Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V20/P092–V20/P094

المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : القرآن لا ينسخ بالسنة ، واحتج على صحته بقوله تعالى : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى ، وهذا ضعيف لأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية ، وأيضا فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية ، وأيضا فالسنة قد تكون مثبتة للآية ، وأيضا فهذا حكاية كلام الكفار ، فكيف يصح التعلق به ؟ والله أعلم . ! 7 < { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهاذا لسان عربى مبين إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولائك هم الكاذبون } > 7 < النحل : ( 103 - 105 ) ولقد نعلم أنهم . . . . . > > /اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمدا إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه . واختلفوا في هذا البشر الذي نسب المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه قيل : هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له يعيش ، وكان يقرأ الكتب ، وقيل : عداس غلام عتبة بن ربيعة ، وقيل : عبد لبني الحضرمي صاحب كتب ، وكان اسمه جبرا ، وكانت قريش تقول : عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدا ، وقيل : كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية وقيل : سلمان الفارسي ، وبالجملة فلا فائدة في العديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه . ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال : { لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهاذا لسان عربى مبين } ومعنى الإلحاد في اللغة الميل يقال : لحد وألحد إذا مال عن القصد ، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد . وقرأ حمزة والكسائي : { يلحدون } بفتح الياء والحاء ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي : والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن ، والدليل عليه قوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ( الحج : 25 ) والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة ، ومنه يقال : ألحدت له لحدا إذا حفرته في جانب القبر مائلا عن الاستواء وقبر ملحد وملحود ، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر وفسر الإلحاد / في هذه الآية بالقولين : قال الفراء : يميلون من الميل ، وقال الزجاج : يميلون من الإمالة ، أي لسان الذين يميلون القول إليه أعجمي ، وأما قوله : { أعجمى } فقال أبو الفتح الموصلي : تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء ، وضد الباين والإيضاح ، ومنه قولهم : رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان ، وعجم الذنب سمي بذلك لاستتاره واختفائه ، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها ، وسموا صلاتي الظهر والعصر عجماوين ، لأن القراءة حاصلة فيهما بالسر لا بالجهر ، فأما قولهم : أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته ، وأفعلت قد يأتي والمراد منه السلب كقولهم : أشكيت فلانا إذا أزلت ما يشكوه ، فهذا هو الأصل في هذه الكلمة ، ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجميا . قال الفراء وأحمد بن يحيى : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب ، والأعجمي والعجمي الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي : الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم ، ألا ترى أنهم قالوا : زيادة الأعجم لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا ، وأما معنى العربي واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله : { الاعراب أشد كفرا ونفاقا } ( التوبة : 97 ) وقال الفراء والزجاج : في هذه الآية يقال عرب لسانه عرباة وعروبة هذا تفسير ألفاظ الآية :

قسم V20/P094–V20/P095

وأما تقرير ووجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا : القرآن إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل : هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود إذ القرآن إنما كان معجزا لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود ، ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد ، فقال : { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله } أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر ، وقال القاضي : أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة ، ولذلك قال بعده : { ولهم عذاب أليم } والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار ، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ذلك القول فقال : { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح فيه المقصود ، ثم إنه تعالى في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه ، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول وجوه : الأول : أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون ، ومتى كان / الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم . والثاني : أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية ، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومددا متباعدة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدا عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان . الثالث : أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق ، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا ، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان ؟ واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة ، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها ، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكية . المسألة الثانية : في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة ( إنما ) للحصر ، والمعنى : أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى ، وإلا من كان كافرا وهذا تهديد في النهاية . فإن قيل : قوله : { لا يؤمنون بآيات الله } فعل وقوله : { وأولئك هم الكاذبون } اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصوله ههنا ؟ قلنا : الفعل قد يكون لازما وقد يكون مفارقا ، والدليل عليه قوله تعالى : { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } ( يوسف : 35 ) ذكره بلفظ الفعل ، تنبيها على أن ذلك السجن لا يدوم . وقال فرعون لموسى عليه السلام : { لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } ( الشعراء : 29 ) ذكره بصيغة الاسم تنبيها على الدوام ، وقال أصحابنا : إنه تعالى قال : { وعصى ءادم ربه فغوى } ( طه : 121 ) ولا يجوز أن يقال إن آدم عاص وغاو ، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام ، وصيغة الاسم تفيده .

قسم V20/P095–V20/P096

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : قوله : { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } ذكر ذلك تنبيها على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر ، ثم قال : { وأولئك هم الكاذبون } تنبيها على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة . وهذا كما تقول : كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب . ومعناه : أن عادتك أن تكون كاذبا . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك ، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة الأنبياء ، وهذا الإنكار مشتمل على / الكذب والافتراء . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : هل يكذب المؤمن ؟ قال : ( لا ) ثم قرأ هذه الآية ، والله أعلم . ! 7 < { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولاكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذالك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الا خرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين أولائك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولائك هم الغافلون لا جرم أنهم فى الا خرة هم الخاسرون } > 7 < النحل : ( 106 - 109 ) من كفر بالله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلا في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه ، ومن يكفر بلسان وقلبه معا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { من كفر بالله من بعد إيمانه } مبتدأ خبره غير مذكور ، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوها : الأول : أن يكون قوله : { من كفر } بدلا من قوله : { الذين لا يؤمنون بآيات الله } والتقدير : إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء ، وعلى هذا التقدير : فقوله : { وأولئك هم الكاذبون } اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه . الثاني : يجوز أيضا أن يكون بدلا من الخبر الذي هو الكاذبون والتقدير : وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه ، والثالث : يجوز أن ينتصب على الذم ، والتقدير : وأولئك هم الكاذبون ، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف ، والرابع : أن يكون قوله : { من كفر بالله من بعد إيمانه } شرطا مبتدأ ويحذف جوابه ، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على جوابه كأنه قيل : من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله / إلا من أكره : ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله .

قسم V20/P096–V20/P097

المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر يدل عليه وجوه : أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : أحد أحد . روي ناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه ، مع أنه كان بقلبه مصرا على الإيمان ، منهم : عمار ، وأبواه ياسر وسمية ، وصهيب ، وبلال ، وخباب ، وسالم ، عذبوا ، فأما سمية فقيل : ربطت بين بعيرين ووخزت في قبلها بحربة وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت ، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام ، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر ، فقال : كلا إن عمارا مليء إيمانا من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول : ( ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ، ثم أسلم مولاه وأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا . المسألة الثالثة : قوله : { إلا من أكره } ليس باستثناء ، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر ، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة . المسألة الرابعة : يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر ، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به ، مثل التخويف بالقتل ، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية . قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة ، رسول الله صلى الله عليه وسلم / وأبو بكر ، وخباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ، وسمية . أما الرسول عليه السلام فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد ، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس ، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية ، ثم طعن الحربة في فرجها . وقال الآخرون : ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول : أحد أحد ، حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه . قال عمار : كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال ، فهانت عليه نفسه فتركوه . قال خباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري . المسألة الخامسة : أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول : إن محمدا كذاب ، ويعني عند الكفار أو يعني به محمدا / آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار وههنا بحثان : البحث الأول : أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع .

قسم V20/P097

البحث الثاني : لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها ، وما أراد إلا ذلك المعنى ، فههنا يتعين إما التزام الكذب ، وإما تعريض النفس للقتل . فمن الناس من قال : يباح له الكذب هنا ، ومنهم من يقول : ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي . قال : لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا ، فوجب أن يقبح على كل حال ، ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى . المسألة السادسة : أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : أحد أحد ، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئيس ما صنعت بل عظمه عليه ، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر ، وثانيها : ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما قتلو في محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما تقول في ؟ قال أنت أيضا ، فخلاه وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال رسول الله ، قال : ما تقول في ؟ قال : أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنيئا له ) . وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة . والثاني : أنه عظم حال من أمسك عنه حتى فتل . وثالثها : أن بذل النفس في تقرير الحق أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا لقوله عليه السلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) أي أشقها . ورابعها : أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر . أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة ، فوجب أن يكون حال الأول أفضل ، والله أعلم . المسألة السابعة : اعلم أن للإكراه مراتب . المرتبة الأولى : أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل ، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل ، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى ، فوجب أن يجب لقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) . / المرتبة الثانية : أن يصير ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا ، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه .

قسم V20/P097–V20/P098

المرتبة الثالثة : أن لا يجب ولا يباح بل يحرم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا ؟ قال الشافعي رحمه الله : في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان . الأول : أنه قتله عمدا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) . والثاني : أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرا كان أولى والله أعلم . المسألة الثامنة : من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل : وهو الزنا . لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه . المسألة التاسعة : قال الشافعي رحمه الله : طلاق المكره لا يقع ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يقع ، وحجة الشافعي رحمه الله : قوله : { لا إكراه فى الدين } ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، والمعنى : أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضا قوله عليه السلام : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وأيضا قوله عليه السلام : ( لا طلاق في إغلاق ) أي إكراه فإن قالوا : طلقها فتدخل تحت قوله : { فإن طلقها فلا تحل له } ( البقرة : 230 ) فالجواب لما تعارضت الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا والله أعلم . المسألة العاشرة : قوله : { وقلبه مطمئن بالإيمان } يدل على أنه محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الإعتقاد ، وإما كلام النفس ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس والله أعلم . ثم قال تعالى : { ولاكن من شرح بالكفر صدرا } أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدرا على أنه مفعول لشرح ، والتقدير : ولكن من شرح بالكفر صدره ، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة . ثم قال : { فعليهم غضب من الله } والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال : { ولهم عذاب عظيم } .

قسم V20/P098–V20/P099

/ ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة } أي رجحوا الدنيا على الآخرة ، والمعنى : أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر . قال القاضي : المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف ، لأن قوله : { وأن الله لا يهدى القوم الكافرين } معطوف على قوله : { ذالك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة } فوجب أن يكون قوله : { وأن الله لا يهدى القوم الكافرين } علة وسببا موجبا لإقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سببا لذلك الارتداد ، ولا علة له بل مسببا عنه ومعلولا له فبطل هذا التأويل ، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } قال القاضي : الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه . والثاني : أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمنا فضلا عن طبع يلحقهما في القلب . والثالث : وصفهم بالغفلة . ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه ، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب ، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم ، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة ، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : { وأولئك هم الغافلون } قال ابن عباس : أي عما يراد بهم في الآخرة . ثم قال : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون } واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة . الصفة الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله . والصفة الثانية : أنهم استحقوا العذاب الأليم . والصفة الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . والصفة الرابعة : أنه تعالى حرمهم من الهداية . والصفة الخامسة : أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . والصفة السادسة : أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها ، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات ، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا / ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة ، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه ، فلهذا السبب قال : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون } أي هم الخاسرون لا غيرهم ، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم والله أعلم . ! 7 < { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } . > 7 < النحل : ( 110 - 111 ) ثم إن ربك . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر ، فذكر بسبب الخوف كلمة الكفر وحال من لم يذكرها ، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن فقال : { إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } .

قسم V20/P099–V20/P100

المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : { فتنوا } بفتح الفاء على إسناد الفعل إلى الفاعل ، والباقون بضم الفاء على فعل ما لم يسم فاعله . أما وجه القراءة الأولى فأمور . الأول : أن يكون المراد أن أكابر المشركين وهم الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم . والثاني : أن فتن وأفتن بمعنى واحد ، كما يقال : مان وأمان بمعنى واحد ، والثالث : أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم ، وإنما جعل ذلك فتنة ، لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت . وأما وجه القراءة بفعل ما لم يسم فاعله فظاهر ، لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان ، فبين تعالى أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر . المسألة الثانية : قوله : { من بعد ما فتنوا } يحتمل أن يكون المراد بالفتنة هو أنهم عذبوا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك المسلمين ارتدوا . قال الحسن : هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة ، فعرضت لهم فتنة فارتدوا / وشكوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أسلموا وهاجروا فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد ، فلما كان يوم الفتح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه ، وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنية ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك الضعفاء المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية ، فقوله : { من بعد ما فتنوا } يحتمل كل واحد من هذه الوجوه الأربعة ، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين . إذا عرفت هذا فنقول : إن كانت هذه الآية نازلة فيمن أظهر الكفر ، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه ، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره ، وإن كانت واردة فيمن ارتد فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب ويحصل له الغفران والرحمة ، فالهاء في قوله : { من بعدها } تعود إلى الأعمال المذكورة فيما قبل ، وهي الهجرة والجهاد والصبر . أما قوله : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها } ففيه أبحاث : البحث الأول : قال الزجاج : ( يوم ) منصوب على وجهين . أحدهما : أن يكون المعنى : { إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتى } يعني أنه تعالى يعطي الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الإنسان فيه إلى الرحمة والغفران . والثاني : أن يكون التقدير : وذكرهم أو اذكر يوم كذا وكذا ، لأن معنى القرآن العظمة والإنذار والتذكير . البحث الثاني : لقائل أن يقول : النفس لا تكون لها نفس أخرى / فما معنى قوله : { كل نفس تجادل عن نفسها } .

قسم V20/P100–V20/P101

والجواب : النفس قد يراد به بدن الحي وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته ، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن . والثانية : عينها وذاتها ، فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره . قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) وعن بعضعهم : تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول : يا رب نفسي نفسي حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم : { هؤلاء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) وقولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . ثم قال تعالى : { وتوفى كل نفس ما عملت } فيه محذوف ، والمعنى : توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان ، وقوله : { وهم لا يظلمون } قال الواحدي : معناه لا ينقضون . قال القاضي : هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد ، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد / حقه من غير نقصان ، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك . والجواب : لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم ، إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع ، وأيضا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد ، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } ( البقرة : 81 ) أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة ، والله أعلم . ! 7 < { وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } . > 7 ! < < النحل : ( 112 ) وضرب الله مثلا . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف ، كما ذكره في هذه الآية . المسألة الثانية : المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن موجودا وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا ويحتمل أن تكون قرية معينة ، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها ، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة . المسألة الثالثة : ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات : الصفة الأولى : كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) والأمر في مكة كان كذلك ، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض . أما أهل مكة ، فإنهم كانوا أهل حرم الله ، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم . واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن ، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان الأمن وظرف / له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها ، كما يقال : طيب وحار وبارد .

قسم V20/P101–V20/P103

والصفة الثانية : قوله : { مطمئنة } قال الواحدي : معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول : إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف ، فهذا هو معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق ، فهذا هو معنى قوله : { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار . والجواب : أن العقلاء قالوا : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية قوله : { ءامنة } إشارة إلى الأمن ، وقوله : { مطمئنة } إشارة إلى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائما لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه ، وقوله : { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } إشارة إلى الكفاية . قال المفسرون وقوله : { من كل مكان } السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات } ( إبراهيم : 37 ) ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال : { فكفرت بأنعم الله } الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال : وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى : أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله ، وكان اللائق أن يقال : إنهم كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة ؟ . والجواب : المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاد . قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد / أما الخوف فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : لا باس ولا لباس يا أيها النسناس ، هب أنك تشك أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال : فكساهم الله لباس الجوع ، أو يقال : فأذاقهم الله طعم الجوع . وأقول جوابه من وجوه : الوجه الأول : أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان . أحدهما : أن المذوق هو / الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني : أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ، فأشبه اللباس . فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين ، فقال : { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } . والوجه الثاني : أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار ، تقول : ناظر فلانا وذق ما عنده . قال الشاعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول : تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان ، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف على فلان . والوجه الثالث : أن يحمل لفظ اللبس على المماسة ، فصار التقدير : فأذاقها الله مساس الجوع والخوف .

قسم V20/P103

ثم قال تعالى : { بما كانوا يصنعون } قال ابن عباس : يريد بفعلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله . قال الفراء : ولم يقل بما صنعت ، ومثله في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى : { فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } ( الأعراف : 4 ) ولم يقل قائلة ، وتحقيق الكلام أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغدا فكفرت بأنعم الله ، فكل هذه الصفات ، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية ، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها ، فلا جرم قال في آخر الآية : { بما كانوا يصنعون } والله أعلم . ! 7 < { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون } . > 7 < النحل : ( 113 - 114 ) ولقد جاءهم رسول . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال : { ولقد جاءهم } يعني أهل مكة { رسول منهم } يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه { فكذبوه فأخذهم العذاب } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الجوع الذي كان بمكة . وقيل : القتل يوم بدر ، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده : { فكلوا مما رزقكم الله إن كنتم إياه تعبدون } يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا ، فلهذا السبب قال : { فكلوا مما رزقكم الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم الله يريد من الغنائم . وقال الكلبي : إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان . وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في حمل الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال الله تعالى : { فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل } ( النحل : 115 ) الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم . ! 7 < { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < النحل : ( 115 ) إنما حرم عليكم . . . . .

قسم V20/P103–V20/P105

> > اعلم أن هذه الآية إلى آخرها مذكورة في سورة البقرة مفسرة هناك ولا فائدة في الإعادة وأقول : إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة في هذه السورة لأن لفظة : { إنما } تفيد الحصر وحصرها أيضا في هذه الأربعة في سورة الأنعام في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم } ( الأنعام : 145 ) وهاتان السورتان مكيتا ، وحصرها أيضا في هذه الأربعة في سورة البقرة لأن هذه الآية بهذه اللفظة وردت في سورة البقرة وحصرها أيضا في سورة المائدة فإنه تعالى قال في أول هذه السورة : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم . وأجمعوا على أن المراد بقوله : { عليكم } هو قوله تعالى في تلك السورة : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } ( المائدة : 3 ) فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور الثلاثة ثم قال : { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } ( المائدة : 3 ) وهذه الأشياء داخلة في الميتة ، ثم قال : { وما ذبح على النصب } وهو أحد الأقسام الداخلة تحت قوله : { وما أهل به لغير الله } فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على / حصر المحرمات في هذه الأربع سورتان مكيتان ، وسورتان مدنيتان ، فإن سورة البقرة مدنية . وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربع إلا ما خصه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه ، لأن هذه السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربع كان شرعا ثابتا في أول أمر مكة وآخرها ، وأول المدينة وآخرها وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور الأربع قطعا للأعذار وإزالة للشبهة ، والله أعلم . ! 7 < { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هاذا حلال وهاذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } . > 7 < النحل : ( 116 - 117 ) ولا تقولوا لما . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع ، وفي النقصان عنها أخرى ، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى ، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة ، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله ، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب ، وأقول : إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع ، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر ، والله أعلم . المسألة الثانية : في انتصاب الكذب في قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } وجهان . الأول : قال الكسائي والزجاج : ( ما ) مصدرية ، والتقدير : ولا تقولوا : لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال : لا تقولوا : لكذا كذا وكذا . / فإن قالوا : حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار ، لأن قوله تعالى : { لتفتروا على الله الكذب } عين ذلك .

قسم V20/P105–V20/P106

والجواب : أن قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله : { لتفتروا على الله الكذب } ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني : أن تكون ( ما ) موصولة ، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه لكونه معلوما . المسألة الثالثة : قوله تعال : { تصف ألسنتكم الكذب } من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذبا ، ونظيره قول أبي العلاء المعري : سرى برق المعرة بعد وهن فبات برامة يصف الكلالا والمعنى : أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا ، والله أعلم . ثم قال تعالى : { لتفتروا على الله الكذب } المعنى : أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون : إنه أمرنا بذلك . وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضا لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى : { ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) قال الواحدي : وقوله : { لتفتروا على الله الكذب } بدل من قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال : { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم من قريب ، فقال : { متاع قليل } قال الزجاج : المعنى متاعهم متاع قليل ، وقال ابن عباس : بل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون إلى عذاب أليم ، وهو قوله : { ولهم عذاب أليم } . ! 7 < { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! < < النحل : ( 118 ) وعلى الذين هادوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام ، أتبعه ببيان ما خص اليهود به من المحرمات / فقال : { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام . ثم قال تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } وتفسيره هو المذكور في قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) . ! 7 < { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . > 7 < النحل : ( 119 ) ثم إن ربك . . . . . > >

قسم V20/P106–V20/P107

اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة . ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو الكفر والمعاصي ، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة ، أما الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا ، فإنه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب حقا وصدقا ، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه ، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة غالبة للعقل والعلم لم تصدر عنه تلك المعصية ، فثبت أن كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة ، فقال تعالى : إنا قد بالغنا في تهديد أولئك الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى السهوة والفرية على الله تعالى ، ثم إنا بعد ذلك نقول : إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة ، ثم تابوا من بعد ذلك ، أي من بعد تلك السيئة ، وقيل : من بعد تلك الجهالة ، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا ، أي آمنوا وأطاعوا الله . ثم أعاد قوله : { إن ربك من بعدها } على سبيل التأكيد . ثم قال : { لغفور رحيم } والمعنى : إنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة ، وحاصل الكلام أن الإنسان وإن كان قد أقدم على الكفر والمعاصي دهرا دهيرا وأمدا مديدا ، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فإن الله غفور رحيم ، يقبل توبته ويخلصه من العذاب . ! 7 < { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وءاتيناه فى الدنيا حسنة وإنه فى الا خرة لمن الصالحين ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . > 7 < النحل : ( 120 - 123 ) إن إبراهيم كان . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء ، منها قولهم بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى ، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وقولهم لو أرسل الله رسولا لكان ذلك الرسول من الملائكة . ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله ، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى ، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال ، وكان إبراهيم عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين ، وهو الذي دعا الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع . والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به ، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملا لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك ، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات : الصفة الأول : أنه كان أمة ، وفي تفسيره وجوه : الأول : أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير كقوله : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد الثاني : قال مجاهد ، كان مؤمنا وحده ، والناس كلهم كانوا كفارا فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل : ( يبعثه الله أمة وحدة ) . الثالث : أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية ، فالأمة هو الذي يؤتم به ، ودليله قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) . الرابع : أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحقا ، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقا / لاسم المسبب على السبب ، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فإنه كان وحده .

قسم V20/P107–V20/P108

الصفة الثانية : كونه قانتا لله ، والقانت هو القائم بما أمره الله تعالى به قال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه كونه مطيعا لله . الصفة الثالثة : كونه حنيفا والحنيف المائل إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول عنه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى ، وهذه صفة الحنيفية . الصفة الرابعة : قوله : { ولم يك من المشركين } معناه : أنه كان من الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله : { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن ألقوه في النار ، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة ، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه السلام كان غارقا في بحر التوحيد . الصفة الخامسة : قوله : { شاكرا لانعمه } روي أنه عليه السلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام فقال : الآن يجب علي مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء . فإن قيل : لفظ الأنعم جمع قلة ، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة . فلم قال : { شاكرا لانعمه } . قلنا : المراد أنه كان شاكرا لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة . الصفة السادسة : قوله : { اجتباه } أي اصطفاه للنبوة . والاجتباء هو أن تأخذ الشيء بالكلية وهو افتعال من جبيت ، وأصله جمع المال في الحوض والجابية هي الحوض . الصفة السابعة : قوله : { وهداه إلى صراط مستقيم } أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين الحق والتنفير عن الدين الباطل ، نظيره قوله تعالى : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) . الصفة الثامنة : قوله : { وءاتيناه فى الدنيا حسنة } قال قتادة : إن الله حببه إلى كل الخلق فكل أهل الأديان يقرون به ، أما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر ، وأما كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به ، وتحقيق الكلام أن الله أجاب دعاءه في قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) وقال آخرون : هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وقيل : الصدق ، والوفاء والعبادة . الصفة التاسعة : قوله : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } . فإن قيل : لم قال : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } ولم يقل : وإنه في الآخرة في أعلى مقامات الصالحين ؟ . قلنا : لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( البقرة : 130 ) فقال ههنا : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } تنبيها على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات الصالحين فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى وهي قوله : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء } ( الأنعام : 83 ) . واعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة قال : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } وفيه مباحث :

قسم V20/P108–V20/P109

البحث الأول : قال قوم : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم عليه السلام ، وليس له شرع هو به منفرد ، بل المقصود من بعثته عليه السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام وعول في إثبات مذهبه على هذه الآية وهذا القول ضعيف ، لأنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال : { اتبع ملة إبراهيم } كان المراد ذلك . فإن قيل : النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية وإذا كان كذلك لم يكن متابعا له فيمتنع حمل قوله : { إن أتبع } على هذا المعنى فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها . قلنا : يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن . البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : لفظة ( ثم ) في قوله : { ثم أوحينا إليك } تدل على تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته من قبل ، إن هذه اللفظة دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة عن سائر المدائح التي مدحه الله بها . ! 7 < { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . > 7 ! < < النحل : ( 124 ) إنما جعل السبت . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم عليه السلام ، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة ، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة ، وعند هذا لسائل أن يقول : فلم اختار اليهود يوم السبت ؟ . فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } وفي الآية قولان : القول الأول : روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أمرهم موسى بالجمعة وقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئا من أعمالكم ، فأبوا أن يقبلوا ذلك ، وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت ، فجعل الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه ، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضا بالجمعة ، فقالت النصارى : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا واتخذوا الأحد . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى : { على الذين اختلفوا فيه } أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت ، فاختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله ، وليس معنى قوله : { اختلفوا فيه } أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت ، ومنهم من لم يقل به ، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله : { اختلفوا فيه } بهذا ، بل الصحيح ما قدمناه .

قسم V20/P109–V20/P110

فإن قال قائل : هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت ؟ وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة ، فكان يوم السبت يوم الفراغ ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فعينوا السبت لهذا المعنى ، وقالت النصارى : مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد ، فنجعل هذا اليوم عيدا لنا ، فهذان الوجهان معقولان ، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدا لنا ؟ . / قلنا : يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم ، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه ، والله أعلم . والقول الثاني : في اختلافهم في السبت ، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة . ثم قال تعالى : { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } والمعنى : أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب . ! 7 < { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . > 7 < النحل : ( 125 ) ادع إلى سبيل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بإتباع إبراهيم عليه السلام ، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه ، فقال : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } . واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن ، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض ، وجب أن تكون طرقا متغايرة متباينة ، وما رأيت للمفسرين فيه كلاما ملخصا مضبوطا . واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة ، والمقصود من ذكر الحجة ، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الإعتقاد في قلوب المستمعين ، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه . أما القسم الأول : فينقسم أيضا إلى قسمين : لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض ، وإما أن لا تكون كذلك ، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل ، فظهر بهذا التقسيم إنحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة . أولها : الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية ، وذلك هو المسمى بالحكمة ، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، وهي التي قال الله في صفتها : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) . وثانيها : الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية / وهي الموعظة الحسنة . وثالثها : الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم ، وذلك هو الجدل ، ثم هذا الجدل على قسمين : القسم الأول : أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور ، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل ، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن . القسم الثاني : أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب ، والحيل الباطلة ، والطرق الفاسدة ، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول ، وذلك هو المراد بقوله تعالى : { وجادلهم بالتى هى أحسن } فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية .

قسم V20/P110–V20/P112

إذا عرفت هذا فنقول : أهل العلم ثلاث طوائف : الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة ، والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام ، وهذان القسمان هما الطرفان . فالأول : هو طرف الكمال ، والثاني : طرف النقصان . وأما القسم الثاني : فهو الواسطة ، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين ، وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين ، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية ، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة ، وأدناها المجادلة ، وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققو ، وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة / وفيهم الكثيرة والغلبة ، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة ، فقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة ، وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة الحسنة ، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية ، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل . ومن لطائف هذه الآية أنه قال : { يختلفون ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة ، أما الجدل فليس من باب الدعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغاير / للدعوة وهو الإلزام والإفحام فهلذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة ، وإنما الغرض منه شيء آخر ، والله أعلم . واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها ، فظهر أن هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار . ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } والمعنى : أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاية ، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك ، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين ، والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية ، فبعضها نفوس مشرقة صافية قلية التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات ، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها ، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها ، فلهذا قال تعالى : اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل ، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق النفوس المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة ، كما قال : { فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } ( الروم : 30 ) والله أعلم . ! 7 < { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } > 7 < النحل : ( 126 - 128 ) وإن عاقبتم فعاقبوا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : هذه الآية فيها ثلاثة أقوال :

قسم V20/P112–V20/P113

/ القول الأول : وهو الذي عليه العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال : ( والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك ) فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد . وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء ، وأبي بن كعب والشعبي وعلى هذا قالوا : إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث . والقول الثاني : أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد ، حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤوا بالقتال وهو قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ( البقرة : 190 ) وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا . والقول الثالث : أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم ، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين قال ابن سيرين : إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله ، وأقول : إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه وهو في غاية البعد ، بل الأصوب عندي أن يقال : المراد أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم ، وبالإعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور ، ويحمل أكثر المستعمين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ، وبالضرب ثانيا وبالشتم ثالثا ، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات ، وسمع تلك المشاغبات لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب ، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة ، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه . فإن قيل : فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية ؟ قلنا : لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية ، لأنا نقول : تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية ، إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة ، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتب ذلك على أربع مراتب : / المرتبة الأولى : قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } يعني إن رغبتم في استقباء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } دليل على أن الأولى له أن لا يفعلن ، كما أنك إذا قلت للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله / فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه . والمرتبة الثانية : الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله : { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام ، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام .

قسم V20/P113

المرتبة الثالثة : وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله : { واصبر } لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى ، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر ، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقا شديدا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال : { وما صبرك إلا بالله } أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصلو جميع أنواع الطاعات . ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال : { ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون } وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام ، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب ، وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين : أحدهما : فوات نفع كان حاصلا في الماضي وإليه الإشارة بقوله : { ولا تحزن عليهم } قيل معناه : ولا تحزن على قتلى أحد ، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء . ويرجع حاصله إلى فوت النفع . والسبب الثاني : لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل ، وإليه الإشارة بقوله : { ولا تك فى ضيق مما يمكرون } ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في حسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث : البحث الأول : قرأ ابن كثير : { ولا تك فى ضيق } بكسر الضاد ، وفي النمل مثله ، والباقون : بفتح الضاد في الحرفين . أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور : قال أبو عبيدة : الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن ، وما كان في القلب فإنه الضيق . وقال أبو عمرو : الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم . وقال القتيبي : ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين . وبهذا الطريق قلنا : إنه تصح قراءة ابن كثير . البحث الثاني : قرىء { ولا تكن فى ضيق } . / البحث الثالث : هذا من كلام المقلوب ، لأن الضيق صفة ، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلا في الصفة ، فكان المعنى فلا يكون الضيق فيك ، إلا أن الفائدة في قوله : { ولا تك فى ضيق } هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإسنان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم . المرتبة الرابعة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله : { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال : { إن الله مع الذين اتقوا } عن استيفاء الزيادة : { والذين هم محسنون } في ترك أصل الانتقام ، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ومن وقف على هذا التريب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما قال الله لرسوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيها على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له .

الأسئلة