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل . ثم قال : { أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس } قال الفراء : الجفاء الرمي والاطراح يقال : جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال ، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة / فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهرا لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالا ، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار .

قسم V19/P029–V19/P030

أما قوله تعالى : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } ففيه وجهان : الأول : أنه تم الكلام عند قوله : { كذالك يضرب الله الامثال } ثم استأنف الكلام بقوله : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى . الثاني : أنه متصل بما قبله والتقدير : كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلا وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة ، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، أما أحوال السعداء فهي قوله : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن عباس : الجنة ، وقال أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة / الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال . ولم يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى ، وهو قوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 206 ) وأما أحوال الأشقياء ، فهي قوله : { والذين لم يستجيبوا له } فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة . فالنوع الأول ؛ قوله : { لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به } والافتداء جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر ، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره : لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، والكناية في ( به ) عائدة إلى ( ما ) في قوله : { ما فى الارض } . واعلم أن هذا المعنى حق ، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكا لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه ، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون محبوبا بالذات . والنوع الثاني : من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله : { أولئك لهم سوء الحساب } قال الزجاج : ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم . وأقول ههنا حالتان : فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية ، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة ، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد ، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة ، ولا شك أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب أثرا ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب ، وعند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) . إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى . وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم ، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب ، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى .

قسم V19/P030–V19/P031

والنوع الثالث : قوله تعالى : { ومأواهم جهنم } وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد / بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا ، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة ، فلذلك قال : { مأواهم جهنم } ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال : { وبئس المهاد } ولا شك أن الأمر كذلك . ثم قال تعالى : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء كالبصير ، والجاهل به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد ، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك ، وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة ، أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك . ثم قال : { إنما يتذكر أولوا الالباب } والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها ، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه . ! 7 < { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولائك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } > 7 < الرعد : ( 20 - 24 ) الذين يوفون بعهد . . . . . > > /اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا ؟ فيه قولان : القول الأول : إنها متعلقة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أنه يجوز أن يكون قوله : { الذين يوفون بعهد الله } صفة لأولي الألباب . والثاني : أن يكون ذلك صفة لقوله : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق } ( الرعد : 19 ) . والقول الثاني : أن يكون قوله : { الذين يوفون بعهد الله } مبتدأ : { وأولئك لهم عقبى الدار } خبره كقوله : { والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة } ( الرعد : 25 ) واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة شرط وجزاء ، وشرطها مشتمل على قيود ، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود . أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة :

قسم V19/P031–V19/P032

القيد الأول : قوله : { الذين يوفون بعهد الله } وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم : { ألست بربكم قالوا بلى } . والثاني : أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته وهو من وجهين : أحدهما : الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير . والآخر : التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام ، والحاصل أنه دخل تحت قوله : { يوفون بعهد الله } كل ما قام الدليل عليه . ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به ، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع . ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل ، ويدخل فيه الاتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات ، ويدخل فيه أداء الأمانات ، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية . القيد الثاني : قوله : { ولا ينقضون الميثاق } وفيه أقوال : القول الأول : وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد ، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق والعهد ، وهذا مثل أن يقول : إنه لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه ، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق . واعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة . قال عليه السلام : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن عهد له ) والآيات الواردة في هذا الباب كثيرة في القرآن . / والقول الثاني : أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه ، فالحاصل : أن قوله : { الذين يوفون بعهد الله } إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء . وقوله : { ولا ينقضون الميثاق } إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات . والقول الثالث : أن المراد بالوفاء بالعهد : عهد الربوبية والعبودية ، والمراد بالميثاق : المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره . واعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع ، قال عليه السلام : ( من عاهد الله فغدر ، كانت فيه خصلة من النفاق ) وعنه عليه السلام : ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى عهدا ثم غدر ، ورجل استأجر أجيرا استوفى عمله وظلمه أجره ، ورجل باع حرا فاسترق الحر وأكل ثمنه ) وقيل : كان بين معاوية وملك الروم عهد فأراد أن يذهب إليهم وينقض العهد فإذا رجل على فرس يقول : وفاء بالعهد لا غدر . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذن إليهم عهده ولا يحلها حتى ينقضي الأمد وينبذ إليهم على سواء ) قال من هذا ؟ قالوا : عمرو بن عيينة فرجع معاوية . القيد الثالث : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وههنا سؤال : وهو أن الوفاء بالعهد وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدهما ؟

قسم V19/P032–V19/P033

والجواب من وجهين : الأول : أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين الله تعالى فلا جرم أفرد ما بينه وبين العباد بالذكر . والثاني : أنه تأكيد . إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في تفسيره وجوها : الأول : أن المراد منه صلة الرحم قال عليه السلام : ( ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول : أي رب قطعت ، والأمانة تقول : أي رب تركت ، والنعمة تقول : أي رب كفرت ) . والقول الثاني : أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد . والقول الثالث : رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد ، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان كما قال : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) ويدخل في هذه الصلة امدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة ، وعن / الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم ؟ قالوا : من خراسان . فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين ، وأقول حاصل الكلام : أن قوله : { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } إشارة إلى الشفقة على خلق الله . القيد الرابع : قوله : { ويخشون ربهم } والمعنى : أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله ، وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه وهذه الخشية نوعان : أحدهما : أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته ، بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها . والثاني : وهو خوف الجلال وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة . القيد الخامس : قوله : { ويخافون سوء الحساب } اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية وسوء الحساب ، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار .

قسم V19/P033–V19/P034

القيد السادس : قوله تعالى : { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار ، والغموم والأحزان ، والصبر على ترك المشتهيات وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات . ثم إن الإنسان قد يقدم على الصبر لوجوه : أحدها : أن يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل . وثانيها : أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع . وثالثها : أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء . ورابعها : أن يصبر لعلمه بأن لا فائدة في الجزع فالإنسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلا في كمال النفس وسعادة القلب ، أما إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن العيب والباطل والسفه ، بل لا بد أن تكون تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ورضي بذلك ، لأنه تصرف المالك في ملكه ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقا في مشاهدة المبلى فكان استغراقه في تجلي نور المبلى أذهله على التألم بالبلاء وهذا أعلى مقامات الصديقين ، فهذه الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها أنه صبر ابتغاء وجه ربه ومعناه أنه صبر لمجرد ثوابه ، وطلب رضا الله تعالى . / واعلم أن قوله : { ابتغاء وجه ربهم } فيه دقيقة ، وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقه ، فربما نظر العاشق لذلك الضارب وفرح به فقوله : { ابتغاء وجه ربهم } محمول على هذا المجاز ، يعني كما أن العاشق يرضى بذلك الضرب لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه ، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة ، ويرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحق وهذه دقيقة لطيفة . القيد السابع : قوله : { والذين يمسكون } . واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات وقد سبق في هذا الكتاب تفسير إقامة الصلاة ولا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضا . القيد الثامن : قوله تعالى : { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الحسن : المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية . وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام ، وقال آخرون : بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله : { سرا } يرجع إلى التطوع وقوله : { علانية } يرجع إلى الزكاة الواجبة . المسألة الثانية : قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقا ، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقا لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز .

قسم V19/P034–V19/P035

القيد التاسع : قوله : { صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة } وفيه وجهان : الأول : أنهم إذا أتوا بمعصية درؤها ودفعوها بالتوبة كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : ( إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها ) . والثاني : أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير كما قال تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من قطع ثم وصل وعطف على من لم يصله / وليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج ، لكن الحليم من قدر ثم عفا . وعن الحسن : هم الذين إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا ، ويروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متنكرا ، فقال من أين أنت ؟ فقال : من بلخ ، فقال : وهل تعرف شقيقا قال نعم ، فقال : كيف طريقة أصحابه ؟ فقال : إذا منعوا صبروا وإن أعطوا شكروا ، فقال عبد الله : طريقة كلابنا هكذا . فقال : وكيف ينبغي أن يكون فقال الكاملون : هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا . / واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط . أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة : القيد الأول : قوله : { أولئك لهم عقبى الدار } أي عاقبة الدار وهي الجنة ، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها . قال الواحدي : العقبى كالعاقبة ، ويجوز أن تكون مصدرا كالشورى والقربى والرجعى ، وقد يجيء مثل هذا أيضا على فعلى كالنجوى والدعوى ، وعلى فعلى كالذكرى والضيزى ، ويجوز أن يكون اسما وهو ههنا مصدر مضاف إلى الفاعل ، والمعنى : أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة . القيد الثاني : قوله : { جنات عدن يدخلونها } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الزجاج : جنات عدن بدل من عقبى والكلام في جنات عدن ذكرناه مستقصى عند قوله تعالى : { ومساكن طيبة فى جنات عدن } وذكرنا هناك مذهب المفسرين ، ومذهب أهل اللغة . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { يدخلونها } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله والباقون بفتح الياء وضم الخاء على إسناد الدخول إليهم . القيد الثالث : { ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن علية ( صلح ) بضم اللام قال صاحب الكشاف : والفتح أفصح . المسألة الثانية : قال الزجاج : موضع من رفع لأجل العطف على الواو في قوله { يدخلونها } ويجوز أن يكون نصبا كما تقول قد دخلوا وزيدا أي مع زيد . المسألة الثالثة : في قوله : { ومن صلح } قولان : الأول : قال ابن عباس : يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم وقال الزجاج : بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة . قال الواحدي : والصحيح ما قال ابن عباس ، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة ، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به ، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة .

قسم V19/P035–V19/P036

واعلم أن هذه الحجة ضعيفة ، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك وتقوى بهجته به ، ويقال : إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا / أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة ولذلك قال تعالى في صفة أهل الجنة إنهم يقولون : { قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين } ( يس : 26 / 27 ) . المسألة الرابعة : قوله : { وأزواجهم } ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة ، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ، وما روي عن سودة أنه لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت : دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك ، كالدليل على ما ذكرناه . والقيد الرابع : قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم : { سلام عليكم بما صبرتم } على أمر الله . وقال أبو بكر الأصم : من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون : ونعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى . واعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة ، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ، ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه ، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله : { فنعم عقبى الدار } ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول : ( السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف ، منهم روحانيون ومنهم كروبيون . فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الراضيات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة ، ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص ؛ فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر ، ومن ملائكة الشكر كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب . المسألة الثانية : تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال : إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والعظيم فكانوا به أجل / مرتبة من البشر ولو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجبا علو درجاتهم وشرف مراتبهم ، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي ، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذلك ههنا .

قسم V19/P036–V19/P037

المسألة الثالثة : قال الزجاج : ههنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون سلام عليكم فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلا عليه ، وأما قوله : { بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ففيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بالسلام . والمعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات ، وترك المحرمات . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، والتقدير : أن هذه الكرامات التي ترونها ، وهذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك الصبر . ! 7 < { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الا رض أولائك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } > 7 ! < < الرعد : ( 25 ) والذين ينقضون عهد . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء ، وذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة ، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب ، ليكون البيان كاملا فقال : { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وقد بينا أن عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية لأنها أوكد من كل عهد وكل يمين إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها ، والمراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في الأدلة أصلا ، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو بأن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق والمراد من قوله : { من بعد ميثاقه } أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها ، لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أن ينفع فعله ويضر تركه . فإن قيل : إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله : { من بعد ميثاقه } . قلنا : لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف الله العبد ، والمراد بالميثاق الأدلة المؤكدة / لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية . ثم قال تعالى : { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ( الرعد : 21 ) وذلك في مقابلة قوله : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل ، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ووصل المؤمنين ، ووصل الأرحام ، ووصل سائر من له حق ، ثم قال : { ويفسدون فى الارض } وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد ، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال : { أولئك لهم اللعنة } واللعنة من الله الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة : { ولهم سوء الدار } لأن المراد جهنم ، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها .

قسم V19/P037–V19/P038

! 7 < { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحيواة الدنيا وما الحيواة الدنيا فى الا خرة إلا متاع ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشآء ويهدىإليه من أناب الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مأاب كذلك أرسلناك فىأمة قد خلت من قبلهآ أمم لتتلو عليهم الذىأوحينآ إليك وهم يكفرون بالرحمان قل هو ربى لاإلاه إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الا رض أو كلم به الموتى بل لله الا مر جميعا أفلم يايأس الذين ءامنوا أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم فى الا رض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد لهم عذاب فى الحيواة الدنيا ولعذاب الا خرة أشق وما لهم من الله من واق مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } > 7 < الرعد : ( 26 - 35 ) الله يبسط الرزق . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد الله في قبول التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل : لو كانوا أعداء الله لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا ، فأجاب الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه يبسط الرزق على البعض ويضيقه على البعض ولا تعلق له بالكفر والإيمان ، فقد يوجد الكافر موسعا عليه دون المؤمن ، ويوجد المؤمن مضيقا عليه دون الكافر ، فالدنيا دار امتحان . قال الواحدي : معنى القدر في اللغة قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان . وقال المفسرون : معنى ( يقدر ) ههنا يضيق ، ومثله قوله تعالى : { ومن قدر عليه رزقه } ( الطلاق : 7 ) أي ضيق ، ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء . وأما قوله : { وفرحوا بالحيواة الدنيا } فهو راجع إلى من بسط الله له رزقه ، وبين تعالى أن ذلك لا يوجب الفرح ، لأن الحياة العاجلة بالنسبة إلى الآخرة كالحقير القليل بالنسبة إلى ما لا نهاية له . قوله تعالى ! 7 < { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ) < > اعلم أن الكفار قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ظاهرة مثل معجوات موسى وعيسى عليهما السلام .

قسم V19/P038–V19/P039

فأجاب عن هذا السؤال بقوله { قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه : أحدها : كأنه تعالى يقول : إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، ولكن الاضلال والهداية من الله ، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة ، وهدى أقواما آخرين إليها ، حتى عرفوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات . وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل ، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم { إن الله يضل من يشاء } من كان عل صفتكم . وثالثها : أنهم لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة من ظهور الآيات والمعجزات ، فإن الإضلال والهداية من الله فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فإنه لم يحصل الانتفاع بها ، ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فإنه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات . ورابعها : قال أبو علي الجبائي : المعنى أن الله يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب { ويهدي إليه من أناب } أي يهدي إلى جنته من تاب وآمن قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث انه عقبه بقوله { من أناب } أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب ، لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب ، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا . هذا تمام كلام أبي علي وقوله { أناب } أي اقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير . قوله تعالى { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } . اعلم أن قوله { الذين آمنوا } بدل من قوله { من أناب } قال ابن عباس : يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت . فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } [ الأنفال : 2 ] والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان ؟ والجواب من وجوه : الأول : أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل ، وإذا ذكروا بوعده بالثواب والرحمة ، سكنت قلوبهم إلى ذلك ، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر ، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب ، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي ، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا من عند الله . أما شكلهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم ، الثالث : أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم انهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا . واعلم أن لنا في قوله { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أبحاثا دقيقة غامضة وهي من وجوه :

قسم V19/P039–V19/P040

الوجه الأول : أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر ، ومتأثر لا يؤثر ، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر في شيء ، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى ، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر تارة أخرى ، فهي الموجودات الروحانية . وذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده . وإذا توجهت إلى عالم الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها ، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام . وإذا عرفت هذا ، فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها ، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الإلهية ، فناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . الوجه الثاني : أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أشرف منها ، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة والغبطة . أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه البتة ، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل ؛ فلهذا المعنى قال { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . والوجه الثالث في تفسير هذه الكلمة : أن الاكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الدهور والأزمان صابرا على الذوبان الحاصل بالنار ، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغير والتدبل ، فلهذا قال { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ثم قال تعالى : ! 7 < { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } > 7 ! المسألة الأولى : في تفسير كلمة ' طوبى ' ثلاثة أقوال : القول الأول : أنها اسم شجرة في الجنة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال < < طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وأن أغصانها لترى من وراء سور الجنة > > وحكى أبو بكر الأصم رضي الله عنه : أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن . والقول الثاني : وهوقول أهل اللغة : أن طوبى مصدر من طاب ، كبشرى وزلفى . ومعنى طوبى لك : أصبت طيبا . ثم اختلفوا على وجوه : فقيل : فرح وقرة عين لهم ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقيل : نعم ما لهم ، عن عكرمة . وقيل غبطة لهم ؛ عن الضحاك . وقيل : حسن لهم ؛ عن قتادة . وقيل : خير وكرامة ؛ عن أبي بكر الأصم ، وقيل العيش الطيب لهم ؛ عن الزجاج . واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ . والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات . ويدخل فيه جميع اللذات . وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم . والقول الثالث : أن هذه اللفظة ليست عربية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : طوبى اسم الجنة بالحبشية ، وقيل اسم الجنة بالهندية ، وقيل البستان بالهندية ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر .

قسم V19/P040–V19/P041

المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { الذين آمنوا } مبتتدأ و { طوبى لهم } خبره . ومعنى طوبى لك أي أصبت طيبا ، ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك طيبا لك زطيب لك وسلاما لم وسلام لك ، والقراءة في قوله { وحسن مآب } بالرفع والنصب تدلك على محلها ، وقرأ مكوزة الأعرابي ' طيبى لهم ' . أما قوله { وحسن مآب } فالمراد حسن المرجع والمقر . وكل ذلك وعد من الله بأعظم النعيم ترغيبا في طاعته وتحذيرا عن المعصية . قوله تعالى : ! 7 < { كذلك أرسلنا في أمة قد خلت من قبلها الأمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } > 7 ! اعلم أن الكاف في ' كذلك ' للتشبيه فقيل أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وقيل كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم ، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فماذا اقترحوا غيره ، وقال صاحب الكشاف ' كذلك أرسلناك ' أي مثل ذلك الإرسال ' أرسلناك ' يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات . ثم فسر كيف أرسله فقال { في أمة قد خلت من قبلها أمم } أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء . أما قوله { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } فالمراد : لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك { وهم يكفرون بالرحمن } أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه ، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم { قل هو ربي } الواحد المتعال عن الشركاء { لا إله إلا هو عليه توكلت } في نصرتي عليكم { وإليه متاب } فيعينني على مصابرتكم زمجاهدتكم . قيل : نزل قوله { وهم يكفرون بالرحمن } في عبد الله بن أمية المخزومي ، وكان يقول أما الله فنعرفه ، وأما الرحمن فلا نقول نعرفه إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذلب ؛ فقال تعالى { قل ادعوا أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } [ الإسراء : 110 ] وكقوله { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } [ الفرقان : 60 ] وقيل إنه عليه السلام حين صالح قريشا من الحديبية كتب ' هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ' فقال المشركون : إن كنت رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا . ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد عبد الله ، فكتب كذلك ، ولما كتب في الكتاب ' بسم الله الرحمن الرحيم ' قالوا أما الرحمن فلا نعرفه ، وكانوا يكتبون باسمك اللهم ، فقال عليه السلام < < اكتبوا كما تريدون > > .

قسم V19/P041–V19/P042

واعلم أنه قوله { وهم يكفرون بالرحمن } إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الإسم على الله تعالى ، لا أنهم كفروا بالله تعالى . وقال آخرون : بل كفروا بالله إنا جحدا له وإما لإثباتهم الشركاء معه . قال القاضي : وهذا القول أليق بالظاهر ، لأن قوله تعالى { وهم يكفرون بالرحمن } يقتضي أنهم كفروا بالله . قال القاضي : هذا القول أليق بالظاهر ، لأن قوله تعالى { وهم يكفرون بالرحمن } يقتضي أنهم كفروا بالله . وهو المفهوم من الرحمن ، وليس المفهوم منه الاسم كما لو قال قائل : كفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو ، دون اسمه . ! 7 < { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد } > 7 ! اعلم أنه روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة ، فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم ، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي : سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهارا نزرع فيها - أو أحي لنا بعض أموالنا لنسألهم أحق ما تقول أو باطل ، فقد كان عيسى يحيي الموتى ، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان ، فنزل قوله { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } أي من أماكنها { أو قطعت به الأرض } أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا { أو كلم به الموتى } لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك . وحذف جواب ' لو ' لكونه معلوما ، وقال الزجاج : المحذوف هو أنه { لو أن قرآنا سيرت به الجبال } وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى } [ الأنعام : 111 ] . ثم قال تعالى { بل لله الأمر جميعا } يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، وليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله وأحكامه . ثم قال تعالى { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله { أفلم ييأس } قولان : القول الأول : أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الوجه الأولك { ييأس } يعلم في لغة النخع وهذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد والحسن وقتادة . واحتجوا عليه بقول الشاعر : ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وأنشد أبو عبيدة : أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم أي ألم تعلموا . وقال الكسائي : ما وجدت العرب يئست بمعنى علمت البتة . والوجه الثاني : ما روي ان عليا وابن عباس كانا يقرآن { أفلم يأس الذين آمنوا } فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال : أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس إنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرئ ييأس وهذا القول بعيد جدا لأنه يقتضي كون القرآن محلا للتحريف والتصحيف . وذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب الكشاف : ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية . والقول الثاني : قال الزجاج : المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعا . وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز ، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لإرادة العلم .

قسم V19/P042–V19/P043

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } وكلمة ' لو ' تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . والمعنى : أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس ، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء ، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة ، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هدابة الأطفال والمجانين فلا يكون شائيا لهداية جميع الناس . والكلام في هذه المسألة قد سبق مرارا . أما قوله تعالى { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دراهم } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { الذين كفروا } فيه قولان : القول الأول : قيل : أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل ، وقيل : أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق وهو ذلك الجمع المعين . المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ، أو تحل القارعة قريبا منهم ، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارهم ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة . والقول الثاني : ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم ، أو تحل أنت يا محمد قريبا من دراهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك . ثم قال { إن الله لا يخلف الميعاد } والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه . قال القاضي : وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق . وجوابنا : أن الحلف غيرن وتخصيص العموم غير ، ونحن لا نقول بالخلف ، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو . وقوله تعالى ! 7 < { ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أش وما لهم من واق } > 7 ! اعلم أن القول لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيرا له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كمت أن قومك يستهزئون بك { فأمليت للذين كفروا } أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم .

قسم V19/P043–V19/P044

واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انمتقمت من أولئك المتقدمين والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى . وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم فقال { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } والمعنى : أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزيئات والكليات وإذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال النفوس ، وقادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات ، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي . وهذا هو المراد من قوله { قائم على كل نفس بما كسبت } وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى { قائما بالقسط } [ آل عمران : 18 ] . واعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه : الوجه الأول : التقدير { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } كمن ليس بهذه الصفة ؟ وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى { وجعلوا لله شركاء } والتقدير : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع ، ونظيره قوله تعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ربه } [ الزمر : 22 ] وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } [ الزمر : 22 ] فكذا ههنا ، قال صاحب الكشاف : يجوز أن يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ ، أو يعطف عليه قوله { وجعلوا } والتقدير : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء . الوجه الثاني : وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال : نجعل الواو في قوله { وجعلوا } واو الحال ونضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال ، والتقدير { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } موجود . والحال أنهم جعلوا له شركاء ، ثم أقيم الظاهر وهو قوله { لله } مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها ، وهذا كما تقول : جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي .

قسم V19/P044–V19/P045

واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال { قل سموهم } وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكروا ولا يوضع له اسم ، فعند ذلك يقال : سمه إن شئت . يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل ، فكأنه تعالى قال : سموهم بالآلهة ؛ على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم زاد في الحجاج فقال { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } والمراد : أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك البتة ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها { أم بظاهر من القول } يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له ، وهو كقوله تعالى { ذلك قولهم بأفواههم } [ التوبة : 30 ] ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه { بل زين للذين كفروا مكرهم } قال الواحدي : معنى ' بل ' ههنا كأنه يقول : دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على إفساد قولهم ، فكأنه يقول دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي : لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله ، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن . واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه : الأول : أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الأنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو الله فقد زال السؤال ، والثاني أن يقال : القلوب لا يقدر عليها إلا الله ، والثالث : أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل . أما قوله { وصدوا عن السبيل } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ' وصدوا ' بضم الصاد وفي حم { وصد عن السبيل } [ غافر : 37 ] على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم ، وعند أهل السنة أن الله صدهم . وللمعتزلة فيه وجهان : قيل الشيطان ، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال : فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون ، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله ، أي أعرضوا وقيل : صرفوا غيرهم ، وهو لازم ومتعد ، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول ، وحجة القراءة الثانية قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } .

قسم V19/P045–V19/P046

ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه : أولها قوله { بل زين للذين كفروا مكرهم } وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله . وثانيها : قوله { وصدوا عن البسيل } بضم الصاد ، وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله . وثالثها : قوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله . ورابعها : قوله تعالى { لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق } أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير . وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر امتنع صدور ا يمان منه . وكل هذه الوجوه لقد لخصناها في هذا الكتاب مرارا ، قال القاضي { من يضلل الله } أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله { فما له من هاد } منبئ بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا ، وقيل : المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالا ، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك ، ثم قال والوجه الأول أقوى . واعلم أن الوجه الأول ضعيف جدا لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجر ذكر ذهابهم إلى الجنة البتة فصرف الكلام عن المذكور إلى غير المذكور بعيد ، وأيضا فهب أن نساعد على أن الأمر كما ذكرووه ، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع . واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا ، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق ، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة . أما عذاب الدنيا فبالقتل ، والقتال ، واللعن ، والذم ، والإهانة . وهل ديخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا ؟ اختلفوا فيه ، قال بعضهم : إنها تدخل فيه ، وقال بعضهم : إنها تكون عقابا ، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها ، ولو كان عقابا لم يجب ذلك ، فالمراد على هذا القول من الآية : القتل ، والسبي ، واغتنام الأموال ، واللعن ، وإنما قال { ولعذاب الآخرة أشق } لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة ، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع ، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة ، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع ، ثم بين بقوله { وما لهم من الله من واق } أي أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله . قال الواحدي : أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله { واق } وكذلك في قوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } وكذلك في قوله { وال } [ الرعد : 1 ] وهو الوجه لأنك تقول في الوصل : هذا هاد . ووال . وواق ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين ، فإذا وقفت انحذفت التنوين في الوقف في الرفع والجر ، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد . ووال . وواق . وكان ابن كثير يقف بالياء في هاجي . ووالي . وواقي . ووجهه ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول : هذا داعي فيقفون بالياء . قوله تعالى ! 7 < { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } > 7 ! وفي الآية مسائل :

قسم V19/P046–V19/P047

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة ، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله { مثل الجنة } أقوال : الأول : قال سيبويه ' مثل الجنة ' مبتدأ وخبره محذوف والتقدير : فيما قصصنا عليكم مثل الجنة . والثاني : قال الزجاج : مثل الجنة من صفتها كذا وكذا . والثالث : مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار ، كما تقول صفة زيد اسم . والرابع : الخبر هو قوله { أكلها دائم } لأنه الخارج عن العادة كأنه قال { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار } كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم . / المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث : أولها : تجري من تحتها الأنهار . وثانيها : أن أكلها دائم . والمعنى : أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها . أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة . وثالثها : أن ظلها دائم أيضا ، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة ، وعاقبة الكافرين النار . وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام . واعلم أن قوله : { أكلها دائم } فيه مسائل ثلاث : المسألة الأولى : أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه . المسألة الثانية : أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم ، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه . المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد ، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى : { كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) . و { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى : { أكلها دائم } فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة . ثم قال : فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك ، إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة . والجواب : أن دليلهم مركب من آيتين : أحدهما : قوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } والأخرى قوله : { أكلها دائم وظلها } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة ، وهو قوله تعالى : { وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) . ! 7 < { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الا حزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولاأشرك به إليه أدعو وإليه مآب } > 7 ! / < < الرعد : ( 36 ) والذين آتيناهم الكتاب . . . . . > > اعلم أن في المراد بالكتاب قولين : الأول : أنه القرآن والمراد أن أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث والأحكام والقصص ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار من ينكر بعضه وهو قول الحسن وقتادة . فإن قيل : الأحزاب ينكرون كل القرآن . قلنا : الأحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن ، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء ، والأحزاب ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء .

قسم V19/P047–V19/P048

والقول الثاني : إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، وعلى هذا التقدير ففي الآية قولان : الأول : قال ابن عباس : الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وفرحوا بالقرآن ، لأنهم آمنوا به وصدقوه والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين قال القاضي : وهذا الوجه أولى من الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن ، أما إذا حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة ويمكن أن يقال : إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة ، فلهذا السبب حكى الله تعالى فرحهم به . والثاني : والذين آتيناهم الكتاب اليهود أعطوا التوارة ، والنصارى أعطوا الإنجيل ، يفرحون بما أنزل في هذا القرآن ، لأنه مصدق لما معهم ومن الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه ، وهو قول مجاهد . قال القاضي : وهذا لا يصح ، لأن قوله : { يفرحون بما أنزل إليك } يعم جميع ما أنزل إليه ، ومعلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه ويمكن أن يجاب فيقال إن قوله : { بما أنزل إليك } لا يفيد العموم بدليل جواز ادخال لفظتي الكل والبعض عليه ، ولو كانت كلمة ( ما ) للعموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريرا وإدخال لفظ البعض عليه نقصا . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال : { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه ماب } وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به ، وفيه فوائد : أولها : أن كلمة ( إنما ) للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى ، وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك . وثانيها : أن العبادة غاية التعظيم ، وذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك . وثالثها : أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل ، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته ، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه . ورابعها : أن عبادة الله واجبة ، وهو / يبطل قول نفاة التكليف ، ويبطل القول بالجبر المحض . وخامسها : قوله : { ولا أشرك به } وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية ، ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبودا سوى الله تعالى سواء قال : إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان والأرواح العلوية أو يزدان وأهرمن على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية . وسادسها : قوله : { إليه ادعوا } والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته . وسابعها : قوله : { وإليه ماب } وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين . ! 7 < { وكذالك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا واق } > 7 ! < < الرعد : ( 37 ) وكذلك أنزلناه حكما . . . . . > > وفيه مسائل :

الأسئلة